الفتاوى الشاذة   
الأربعاء 1/7/1430 هـ - الموافق 24/6/2009 م (آخر تحديث) الساعة 23:18 (مكة المكرمة)، 20:18 (غرينتش)

- صفات ومعايير الفتوى الشاذة
- الفتاوى الشاذة بين أخطاء الأئمة ومشكلات العصر

- بعض الفتاوى الشاذة المعاصرة

- سبل تمييز الفتوى السليمة ومواجهة الفتاوى الشاذة

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان:
السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلا ومرحبا بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. أضحى للفتوى سوق رائجة فكثرت الفتاوى الشاذة التي تصدر من غير أهلها وفي غير محلها. فمتى تعتبر الفتوى شاذة؟ وما أسباب الشذوذ؟ وكيف نعالجه؟ الفتاوى الشاذة موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك أخ عثمان.

صفات ومعايير الفتوى الشاذة

عثمان عثمان: بداية دكتور متى تعتبر الفتوى شاذة.

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأزكى صلوات الله وتسليماته على من أرسله الله رحمة للعالمين وحجة على الناس أجمعين سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد، فالفتوى هي جواب الفقيه عن سؤال سائل في واقعة معينة عن الحكم الشرعي، فبيان الحكم الشرعي في واقعة إذا كان جوابا عن سؤال يسمى فتوى، القرآن له نهج في الأحكام أحيانا يكون جوابا عن سؤال {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى..}[البقرة:222]، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا..}[البقرة219] إلى آخره، جواب عن سؤال، ده اسمه الفتوى {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ..}[النساء:176]، وأحيانا بيان الحكم من غير سؤال، هذا لا يسمى فتوى، تسمى الفتوى إذا بيان الحكم إجابة عن سؤال سائل. فهذه الفتوى إذا كانت قائمة على الأصول الشرعية لأنه ما معنى الجواب الشرعي؟ يعني جواب يبين موقف الاجتهاد الشرعي في المسألة والاجتهاد الشرعي لا يكون شرعيا إلا إذا كان قائما على الأدلة الشرعية اللي هي القرآن والسنة الصحيحة والإجماع المتيقن والقياس على المجمع عليه أو على النص وهناك أدلة فرعية المهم يكون مبنية، فإذا لم تكن الفتوى مبنية على أساس شرعي وعلى دليل شرعي معتبر تكون شاذة خصوصا إذا خالفت الاتجاه العام.

عثمان عثمان: يعني إذا خالفت المذاهب الأربعة هل يدخل الشذوذ هنا في الفتوى؟

يوسف القرضاوي: لا، ليس، لأن المذاهب الأربعة لا تمثل الأجماع، هناك مذاهب غير الأربعة انقرضت يعني مثل مذهب الإمام الثوري ومثل مذهب الإمام الأوزاعي ومثل مذهب الإمام الطبري هؤلاء كانت لهم.. وهناك مذاهب غير سنية، هناك مذهب الزيدية ومذهب الإباضية ومذهب الجعفرية، وهناك فقه غير مبني على مذهب، يعني.. أي الفقه في أيام الصحابة وأيام التابعين لم يكن هناك مذهب معين، هناك الخلفاء الراشدين يفتون، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وأبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وعائشة كلهم كانوا يفتون وهؤلاء ليس لهم مذهب متبوع، وكذلك إذا جئنا لسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وأصحاب ابن عمر وأصحاب ابن عباس وأصحاب ابن مسعود هؤلاء لم يكن لهم مذاهب، المذاهب أنشئت فيما بعد، فالفقه أوسع، فقد ينفرد يعني أحد المجتهدين برأي لا يمثل المذاهب الأربعة ولكن له دليله، المهم هل له دليل قوي معتبر أو لا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني هناك في التراث الفقهي الإسلامي نقرأ بأن هذا القول شاذ، هل كل ما قيل عنه في الفقه الإسلامي تراثيا بأنه شاذ هو شاذ فعلا؟

عبد الله الراشد: لا ليس كل ما يقال عنه شاذ يكون شاذا، هو أحيانا.. ما معنى الشذوذ؟ أحيانا يكون شاذا في المذهب يعني هذا قول شاذ بالنسبة لمذهب الشافعي أو يكون هذا قولا شاذا بالنسبة للمذهب المالكي أو الحنبلي أو الحنفي وأحيانا يكون شاذا عن الفقه كله يعني لم يقل به أحد أو مخالف لما جاء في الفقه أو مخالف لأدلة القرآن القاطعة والواضحة أو للسنة النبوية الصحيحة الصريحة المستفيضة يعني لا بد لكي نصفه بالشذوذ أن يكون هناك وصف حقيقي يجعل هذا القول شاذا. هناك آراء في التراث مثلا آراء الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية في الطلاق يعني هو أن الطلاق إذا كان في حالة اليمين، إذا أريد به الحمل على شيء أو المنع، علي الطلاق أنا من كذا، هذا يقول لك لا يقع به الطلاق، فيه كفارة يمين كأن يقال والله لا أعمل كذا لأنه لا يريد، ولعله ليس بينه وبين امرأته أي خلاف يعني اختلف مع من يتعامل معه في السوق أو شيء وحلف بالطلاق، هذا قال لك لا يقع هذا، أو الطلاق البدعي، الطلاق البدعي محرم عند الجميع إنما يقع أو لا يقع؟ تكرار الطلاق في مجلس واحد أو طلاق الثلاث بلفظة واحدة هل يقع أو لا يقع؟ وهل يقع واحدة أو لا يقع نهائيا؟ دي كلها آراء شيخ الإسلام ابن تيمية في وقتها رفضت من العلماء..

عثمان عثمان (مقاطعا): كانت تعتبر فتوى شاذة.

يوسف القرضاوي: (متابعا): وحوكم عليها ودخل السجن من أجلها، الآن تتبناها يعني جمهرة العلماء في العالم الإسلامي ولجان الفتوى والمحاكم الشرعية وصدرت القوانين بها وأنقذت الأسرة من الانهيار لأن واحدا ليس بينه وبين زوجته أي خلاف وتعارك مع إنسان وحلف بالطلاق بالثلاثة يرجع إلى بيته يلاقي امرأته مطلقة بالثلاثة وبينونة كبرى، مشكلة كبيرة، ففتاوى ابن تيمية أنقذت الأسرة.

عثمان عثمان: نعم في موضوع الشذوذ، فضيلة الدكتور يعني لو أردنا علميا أن نحدد معايير معينة لتبيان هذه الفتوى هل هي شاذة أم لا، ما هي المعايير العلمية التي تحكم بالشذوذ على بعض الفتاوى؟

يوسف القرضاوي: هناك أنا ذكرت في بحث لي معايير عشرة يعني إذا نظرنا إليها نجدها تستطيع حصر الفتاوى الشاذة، أولا أن تصدر الفتوى من غير أهلها، ممن ليس أهلا للفتوى..

عثمان عثمان (مقاطعا): من هم أهلها؟

يوسف القرضاوي: (متابعا): فهذه الفتوى مرفوضة حتى ولو صح إنما لم تصدر من أهلها لا يُسمع من صاحبها، هناك شروط للمفتي، لا يستوفي، أو إنها بتفتي في أشياء لا تقبل الاجتهاد، ممنوع  منطقة مغلقة ليس فيها مجال للاجتهاد فهذه في غير محلها، أو إذا خالفت القرآن، النص القرآني القطعي في دلالته، طبعا القرآن كله قطعي في ثبوته، فنحن نقول الفتوى إذا خالفت نصا قطعي الثبوت قطعي الدلالة فهي مرفوضة، فإذا خالفت نصا قرآنيا قطعي الدلالة أو خالفت نصا نبويا قطعي الثبوت قطعي الدلالة أو خالفت الإجماع المتيقن أو جاءت على غير قياس أو قياس غير معتبر أو خالفت الإجماع المتيقن أو استدلت بما لا يصلح دليلا أو صورت الواقع المسؤول عنه تصويرا غير صحيح، أخطأت في تصوير الواقعة فيتسرب عليها الخطأ في الحكم، المهم هناك عشرة أدلة، أو لم تراع تغير الزمان والمكان والعرف والحال وجمدت على المسطور في الكتب قديما وهو لا يصلح الآن لأن الدنيا تتغير والعالم يتطور، كل هذه تعتبر معايير لشذوذ الفتوى ويجب أن تؤخذ في الحسبان عندما نحكم على الفتوى بالشذوذ أو عدمه.

الفتاوى الشاذة بين أخطاء الأئمة ومشكلات العصر

عثمان عثمان: طبعا أنتم لكم بحث مفصل في هذا الموضوع لمن أراد أن يرجع إليه. فضيلة الدكتور يعني هناك بعض الأئمة كالإمام ابن حزم رحمه الله صدرت عنه فتاوى اعتبرت شاذة، وهو إمام، كيف يمكن أن تصدر الفتوى الشاذة عن الإمام؟

يوسف القرضاوي: الإمام ليس معصوما يعني أن يصدر عن الإمام فتوى شاذة هذا ليس هناك مانع منه، ما دام بشرا غير معصوم، المعصوم واحد فقط وهو محمد رسول الله {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}[النجم:3، 4] حتى ما يجتهد فيه من الأحكام، ليست كل الأحكام موحى بها إليه، ممكن يجتهد ويخطئ ولكن الوحي لا يتركه على هذا الخطأ ينزل الوحي مصححا له، كما وجدنا في القرآن أشياء كثيرة، ينزل القرآن {عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَن جَاءهُ الْأَعْمَى}[عبس:1، 2]، {عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ..}[التوبة:43] الذين استأذنوا للتخلف عن الجهاد في تبوك، {..وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ..}[الأحزاب:37] إلى هذه الأشياء، فحتى لو أخطأ ينزل الوحي، هذا هو المعصوم، ما عدا ذلك الأئمة كلهم قابلون للخطأ ولكن ميزة الإمام المعتبر من غيره أن الخطأ عنده يعني قليل أو نادر فأخطاؤه يقولون معفو عنها مغفور له بسبب يعني عنده آلاف الفتاوى صحيحة وعنده فتوتين ثلاثة.. إنما المشكلة في ابن حزم هي المنهج، منهجه نفسه..

عثمان عثمان: منهجه الظاهري.

يوسف القرضاوي: (متابعا): مرفوض عند الأئمة، خطؤه يأتي من ناحية المنهج أنه يرفض تعليل الأحكام ويرفض القياس حتى ولو قياس الأولى، يعني شوف مثلا جاء في الحديث "البكر تُستأذن وإذنها صماتها" قال الرسول البكر تُستأذن يؤخذ إذنها لا تزوج بغير رضاها، فقالوا يا رسول الله البكر تستحي، نقول لها فلان جاي يخطبك تسكت، فقال "إذنها صماتها" إذا قالت لا، خلاص، إذا سكتت دليل، السكوت عند البكر دلالة على الرضى، طيب لو لم تسكت ولكن قالت يا أبت أنا موافقة والله على فلان ده، ابن حزم يقول لك لا هذا باطل، لا، ما دام تكلمت لأن الحديث قال "إذنها صماتها"، طيب إذنها صماتها إذا كانت تستحي، الآن المرأة تعلمت وكذا وقادرة أن تتكلم وتقول لا و آه  يعني يبقى هذا نقول نحن من باب أولى إذا تكلمت، هو يرفض هذا. الحديث يقول "لا يبل أحدكم في الماء الراكد" طيب ابن حزم يقول طيب لو أن واحدا بال في قارورة وصبها في الماء الراكد، قال لا، هذا مالهوش دعوة بالحديث..

عثمان عثمان (مقاطعا): هل ترون في ذلك..

يوسف القرضاوي: (متابعا): يعني ينهى عن البول، هذا لم يبل في الماء بال في القارورة. هذا هو سبب شذوذ ابن حزم، منهج ابن حزم في رفض القياس ورفض التعليل والأخذ بالظاهر كما قال ابن القيم لما.. في حديث "إذنها صماتها" قال هذا لائق بظاهريته فمن أجل هذا..

عثمان عثمان (مقاطعا): هل ترون في منهج ابن حزم تظاهرا أو ابتعادا عن مقاصد الشريعة؟

يوسف القرضاوي: لا يقول بمقاصد الشريعة، لا يقول إن الشريعة لها مقاصد إطلاقا، هو أمر ونهي عليك أن تمتثل الأمر وتبتعد عن النهي بس، وليس هناك تعليل ولا حكمة ولا مقاصد وهو بالعكس في كتابه يقول إن الشريعة تفرق بين المتساويين وتساوي بين المختلفين وقعد يضرب أمثلة، رد عليه ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين" على كل الأمثلة التي جاء بها وقال له لا، أنت غلطان، أنت بيتهيأ لك أنها بتساوي، لا، هذان الأمران ليسا مختلفين وهكذا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ذكرتم أمثلة لابن تيمية رحمه الله ولابن حزم الظاهري لبعض الفتاوى التي اعتبرت في حينها شاذة، الآن هناك فتاوى أيضا ربما قد تكون قديمة أو حديثة وتعتبر شاذة من البعض والبعض الآخر اعتمدها، المسلم هل له أن يأخذ بمثل هذه الفتاوى؟

يوسف القرضاوي: المسلم يأخذ بالفتوى إذا اطمأن إلى صحتها فإذا اطمأن أن هذه الفتوى صدرت من عالم معتبر ولها أدلتها التي اقتنع بها عقله واطمأن إليها قلبه خلاص يأخذ بها لا يطالب بأكثر من هذا، إنما فتوى لم تصدر عن عالم، وهذه هي مشكلة عصرنا أن كثيرين يعني لماذا كثرت الفتاوى الشاذة في هذا العصر؟

عثمان عثمان: وهذا سؤال مطروح بقوة، لماذا كثرت الفتاوى الشاذة في عصرنا اليوم؟

يوسف القرضاوي: لأن الناس اجترؤوا على الدين، لا يوجد تخصص اجترأ الناس عليه إلا الدين، لا يستطيع طبيب أن يدخل في شأن المهندس بل لا يستطيع طبيب أن يدخل في شأن طبيب آخر، إذا كان ده طبيب أعصاب يبقى مالكش دعوة بالقلب وكذا، إذا كان هذا بتاع عظام ليس لك أمر بالباطني، كل واحد يحترم تخصصه، إنما المسألة في الدين كل واحد عامل نفسه شيخ الإسلام، كل واحد قرأ كتابا ولا كتابين خيل إليه أنه أصبح مفتي العصر وخصوصا في عصر الفضائيات أتاحت الفرصة للناس أن يظهروا ويظهروا بسعة وانتشار فكان هذه هي البلوى التي سببت للناس.. وخصوصا عوام الناس جماهير الناس لا تفرق بين العلماء بعضهم وبعض، كثير من الناس يحسب أن الواعظ المؤثر وأن الخطيب البليغ المفوه الذي يهز أعواد المنابر بخطبه صالح لأن يفتي، لا، هذا شيء وهذا شيء، المفتي رجل مشغول بالفقه يعرف الأحكام الشرعية وربما لا يحسن يخطب، كان بعض مشايخنا لا يحسن أن يصعد المنبر ولكن إذا سألته سؤالا بحر يتدفق، فالناس للأسف لا يعرفون هذا، فلان خطيب قوي في خطبه يذهبون يسألونه، عالم في التفسير عالم في الحديث عالم في التصوف والسلوك عالم في هذه الناحية يسأله الناس وهو لا علاقة له بالفتوى يورطونه، وكثير من هؤلاء لا يقول أنا لا أحسن هذا، للأسف أن الناس في عصرنا ليس عندهم الشجاعة أن يقول لا أدري، السلف كان كثيرا.. ومنهم سيدنا الإمام مالك على جلالة قدره سئل حوالي أربعين مسألة قال في 36 منها لا أدري، فهذه كانت ميزة علماء السلف.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور أيضا هناك من يحمّل الجامعات الإسلامية اليوم أنها تعطي شهادات علمية لمن تخرج من هذه الجامعة الإسلامية وهذا المتخرج ربما لا يحسن قراءة القرآن لا يعرف أبجديات الفقه الإسلامي فضلا عن الفتاوى المعقدة، ألا ترون في ذلك أيضا مشكلة؟ هناك من يدعو إلى العودة إلى نظام الإجازات في العلوم الشرعية كما كان معتمدا سابقا.

يوسف القرضاوي: هو الجامعات الإسلامية تخرج اللغوي وتخرج النحوي وتخرج في علم التاريخ وتخرج في علم التفسير وتخرج في العلوم المختلفة وتخرج في علم الفقه ولكن الناس لا تراعي هذا، وبعدين الفقه لا.. الجامعات لا تخرج عالما، يقول لك الجامعة أو المعهد لا يعطيك العلم، يعطيك مفتاح العلم مفاتيح العلم أما العلم نفسه ففي المكتبة يعني هو بيعرفك الوسائل والأدوات والمصطلحات والمصابيح التي تنير لك الطريق وأنت عليك تتعلم، إنما في بعض الناس يظن أنه ما دام أخذ العالمية أو الإجازة هذه يبقى انقطع التكليف عنه ما عاد محتاجا إليها، لا، بالعكس، أنت لازم تبدأ مشوارا جديد في التعلم، وبعضهم كان يظل إلى أن.. وهو محتضر على فراش الموت يطلب العلم يقول اقرأ عليّ حديثا، اقرأ لي تفسير آية، قل لي المسألة الفلانية وهو يعني في مرضه الأخير، اطلب العلم من المهد إلى اللحد، هكذا.

عثمان عثمان: يعني هناك من يعتبر الإجازة الجامعية هي خطوة في طريق التعلم وهناك من يعتبرها وصولا إلى القمة.

يوسف القرضاوي: لا، هي خطوة، قطعا، خطوة مهمة وهي تفتح له الطريق ليمشي وحده بعد ذلك.

عثمان عثمان: سيدي يعني كما ذكرتم هناك فتاوى شاذة كثيرة انتشرت في العصر الحاضر في يعني زماننا، هذه الفتاوى لا بد لنا من مناقشتها للإضاءة عليها، نناقش هذا الموضوع إن شاء الله بعد وقفة قصيرة. فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

بعض الفتاوى الشاذة المعاصرة

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الفتاوى الشاذة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. سيدي انتشرت الفتاوى الشاذة كانتشار النار في الهشيم، نريد الإضاءة عليها، على بعضها على الأقل، يعني هناك فتوى تساوي في الميراث بين الرجل والمرأة، كيف توضحون هذه المسألة؟ وكيف تعلقون عليها؟

يوسف القرضاوي: طبعا شذوذ هذه الفتوى أنها مضادة ومخالفة مخالفة واضحة للقرآن الكريم وللسنة النبوية ولإجماع الأمة بمختلف مذاهبها، القرآن يقول {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ..}[النساء:11] هذا أمر واضح، وبعدها في آخر الآية يقول {.. آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ..}[النساء:11] الميراث ده فريضة، {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ..}[النساء:13]، {..وَصِيَّةً مِّنَ اللّه..}[النساء:12]، فهذه فريضة من الله ووصية من الله وحدود الله عز وجل فلا يجوز الخروج عليها، والقرآن حينما فعل ذلك إنما فعله بناء على منظومة تشريعية يعني يكمل بعضها بعضا ويصدق بعضها بعضا لأنه بناء على التكاليف والأعباء التي كلف بها الرجل، الرجل يتزوج فيدفع مهرا ويؤسس بيتا والمرأة تتزوج فتأخذ مهرا وليس عليها نفقة وليس عليها.. فمن أجل ذلك فرق بينهما في الميراث، فهذه فتوى شاذة لأنها مخالفة للقرآن والسنة والإجماع.

عثمان عثمان: هناك فتوى أيضا فضيلة الدكتور ربما جاءتنا الكثير من الأسئلة عنها في الحلقات السابقة ولكن لم تكن في صلب الموضوع الذي نناقشه، موضوع جواز أخذ فوائد البنوك الربوية، البعض يظن أن هذه مسألة خلافية، ما قولكم؟

يوسف القرضاوي: هذه مسألة قطعت فيها المجامع الفقهية وأول مجمع قطع فيها مجمع البحوث الإسلامية في عهد شيخ الأزهر الشيخ حسن مأمون رحمه الله سنة 1964 وقد حضر في هذا المجمع ممثلون لـ 35 دولة إسلامية وقال قرار المجمع إن فوائد البنوك هي الربا الحرام بصريح العبارة وأكد ذلك المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي والمجمع الفقهي الإسلامي الدولي الذي يمثل الدول الإسلامية جميعا وأكدته مؤتمرات المصارف الإسلامية في دبي وفي الكويت وفي القاهرة وفي باكستان وفي غيرها وهيئات الرقابة الشرعية للبنوك الإسلامية ومؤتمرات الاقتصاد الإسلامي كل هذه أجمعت على أن فوائد البنوك هي الربا وما دامت ربا فهي محرمة لأنها زيادة مشروطة على رأس المال فأي زيادة مشروطة على رأس المال هي الربا، القرآن يقول {..وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}[البقرة:279] فما زاد على رأس المال هو الربا.

عثمان عثمان: أيضا اشتهرت في الآونة السابقة فتوى لأحد المحدثين بوجوب هجرة الفلسطينيين من فلسطين إلى بلاد أخرى باعتبار أن فلسطين أصبحت دار حرب، طبعا هناك رفض لهذه الفتوى من كثير من العلماء، ألم يأذن النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه أن يهاجروا إلى المدينة وقبلها إلى الحبشة، لماذا ترفض مثل هذا الفتوى؟

يوسف القرضاوي: هذا هو الخلط، كما قلت إن من ضمن أسباب الشذوذ أو معايير الشذوذ أن يصور العالم المسؤول الواقعة على غير حقيقتها، فإذا تصور الواقعة على غير حقيقتها جاء الحكم بناء على ذلك على غير حقيقته، هنا الإنسان قد يكون في بلد خصوصا في أول نشأة الإسلام، أول نشأة الإسلام المسلمون كانوا مضطهدين في دار الشرك دار الكفر فكان عليهم أن يهاجروا من هذا البلد إلى الدار التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم دار الإسلام في المدينة، أصبحت للإسلام قاعدة صلبة في المدينة فكان مطلوبا من كل مسلم أن يهاجر إلى المدينة في هذه الحالة يقوي الجماعة المسلمة ويتعلم من رسول الله صلى الله عليهم وسلم ويدافع معه الذين يعتدون على حرمات الإسلام. بعد فتح مكة النبي عليه الصلاة والسلام قال"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"، أصبحت مكة دار إسلام فما عادش يلزم من أحد من هجرة، كل دار إسلام لا يهاجر الإسلام منها وكل بلد فيه مسلمون هي دار الإسلام حتى وإن دخله المحتلون، لما يدخله المحتلون لا يتحول إلى دار كفر وإلا كان معنى هذا لما دخل الاستعمار بلاد المسلمين كان على المسلمين أن يتركوا ديارهم ويهاجروا منها، طيب يهاجروا فين؟ بعد الحرب العالمية الثانية كانت كل بلاد المسلمين إلا السعودية واليمن كلها محتلة فكيف نطلب من الناس أن يهاجروا من ديارهم؟ بالعكس، مطلوب من الإنسان أن يدافع عن بلده ويتحول البلد إلى مقبرة يموت فيها ويدافع عنها ولا يتركها. لو قلنا للمسلمين في فلسطين هاجروا، والله هذه غاية الأمنية عند الصهاينة وعند الإسرائيليين أن الناس تترك لهم.. هم اللي عايزين يعملوه الآن يعني عايزين يعوضوا اللاجئين حتى لا يعودوا وعايزين يهجروا المقيمين في بلادهم ليتركوها، كل اللي بيعملوه في القدس محاولة استفزاز المقدسيين والتضييق عليهم ليهاجروا من بلادهم لتتسع لهم وحدهم، فهذا يعني ضد النقل وضد العقل وضد الدين وضد السياسة.

عثمان عثمان: يعني أنتم ترون أن هناك خصوصية أيضا لوضع فلسطين بعدم جواز الهجرة إلى بلاد أخرى؟

يوسف القرضاوي: كل بلد يعني يدخله الأعداء لا يجوز لهم أن يهاجروا ويتركوا البلد للأعداء، يجب أن يبقوا فيه صامدين حتى يحرروه وبالذات فلسطين لأنها أرض النبوات وأرض المقدسات وأرض المسجد الأقصى وأرض الإسراء والمعراج والأرض التي بارك الله فيها للعالمين.

عثمان عثمان: سيدي أثناء الحرب التي شنت على غزة صدرت فتوى بتحريم التظاهر تضامنا مع غزة هل ترون أن هذه الفتوى أيضا تعتبر شاذة؟

يوسف القرضاوي: نعم، لأنها غير مبنية على تصور صحيح لمعنى التظاهر، التظاهر ليس إفسادا كما يتصورن، التظاهر لغة عالمية للاحتجاج، العالم اتفق على هذه اللغة، أنك كيف تحتج؟ تظهر مسيرات، صحيح لا يجوز أن تكون هذه المسيرات تخريبية أو تقتل الناس وتخرب الأموال والمنشآت والممتلكات، هذا لا يجوز، وقد بدأ التظاهر في عهد الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يعني حينما أسلم سيدنا عمر أراد أن يظهر قوة المسلمين أمام المشركين فطلب للنبي أن يخرج هو والمسلمين في صفين على رأس صف حمزة بين عبد المطلب وقد أسلم قبل عمر وعلى رأس الصف الثاني عمر بين الخطاب ومشوا وقالوا وللأرض وئيد يعني يدكوا الأرض دكا حتى يراهم المشركون فيمتلئون غيظا من قوة الإسلام.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور في الآونة الأخيرة اشتهرت أيضا فتوى أخذت جدلا واسعا في الإعلام، اهتم بها الإعلام كثيرا على الفضائيات، الإعلام المسموع الإعلام المقروء وهي فتوى إرضاع زميل العمل منعا للخلوة المحرمة، لماذا تعتبر هذا الفتوى شاذة علما أن صاحبها اعتمد فيها على حديث في صحيحي البخاري ومسلم؟

يوسف القرضاوي: هو الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه هذا يعني لا شك فيه، بعض الناس بتحاول تشكك في الحديث ولكن الحديث ثابت وأحدث جدلا بين الصحابة رضوان الله عليهم وبعضهم أخذ بظاهره وبعضهم قال لا هذه كانت خصوصية لسهلة ولسالم، لأن أصل القضية إيه؟ الإسلام كان يبيح التبني أو أباح التبني كما كان العالم كله يبيح التبني، الرومان يبيحون التبني والعرب يبيحون التبني أن الواحد يقول.. يأخذ فلان وينسبه إليه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حينما أخذ زيد بن حارثة ونسبه إليه وكان يسمى زيدا بن محمد، إلى أن أنزل الله تحريم التبني ونزلت قضية، جاءت قضية زينب بنت جحش وأباح الله له أن يتزوج امرأة زيد بن حارثة {..فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا..}[الأحزاب:37] إلى آخره. فكان أيضا في ذلك الوقت أبو حذيفة بن عتبة كان يتبنى أحد المسلمين اسمه سالم مولى أبي حذيفة وسالم هذا من قراء القرآن ومن خيرة المسلمين، النبي عليه الصلاة والسلام سمعه مرة فقال الحمد لله الذي أوجد في أمتي مثل هذا، وعمر قال عنه لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته، تصور، وهو مولى! كان إماما عظيما له قيمة، هذا يعني تبناه أبو حذيفة وهو صغير وبعدين لما جاء الإسلام وحرم التبني وبدأ سالم يكبر شيئا فشيئا بقى شابا فأبو حذيفة بدأت نفسه.. فسهلة امرأته اشتكت للنبي صلى الله عليه وسلم إني أجد في نفس أبي حذيفة يعني شيئا من سالم، يعني أعمل إيه؟ وهو معتبرينه ابنهم، نشأ فيهم ونشأ ابنهم فعلا، فالرسول قال لها أرضعيه خمسا تحرمي عليه، يا ترى.. ما قالهاش مثلا لقميه ثديك، يمكن الرضاع في الحالة دي يكون.. تعمل له فنجان يعني يشرب في كوب أو تحلب له من ثديها، إنما المشكل في أخينا الأستاذ الذي أفتى بهذا من جامعة الأزهر كلية أصول الدين أنه قال إنها تلقمه ثديها، رضاعة، كيف تلقم يعني المرأة زميل عملها ثديها؟! يعني كيف تفتح له صدرها وتعطيه ثديها وخمس رضعات مشبعات وهذا الإنسان ده.. كيف اللي يشبعه ده؟ وماذا تقول لو دخل عليها واحد يعني.. فهو يعني في الحقيقة الأستاذ لم يحسن فهم هذه الواقعة، وهذه واقعة خاصة جدا، ولذلك بعضهم يقول نسخت وبعضهم يقول إنها خصوصية للنبي عليه الصلاة والسلام وبعضهم يقول يعني في الحالات التي تشبه مثل حالة سالم..

عثمان عثمان (مقاطعا): قد تتكرر يعني..

يوسف القرضاوي: (متابعا): ومن أين حاجة حتشبه حالة سالم، من حيجي، حيجي التبني يحرم مرة أخرى؟ لا يمكن أن توجد حالة مثل هذه، فتعميمها.. وبعدين تصورها نفسه أن واحدة تعطي ثديها لرجل معها يعني شيء ما.. يعني ولو الرجل ده بعد كم شهر انتقل وجاء واحد ثاني وكل ما يجي واحد تقعد تدي له ثديها! فهذا يعني خطأ، سوء فهم للحديث الصحيح.

سبل تمييز الفتوى السليمة ومواجهة الفتاوى الشاذة

عثمان عثمان: نعم، نأخذ فضيلة الدكتور مداخلة من الأخ صلاح الدين محسن من المغرب، أخ صلاح الدين السلام عليكم.

صلاح الدين محسن/ المغرب: وعليكم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: تفضل بسؤالك أخي الكريم.

صلاح الدين محسن: تحية لكم وتحية خاصة لهذا البرنامج الشريعة والحياة في قناة الجزيرة يعني خالصة من المغرب وتحية إلى الشيخ يوسف القرضاوي أطال الله في عمره.

عثمان عثمان: تفضل أخي الكريم بسؤالك.

صلاح الدين محسن: سؤالي هو عن فتوى كانت يعني أنا لم أسمعها يعني مباشرة، قالوا لي إنها منسوبة إلى الشيخ يوسف القرضاوي، وهي أن فضيلة الشيخ أفتى لأهل أوروبا وأهل المغرب بجواز أخذ قرض لشراء سكن، هل هذه فتوى صحيحة؟ وأريد تفصيلا في هذا الموضوع.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا، نعم، إن شاء الله سنطرح السؤال على فضيلة الدكتور إن شاء الله في نهاية الحلقة، شكرا جزيلا للأخ صلاح الدين محسن من المغرب. نأخذ الأخت سمية أحمد من السعودية؟

سمية أحمد/ السعودية: السلام عليكم.

عثمان عثمان: وعليكم السلام ورحمة الله.

سمية أحمد: أسأل الشيخ القرضاوي حفظه الله... فيجب أن نهتم بالأشياء قدر اهتمام القرآن بها، أهم شيء اهتم القرآن بالعقيدة، فنأمل أنك تحط حلقة في العقيدة وخاصة الناس الذين يتوسلون بالقبور وكده وكذلك مع الحديث في صحيح البخاري.. هذه فتوى شاذة؟ وأتمنى أن تخصص حلقة هي في العقيدة، خاصة الذين يتوسلون بالقبور ويعبدونها من دون الله.. الناس يطلبون منهم حاجات وهم كده من دون الله عز وجل، فما حكم ذلك؟ يجب الاهتمام بالعقيدة يا شيخ القرضاوي حفظك الله.

عثمان عثمان: شكرا أخت سمية أحمد من السعودية.

يوسف القرضاوي: أنا لم أسمع أي شيء.

عثمان عثمان: نعم فضيلة الدكتور سأنقل لك الأسئلة إن شاء الله، نأخذ الأخ محمد محمود من موريتانيا، تفضل الأخ محمد.

محمد محمود/ موريتانيا: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

عثمان عثمان: وعليكم السلام ورحمة الله، تفضل أخي الكريم.

محمد محمود: أنا أذهب إلى دولة مجاورة ولدينا عملة ليست مثل العملة التي أعمل بها، كما أتبادل الفضة مع زملائي، أعطيهم العملة المحلية لي فيعطوني العملة الأخرى كدين وليست مباشرة، أريد فتوى في هذا؟

عثمان عثمان: أخي الكريم لو تلخص ما قلت لو سمحت؟

محمد محمود: لدي زملاء يعملون معي وأشتري بعملة وأسلم لهم.. أعطيهم عملة ويعطوني عملة مقابل وليس مباشرة ولكن نثبت لها السعر..

عثمان عثمان (مقاطعا): طيب شكرا جزيلا يعني أنا قد لا يتسع الوقت لطرح هذا السؤال لأنه خارج سياق الموضوع. الأخ عبد الله الراشد من السعودية.

عبد الله الراشد/ السعودية: السلام عليكم.

عثمان عثمان: وعليكم السلام ورحمة الله.

عبد الله الراشد: لو سمحت الآن كثرت القنوات الفضائية وأصبح الآن كل يفتي على هواه، طيب نحن ممن نتلقى الفتوى؟

عثمان عثمان: شكرا جزيلا، بارك الله فيك.

عبد الله الراشد: علما بأن العلماء يعني صعب أن نصل إليهم.

عثمان عثمان: واضح السؤال أخي الكريم، شكرا جزيلا الأخ عبد الله الراشد من السعودية. فضيلة الدكتور الأخ عبد الله الراشد من السعودية يقول الآن هناك -كما ذكرتم- فضائيات كثيرة إنترنت وسائل إعلام كثيرة تبث الفتاوى، وربما هذا السؤال أيضا جاءنا من أحد الأخوة المشاهدين على النت، يعني لا يمكن ضبط الفتوى على وسائل الإعلام، ممن يأخذ الفتوى؟ يسأل.

يوسف القرضاوي: من العالم الفقيه المتخصص المشغول بأمر الفتوى يعني حتى لو واحد متخرج من الأزهر وكذا ولم يشتغل بهذا، قلت لا بد يعني الواحد اللي معه إجازة إذا ما بدأش مشوارا جديدا في التفقه والتعلم لا يستطيع أن يفتي الناس، يفتي الناس في الأمور العادية في الوضوء ونواقض الوضوء والاستنجاء والحيض والنفاس إنما في مشاكل الحياة المستمرة لا بد من عالم مقتدر، فلا بد للإنسان أن يجتهد في تخير العالم الذي يسأله أو الذي يأخذ منه الفتوى، وكما قلت ليس كل من يتصدر في الفضائيات صالحا لأن يفتي الناس، فهذه مهمة المسلم ويسأل من يثق به من العلماء من ترى آخذ بفتواه ولا بد أن يطمئن قلبه إلى أن هذه الفتوى فتوى صادرة من أهلها في محلها مستدل عليها بالأدلة الصحيحة، لا بد يطمئن إلى هذا الأمر.

عثمان عثمان: يعني أنا لو قرأت فتوى على الإنترنت دون معرفة مصدرها لا آخذ بها؟

يوسف القرضاوي: لا، طبعا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طبعا الأخت سمية تقول أن نهتم بالجانب العقدي في مواضيع الشريعة والحياة. وربما الأخ صلاح الدين محسن، ربما سبقنا إلى فتح هذا المحور باكرا، لكم فتاوى فضيلة الدكتور أيضا هناك من اعتبرها فتاوى شاذة، الأخ صلاح الدين محسن يسأل كيف تجيزون لمن يسكن في بلاد الغرب أن يأخذ قرضا ربويا لشراء منزل؟

يوسف القرضاوي: كل عالم لا بد أن تكون له فتاوى لا يرضى بعض الناس عنها ومن أجل هذا اختلفت المذاهب بعضها مع بعض ورد الحنفية على الشافعية والشافعية على الحنفية، هذا يعني أمر لا بد منه، خصوصا الفتاوى التي فيها قدر من الاجتهاد وقدر من إعمال العقل وقدر من الخلاف المشهور، كثير من الناس لا يقبل غير المشهور فقط، وهذا ليس صوابا. نحن قلنا إن الخروج عن المذاهب الأربعة لا يعتبر يعني شذوذا، فبعض الناس الذين يتشددون في التحريم لا يقبلون إباحة أي شيء مما يعتقدونه حراما مثل الغناء مثل الموسيقى مثل هذه الأشياء يعتبرون هذه الأمور.. فأنا هناك بعض الأشياء أفتيت بها أنا وأفتى بها المجلس الأوروبي للإفتاء فيما يتعلق بالأقليات، هناك أفتينا بأن من أخذ من البنك يعني اشترى عن طريق البنك بيتا للسكنى وليس عنده بيت يسكنه إلا إذا كان بالإيجار أو نحو ذلك وهو في حاجة إليه هو وأولاده لهذا البيت ولا يستطيع أن يشتري نقدا، كاش زي ما بيقولوا، أجزنا هذا بناء على أن الحاجات تنزل منزلة الضرورات، الحاجة العامة مثل حاجة المسلمين في أوروبا وبناء ومستأنسا بمذهب الأحناف الذي يجيز العقود الفاسدة خارج دار الإسلام فهذا أمر وقد نفع الله به الآلاف والملايين من المسلمين.

عثمان عثمان: في هذه النقطة فضيلة الدكتور البعض يقول إن هذه الفتوى قد تخالف نصا قرآنيا{..وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا..}[البقرة:275] يعني هل تقدم المصلحة على النص في بعض الأوقات؟

يوسف القرضاوي: لا، ليس المصلحة تقدم على النص في هذه وإنما نحن نقول الضرورات تبيح المحظورات، لما يكون نص محرم وتيجي تقول هذا يجوز للضرورة تبقى خالفت النص؟ لا، ما أنت عملت بنص آخر، لأن ربنا بعدما حرم الميتة والدم ولحم الخنزير وقال {.. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[البقرة:173] فإذا جئت وقلت إن هناك الحاجات العامة تنزل منزلة الضرورات الخاصة وأن السكن يعني في.. السكنى من الضرورات أو من الحاجات الأساسية للإنسان المسلم في الغرب، وأن أبا حنيفة يقول إن المسلم ليس مطالبا بإقامة أحكام الشريعة إلا في دار الإسلام أما خارج دار الإسلام فيتعامل بالعقود الفاسدة إذا رضوها وإذا لم يكن فيها خيانة ولا غدر بهم فهذا يعني..

عثمان عثمان (مقاطعا): لكم أيضا فتوى فضيلة الدكتور أنه إذا كانت امرأة غير مسلمة متزوجة من غير مسلم ودخلت في الإسلام أنها بعد دخولها في الإسلام تبقى على ذمة زوجها.

يوسف القرضاوي: هذا أفتى به المجلس الأوروبي أيضا بناء على ما ورد عن سيدنا عمر وعن سيدنا علي، أنا كنت أحرم هذا وظللت معظم حياتي أحرمه حتى علمت ما لم أكن أعلم لأن الإنسان يظل يتعلم حتى يموت، فأنا قرأت الإمام ابن القيم في كتابه أحكام أهل الذمة أن المسألة فيها تسعة أقوال ومنها ما جاء عن عمر ومنها ما جاء عن علي ومنها ما جاء عن الزهري وغيره أنه يظلان على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطان، يظلون على النكاح الأول لحد ما تحكم محكمة بالفصل بينهما، فطول ما هم.. يعني فوجدنا وبعدين معنا أخونا وزميلنا في المجلس الأوروبي للإفتاء الشيخ عبد الله الجديع يعني أنا كنت أفتيت بهذا الأمر، هو عمل فيه بحثا مطولا ووجد فيه 13 قولا موجودة فالأمر أصبح فيه متسع، لأنه لماذا نضيق على الناس وقد وسع الله عز وجل؟ إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، في أقل من دقيقتين، كيف نعالج الفتاوى الشاذة؟ كيف نتوقاها نحن المسلمين؟

يوسف القرضاوي: هذان سؤالان كبيران، نعالجها بتفقيه المسلمين أنه هم لا يقبلوا هذه الفتاوى الشاذة، يكون عندهم قدر من الفقه بحيث يستطيع أن يقول هذه فتوى يعني شاذة، ونرد على الفتاوى الشاذة يعني العلماء الموثوق بهم يردون على.. قيل لعبد الله بن مبارك هذه الأحاديث الموضوعة والمكذوبة على رسول الله؟ قال تعيش لها الجهابذة يبينون بطلانها، فلا بد على العالم المتمكن الراسخ في العلم أن يرد على هذه الفتاوى الشاذة. أما كيف نتوقاها؟ فتحتاج إلى تثقيف الجمهور من ناحية وإلى تفقيه علماء قادرين على الفتوى. المشكلة أن الفتوى لا يوجد ناس يؤهلون للفتوى، في معاهد تؤهل الناس للقضاء، في السعودية المعهد العالي للقضاء، في مصر تخصص القضاء الشرعي في كلية الشريعة ولكن لم يوجد تخصص للفتوى، وأنا اقترحت في مؤتمر عقد في رابطة العالم الإسلامي للإفتاء أن تعقد معاهد، تنشأ معاهد عليها لتخريج أهل الإفتاء وتثقيفهم بما يجب في هذه الناحية حتى يكونوا أهلا لهذه الفتوى ولا تظهر الفتاوى الشاذة الكثيرة التي يشكو منها الناس.

عثمان عثمان: شكرا سيدي فضيلة الدكتور العلامة يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة. وأود في الختام أن أعتذر من السادة المشاهدين الذين راسلونا عبر البريد الإلكتروني، لضيق الوقت لم نستطع أن نأخذ أسئلتهم. أشكركم في الختام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج عبد الهادي العبيدلي وسائر فريق العمل. إلى اللقاء في الأسبوع القادم بمشيئة الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة