أحمد المرزوقي.. شهادته على انقلاب الصخيرات بالمغرب ج5   
الخميس 29/3/1430 هـ - الموافق 26/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:30 (مكة المكرمة)، 13:30 (غرينتش)


- مرحلة التحقيق والقصص التي توضحت عن الانقلاب

- أبرز أحداث المحاكمة والوضع في السجن العسكري
- محاولة انقلاب أوفقير وشخصيته ودوافعه
- دوافع عمليات الإعدام وبقية الأحكام

أحمد منصور
أحمد المرزوقي
أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة السيد أحمد المرزوقي أحد الضباط المشاركين في محاولة انقلاب الصخيرات التي وقعت عام 1971 في المغرب وأحد الناجين من سجن تزمامارت الرهيب، مرحبا بك.

أحمد المرزوقي: أهلا وسهلا.

مرحلة التحقيق والقصص التي توضحت عن الانقلاب

أحمد منصور: توقفنا في الحلقة الماضية عند مشاهد التعذيب الرهيبة التي وقعت لكم بعد استسلامكم أو القبض عليكم بعض فشل المحاولة الانقلابية. المحاولة الانقلابية في 10 يوليو عام 1971 بينما تمت محاكمتكم في بداية شهر فبراير عام 1972 والريس في كتابه يقول إنها كانت في 31 يناير عام 1971 الساعة التاسعة صباحا كانت أولى الجلسات. في الفترة منذ فشل الانقلاب في يوليو أو استسلامكم في 11و12و13 أو الذين قبض عليهم بعد ذلك إلى بداية المحكمة كانت فترة تحقيق وتعذيب كلها؟

أحمد المرزوقي: لا لم تكن فترة تعذيب، الحقيقة أنا عذبت ثلاثة أيام أما في.. لما نقلنا إلى..

أحمد منصور (مقاطعا): في القيادة العامة؟

أحمد المرزوقي: في القيادة العامة. لما نقلت إلى ثكنة مولاي إسماعيل كان هنالك طبعا التخويف وكانت الإهانة.

أحمد منصور: ثكنة مولاي إسماعيل هذه التي أعدم فيها الانقلابيون؟

أحمد المرزوقي: نعم.

أحمد منصور: وأيضا دفنوا فيها، هم دفنوا دون طقوس، العشرة دفنوا دون طقوس ومعهم الجنرال المدبوح وأعبابو في قبر جماعي على طرف ميدان الرماية، لا، بين الرباط و تمارة؟

أحمد المرزوقي: وتمارة، نعم.

أحمد منصور: في هذه المنطقة دفنوا؟

أحمد المرزوقي: نعم. بعدها نقلنا إلى الإدارة العامة للأمن الوطني، يعني..

أحمد منصور (مقاطعا): كانت كل البلد أجهزة أمنية فإحنا بس أوضح لنا علشان ندرك الفوارق بين الجيش والأمن والدرك الآن كثروا يعني أيامها كانوا لا زالوا قليلين يعني؟

أحمد المرزوقي: كنا عند الجيش، حقق الجيش معنا، بعد الجيش..

أحمد منصور (مقاطعا): هذه الثلاثة أيام الأولى كانت عند الجيش.

أحمد المرزوقي: عند الجيش، المخابرات العسكرية، بعدها نقلنا من.. كنا في القيادة العليا، أتي بي إلى معسكر مولاي إسماعيل حيث طبعا التحقت برفقائي، بالضباط، بالأطر بالضباط وضباط الصف..

أحمد منصور (مقاطعا): الآن التقيت مع زملائك الذين شاركوا في..

أحمد المرزوقي: نعم.

أحمد منصور: كنتم تتحدثون مع بعض، تتكلمون؟

أحمد المرزوقي: نتحدث مع بعضنا، وجوعنا تجويعا رهيبا حتى أنه لم يكن يعطى لنا الأكل إلا مرة في اليوم، وكنا يعني نطعم في قبعات، القبعات العسكرية قبل أن..

أحمد منصور (مقاطعا): يضعون الطعام في القبعة؟!

أحمد المرزوقي: نعم، قبل أن يعطونا الأطباق أو أواني عسكرية. المهم من المعسكر بعد تحقيق، بحوثات إلى غير ذلك..

أحمد منصور (مقاطعا): من أبرز من لقيتهم من زملائك؟

أحمد المرزوقي: كل أصدقائي كانوا..

أحمد منصور (مقاطعا): قل لنا الأسماء، أبرز الناس يعني  ليس الكل.

أحمد المرزوقي: أصدقاؤنا اللي كانوا معي الضباط كان معي القبطان بالكبير، القبطان غلول، القبطان حميد بن دورو..

أحمد منصور (مقاطعا): القبطان يعني نقيب.

أحمد المرزوقي: نقيب. هنالك الملازمون الذين كانوا سبقوني بسنة، الملازم الصفريوي، الملازم منصت، الملازم المنصوري..

أحمد منصور (مقاطعا): ماذا كان يدور بينكم من نقاش وحديث؟

أحمد المرزوقي: ماذا سيقع.

أحمد منصور: الانقلاب نفسه انتهيتم من الحديث فيه؟

أحمد المرزوقي: لا، كنا نتكلم قبل وخلال وبعد الانقلاب.

أحمد منصور: هل تكشفت لك في تلك المرحلة بعض المعلومات الجديدة؟

أحمد المرزوقي: طبعا.

أحمد منصور: ما أهم ما تكشف لك؟

أحمد المرزوقي: هناك من تحدث عن مقتل الجنرال الغرباوي الذي كان يرأس المدرعات كيف مات..

أحمد منصور (مقاطعا): كيف مات الغرباوي؟

أحمد المرزوقي: الغرباوي قيل بأنه ثبت على موقفه وكان ملكيا وكان يعني لم يلعب هنا وهنا، لم يلعب على الحبلين، كان واضحا في موقفه، أراد أن يقتل أعبابو لما خطف سلاحا من تلميذ في اللحظة التي أراد أن يجهز على أعبابو التفت أعبابو وقضى عليه، كان أعبابو أخف منه وقتله، قتله هو والتلميذ. حكوا، الكل كان يحكي ما رأى وكنا نتكلم..

أحمد منصور (مقاطعا): من الجنرال الذي تصدى لأعبابو في المدخل؟

أحمد المرزوقي: الكولونيل لوباريس، كان رئيس المظليين هو الآخر ثبت على موقفه وكان واضحا فلما دخل أخو أعبابو تصدى له وفتح ذراعيه يقول له ثب إلى صوابك إلى أين أنت ذاهب، هذا قصر أعبابو ماذا تفعل؟ فحكى لنا بعض الأصدقاء أن أعبابو، محمد، رشقه بالرصاص.

أحمد منصور: قصص أخرى من التي سمعتها، من أبرز الأشخاص الذين تمت تصفيتهم أو قتلهم؟

أحمد المرزوقي: بعض الأشياء التي سمعناها، أنا سمعتها هو أن بعض الشخصيات السياسية، أن يعني أعبابو تعامل بنوع من الليونة وبنوع من الأدب مع الزعيم الراحل علال الفاسي رئيس حزب الاستقلال.

أحمد منصور: نعم، ماذا دار بينهما؟

أحمد المرزوقي: قال له الفقيه علال لا تقلق أنا راجع إليك، وهذه أنا راجع إليك فسرت في معنيين، هل أنا راجع إلى تصفيتك أم راجع..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني لم يكن أحد يفهم من طريقة حديث أعبابو هل سيقتله أم لا؟ أنت قلت إنه كيف قال له تفضل يا كولونيل ثم طلب من..

أحمد المرزوقي: فعلا، فعلا.

أحمد منصور (متابعا): يعني لم تكن تستطيع أن تقرأ وجه الرجل؟

أحمد المرزوقي: أبدا، أبدا، لم يكن بميسور أحد أن يقرأ ما يدور في خلده أو ماذا سيكون تصرفه.

أحمد منصور: يعني كما وصفه الريس فعلا، كان هو الذي يملك اقتل هذا أو اتركه أو دعه كأن الناس كلها كانت معلقة بقرار أعبابو.

أحمد المرزوقي: طبعا في تلك الساعات الثلاث طبعا هو صاحب الأمر والنهي.

أحمد منصور: بعد ذلك هل توقعتم مصيركم؟

لم نكن نتوقع أن نواجه ذلك المصير فقد كنا نتشبث بالأمل، ونقول ما دمنا جئنا في إطار مناورة وما دمنا محكومين من رؤساء وضباط سامين فالأمر ليس بيدنا ولو كانت هناك محاكمة عادلة فسيؤخذ هذا بعين الاعتبار
أحمد المرزوقي
: لا، لم نتوقع مصيرنا، كان أملنا الكبير هو أننا لم نكن ندري شيئا، كنا نتشبث بهذا الأمل ونقول ما دمنا جئنا في إطار مناورة وما دمنا كنا محكومين من رؤساء وضباط سامين فالأمر ليس بيدنا، لو كانت هنالك طبعا محاكمة عادلة سيؤخذ هذا بعين الاعتبار.

أحمد منصور: هل تناولتم في نقاشكم تصفية الضباط العشرة الكبار ثم الكولونيلات الذين جيء بهم وأعدموا بعد ذلك أيضا؟

أحمد المرزوقي: لا، لم نكن نعرف تصفيتهم.

أحمد منصور: لم تكونوا تعلمون؟

أحمد المرزوقي: لا،كنا في عزلة شاملة.

أحمد منصور: لم تصلكم أي معلومات أن هؤلاء الجنرالات تمت تصفيتهم.

أحمد المرزوقي: لا، في تلك الأثناء لم نكن ندري أي شيء، لا نعلم أي شيء.

أحمد منصور: كان أحد من أهلكم يزوركم يأتي إليكم في تلك الفترة؟ كنتم في عزلة تامة؟

أحمد المرزوقي: أبدا، أبدا.

أحمد منصور: هل كان أحد من الضباط يتعاطف معكم أو يتحدث معكم؟

أحمد المرزوقي: هنا أفتح قوسا لو سمحت، كان ضابط كنا نسميه محامي الشيطان، كان أعز شيء لديه هو أن يأتي بتخويفنا، يطلب في طلب فلان ويُركبه فنقول بأنه ذهب للتصفية، وفي المقابل كان ضابط برتبة نقيب، كان يأتي متسللا في الليل وجيوبه مملوءة بقطع الجبن وقطع السكر والتين والتمر وقطع الخبز وكان كلما آنس غفلة رمى لنا بتلك الأشياء، هذا القبطان..

أحمد منصور: كنتم تعرفونه؟

أحمد المرزوقي: أعرفه بالوجه لكن لا أعرفه بالاسم ويعني عسكري بسيط في القيادة العليا كان كلما آنس غفلة كان يأتي متسللا وكان في جيبه كأس صغير كان يملؤه وكان يشربنا الواحد تلو الآخر.

أحمد منصور: يا سلام! شربة الماء هذه بالنسبة لكم كانت تساوي الكثير.

أحمد المرزوقي: كانت في وقت القيظ، الصيف. وعسكري برتبة (قولكبران) يعني نسيت الاسم بالعربية، يعني يأتي بعد، فوق الجندي البسيط، لا زالت أذكر..

أحمد منصور (مقاطعا): أومباشا في مصر.

أحمد المرزوقي: كان طويل القامة رقيقا أصلع الرأس، كان كلما آنس غفلة أتى وحدد فريسته وبالخصوص من الضباط الكبار، فكان يضربه، مجانا، كان يأتي..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني هذا في داخله كان يعني..

أحمد المرزوقي: أنا شخصيا كسر لي ضلعان.

أحمد منصور: ضلعان؟!

أحمد المرزوقي: ضلعان.

أحمد منصور: يعني كان يضرب بعنف؟

أحمد المرزوقي: كان يضرب بعنف، وكان يعجبه ضرب الضباط السامين، طبعا فكانت فرصة لا يتيحها الزمن إلا مرة في العمر، أعتقد أنه كان ينتقم للأوامر التي كان يتلقاها. يعني تناقضات..

أحمد منصور (مقاطعا): كنتم، عدد المتهمين كان 1081 ضابطا وصف ضابط وجندي وتلميذ يعني. هناك كان مائتا مفقود بين المتهمين، يعني وردت أسماؤهم كمتهمين لكن يبدو أنهم قتلوا أو صفوا بشكل ما وقرأت في عدة مصادر أن بعض الجنود استسلموا بعد فشل.. بعد مقتل أعبابو وتمت تصفيتهم في مذبحة جماعية، عندك معلومات عن هذا؟

أحمد المرزوقي: نعم، نعم، طبعا حكاها لي الأصدقاء. الأصدقاء لما فشل الانقلاب بقي جل التلاميذ متفرقين سواء في القيادة العليا أو في الإذاعة التلفزة أو في الداخلية، يعني هذه الأماكن تتواجد بقرب بعضها البعض، ضابطان وهما الملازم عبد العلي الصفريوي والملازم محمد منصت لما جاء رائد برتبة قومندان اسمه وايا، وايا هذا ضابط كان مديرا للدراسة في أهرومو إذاً فالتلاميذ كلهم يعرفونه وكان حديث التنقل من أهرومو إلى اللواء الخفيف للأمن.

أحمد منصور: الذي شارك في عملية القضاء على الانقلاب.

أحمد المرزوقي: نعم، جاء القومندان وايا على رأس وحدة وكان له مكبر صوت فكان ينادي على الطلبة وعلى التلاميذ بوضع أسلحتهم وقال أعبابو غرر بكم، الطلبة انساقوا إلى هذا الأمر لماذا؟ لأن وايا كان معروفا..

أحمد منصور: كانوا يحبونه.

أحمد المرزوقي: كانوا يحبونه، كان رجلا طيبا، دمث الأخلاق طبعا رجل.. ووايا طبعا كان يريد أن يقلل من الخسائر.

أحمد منصور: أنتم كان معكم من المجموعة التي قبض عليها محمد أعبابو الشقيق الأكبر لأعبابو؟

 أحمد المرزوقي: لم يكن معنا.

أحمد منصور: عقا كان معكم؟

أحمد المرزوقي: عقا كان معنا.

أحمد منصور: كان معكم عقا. سمعت شيء من عقا، تكلمت مع عقا بصفته كان مقربا؟

أحمد المرزوقي: لا، حتى كنت أتكلم مع كثير ولكن لم أعد أذكر أي شيء.

أحمد منصور: عرفتم، في هذه الفترة هل دار بينكم حديث حول أن عقا هو الذي أجهز بطلب من أعبابو؟

أحأحمد المرزوقي: لا، أنا لم أعرف هذه الأشياء إلا متأخرا.


أبرز أحداث المحاكمة والوضع في السجن العسكري

أحمد منصور: إلا متأخرا فيما بعد. كيف بدأت محاكمتكم في 31/ يناير عام 1972؟

أحمد المرزوقي: أولا البحث، قاضي البحث وفي نفس الوقت كان المدعي العام..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني قاضي التحقيق كان هو المدعي العام؟

أحمد المرزوقي: قاضي التحقيق هو المدعي وشيء هذا طبعا منافي للمحاكمة العادلة. وعندما كان يتكلم وهو الكولونيل بلعياده، عندما كان يتكلم معنا كان يضرب على الطاولة كان يصرخ وكان يسب وكان يطرح الأسئلة وفي نهايتها يقول على كل حال أيها الأنذال موعدي معكم في عمود الإعدام.

أحمد منصور: يعني يدعي ويصدر الحكم! كنتم تردون، كنتم تقولون..

أحمد المرزوقي (مقاطعا): ماذا نقول؟ كلما أردنا ننهض للإجابة كان يضرب على الطاولة وطبعا كانت اللازمة يا أيها الأنذال موعدي معكم في..

أحمد منصور: كان في صحافة تغطي المحكمة؟

أحمد المرزوقي: كانت صحافة دولية ووطنية.

أحمد منصور: من كان رئيس المحكمة وأبرز رجالات المحكمة الآخرين؟

أحمد المرزوقي: كان القاضي عبد النبي بوعشرين والمستشارون كان..

أحمد منصور (مقاطعا): كيف كان بوعشرين يدير المحكمة؟

أحمد المرزوقي: كان كالمدعي العام وأعتقد أن هنالك تسجيلات شاهدة بدون أن أزيد.

أحمد منصور: هل كنتم تدركون أن الأحكام أعدت سلفا وأن ما يحدث هو عبارة عن مسرحية ستنتهي بشيء ما؟

أحمد المرزوقي: أبدا، أبدا.

أحمد منصور: هل كان المحامون المدافعون عنكم يعني يحاولون الدفاع عنكم باستماتة، كيف كان وضع المحامين؟

أحمد المرزوقي: المحامون كفئات البشر منهم كان البارعون، كان هناك محامي بارع..

أحمد منصور (مقاطعا): من أبرز البارعين من المحامين؟

أحمد المرزوقي: أذكر الأستاذ عبد الرحمن بن عمرو الرئيس السابق للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، كان الأستاذ الفاروقي، المرحوم الفاروق، وكان وزير العدل السابق المرحوم محمد بوزوبع، بن سعيد، كان كثير من..

أحمد منصور (مقاطعا): كيف بنوا أسس الدفاع عنكم؟

أحمد المرزوقي: وكان نسيت يعني محامي يعني وسم المحكمة بمرافعة عجيبة لأنه أنهاها ببكاء، بكاء يعني الحقيقة أثر في الجميع هو الأستاذ بالقزيز لست أدري هل لا زال على قيد الحياة أم مات.

أحمد منصور: الكل أشاد بمرافعته لا سيما حينما بكى في النهاية.

أحمد المرزوقي: بكى في النهاية.

أحمد منصور: هل تذكر شيئا من تلك المرافعة، من أهم ما قال فيها؟

أحمد المرزوقي: الحقيقة أنه بدأ المرافعة بما مر به المغرب من الاستعمار ثم تكلم عن حلم المغاربة وقال بأن هذا الحلم قد أجهض، المغاربة خيبت جميع آمالهم وقال إنه وقع الكثير من إراقة الدماء، ثم التفت إلينا وقال هؤلاء إنما هم أداة غرر بهم، لم يكونوا يعلمون شيئا لماذا تحاكمونهم؟ وقال كفى من سفك الدماء، اللهم قيض لهذا البلد وليا ينقذه. وأجهش بالبكاء، وخرج يعني ترك المحكمة.

أحمد منصور: أنا قرأت شيئا من مرافعته ومن مرافعات الآخرين وكأنه كان هناك محامون رجال يعني يحسون بالألم مما كان يحدث في المغرب آنذاك.

أحمد المرزوقي: نعم، واحد كان لا يفارقنا وكان طبعا سبق له أن مر مما مررنا، نفس الزلازل التي مررنا وهو المرحوم عمر بن جلول، عمر بن جلول كان طبعا يبدو عليه الكثير من الألم مما كنا فيه.

أحمد منصور: في 22 شباط/ فبراير 1972 طلب المدعي العام بإنزال عقوبة الإعدام بـ 25 متهما منكم والسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة لـ 26 والسجن 20 عاما لـ 25، ثم ترك الحكم على بقية المتهمين لتقدير المحكمة. في 29 شباط يعني في خلال شهر واحد أو أقل من بداية المحكمة صدرت الأحكام وكانت مفاجأة، فلم يحكم بالإعدام سوى على شخص واحد فقط هو محمد الريس الذي اعترف بجريمة قتل القبطان بوجمعة والتي أنا رويتها في حلقة سابقة، لكن محمد أعبابو وعقا و74 متهما آخرون حكموا بالسجن المؤبد والسجن لمدة عام واحد فيما برئت ساحة جميع الطلاب، كنت أنت من الذين حكم عليهم بثلاث سنوات؟

أحمد المرزوقي: لا، بخمس سنوات.

أحمد منصور: بخمس سنوات، كيف تلقيتم الأحكام؟

أحمد المرزوقي: أنا شخصيا صدمت لأنه لم ينادى علي إلا مرة واحدة وكان ملفي خاويا لأنه طبعا لم يشهد في أي تلميذ أو أي إطار أو بأني فعلت ذلك، إلا تلميذا واحدا وهو سبب خمس سنوات، هذا التلميذ أنا كنت نائما، كنت دائما أغط في النوم..

أحمد منصور (مقاطعا): في المحكمة؟!

أحمد المرزوقي: في المحكمة. ولكي.. كنت أدخل إلى المحكمة وأنا معروف أنام كثيرا، كنت أدخل ثم أسلم أمري لله وأنام. الغريب كان ابن عمي من الدركيين اسمه عبد العزيز، كان من الدركيين الذين..

أحمد منصور (مقاطعا): يحرسون؟

أحمد المرزوقي: من الحراس، كان مساعدا برتبة مساعد، وطبعا المحكمة كانت، كان رئيس الدركيين هو القومندان العنغري اللي هو الآن هو الجنرال. يعني حادثة كانت تقع، كان هنالك من المستشارين كولونيل اسمه الكولونيل الفاسي..

أحمد منصور: من أعضاء المحكمة.

أحمد المرزوقي: كان يركز علي كثيرا، لماذا؟ كان يراني أنام فيرسل ابن عمي يقول له..

أحمد منصور: وهو لا يعرف أنه ابن عمك.

أحمد المرزوقي: لا يعرف، قل لذلك ليستفيق كفى من النوم، والغريب عندما أستفيق أنا يعني يمر خمس دقائق فأراه ينام هو الآخر. فلست أدري، عندما كنت أراه ينام كنت أغط في نومي أتابع نومي.

أحمد منصور: يعني مصيرك سيحسم وأنت لست معنيا بالأمر!

أحمد المرزوقي: لست الواحد الذي كان ينام غير أني..

أحمد منصور (مقاطعا): رغم كل هذا لم يحكم القاضي على أي أحد بالإعدام ويقال إن الملك غضب كثيرا من هذه الأحكام لأن الملك كان يحب دائما أن تكون الأحكام قاسية وشديدة ثم يتدخل هو ليعفو عن هذا ويمنح هذا ويخفف من أحكام هذا، سمعتم بهذا؟

أحمد المرزوقي: سمعنا هذا فيما بعد، لما طبعا في السنة الأولى بعدما..

أحمد منصور (مقاطعا): كلكم تلقيتم الأحكام وأنتم لا تستطيعون أن تفعلوا شيئا، محكمة عسكرية لا نقض لها.

أحمد المرزوقي: الغريب، لكي أبرهن، لكي أبرز نزاهة المحكمة، آخذ كمثل الملازم عبد العزيز بن بي، عبد العزيز بن بي أبوه يشتغل مع الملك، هو رفيق الملك هو رجل فقيه موسوعة من الشعر ولا يستطيع الملك مفارقته هو هذا الفقيه بن بي، عبد العزيز بن بي كان ملكيا أكثر من الملك، كان ملكيا وطبعا لما علم، لما رأى ما رأى في الصخيرات أخذ سيارة وذهب إلى ثكنة المظليين وسلم نفسه وقال أنا ها هو ذا سلاحي، ها هي ذي خراطيشي، أنا ضد الانقلاب.

أحمد منصور: لم يشارك على الإطلاق؟

أحمد المرزوقي: لم يشارك وحكم عليه بعشر سنوات.

أحمد منصور: لماذا؟ من شهد عليه؟

أحمد المرزوقي: لم يشهد عليه أي أحد، الرجل كان واضحا..

أحمد منصور (مقاطعا): إذاً من الذي رتب هذه الأحكام وأعطاها للقاضي حتى ينطق بها؟

أحمد المرزوقي: لا ندري. هنالك وهناك أذكر في المحكمة وقع شيء -وهنا نرجع إلى الحكمة الربانية، هنالك عناية ربانية- رجل اسمه الرقيب العربي كان ذو رتبة رقيب، لما استدعي، استدعاه رئيس المحكمة، الإجراءات إلى غير ذلك الشكلية قال له ما اسمك؟ قال اسمي الرقيب العربي، قال له من الذي نصب ليدافع عنك، من هو محاميك؟ وكان هذا الرجل متدينا كان على أخلاق فاضلة وكان محبوبا فقال وصرخ صرخة أسكتت كل من في المحكمة قال: الله. طبعا ارتبك القاضي، ثم أعاد السؤال قال من محاميك؟ قال: الله، قال رئيس المحكمة الله محامينا جميعا ولكن أريد أن أعرف الرجل الذي سيحامي. ولكنه التزم بكلمة الله، وقال في نهاية المطاف المحكمة ستعين لك محاميا سيدافع عنك. الغريب في الأمر حكم بالبراءة، لماذا؟ لأن ملفه أتلف، لم يجدوا له ملفا فأطلقوا سراحه.

أحمد منصور: كان الله محاميه.

أحمد المرزوقي: كان الله محاميه.

أحمد منصور: أين ذهبوا بكم بعد صدور الأحكام؟

أحمد المرزوقي: بعد المحكمة أرجعنا إلى السجن العسكري.

أحمد منصور: كلكم كنتم في سجن واحد، معكم عقا ومعكم أعبابو ومعكم الجميع؟

أحمد المرزوقي: نعم. لكن يعني مررنا بشهور لا أقول يعني، يستحيل وصفها.

أحمد منصور: صف لنا باختصار ماذا وقع لكم في السجن العسكري بعد ما أخذتم لتنفيذ الأحكام؟

أحمد المرزوقي: في السجن العسكري وضعنا في زنازين ضيقة جدا.

أحمد منصور: كل واحد مفرد ولا؟

أحمد المرزوقي: عزلة تامة، كل واحد في زنزانة. ولكن تلك الزنازين، ذلك السجن بناه الفرنسيون وكان الهدف منه هو كسر شوكة كل جندي غير منضبط أو ضابط غير منضبط يعني..

أحمد منصور (مقاطعا): إذلال وتدمير.

أحمد المرزوقي: الإذلال والتدمير لأن أقصى مدة للعقوبة كانت محددة هي ستون يوما. فوق ستون يوما يستطيع الإنسان أن يجن ولكن نحن قضينا ثمة شهور طويلة.

أحمد منصور: كيف كانت المعاملة معكم؟

أحمد المرزوقي: كانت المعاملة، المعاملة كانت في منتهى الصرامة بحيث كانوا يغلقون علينا..

أحمد منصور (مقاطعا): الطعام، الشراب؟

أحمد المرزوقي: التجويع، التجويع الرهيب، كان تجويعا رهيبا وطبعا كما شرحت لك آنفا وهو أن القبلية لعبت دورا مهما.

أحمد منصور: كيف؟

[فاصل إعلاني]

أحمد المرزوقي: يأتي شرطي فيبدأ في البحث عن ابن بلدته.

أحمد منصور: من من فاس من مكناس من من وجدة.

أحمد المرزوقي: أنا طبعا من سوء حظي لم أجد أي أحد من أبناء بلدتي..

أحمد منصور (مقاطعا): هو حيقول لك وريني هويتك من تكون ولا..

أحمد المرزوقي (مقاطعا): طبعا. ولكن بدلت جنسيتي للاستفادة، قلت أنا من مكناس فصادف أن وجدت حارسا من مكناس كان يزودني بالأكل ولما أخذ يطرح كثيرا من الأسئلة، الحقيقة..

أحمد منصور: حتى يدقق طبعا.

أحمد المرزوقي: تبين له أنني لست من مكناس وأعرض عني.


محاولة انقلاب أوفقير وشخصيته ودوافعه

أحمد منصور: هذه الفترة يعني بعدما بدأتم تنفيذ العقوبة في فبراير وقعت محاولة أخرى للانقلاب على الملك قام بها أوفقير هذه المرة، أوفقير منحه الملك كل الصلاحيات أصبح وزيرا للدفاع وزيرا للداخلية وبيده الأمن كله، الملك بعد ثلاثة أسابيع قضاها في قصره في بيتز في شمال فرنسا قرر العودة للمغرب في 16 أغسطس/ آب عام 1972 يعني بعد 13 شهرا بالضبط من المحاولة الانقلابية التي قام بها المدبوح وأعبابو، كان في طائرة بوينغ 727 التي كان يقودها محمد قباج نقيب سابق في سلاح الجو، البوينغ كانت تحلق فوق تطوان فاجأتها ستة طائرات F5 أميركية الصنع، مغربية تنتمي لسلاح الجو الملكي وبدأت ثلاثة منها كانت مسلحة إطلاق النار على طائرة الملك لكن الملك نجا. أنتم كنت في السجن ولكن هؤلاء الطيارين وبعدما قبض عليهم جاؤوا إليكم، ما هي الرواية التي وصلت إليكم عن هذه الحادثة؟

أحمد المرزوقي: الحقيقة في هنالك بعض الأشياء الغريبة التي تقع للإنسان بدون أن يكون له يد فيها، فنحن كنا نأخذ قسطا من الشمس ذات يوم في الوقت الذي كنا ننتظر فيه أن يفرج عنا، سرت أخبار راجت تقول بأنه سيطلق سراحنا قريبا ولماذا؟ هنا بعض الجزئيات التي لها أهميتها، ذات يوم استدعي عقا وذهبوا به عند الجنرال أوفقير، نحن بقينا ننتظر رجوع عقا ننتظر ماذا قال له أوفقير وفعلا رجع فقال لنا فيما قال بأن الجنرال أوفقير قال له لما حكى له عقا القصة من أولها إلى يائها، قال له يا عقا أنا أكل شيء يمسح في أنا؟ أنا هو تلك الفوطة أو المنديل الذي يمسح الناس فيه أيديهم..

أحمد منصور (مقاطعا): أوساخهم.

أحمد المرزوقي: أوساخهم. ولكن لو علم المغاربة..

أحمد منصور (مقاطعا): لكل ملك ولكل رئيس ولكل حاكم من يجعل الناس يمسحون به الأوساخ.

أحمد المرزوقي: طبعا. لو علم المغاربة الدور الذي أقوم به لبدلوا الرأي، هكذا قال عقا، كلام عقا. فقال له قل لي ما اسم ابنك الأصغر؟ قال له عقا، حسن. قال له أقسم بالله وأعدك باسم حسن بأنك ستراه بعد شهر من الزمن. طبعا في جماعتنا لا يعدم من الناس الأذكياء، خرج من بيننا ضابط وقال أيها الأخوة بعد شهر سيقوم أوفقير بانقلاب. من تلقاء نفسه!

أحمد منصور: أنتم كنتم تجتمعون، أنتم كنتم في الزنازين المفردة تجتمعون في بعض الأوقات؟

أحمد المرزوقي: طبعا بعد أن حكموا علينا كانوا يخرجوننا..

أحمد منصور (مقاطعا): لم يكن بينكم جواسيس أو أناس؟ كنتم..

أحمد المرزوقي (مقاطعا): لا كنا نخرج إلى الساحات ونتكلم ثم نأخذ قسطا من الشمس ونعود إلى زنازيننا ويغلق علينا في المساء. قال أحد.. وطبعا لم يعره أحد أهتمام.

أحمد منصور: تذكر من هذا الضابط؟

أحمد المرزوقي: لا يريد ذكر اسمه، يخاف كثيرا من، هو لم يمر من تزمامارت إلى حد الساعة يمر ويقول لي أحمد ارتفع ثمن البطاطس، ارتفعت، هو لا يتوجه إلي بالحديث، كلما لقيته يسلم علي بدون أن يراني. طبعا كانت القضية بالنسبة إليه.. طبعا الناس يختلفون هو يعتقد يريد أن يعيش حياة بدون مشاكل..

أحمد منصور (مقاطعا): سالما إلى النهاية.

أحمد المرزوقي: سالما. على كل حال مرة في ذات مساء ونحن نأخذ قسطنا من الشمس فإذا بطائرة تمر من فوق رؤوسنا، طائرة شكلها غريب مائلة نوعا ما، ورأينا مطاردة تطاردها..

أحمد منصور (مقاطعا): أنتم شاهدتم هذا؟

أحمد المرزوقي: طبعا، كنا في السجن في القنيطرة، حلقت فوق رؤوسنا بكيفية، وفي المساء سمعنا من إذاعة ليبيا..

أحمد منصور (مقاطعا): أنتم كان معكم راديو؟

أحمد المرزوقي: كانت راديو طبعا في الخفاء كنا نخبئه، كان محرما، وكنا ننصت إلى إذاعة ليبيا فإذا بالخبر يقول بأن سلاح الجو قد قام بانقلاب.

أحمد منصور: الملك في كتابه "ذاكرة ملك" روى أن بومدين اتصل به، بالملك وسأله عن الأمور وكذا وقال إن القذافي طلب منه أن يمر سرب طائرات ليبية ليصل إلى هنا ليدعم الانقلابيين في محاولتهم الانقلابية والملك كانت العلاقة بينه وبين القذافي يبدو كانت سيئة وكانت ليبيا سعيدة بهذا الانقلاب يبدو.

أحمد المرزوقي: لا، لا، ذلك كان واضحا من خلال ما كان يقال في إذاعة ليبيا.

أحمد منصور: التفاصيل بعد ذلك كيف وصلت إليكم.

أحمد المرزوقي: التفاصيل تداعت من خلال..

أحمد منصور (مقاطعا): طائرة الملك أصيبت في خمسة مواضع، والحسن الثاني نفسه قال إن، في "ذاكرة ملك" إن حسابات تكافل الأضرار التي تعرضت لها الطائرة أعطت قرارا لا يقبل النقض أن حجم حظ الطائرة من النجاة بعد الأعطاب التي أصابتها لا يتعدى نسبة الواحد من مليار وحدثت المعجزة ونجا الملك، هذا يعطي دليلا أيضا، يعني التفاصيل كثيرة جدا في هذه القصة ربما نسمعها من شاهد آخر لكن كيف الإنسان إذا قدرت له الحياة لا يمكن حتى لستة مقاتلات يطاردون طائرة مدنية أن يسقطوها. بسؤال عسكري ما الذي يعنيه أن ست طائرات بينها ثلاث طائرات مسلحة تعجز عن إسقاط طائرة بوينغ 727؟

أحمد المرزوقي: في الحقيقة كما فسرها لنا الأخوان الطيارون في تزمامارت، هنالك تقنيات، هنالك الكثير من الأشياء الجزئيات التي تلعب دورا حاسما في مثل هذه الأشياء. فالجنرال أوفقير حسب ما حكاه لنا الطيارون كان قد أمر بإسقاط الطائرة الملكية بمطاردة واحدة لكن الكولونيل أمقران طلب منه التريث..

أحمد منصور (مقاطعا): أمقران هو قائد القاعدة الجوية.

أحمد المرزوقي: نعم. لكن هو المفتش، المفتش كان قبل أن يكون، بعد أن كان رئيس القاعدة الجوية أصبح يعني نائب مفتش القوات الجوية. قال له بأن يتريث شيئا ما حتى يستقبل بعض الأسلحة من أميركا التي لا يمكن بتاتا..

أحمد منصور: للطائرة أن تفلت منها.

أحمد المرزوقي: أن تفلت منها، ولكن أوفقير كان على عجلة من أمره.

أحمد منصور: لأنهم استخدموا الرشاشات لم يستخدموا الصواريخ.

أحمد المرزوقي: ولهذا لما استعملوا الرشاشات كان أمقران يريد أن يستعمل الروكيت.

أحمد منصور: الصواريخ.

أحمد المرزوقي: لا تترك مجالا للغلط أو.. فوقع ما وقع وقام بوخليف، الطيار بوخليف وعبد القادر الزياد وحتى أن القومندان قويرا أراد أن يدخل على طريقة الكانيغاز، أراد أن يدخل بمطاردته في الطائرة إلا في اللحظة الحاسمة قال له الملازم زياد تنحى عن الطائرة فقد بقي لي ما يكفي من الرصاص لإسقاط الطائرة، هذه كلها طبعا وكان لعب الحظ دورا كثيرا وكذلك مهارة، لا ننسى مهارة القومندان القائد..

أحمد منصور (مقاطعا):  مهارة قبطان الطائرة.

أحمد المرزوقي: يعني كان طيارا ماهرا.

أحمد منصور: طبعا نزلت طائرة الملك رغم كل الأعطاب التي كانت فيها ونجح الملك في الاختفاء وذهبت طائرات أخرى لقصف القصر الملكي اعتقادا من أن الملك.. وعمل الملك موكبا وهميا للتغطية وذهبت الطائرات وقصفت لكن هو اختفى في سيارة عادية لشخص آخر. في 17 أغسطس/ آب عام 1972 أعلن عن انتحار وزير الدفاع والداخلية والرجل القوي في المغرب آنذاك الجنرال أوفقير وقيل إن أوفقير نحر ولم ينتحر وهناك روايات كثيرة أشارت إلى أن الجنرال الدليمي الجزار أو الشخص الجديد الذي عهد إليه بالأمن، أو الممسحة التي تمسح فيها قاذورات الناس بعد ذلك كما أطلق أو كما سمى أوفقير هو الذي قام بتصفيته. السؤال هنا هو الحسن الثاني كيف نجح في استخدام رجال مثل أوفقير والمدبوح وأعبابو، الدليمي بعد ذلك، سلط هؤلاء على الناس فنهشوا فيهم ثم اتجهوا بعد ذلك لكي ينهشوا في الحسن الثاني نفسه، كيف يتحول الشخص على المثل العربي "سمن كلبك يأكلك" يعني بعدما شبعوا في الناس، هناك روايات مرعبة كيف كان أوفقير يعذب الناس منذ بداية الستينات إلى أن قام بمحاولة الانقلاب لكن كيف هم انقلبوا على الحسن الثاني؟ تفسيرك السريع.

أحمد المرزوقي: تفسيري السريع أعتقد أن هناك شيئا من الطموح وشيئا من وخزة الضمير، الضمير الإنساني لا يموت أبدا، الإنسان يعذبه ضميره، أعتقد من هذا الباب، هنالك طموح وهنالك محاولة رد الاعتبار لنفسه وأمام الناس.

أحمد منصور: بشكل سريع عن أوفقير، حتى المشاهد.. شخصية أوفقير شخصية غامضة، قتل في العام 1972 أو انتحر في العام 1972 وهناك فجوة كبيرة والناس لا تعلم الكثير عن أوفقير رغم ما كتب عنه عدة كتب، زوجته بعد ذلك كتبت كتابا وابنته كتبت كتابا لكن شخصية أوفقير نفسه، هناك صحفي فرنسي اسمه كلود كليمن كتب سيرة لأوفقير وهو كان ضابطا فرنسيا سابقا هنا، يقول إن أوفقير كان قاطع طريق وتعلم من أباه كيف يحز ويعذب الناس حتى يستخرج ما عندهم، كان في الجيش الفرنسي شارك في الحرب العالمية الثانية وكان أحد الضباط للجيش الفرنسي، تلقى وسام الصليب، صليب الحرب بعد عامين قضاهما في الهند الصينية وقاتل في إيطاليا وفي الهند الصينية. الحسن الثاني يقول إن أوفقير هو فرض عليه وعلى أبيه وإن أوفقير هو ميراث أبيه -حينما سئل كيف وضعه- قال إنه حينما عاد هو مع أبيه من موريشيوس بعد نفي محمد الخامس وعودته وجد أوفقير في استقبالهم في المطار وأصبح بعد ذلك وقال إنه إرث من أبي ورثته من أبي، رافق الحسن الثاني حينما كان ولي للعهد. هل لقيت أوفقير أو التقيت به أنت؟

أحمد المرزوقي: لا.

أحمد منصور: على الإطلاق.

أحمد المرزوقي: لا، على الإطلاق.

أحمد منصور: كيف كانت سمعته وسيرته لديك كضابط في الجيش؟

أحمد المرزوقي: لما كان في وزارة الداخلية الكل كان يعرف عن أوفقير..

أحمد منصور: ماذا كنت تعرف عنه؟

أحمد المرزوقي: كان يهابه الناس، كان الناس طبعا..

أحمد منصور: تعرف شيئا عما كان يعذب وعن تعذيب الناس؟

أحمد المرزوقي: طبعا كلنا نسمع عن دار المقري وكنا نسمع عن الكثير من مراكز التعذيب هذه الكل يعلمها ولكن أوفقير لما عهد إليه برئاسة الجيش يعني استحسن الجيش، استحسن الجيش تعيين أوفقير كوزير للدفاع.

أحمد منصور: الجيش هو الذي استحسن، الضباط.

أحمد المرزوقي: نعم. الضباط يعني عندما أقول الجيش لأنه طبعا حل الكثير من المشاكل العالقة عند الجيش وتقرب كثيرا إلى الجيش وتقرب إلى الطيارين إلى غير ذلك، المهم قام بالكثير من الإصلاحات لما جاء إلى الجيش.

أحمد منصور: هل بهدف أن يسعى إلى الانقلاب الذي رتب له أم لأنه كان غير راض عن الوضع؟

أحمد المرزوقي: لست أدري.

أحمد منصور: لكن شخصية أوفقير أيضا يعني أنا سأروي بس شيئا بسيطا جدا من أشياء كثيرة جمعتها عن شخصيته، أنت تحدثت عن دار المقري، في أحد الذين عذبوا في دار المقري وهو ضابط سابق اسمه مؤمن ديوري اتهم في مؤامرة سنة 1963 وكتب كتابا سماه "بلاغ إلى طاغية" ونقلت مصادر كثيرة عن هذا الكتاب منها أيضا جيد بيرو. أنا سأروي مشهدا أو مشهدين وأرجو أن يتحمله المشاهدون أيضا لأنه، لكن ليكتشفوا شخصية أوفقير. يقول مؤمن ديوري "خيل إلي أنني في قاع بئر، طرقت مسامعي تنهدات مستمرة وصرخات متأوهة وسعال وأصوات نساء ورجال وأطفال، كنت مستعدا أن أدفع أي ثمن لقاء أن أعرف ما يحدث حولي، أخيرا رفع الحارس العصابة عن عيني، غلالة سوداء تماوجت بضع لحظات أمام عيني، بدا لي أنني أرى كائنات بشرية معلقة من أرجلها في السقف ورأسها إلى الأسفل، فكرت أن عيناي قد غشيتا لانتقالهما من الظلمة إلى النور خلال دقيقة وستعود رؤيتي واضحة وسأجد هؤلاء الأشخاص جلوسا أو وقوفا، للأسف لم يكن ما رأيت خطأ أو خديعة فالصورة حقيقية فعلا جد حقيقية، رجال ونساء مقيدون ومعلقون بالسقف بكلاب حديدي ربط إلى حبل وعلى الأرض أطفال يرفعون رؤوسهم نحو أمهاتهم وآبائهم وهم ينتحبون وقد أضناهم التعب والبكاء وجوههم الصغيرة متسخة بالدموع والمخاط يسيل من أنوفهم، لا عمر لهذه الكائنات الصغيرة التي بدت قريبة من الاحتضار، لهؤلاء الأطفال الراكعين أو الجالسين القرفصاء في برك من الدم والقيء. رائحة رهيبة من نتن صعدت إلى حلقي شعرت بالغثيان والرغبة في القيء بدوري، منذ كم من الليالي والأيام يتخبط هؤلاء في هذا المكان؟!"

أحمد المرزوقي: قرأت نفس هذا بالفرنسية.

أحمد منصور: هناك صورة أخرى، يقول مؤمن ديوري إنه رأى أوفقير يقتل رجل مطافئ من الدار البيضاء هو الاحسن المقاوم السابق الذي يعرفه جيدا، كان الاحسن معلقا بالسقف من قدميه، تقدم أوفقير والخنجر في يده وشق بطنه فاندلقت أحشاءه وبضربة أخرى قطع الحبل، سقط الاحسن على الأرض، تحطمت فقراته الرقبية، حمل الحراس الجثة، كانوا يدفنون الموتى عند جذوع أشجار البرتقال في الحديقة. مشهد ثالث وأخير، قتل أوفقير أمام ديوري النقيب صقيلي من القوات المسلحة الملكية أحد قدامى المقاومين، قطع وجهه إربا، مزق شفتيه ثم قطع إحدى أذنيه فالأذن الأخرى ثم جدع أنفه، أخيرا غرز خنجره في عنقه، ثم قال أوفقير لديوري هذه هي الدرجة السابعة تلك التي لا يخرج منها أحد حيا، ثم حول وجهه ليتقيأ. هذا الوحش الذي أطلقه الحسن الثاني ليفعل ذلك في الناس كان من المؤكد أنه سينقلب في النهاية على سيده.

أحمد المرزوقي: هذا ما قلت لك، ربما وخزة الضمير أو نوع من الطموح.


دوافع عمليات الإعدام وبقية الأحكام

أحمد منصور: الطيارون حوكموا بنفس المحكمة التي حكمتكم بعد ذلك.

أحمد المرزوقي: نعم.

أحمد منصور: قبض على عشرات من الطيارين لكن عدد المتهمين في محاكمتكم ما يقرب من 1200، الطيارون كانوا يزيدون على مائتين بقليل، صدرت الأحكام في 7 تشرين/ نوفمبر 1972، حكم بالإعدام على أمقران وقويره وسبعة آخرين من الطياريين، بالأشغال الشاقة على 32 وبرئت ساحة 170، سبعة طيارين أعدموا يوم وقفة عيد الأضحى. كيف تلقيتم هذه الأخبار؟

أحمد المرزوقي: تلقيناها في صباح العيد، كانت العادة، جرت العادة أن يفتح الحراس علينا أبواب الزنازين لنأخذ قسطا من الشمس ونخرج إلى الساحة للتمشي، في تلك الصبيحة فتحوا علينا الأبواب وجاء بعض معتقلي الحق العام الذين كانوا يفرقون علينا الماء فشرعوا يقولون لنا البقية في حياتكم، كانوا متأثرين جدا، وتلك اللية شعرنا بجلبة وبأشياء غير عادية، طبعا لم يكن أحد يعتقد أنهم سيعدمون والكل كان ينتظر أن يعفى عنهم ليلة عيد الأضحى.

في الإعدام الأول قيل إن العشرة الذين أعدموا قيل لهم إذا قلتم يعيش الملك قبل الإعدام سوف يعفى عنكم
أحمد منصور:
في الإعدام الأول قيل إن العشرة الذين أعدموا في محاولتكم أنتم، قيل لهم إذا قلتم يعيش الملك قبل الإعدام سوف يعفى عنكم، يقال إنهم قالوا، لكن أنا في الروايات، في روايات مختلفة قيل إن أحدهم فقط هو الجنرال حمو هو الذي قال يعيش الملك بينما الآخرون امتنعوا عن هذا.

أحمد المرزوقي: نعم، نعم.

أحمد منصور: قيل إن الملك ساومهم وإنه أرسل إليهم من يساومهم أن يعتذروا لكنهم رفضوا الاعتذار وقبلوا أن يموتوا على أن يعتذروا للملك، صحيح المعلومات هذه؟

أحمد المرزوقي: هذا ما سمعت، هذا ما سمعت وقيل إن الجنرال حمو كان عبارة عن ملحمة كان في مخيلة الشعب يعني بطلا من الأبطال يعني نظرا لما أبان عنه من شجاعة مذهلة في الحرب الهندية الصينية إلى غير ذلك حتى أن الكثير من الأساطير نسجت عنه، فهذا قيل بأن الملك أراد أن يجرده من هذه السمعة..

أحمد منصور (مقاطعا): وأن يجعلهم يموتوا جبناء.

أحمد المرزوقي: نعم، بأن يقول عاش الملك. وبدليل أن الكولونيل الشلواطي الذي تقول الروايات إنه صفعه الوزير السابق أحمد العراقي فبصق عليه، رد عليه الصفعة بالبصقة وقال له "لا زالت البربرية ستلد حرا" يعني لن يعدم البربر أمهات ينجبن رجالا.

أحمد منصور: أنا أحاول دائما في مثل هذه المواقف أن أدخل إلى أعماق الجوانب النفسية، كانت نفسيات كثير من الناس من الطيارين من الذين قاموا بهذه الأشياء يعني مليئة بالتحدي ومليئة بالصمود ومليئة بعدم الذلة رغم كل ما تعرضوا له من تعذيب وإهانات.

أحمد المرزوقي: طبعا لا أدل على ذلك من الموقف الذي وقفه المرحوم أمقران وقويره حين قال..

أحمد منصور (مقاطعا): روي عنهم كثيرا.

أحمد المرزوقي: قالا برئوا هؤلاء، وفعلا هؤلاء فقط لأن الملك قال الحراب الذكية -نعتهم بالحراب الذكية- الذين زودوا الطائرات بالذخيرة لم يكونوا يعلمون أي شيء بحيث أنه في محاكمتهم جاء مستشار الملك أحمد رضا ديرة ووضح هذا الأمر، إنصافا له إنصافا للتاريخ وكانت بينه وبين الملك جفوة في هذه اللحظة، جاء كمحامي ورافع عن بوخليفة وقال للمحكمة إن المحكمة سترتكب جرما إن أدانت هؤلاء، هؤلاء أبرياء، ولكنهم رغم ذلك المحكمة تأثرت بقول الملك لما وصفهم بالحراب الذكية فحكمت عليهم بثلاث سنين سجنا.

أحمد منصور: هل تبدلت المعاملة لكم في السجن بعد محاولة الانقلاب الثانية؟ بعضكم كان قد أمضى مدته ممن حكم عليهم بسنة، سنة ونصف، سنتين وخرجوا من السجن تقريبا.

أحمد المرزوقي: لا، بقيت الأمور على ما هي عليه، بقينا نستفيد.. هنا أشير طبعا أريد، هنالك الكثير من الجزئيات التي لها أهميتها، كنا نستفيد من اللقاءات مع العائلة ومع الأسرة حتى من تعاطف بعض الشعب أقولها، ولكن الأخوان الطيارين ظلوا في عزلة تامة عن عائلاتهم، لم يحظوا لا بزيارة ولا بأي شيء وحشروا مع الناس المحكومين بالإعدام، كانوا في جناح الإعدام ولم يكن أحد يتوقع أبدا أن يعدم، في الوقت الذي كان ينتظر الجميع أن يكون هناك عفو شامل فإذا بنا نفاجأ بخبر إعدام يوم..

أحمد منصور (مقاطعا): والذين أعدموا كان يوم عيد الأضحى.

أحمد المرزوقي: عيد الأضحى.

أحمد منصور: مثل السابع من آب/ أغسطس عام 1973 يوما فارقا في حياة المتهمين في كلا المحاولتين، الذين بقوا أحياء أو الذين بقوا في السجن، ما هي الأحداث التي سبقت هذا اليوم بشكل أساسي؟

أحمد المرزوقي: في مستهل شهر أغسطس من 1973 أطلق سراح الفوج المحكوم عليه بسنتين، طبعا كان وداعا أليما، لماذا؟ لأن الأصدقاء الذين أفرج عنهم كانوا مثلنا، فقط لعبة حظ هذا أخذ خمسة وهذا أخذ ثلاثة وهذا عشرة، فطبعا كنا نضع مكاننا مكانهم نقول لو قدر لنا نحن، كنا محظوظين وخرجنا. في هذه راجت أخبار مفادها أن الأخوة الطيارين سينقلون إلى جناح العزلة الذي كنا فيه، طبعا فرحنا سنرى أناسا آخرين وجوها أخرى وستكسر من الروتينية المقيتة التي كنا نعانيها في السجن، وفعلا في المساء جيء بهم وحلوا محل الأصدقاء الذين أفرج عنهم في زنازين كبيرة جماعية تسع لأكثر من عشرين شخصا، وبتنا ليلتنا آمنين ننتظر مجيء الصبح لنلتقي بالأخوان ولكن في عز الليلة بالضبط في الساعة الثانية ليلا أفقنا على جلبة وخبط على الأبواب وأفقنا مذعورين لنجد مزيجا من الشرطة ومن رجال الدرك يأمروننا بأن نلبس حوائجنا -وكنا في وقت الصيف طبعا- ونترك أمتعتنا في مكانها زاعمين بأنها ستلحقنا إلى المكان الذي سنذهب إليه.

أحمد منصور: في الحلقة القادمة أبدأ معك من هذا اليوم الذي ذهبتم فيه وراء الشمس حيث مات الكثيرون منكم وكنتم في سجن سري رهيب هو سجن تزمامارت، أبدأ معك الحلقة القادمة من الطريق إلى تزمامارت، شكرا جزيلا لك. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة السيد أحمد المرزوقي أحد الذين شاركوا في محاولة الانقلاب على الملك الحسن الثاني في العام 1971 وأحد الناجين من سجن تزمامات الرهيب، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة