النحات جليل بيضون   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:09 (مكة المكرمة)، 14:09 (غرينتش)

ضيف الحلقة:

جليل بيضون: فنان تشكيلي

تاريخ الحلقة:

18/10/2002

- اهتمام جليل بيضون بالنحت وحصوله على عدة جوائز
- طفولته وأسباب هجرته وتأثيرها على أعماله الفنية

- موت ابنه وتأثيره على شخصيته وأعماله

- أسباب اختياره الحديد كمادة لفنه

المعلق: افتقارها للعمق التاريخي جعلها تحيط نفسها بكل مظاهر المدنية والعمران، لتظهر كواجهة سياحية ومدنية عصرية تضج بكل ثقافات العصر.

مائة وواحد وخمسون جنسية مهاجرة شكلت بالتقائها على هذه الأرض هوية لشعب أستراليا. سلوكيات ومظاهر فنية مختلفة التعبير، بعضها يأخذ شكل الغرابة والتفرد في بلدٍ حل فيه المستعمر بعد إبادة السكان الأصليين، والتي تحاول البقية الباقية من قبائلها إعادة الظهور بماضي أسلافها من خلال بعض صور التراث الديني، وبعض الرقصات الفلكلورية، وبأشكال من طقوس بدائية يغلب عليها الطابع الديني.

وفي مجتمع تتعدد فيه الثقافات كمجتمع أستراليا يؤثر في الإنسان الفنان الذي يعيش ضمن محيطه بما يكسبه من تفرد عني في التعبير، كحصاد تأثر بخليط يحاول صنع هوية لبلدٍ حديث العهد في التكون.

جليل بيضون: الإنسان يولد، يكبر، يفرح، يرقص وما يلبث أن تجف دماء الحياة في جسده فيهرب ويبدأ بالانهيار.

من عائلة فقيرة من جنوب لبنان، وبالتالي الطفل مفروض هو اللي يخترع، لأنه ما فيه قدرات مادية ليشتري الألعاب، فهو يبدع أو يخترع الألعاب من المواد المتوفرة بالطبيعة، في الواقع أنا كنت اشعر الولد إنه بيحب الأشجار، وخاصة أشجار اللي تعب عليها. كان مرات كتير أتذكر من الأحيان مرة مطعون شجرة كسروا اللي عم يحرث لنا الأرض، فحسيت والدي بحالة جنونية ما عملها حدا فيه.

ها الإنسان العاقل الري... مثل مطعون عمره 5 سنوات كان، ونبهه للحرات وانكسر، فبالتالي شعرت إنه فيه شيء، شعرت إنه لأنه مثل.. اكتشفت إنه الوالد لما إنه بيربي الأشجار، وبيطعمها وبيعتني فيها هي جزء من بيته، هلا عندي أنا ظاهرة من هون نشأت عندي إنه حب تحويل شيء لشيء آخر، حَجَرة ممكن ما إلهاش قيمة ما إلهاش.. تحولها لحالة ... لحركة، وبالتالي إنه جمدت.. جمدت ها الحالة بحدث.

اهتمام جليل بيضون بالنحت وحصوله على عدة جوائز

المعلق: صبره الذي حكمته به الظروف الاقتصادية لم يثنه عن الوصول إلى ما أراد، ففي الخمسين من عمره درس الفن بحثاً عن إطارٍ أكاديمي يؤطر موهبته، ويفتح أمامه الطريق إلى تجربة نظرية، فعاد إلى مقاعد الدراسة مرة أخرى إرضاءً لحبه لفنة وموهبته، ليتخرج بدرجة الامتياز، كحصادٍ لثمر التجربة، جوائزا وسمعة فنية رصينة يشار إليها بالبنان في عموم أستراليا.

جليل بيضون: (كلاند سكاي) في لحظة محددة أعطى شكله أو.. أو مر في حياتي وانتهى.

لاحظ إنه الأساتذة طريقة التعامل بيظل، ومدير المعهد تعامله معي بيظل على احترام، وبالتالي الاحترام هذا نابع من إنه هذا ها الطالب بده يعطينا اسم، لأنه فيه مثل تزاحم بين المعاهد، وأيها اللي بدها تعطي نتائج أفضل وأيها عايش الوضع، أيضاً مشي كفنان، وعلى فكرة أنا بديت من السنة التانية.. من السنة التانية أعرض، واشتركت بـ(نيو ساوث ويلز) الجاليري، أكبرها جاليري بنيو ساوث ويلز.. صرت عضو فيها، اشتركت بجمعية الفنانين، أقدم تنظيم للنحاتين بنيو ساوث ويلز، عملت عضو فيه، بالتوب جاليري.. (……) جاليري، اشتركت بعضويته، وبتعرف اندمجت بالوسط الفني الأسترالي بالسانت جورج كوميتي، فنانين، رسامين ما عندهم نحت، بس كيف أنا درست سنتين، ومعاي دبلومة بالـ Painting، بنص السنة تقريباً ظهرت ملامح إنه أنا طالب متفوق، أيش الوضع، بآخر السنة وأن عملوا الحفلة، وقالوا بيضون حط قطعتين.. أنت مطلوب منك قطعتين، فأنا رحت على البيت ونسيت موضوع الحفلة، فبيتلفنوا تاني بالليل بيقولوا وينك أنت يا رجل؟ قلت لهم هلا بالبيت، قالوا (Congratulation) يعني تهانينا، أخذت الجائزة الأولى بين 86 طالب، وطلع لك منحة 900 دولار.

المعلق: عند نقطة بين العام والخاص يبحث جليل بيضون عن فكرة الصراع ومحنة الإنسان، فيقف عندها ضمن حدود حياد الفن، فهو يرى الإنسان كائناً متجدداً في كل لحظة، تنحصر مهمته في رصد ذلك التجدد وتجسيده عملاً فنياً يحمل إرضاء فكره ومشاعره ضمن محيط قطره العالم ونقطة مركزه الإنسان.

جليل بيضون: صعبٌ أن تحب الأرض التي رفضتك، وأبقتك معلقاً بين الأرض والسماء.

إحدى الصفات بالإنسان ها الشغل دا هي التجريد، بمعنى إنه الفكرة بيأخذها من الواقع، وبيطورها من خلال الممارسة العملية مع الواقع، ما فيه عبارة عن نقل فوتوجرافي عن الواقع. أنا بعملي بالتماثيل اللي هو من خلال تجربتي مع الإنسان هو أخذ المميزات الخاصة بالإنسان، وتحويلها لتمثال، لأنه ما أعرف الإنسانية ناشئة عن شيئين، التجربة المباشرة والتجربة الغير مباشرة اللي هي من خلال إطلاع الإنسان، وبالتالي أي عمل تقوم فيه هي نتيجتها شيئين، يعني التجربة المباشرة بالحياة، والتجربة الغير مباشرة اللي اكتسبتها من خلال القراءة والاطلاع على مختلف المعارف الإنسانية. نحن في وضع بمرحلة زمنية، يعني ممكن جداً إنه تلاقي بأعمالي فيه نوع من الـ(Abstract) أو كيف بدي أقول، الغير مباشر بتاع التعبير عن التجربة، وبشكل مرات كتير بشكل مباشر، هاي حسب المرحلة اللي أنا عم ما بأعرف.. بأمُر فيها. ما فيه شيء عابر للقارات، ولكل وقت، ولكل زمان، ولكل الأسر، كل لحظة الإنسان أنا بأحسه بمسألة تبدل وتغير، لأنه التراكم الكمي بيؤدي إلى تحول نوعي بالحياة الإنسانية، لأنه.. يعني أنا مثل ما لاحظت بالنحت، بالنحت مثلاً حديد، الحديد أنا بديت فيه، يا عالم بتبدي من الداخل، وقصة التراكم لتبني الجسم أو تعبر على الفكرة، بينما كان المعروف قصة النحت هو تأخذ كتلة اللي هو الحجر، أو الكتلة اللي هي الخشبة، تبدي من الخارج، تبدي بتقسم فيها وتشطفها لتوصل لتعبير عن الفكرة.

طفولته وأسباب هجرته وتأثيرها على أعماله الفنية

المعلق: هو البحر زاد الحرب لمن همه الحرب، وربح قوت عيالٍ لتاجر، وحبر إلهام لشاعر، ومساحة تضيق رغم اتساع أفقها حين يتأملها المهاجر وعينه إلى ما وراء هذه الزرقة والتشتت.

حنين يعلو فوق علو الموج، ويمتد إلى ما أبعد من صفحة الماء وما خلفها من امتداد حيث الطفولة والزمن المفقود، وبكارة الأفكار، وصور من حالت بينه وبينهم قسوة الظروف وامتداد هذا البحر.

جليل بيضون: جميلة البجعة، وجميل أكثر المياه التي تسبح بها.

[فاصل إعلاني]

جليل بيضون: أنا من قرية جنوبية اسمها (بنت جبيل).

كتبت "تايم" الإنجليزية بسنة 36: "القضية العربية تدار في بلدين دمشق وبنت جبيل"، أنا من ها المنطقة، عشت طفولتي فيها. كنا ... باتذكر بطفولتي كان فيه عندنا مشكلتين، المشكلة الأولى إنه نعمل مظاهرات اللي هي ها المظاهرات كنا.. كنا معلمين نحن أولاد صغيرين بلا معلم قاعدين، وبالناحية التانية كنا نشارك أحلام كل الناس وكل حركات التحرر الوطني العربي والعالمي بالمظاهرات اللي نقوم فيها نحن وصغار مثلاً دم الشهداء تعرفه فرنسا، وتعلم أنه نور وحق، جزائر عربية، مراكش عربية، تونس عربية، فلسطين عربية، كل ها القصص كلنا نشأنا عليها، اللحن الوطني كان هو اللحن السائد (....) ولما سقطت فلسطين سنة 48 أو اغتصبت فلسطين سنة 48 وقع كأنه اغتصاب لإلنا، اغتصاب لمعيشتنا، الشهداء، وواقعاً بتزيد، المأساة الحقيقية يعني وكيف كنا كربلائيين زي ما بيقولوا، صحبنا إنه، وبديت قصص تتراكم وتتراكم.

المعلق: لحظة يتخذ القرار وتُحزم الحقائب وزوادة الرحيل تبقى هناك أشياء أخرى لا يمكن حزمها ضمن حدود الأمتعة، أشياء مقرها الوجدان ومستودعها الذاكرة، وحين تُكشِّر الغربة عن أنيابها نسترق اللحظات لنعود إليها، ذكريات عن أماكن وصورٍ لوجوه ومحطات ساهمت في صياغة وعينا.

جليل بيضون: غادرت لبنان وواقعاً كنت أردد "وضعوا الإنسان في الجنة و.. فصاح وقال آه يا وطني" بس مثل ما بيقول المثل الشعبي عندنا "مُرغم أخاك لا بطل" الوضع الاقتصادي اللبناني عم يتدهور، الوضع الاجتماعي، نحن- اللي بيقرأ سياسياً- على أبواب حرب برهنت التجربة شو هي، وقديش قاسية كانت، إجيت على أستراليا، هاي واقعاً وصولي إلى أستراليا كان سابقة تجربة سابقة كمان، يعني.. ودائماً اللي هو الدافع الأساسي.. يعني كنا نتعشم، دائماً الإذاعة اللبنانية تقول الله معك يا.. بيت صامد بالجنوب، وبالجنوب لا فيه ميه، لا فيه كهرباء، كل شيء ومثل ما سألوا أحد النواب، "كل شيء زفت ما عدا الطرقات"، هذا كان الوضع بالجنوب، رحت على الكويت اتوظفت بديوان الموظفين، وشو بدي أحكي عن الهجرة من البلدان العربية، فيه هجرة أصعب اللي هي الأدمغة، قد إيش فيه خسائر أدمغة من البلدان العربية، ليه؟ لأنه بلد مش ديمقراطي، يعيش الوضع مرات كتير، إنسان عنده واسطة قرابته، واقعاً اللي بينتخبوا بيوظفوا.. بيوظفوا مش لاقي هلا إلها، بينما إنسان صاحب الاختصاص يللا مشوه.. وبالتالي هاي قد إيش بيخسر لبنان أو الأقطار العربية (……) أدمغة، وشو بدك تحكي والحبل على الجرار مثل ما بيقولوا يعني؟!

موت ابنه وتأثيره على شخصيته وأعماله

المعلق: هي الحقيقة التي تفرض نفسها بصورة نقيضة للحياة، مُرَّة وعزاؤها الوحيد هو التسليم بالمقدر.

ترك الوطن مهاجراً مبتعداً عن صور الموت، فكان الموت على موعد معه في بلاد المهجر.

جليل بيضون: لا تدرك سر الحياة حتى تمارسه، فرح ساعة الولادة، وحزن وعميق.. وعميق ساعة الوفاة، وخاصة عندما يكون طفلاً، هذا التمثال يقول عندما خسرت الهادي وهو في العاشرة، قسم كبير مني سقط، ولا يزال المكان للآن فارغاً، عسى أن نلتقي.

المعلق: غيَّب الموت واحداً من أبنائه، فوجد في العمل الفني متنفساً للتعبير عن حزنه، وفي عمق كل إنسان تسكن ثورة، يسفر وجهها لحظة يستبد عن معدنه، حين يكون المحك قرار وجود وكرامة، غير أن هذه البقعة الذهبية في تكوين الفنان قد تأخذ سلوكاً آخر هو مغاير تماماً في تعبيره عما هو معروف عن شخصية الفنان وطرق التعبير لديه.

جليل بيضون: أنا بأقول لكل الأشخاص الظالمين بالكون، دبابتك أيها القائد تشبه الفيل، تقتل الآلاف، لكن فيها عيب واحد أنها بحاجة إلى سائق.

طائرتك أيها القائد تحلق كالنسر، تقتل الآلاف، لكن فيها عيب واحد أنها بحاجة إلى طيار.

أيها القائد الإنسان فيه عيب واحد أنه يستطيع التفكيك.

أنا أفكر.. أفكر مش بالإنسان بس بأستراليا، كل إنسان بالعالم بإني أنصره، أنا مسؤول كإنسان، مسؤول عن الإنسانية كلها، عشت ها الوضع واقعاً.

إنسان بالعراق، بلبنان، بفلسطين، بيَّ، وين ها الرأي العام إيش الوضع.. إيش الوضع للعالمي؟ وين ها التقدميين وين ها الناس عشت الوضع، اللي بيحكوا عن حقوق الإنسان، عن حقوق الشعوب، عن حقوق هل.. هل.. واقع عم بأحس… بأحس أحيان إيش الوضع شيء اسمه الأمم المتحدة، مش أمم متحدة، أمم العار، أمم النذالة، إيش الوضع، في الواقع لمن الإنسان عم بيواجه إيش الوضع، بس بالنهاية أنا مؤمن، الإنسان الفلسطيني بده ينتصر، الإنسان العراقي بده ينتصر مهما كانت الآلام، إيش الوضع، بس أنا بأتمنى بأحاول قدر إمكانيات ضعيفة إني أساعد ها الإنسان لساعة خلاصه، سواء من خلال منحوتي، سواء من خلال المظاهرات، سواء من خلال إضراب، سواء واقع العمل السياسي المشروع، وهاي رؤيتي مش أكتر من هاي.

أسباب اختياره الحديد كمادة لفنه

المعلق: في محيط قريته الجنوبية كان الناس عندما يلمحونه يتهامسون، ها قد جاء الذي يلقط الحجارة والحديد والعظام، كجزء من عناده مع تصلب الفكر وجموده اختار جليل بيضون الحديد مادة لفنه، يطوِّعها خطوطاً لينة، ويشكلها ظلالاً حميدة، تحكي معاناة الإنسانية في أعمال يمكن تصنيفها سجلاً لمظالم العالم، سلوك إبداعي يمتد أثره إلى فلاح من جنوب لبنان ترك عند بيضون معنىً عميقاً لمعنى الأبوة والإخلاص في العمل، أو إلى ما هو أبعد.

جليل بيضون: صورٌ من الذاكرة مر عليها الزمن، ولكنها لا تزال في القلب وكأنها الآن.

مثل ما علمنا الوالد إنه حتى لو كان العمل سخرة لازم نتممه بشكل كامل، أيش الوضع، وبالتالي يمكن القساوة.. قساوة الحياة اللي عانيناها بالطفولة جعلتني إنه هاي المادة اللي التقيت فيها، اللي جعلتني إني اختارها، لأن الأكتر توفراً، وأمارس عليها، وبأعتقد إنه يعني مثل ما قال الشاعر العربي:

نحن قوم تذيبنا الأعين النُجل

إلا أننا نذيب الحديدا

أيش الوضع، هاي واقعة، أحد الرؤساء العرب قالها وأثارت ضحكي، قال مش هي نخليك تبتسم الآن عم ما بأقول لك إياها.. الحياة قاسية لاشك، ولكنها تستحق أن تعاش.

بأعتقد اختياري لمادة الحديد يعني هي المهم الإرادة.. المهم الإرادة.

ما فيه.. وسبق يمكن أن قلت أو يمكن هذا تفكيري بيقول أبو العلاء:

أيها الغر قد قصصت بعقلٍ

فاحترمه فكل عقل نبي

فأنا واقعاً ما مفرق معاي الحديد، مفرق معاي إنه عندي عقل بيستطيع يحوِّل المادة الحديدية القاسية لقطعة حنان، (……)، مثل ما والدي ووالدتي قساوة الحياة (……) جعلتهم إنه يربوني ويعطوني الحنان اللي جعلني أكسب منهم أشياء كتيرة، ومن جملة ها.. ها القصص إني اقاتل.. اقاتل.. اقاتل دائماً.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة