إيغور سيرغييف .. روسيا والحرب الشيشانية   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 6:04 (مكة المكرمة)، 3:04 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

أكرم خزام

ضيف الحلقة:

إيغور سيرغييف: وزير الدفاع الروسي

تاريخ الحلقة:

18/11/1999

- الهدف النهائي من العمليات الروسية في الشيشان
- الموقف الروسي من الانتقادات الغربية على عمليات الإبادة في الشيشان

- الوضع بعد اقتحام غروزني ولجوء الإرهابيين إلى الجبال

- موقف العسكريين الروس من صدور قرار وقف العمليات العسكرية

- موقف روسيا من الصحفيين العرب

- الفرق بين الحرب الثانية في الشيشان وحرب عامي 1994 و1996

- مدى استطاعة روسيا لحل أزمة اللاجئين

- علاقة روسيا والولايات المتحدة

- أثر الحملة الروسية على العلاقات المستقبلية مع العالم العربي

إيغور سيرغييف
أكرم خزام
أكرم خزام: أعزائي المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (لقاء اليوم).

هذه الحلقة أجريناها مع المارشال/ إيغور سيرغييف (وزير الدفاع الروسي) الذي تفضل مشكوراً بالإجابة عن أسئلتنا.

السيد وزير الدفاع المحترم، القيادتان العسكرية والسياسية في روسيا لم تعلنا حتى الآن عن الهدف النهائي من العمليات العسكرية الروسية في جمهورية الشيشان، هل لكم أن تحددوا هذا الهدف؟ هل لكم أن تحددوا موعد نهاية الحرب؟

الهدف النهائي من العمليات الروسية في الشيشان

إيغور سيرغييف: شكراً، أشكركم جزيلاً على هذا السؤال الذي من شأنه أن يؤمِّن أرضية خصبة لحديثنا معكم، لذا سأجيب عن سؤالكم -مباشرة- كان رئيس روسيا (يلتسين) ورئيس الوزراء (بوتين) قد كررا مراراً في خطبهما عن أهداف العمليات الجارية ضد الإرهاب، وسأكررها لكم أنا أيضاً، أولاً: استعادة سريان مفعول الدستور الروسي على أراضي الشيشان بالكامل، واستعادة الصلات المبتورة مع المركز الفيدرالي الروسي، وتحقيق هذا المبدأ بجب ألا يستدعي الشك لدى أحد، لأنه حق من حقوق أي دولة ذات سيادة.

ثانياً: هذه الحرب -بما فيها استخدام السلاح- تتم بما يتناسب مع الخطر العسكري الذي يهدد روسيا، يتم خوض هذه الحرب ضد قوى ونظام اغتصب السلطة في كيان من كيانات الفيدرالية الروسية هي جمهورية الشيشان، وحطم جميع بُني السلطة التنفيذية، وبنى الإدارة الاقتصادية في الجمهورية، وشكَّل خطراً على وحدة أراضي روسيا خطراً حقيقياً فعلاً.

الشيشان هي روسيا، جزء من أراضي روسيا الاتحادية، وسندافع عن هذه الأرض وعن السكان القاطنين في الشيشان بشتى الوسائل المتوفرة لدينا، هذا الأمر لا يتعدى كونه واحد من الوظائف الأساسية لأي دولة، ولكي لا يبقى كلامنا فارغ من المحتوى سأستشهد بفقرات من دستور الولايات المتحدة تعتبر -حسب اعتراف الأغلبية- أكثر الدول ديمقراطيةً، وهي الولايات المتحدة الأميركية، فماذا يقول الدستور الأميركي عن الحالات المشابهة لما يجري في الشيشان؟ نقرأ في الدستور الأميركي ما يلي:

الدستور والقوانين الفدرالية الأميركية تُخوِّل الرئيس الأميركي باعتباره ضامناً للنظام الدستوري تخوله استخدام القوات العسكرية الفيدرالية لمكافحة أعمال الشغب، وقمع الانتفاضات، وضمان الالتزام بالقوانين الفيدرالية، ويُتخذ القرار في أميركا باستخدام القوة أثناء توفر الحالات التالية:

-استخدام العنف داخل البلاد فعلاً.

-توفر إعلان عن خروج العنف عن نقاط السيطرة من قبل محافظ مقاطعة أميركية، أو من قبل الهيئات التشريعية في المقاطعة.

وفي الوقت نفسه تمنح التشريعات الأميركية رئيس البلاد حق إرسال القوات الفيدرالية -بدون توفر طلب من قبل المقاطعة- بهدف ضمان سريان مفعول القوانين الفيدرالية، وإزالة العوائق على طريق سريان مفعول التشريعات، أو لتنفيذ قرارات المحكمة الفيدرالية، أو لحماية الحقوق المدنية للمواطنين، هذا هو واقع الحال في الولايات المتحدة.

أما على أراضي الشيشان فقد ازدهرت تجارة العبيد كما في القرون الوسطى، وتم تنظيم إنتاج المخدرات والدولارات المزوَّرة، وكذلك تجارة السلاح -بدون رقابة- وكانت تُنتهك أدنى الحقوق المدنية وقواعد القانون الدولي، ووفرت الشيشان مأوى للإرهاب الدولي ممثلا في (خطَّاب) و(باسييف) وأتباعه، وازدهر التطرف الديني بأسوأ تجلياته، وفي الختام شُن من أراضي الشيشان عدوان مسلح على أراضي كيان آخر من كيانات الفيدرالية الروسية هو جمهورية داغستان عدوان ضد الأخوة في الدين، يبدو لي أن الحجج التي تؤيد الجانب الفيدرالي متوفرة بصورة كافية.

ثانيا: إلى جانب تحطيم الإرهابيين والمقاتلين تقوم القوات الفيدرالية من خلال الإدارات العسكرية في المدن المحررة باستعادة الحياة السلمية، وتقديم العون الاجتماعي لمواطني روسيا المحررَّين في الشيشان، وتقدم المعونات الإنسانية، وتحيي نظام التعليم ونظام الخدمات الطبية، وضمان أمن المواطنين في الأراضي المحررة.

ضباط وأفراد الجيش الروسي لا يكنون الضغينة للشيشان، ونحن ندرك جيداً أنه لا يجوز خوض الحرب ضد الشعب، ونحن لا نحارب الشعب الشيشاني، إذ لا يمكن دحر الشعب.

طبيعي أن هذه الحرب كأي حرب تؤدي إلى وقوع ضحايا بما في ذلك في أوساط السكان الآمنين، لكن ليس بمستوى الأرقام التي توردها وسائل الإعلام الغربية التي تتلقى المعلومات من مصادر جروزني الرسمية، ومن الواضح أن هذه الأرقام تُضاعف ويُبالغ فيها مما يحولها إلى معلومات غير موضوعية.

طبيعي أن الوجود في مناطق القتال خطير على الحياة، ولذا فإن تدمير أي مكان أو منطقة بنيران المدافع وغيرها لا يتم أبداً إلا بعد عمليات فحص وتمحيص دقيقة تقوم بها قوات الاستطلاع الروسية المعدة -حسب رأيي- بصورة غير سيئة

أبداً، ولا يتم استخدام النيران حتى يتم التأكد من معلومات الاستطلاع أن تواجد المدنيين -في هذه المنطقة أو تلك- قد انخفض حتى مستوى الحالات

الفردية، وعدا عن ذلك يتم الإعلان -بصورة دائمة- عن توفير المعابر للسكان المدنيين لكي يتمكنوا من مغادرة مناطق القتال بدون عوائق.

لا نقصف أي منطقة بالطيران قبل إبلاغ سكانها بذلك، أحياناً نقوم بعمليات قصف تحذيرية فنُصدم بإطلاق النار على طائراتنا من ضمن قوافل اللاجئين مما يضطرنا -آنذاك- لفتح نيران تدميرية، حربنا الحالية ليست ضد جيش

نظامي، صحيح أن المقاتلين الشيشان مُعدون ومزودون بالأسلحة بصورة

جيدة، وليس هناك من لا يملك خبرة تنفيذية في أعمال إرهابية على مستوى دولي.

الإرهابيون هناك متخصصون مهرة، ولذا فإن منهج وتكتيك القتال عندهم متميز ورخيص، إنه تكتيك الاستفزاز من النقاط الآهلة بالسكان، حيث لا تكون لدينا نية لفتح النيران ضدها، أما هم فيطلقون النار علينا من ضمن هذه النقاط لكي يستفزوا للرد عليهم، وقصف المدنيين من السكان، لكننا نتحلى بالصبر الكبير في مثل هذه الحالات، ونحاول ألا نرد على النيران الصادرة من المناطق المأهولة، لكن الأمور تصل أحيانا إلى تكبد خسائر بالأرواح من جانبنا، وعندها فقط نقوم بالرد.

أود أن أقف قليلاً عند الخسائر التي تتكبدها روسيا، تعرفون أو قد تكونوا شاهدتم أن أكثر من ألف وخمسمائة شخص ذهبوا ضحية للعمليات الإرهابية الواسعة التي نُفَّذت في موسكو وفي الجودوسك وفي نافسك وإذا أردنا الحديث عن جمهورية الشيشان مثل جمهورية الشيشان فإن حوالي 46 ألف إنسان عانوا من العبودية في هذه الجمهورية في الفترة منذ 1994م وحتى 1999م، وتم قتل 21 ألف شخص من الروس الآمنين القاطنين في الشيشان.

ونحاول -الآن- بصورة حديثة البحث عن جميع الضحايا من أعداد السكان المدنيين لتقديمها للهيئات الدولية المختصة وللرأي العام الدولي، والتي من شأنها أن تثبت ظاهرة الإبادة الجماعية ضد السكان الشيشان من قبل حكومة الشيشان نفسها!! الآن سوف أجيب عن القسم الأخير من سؤالكم حول مواعيد انتهاء العملية الحالية في الشيشان، أولاً: كل شيء سيبقى مرتبطاً بتطور الأوضاع، أما عملية تقصير أمد هذه المواعيد فهي تتعلق -إلى حد كبير- بالأسرة الدولية بما في ذلك الدول العربية أيضاً.

تفيد المعطيات الميدانية المتوافرة لدينا -وهي معلومات قريبة من الدقة- أن أسامة بن لادن يقوم بتجنيد تشكيل عسكري كبير في البلدان العربية، يصل تعداده إلى خمسة آلاف مقاتل من الشبان، بغية الرمي بهم في هذه المنطقة بهدف استمرار هذه الحرب الإرهابية غير المعلنة ضد السكان، لذلك من الصعب التأكيد على موعد محدد لوقف الحرب، فالحرب تبدأ بوقت محدد، ولكن التنبوء بموعد انتهائها يبقى من الصعوبة بمكان، لكننا سنبذل كل ما بوسعنا لخلق الظروف المناسبة للمفاوضات السلمية.

الموقف الروسي من الانتقادات الغربية على عمليات الإبادة في الشيشان

أكرم خزام: السيد الوزير، بدأ الغرب يوجه لكم انتقادات جمة على حربكم في الشيشان ويجري الحديث عن إبادة الشعب الشيشاني، ما هو موقفكم مِنْ هذه الانتقادات؟

إيغور سيرغييف: أولاً: ليست هناك أي أعمال إبادة جماعية ضد الشعب الشيشاني، وهذا الشعب يعيش في روسيا خارج جمهورية الشيشان، تعلمون أنه تم قتل 21 ألف شخص روسي ساكنين في الشيشان، والآن تم تحرير أكثر من نصف أراضي الشيشان من الإرهابيين، وأتمنى أن تذهبوا وتنظروا بأم أعينكم إلى علاقة السكان بالأراضي المحررة بحقيقة تحريرهم نفسها، وباستعادة السلطة، وإحلال التشريعات الروسية، وأنتم تعرفون موقف الشيشانيين الحقيقيين الذين لا يريدون العيش وفق قوانين رجال العصابات.

وعلى سبيل المثال دخلنا مدينة غوردراميس وهي ثاني أكبر مدن الشيشان بدون طلقة واحدة فما هو السبب في ذلك؟ السبب هو أن سكان غوردراميس البالغ عددهم 150 ألف نسمة تعاونوا مع القوات الفيدرالية في عملية تحريرهم من رجال العصابات، وهكذا نُفذت هذه المهمة، الحياة في غوردراميس الآن عادية وهادئة، وسنفعل كل ما في وسعنا لإحلال الحياة الطبيعية في هذه المدينة الروسية الكبيرة بأسرع ما يمكن.

والآن يستمع الناس إلى خطب قادة معترف بهم في الشيشان، من أمثال (كومادييف) و(ماديروف) ممن وجدوا في أنفسهم الجرأة الكافية للوقوف في صف واحد مع القوات الفيدرالية في صراعها مع الإرهابيين، المعلومات طبعاً متفاوتة ومتنوعة، ويتم بثها في ظروف حرب دعائية غير معلنة، ونحن نفهم

ذلك.

ولا يقتصر الأمر هنا على الفهم وحده، بل رأينا ما جرى أثناء عملية عاصفة الصحراء، وأثناء الحرب ضد يوغسلافيا بداية كل عملية كانت حرباً

إعلامية، وقد بدأت هذه الحرب في قنوات التليفزيون الروسية وعلى مستوى

دولي، فالبعض يقول أننا نستخدم القوة بصورة زائدة، ويرى البعض الآخر أن العملية العسكرية لن تجلب النصر، ولن تُسفر عن النتائج المرجوة.

أما البعض الثالث من صانعي السلام فيقترح الدخول في مفاوضات مع حكومة الشيشان التي ازدهر الإرهاب في أحضانها، وانتشر في أراضي جمهورية داغستان

أيضاً، يسعون بذلك إلى تدويل المشكلة، والمشكلة عبارة عن شأن من شؤون روسيا الداخلية، وروسيا كانت دائما تؤيد سعي الدول الأخرى إلى الحفاظ على حدودها وأمنها ووحدة أراضيها.

أكرم خزام: السيد الوزير، العسكريون احتلوا غوردراميس ؟

إيغور سيرغييف: عفواً، حررنا غوردراميس لكننا استولينا على برلين..

أكرم خزام [مقاطعًا] : حرروا ودخلوا بامور وسيطوقون جروزني ماذا بعد؟ الكثيرون يخمنون هل سيتم اقتحام جروزني أم لا؟ وسيرحل الإرهابيون –حسب تعبيركم- صوب الجبال، ماذا بعد؟

الوضع بعد اقتحام غروزني ولجوء الإرهابيين إلى الجبال

إيغور سيرغييف [مستأنفاً] : ماذا بعد؟! سيفرون إلى الجبال ثم يعودون من الجبال، وماذا بعد؟! أعتقد أن الشعب الشيشاني سيقوم بنفسه بالتحرر من الإرهاب، أعتقد أن هذه هي الصيغة الأدق لما سيجري لاحقاً، لقد مل الجميع ملوا، وهذا واضح من أوجه ونظرات الشيشانيين والتوسل بألا ننسحب كما انسحبنا في عام 1996م، المطلب الأساسي في الأراضي المحررة هو ألا ننسحب لأننا سنتعرض للموت في حال انسحابكم، ونحن لا ننسحب من أرضنا، ولا أحد ينسحب من أرضه.

أكرم خزام: السيد الوزير، لنفترض أن الكرملين أصدر قراراً بوقف العمليات العسكرية الروسية في الشيشان كما جرى في عام 1996م، كيف سيكون رد فعل العسكريين الروس على هذا القرار في حال صدوره؟

موقف العسكريين الروس من صدور قرار وقف العمليات العسكرية

إيغور سيرغييف: أول ما أود أن أقوله لكي لا تظهر لدى أيٍ كان أي شكوك بأن القيادة العسكرية لا ترضخ للقيادة السياسية، فأنا في تبعية مباشرة للرئيس (يلتسين) وأنفذ بكامل المسؤولية جميع إيعازاته وتوجيهاته، ولم يحدث على مدى تاريخ روسيا أن الجيش لم ينفذ أوامر القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، أنتم محقون بالإشارة إلى عام 1996م.

أنا على ثقة بأن حكمة قيادتنا السياسية العليا لن تسمح بأن نُلدغ مرة ثانية من نفس الجحر سعينا خلال فترة زمنية طويلة لكي نؤمن الظروف المناسبة في الشيشان على أساس الاتفاقات الموقعة، لكن النقود التي حُولت للشيشان منذ عام 1996م لم تصل إلى أصحابها، ويؤكد لنا كبار السن والمعلمون في الأراضي المحررة أنهم لم يستلموا قرشاً واحداً منذ عام 1996م، ويطلب الأطفال حبة الشيكولاتة مؤكدين أنهم لم يرونها منذ ولادتهم، فتوقف التعليم الطبي، ولا يحصل الأطباء على مرتباتهم، وغادر الشيشان الأخصائيون.

ولذلك -بل لدي ضمان أكيد من رئيس البلاد وهو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة- بأنه رسم لنا المهمة وعلينا أن ننفذها، وسننفذها

بالتأكيد، وهذا لا يعني أبدًا أنه لن يتم خوض المفاوضات السياسية بعد ذلك، أو بنفس الوقت مع ذلك، لكن مع مَنْ سنتفاوض؟! أعتقد أن القوة التي سنتفاوض معها موجودة وتتسع مع استمرار توسيع تحرير الأراضي من تحت وطأة الإرهاب.

صدقوني لدينا معطيات جمة بأن عدداً كبيراً من الفتيان والشبان يحاولون تجاوز المخابيء التي أقامها الإرهابيون بحثاً عنا، ونعرف أن الإرهابيين يحاولون إبقاء هؤلاء تحت سيطرتهم لتسليمهم السلاح وإشراكهم في القتال، ولدينا معلومات كثيرة عن تعذيب الفتيان لهؤلاء، وحجزهم أحياناً، وإعدامهم بالرصاص في حالة رفضهم لاستلام السلاح، وسنتخطى هذه المشاكل معاً، وننهي الأمور بالحوار السياسي حول بناء الشيشان، باعتبارها كياناً من كيانات الفدرالية الروسية بعد تدمير الإرهابيين أوتسليمهم للسلطات..وحيث لا تبقى الشيشان مصدر خطر على أمن روسيا وعلى الأمن الدولي..

أكرم خزام [مقاطعاً] : عفواً للمقاطعة، إذن هي ليست حرب شخص واحد اسمه (فلاديمير بوتين)؟

إيغور سيرغييف [مستأنفاً] : كلا، أبداً، فرئيس الوزراء ينفذ -بحزم وإدراك- سياسة الدولة، سياسة قمع بؤرة تجاوزت جميع حدود المعقول، فهل تتصورون حجم الأضرار التي تتكبدها روسيا على الصعيد الدولي من جراء وجود بؤرة تجمع فيها أفظع الإرهابيين الذين لا يشفقون على أحد، وليس ثمة اعتبار لأي مقدسات لديهم، ويسيرون تحت راية التطرف متسترين بقيم إسلامية، يتم تشويهها بالكامل؟!

أنتم تفهمون ما أعنيه، فالداغستانيون مسلمون أيضاً، وتدركون مدى

امتعاضهم، ففي سنوات 1994م، 1996م ساعدت داغستان الشيشان مساعدة كبيرة، فقد استقبلوا اللاجئين، وقدموا لهم العلاج، وشاطروهم المأوى وفقاً للتقاليد الإسلامية والتقاليد المسيحية أيضاً، أن يدخل هؤلاء ويستخدمون السلاح لقتل النساء وكبار السن فهذا لم يقبله الداغستانيون مثلهم في ذلك مثل روسيا برمتها.

أكرم خزام: السيد الوزير، لدينا -نحن الصحفيين- مشاكل تتعلق بالحصول على صور تكشف حقيقة ما يجري في جروزني والمدن الشيشانية، ونضطر للحصول على هذه الصور من قبل أشخاص تقولون إنهم تابعون لـ (باسييف) أو (مسخادوف) لماذا لا تسمحوا لنا بدخول العاصمة الشيشانية لكي نحصل بأنفسنا على الخبر اليقين؟

موقف روسيا من الصحفيين العرب

إيغور سيرغييف: نحن نحترم الصحفيين جداً، ونحرص عليهم، لذلك قد نأسف في حال دخولهم أراضي الإصابات، هل هو قليل عدد الصور التي شاهدتموها؟ فهي ليست من تصويرنا، بل من تصوير الإرهابيين، وهي تبين كيف يتهكمون على الصحفيين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والقومية ، فليس لديهم أي اعتبار للمقدسات، فالحرب وميدان المعارك -كما ترون- ليس نزهة في حديقة.

قد تكون سمعت الكثير، أو شاركت في التغطية الإعلامية لعاصفة الصحراء والأعمال العسكرية في العراق وفي (يوغسلافيا) ولابد أنك لاحظت وجود شخصين يتحدثان عن الأحداث فقط، أما الصحفيون فقد تمكنوا فقط من تصوير حركة القنابل أثناء نقلها إلى طيران حلف الناتو وأميركا.

ولذلك تجدني واثقاً من أن الحرية الإعلامية ممنوحة -الآن- أكثر بكثير مما كانت تمنح سابقاً، فقد شكلنا مركزاً إعلامياً يعمل يومياً، ويقدم آخر المعلومات من مختلف المصادر، حتى تنظيم الجيش الروسي هناك، حتى أن ضباطنا وجنودنا يستطيعون الحديث -بصراحة- وحديثهم يعني تقديم المعلومات من المصدر الأول، لأنهم هم الذين ينفذون العملية ضد الإرهاب مباشرة، أما أن نسمح بالعبور من خلال ساحات المعارك إلى جروزني فهذا يعني أن نتحمل المسؤولية الأخلاقية عن حياة الزملاء والصحفيين الذين يرغبون في تقديم معلومات موضوعية.

أكرم خزام: السيد الوزير، بما تتميز الحرب الثانية في الشيشان عن حرب عامي 1994م و1996 م من وجهة النظر العسكرية طبعاً؟

الفرق بين الحرب الثانية في الشيشان وحرب عامي 1994 و1996

إيغور سيرغييف:لم أكن أترأس وزارة الدفاع أثناء الحرب الماضية، على الأغلب كانت هناك خواص مميزة لتلك المرحلة ولهذه المرحلة، وبما أن الحرب تسير -الآن- وفق مخطط صارم، وتتميز بقلة عدد القتلى من جانب الجيش الروسي وبين السكان المدنيين، فهذا ناجم من الاعتبار من دروس الحرب السابقة..ونحن كالآخرين لا نريد تكرار الأخطاء، ونفعل كل ما بوسعنا لكي لا تتكرر.

ثمة أهمية كبيرة -إن لم نقل فائقة- لمطالب وتأييد المجتمع والدولة لما تقوم به القوات المسلحة الروسية، نحن نُقدر ذلك، ونفخر بموقف المواطنين الروس من أعمالنا، فقد اكتسبنا أواصر ود وصداقة وأخوة مع الداغستان ومع السكان الداغستانين وقيادتهم، وسنسعى بكل قوانا لتفادي الأخطاء التي حدثت.

أكرم خزام: قمتم مؤخراً بزيارة إلى الأراضي الشيشانية التي استولت عليها القوات الروسية وكنت في إنجوشيا أيضاً، كيف تعتقدون..هل باستطاعة روسيا حل المشاكل الاجتماعية لأزمة اللاجئين؟ وهل لدى روسيا ما يكفي من الوسائل المالية لحل هذه الأزمة الكبيرة؟

مدى استطاعة روسيا لحل أزمة اللاجئين

إيغور سيرغييف: لدينا ما يكفي من الوسائل لإطعام شعبنا، طبعاً لن يكون هذا سهلاً علينا، لكن الوسائل كافية لإطعام شعبنا، ونحن لم نسير أبداً مادين يد العون، لكن إذا رغبت المنظمات الدولية تقديم العون فلن نعيق ذلك، بل سنرحب بها.

أكرم خزام: السيد الوزير، استمعت مؤخراً إلى تقرير صادر عنكم، وقلتم بأن للولايات المتحدة مصالح خاصة في منطقة القوقاز، وانتقدتم -طبعاً- سياسة واشنطن، هل سيؤثر ذلك على آفاق العلاقات العسكرية بين روسيا والولايات المتحدة؟

علاقة روسيا والولايات المتحدة

إيغور سيرغييف: تنطلق سياسة روسيا من إمكانية الحصول على أكبر عدد من الأصدقاء والشركاء بغية العيش سوياً بسلام، نحن جميعاً ننطلق من هذا، طبعاً نحن نولي أهمية خاصة لاستمرار اللحظات الإيجابية مع أميركا بعد فترة الحرب الباردة، ونفعل كل ما في وسعنا لإقامة علاقات طبيعية طيبة معها، لكننا لا نستطيع تجاهل الحقائق.

فهناك بوادر واضحة لانتهاك معاهدة ستارت 1 ومحاولات الخروج عن أطر المعاهدة الخاصة بالدفاع المضاد بالصواريخ، وهي المعاهدة الأساسية التي ترتكز عليها مجمل عملية تقليص الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، طبعاً نحن تلقينا بشيء من القلق المعلومات القائلة بأن مجلس الشيوخ الأميركي لم يصادق على المعاهدة الخاصة بالتحريم الشامل للتجارب النووية.

أضف إلى ذلك أمثلة الحرب في يوغسلافيا، فثَّمة الكثير مما يدل على تغيير المواقف من البنيان الدولي في الولايات المتحدة الأميركية، وطبيعي أننا سندافع عن مبدأ كانت تدافع عنه روسيا دائماً، وهو العلاقات المتكافئة لجميع الدول بغض النظر عن انتمائها أو عدم انتمائها لهذه الأحلاف أو تلك، ويجب أن تتمتع جميع الدول بحقوق متساوية بغض النظر عن مستوى تطورها الاقتصادي، فهي دول يجب التعامل معها بنفس الدرجة من الاحترام.

التوجه الآن يسير باتجاه العالم ذي القطب الواحد، نحن ندرك تماماً تبعات إقامة النظام العالمي ذي القطب الواحد الذي سيوجه الضربة في المقام الأول إلى مصالح الدول الضعيفة التي ستفقد قيمتها كدول مستقلة، ونحن سنتابع سياساتنا في الدفاع عن مبدأ التكافؤ، فطبعاً نحن لسنا الوحيدين في العالم الذين يرون أن يكون النظام الدولي في الألفية الثالثة أكثر ثباتاً واستقراراً وأماناً مما هو عليه في نهاية الألف الثانية.

أكرم خزام: غالباً ما نستمع في قنوات التليفزيون الروسية -الخاصة منها والرسمية- إلى التركيز على ألقاب كالإرهاب العربي والإرهاب الإسلامي علماً بأنه يوجد داخل الأراضي الشيشانية أناس من روسيا وأوكرانيا والبلطيق وبولونيا، ألا تعتقدون أن هذه الحملة ستؤثر سلباً على مستقبل العلاقات مع العالم العربي؟

أثر الحملة الروسية على العلاقات المستقبلية مع العالم العربي

إيغور سيرغييف: لاحظتم -محقين- ظهور بعض هذه التعابير في بعض وسائل الإعلام، لكنها لا تبرز أبداً عن الممثلين الرسميين لدولة روسيا، فرئيس الوزراء (فلاديمير بوتين) يكرر دائماً أنه ليس للإرهاب قومية أو انتماء ديني، فالإرهاب هو الإرهاب، ويجب مكافحته بلا هوادة، ولا يجوز خوض أي مباحثات معه.

ما يخص احترام الأديان فإن روسيا تمثل نموذجاً استثنائياً حيث يتواجد هذا العدد من الديانات، فلدينا الإسلام واليهودية والكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليك والبروتستانت، وفي روسيا توفر دائم لاحترام متبادل بين ممثلي مختلف

الأديان، كان هذا الاحترام وهو موجود وسيبقى، ونحن نقدر عالياً وجود التفاهم في روسيا، وبالذات بين مختلف الشعوب والقادة الدينيين، ونقدر توفر الاحترام بينهم، والسعي معاً لحل المهام الجدية الكبرى بما فيها الاقتصادية وغيرها.

أكرم خزام: هل يمكن لكم أن تحدثونا -بالتفصيل- عن واقع وآفاق العلاقات العربية الروسية من الناحية العسكرية؟

إيغور سيرغييف: في الإجابة على سؤالكم أود البدء من أن تاريخ علاقات الصداقة بين روسيا والدول العربية ليس تاريخ عام واحد أو عامين أو عشرة أو عشرين عاماً، إنه تاريخ مئات السنين سواء في أيام الاتحاد السوفيتي أو في روسيا، وخاصة عندما بدأت مرحلة تحرر الدول العربية من ليل الاستعمار، فهل تتذكرون كم بذل الاتحاد السوفيتي من الجهود لتقديم الدعم الاقتصادي والمساعدة في بناء القوات المسلحة الخاصة، وفي مكافحة الإرهاب؟

سنبقى -دائماً- كتفاً إلى كتف مع الدول العربية، أما ما يخص التعاون العسكري التقني مع الدول العربية فإنه لم يتوقف أبداً، بل كانت له فترات نهوض حتى الذروة، وكانت له فترات سير أفقي أحياناً وفترات خمود أحياناً أخرى، لكن الطموح من جانب روسيا والدول العربية ظل دائماً وسيبقى، وأعتقد أنه لن يزول.

أكرم خزام: السيد الوزير في نهاية لقائنا هل لكم أن تتحدثون عن تمنيات خاصة للمتفرج العربي الذي يشاهد هذا اللقاء؟

إيغور سيرغييف: أود القول إننا نسعى لبناء عالم متعدد الأقطاب، بحيث يتسع لسماع صوت كل دولة في العالم، وفي هذا الصدد فإن صوت العالم العربي حامل التقاليد التاريخية والدينية العميقة والثقافة العريقة والذي تمكن خلال فترة تاريخية قصيرة من إحراز إنجازات اقتصادية هامة- يجب أن يدوي في الظروف الجديدة بقوة مضاعفة، وقد دعونا، وندعو –دائماً- لكي لا يتعرض العالم العربي لأي صدامات على أساس ديني أو قومي.

وقد وقفنا وسنقف ضد الدعوات الخطيرة من حيث عواقبها والتي تصدر في شمال القوقاز وتدعو إلى بدء الجهاد الإسلامي المقدس ضد روسيا، وسنقف ضد تشكيل جبهة معادية لروسيا من الدول الإسلامية، فلا يوجد لهذه الشعارات المزيفة أي أساس صحيح، لأن ماضينا التاريخي في الوقت الراهن، وهذه الدعوات خطيرة -في المقام الأول- على الدول الإسلامية نفسها، أعتقد أن الإرهاب والتطرف الديني غير مقبولين على حد سواء لدى أية ديانة.

وروسيا باعتبارها دولة متعددة القوميات ومعنية قبل كل شيء في الوفاق والسكينة بين الأديان، فهذه دعامة أساسية في سياساتنا القومية، وروسيا تنظر إلى العالم الإسلامي باعتباره حليفاً لها ضد إملاء القوة، وضد إملاء المعايير المزدوجة في السياسة، وفي النضال من أجل الاستقلال الحقيقي، وشكراً.

أكرم خزام: أعزائي المشاهدين، إلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج (لقاء اليوم)، هاهو أكرم خزام يحييكم من العاصمة الروسية موسكو.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة