الحصار الإسرائيلي لعرفات   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:25 (مكة المكرمة)، 23:25 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

توفيق طه

تاريخ الحلقة:

26/01/2002

- الحصار الإسرائيلي لعرفات وتداعياته
- من المسؤول عن اغتيال إيلي حبيقة؟

- تداعيات قضية لوكربي الجديدة

- توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار في السودان

- الشيشان بين الثلوج والنسيان

توفيق طه
توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) ومعنا هذا الأسبوع:

صمت مطبق يلف العالم العربي حيال الانتهاكات الإسرائيلية وحصار زعيم السلطة الوطنية الفلسطينية ويهدد بنسف عملية السلام من جذورها.

اغتيال إيلي حبيقة (الوزير اللبناني السابق) والقائد العسكري السابق للقوات اللبنانية التي نفذت مجزرة صبرا وشاتيلا، واتهامات متبادلة بين إسرائيل وسوريا ولبنان.

وتوقيع اتفاقية وقف إطلاق نار بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، والطرفان يقبلان لأول مرة نشر قوات مراقبة دولية في جبال النوبة.

الحصار الإسرائيلي لعرفات وتداعياته

تشعل الجرائم الإسرائيلية بما فيها محاصرة رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات غضب الفلسطينيين وتفقدهم الثقة في العالم أجمع.

ويعتقد كثيرون أن العالم العربي الذي عجز عن إدانة الجرائم الإسرائيلية المتواصلة لن يستطيع تقديم الكثير لدعم الشعب الفلسطيني، أما احتمال سحب الولايات المتحدة اعترافها بعرفات فلن يؤدي إلا إلى مزيد من التعقيدات في المشهد الفلسطيني.

استمرار الحصار وإغلاق الطرق الرئيسية في فلسطين
تقرير/ سمير خضر: لا يمكن للمواجهة الفلسطينية الإسرائيلية أن تخفي حقيقة أخرى تجري فصولها في الخفاء أحياناً وفي العلن أحياناً أخرى، هذه الجموع الغاضبة من الشبان الفلسطينيين الذين يواجهون الدبابات والجنود المدججين بالسلاح تلعب عن وعي أو دون وعي دور الصاعق الذي قد يفجر الأمور في أي وقت، فالوضع في الأراضي الفلسطينية جاء على عكس ما يعتقد البعض لم يتخط بعد الخط الأحمر الذي لا رجعة فيه، ولن يتخطاه إلا إذا أراد (شارون) ذلك، وكل الدلائل تشير إلى أنه ماضٍ في هذا الطريق، الأزمة الحقيقية تكمن في إمكانية حصول شرخ في الصف الفلسطيني بين طرف مؤيد لمشروع التفاوض والسلام، وطرف فقد إيمانه بالعملية السلمية برمتها. وما الضغوط الأميركية والإسرائيلية على الرئيس الفلسطيني سوى محاولة لإحداث الانفجار الداخلي إذ إما أن ينصاع عرفات لهذه الضغوط ويبدأ حملة ضد العديد من التنظيمات وعلى رأسها (فتح) التي يترأسها وفي هذه الحالة يفقد رصيده الشعبي والوطني، وإما أن يقاوم ويرفض الانصياع للضغوط ويفقد رصيده الدولي على الأقل على الساحة الأميركية ويغامر بكل ما أنجزته السلطة الفلسطينية منذ اتفاق (أوسلو) ويصبح فريسة سهلة لشارون الذي يتحين الفرصة منذ عشرين عاماً.

لكن رئيس الحكومة الإسرائيلية لن يتمكن من تحقيق مراده دون ضوء أخضر واضح وصريح من واشنطن، ويبدو أن هذا الضوء الأخضر بدأ يلوح اليوم في الأفق فالرئيس الأميركي (جورج بوش) أعلن صراحة عن خيبة أمله بالرئيس الفلسطيني واتهم عرفات بأنه يعمل على تعزيز الإرهاب من خلال عدم قدرته على منع الهجمات التي تستهدف الإسرائيليين. أما وزير الخارجية الأميركي (كولن باول) أعلن أن الإدارة الأميركية بصدد مراجعة علاقاتها مع السلطة الفلسطينية وربما يتم اتخاذ قرارات حاسمة قد تصل إلى حد قطع العلاقات معها أو إغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن وهذا ما ينادي به صقور الإدارة الأميركية مثل نائب الرئيس (ديك تشيني)، ووزير الدفاع (دونالد رامسفيلد)، لكن (باول) قد ينجح في تخفيض حدة الخطاب الأميركي من خلال الاكتفاء بإعلان تنظيم (فتح) الذي يترأسه عرفات منظمة إرهابية مثلها مثل حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، مما يعني بالضرورة اعتبار مجمل الشعب الفلسطيني في قائمة الإرهاب، الأمر الذي يشكل ضوءاً أخضر لشارون لشن حربه التي يحلم بها من أجل القضاء نهائياً على الحلم الفلسطيني.

الرئيس عرفات يجد اليوم نفسه وحيداً في الساحة وقد لا يكون ذلك بجديد عليه، فقد خبر الهم نفسه في حصار (بيروت) وحصار (طرابلس) عام 82، لكنه يشعر اليوم بتغير خطير يتمثل في انكفاء العرب على أنفسهم وعدم رغبتهم أو بالأحرى عدم قدرتهم على التعامل مع الوضع الفلسطيني، ولا حتى بالكلام المعسول.

من المسؤول عن اغتيال إيلي حبيقة؟

توفيق طه: يربط كثيرون ما بين اغتيال إيلي حبيقة والشهادة التي كان من المفترض أن يدلي بها أمام المحاكم البلجيكية، وما يجمع بين اسمي (حبيقة) و(شارون) هو مذبحة صبرا وشاتيلا التي نفذتها القوات اللبنانية ضد الفلسطينيين العُزَّل، وكانت لجنة (الكاهانا) التي شكلت للتحقيق في دور (أرييل شارون) في المجزرة بُعيد وقوعها كانت قد وجهت لوماً لشارون لعجزه عن منع المجزرة، (حبيقة) كان يريد الشهادة ضد شارون لكن بعض المراقبين يعتقدون أنه كان يشير إلى جهات أخرى.

جنازة إيلي حبيقة
تقرير/ حسن إبراهيم: دعونا نفكر معاً: من قتل إيلي حبيقة؟ الأصابع تشير إلى أكثر من جهة، بعضها يريد أن تدفن أسرار الرجل مع جثته التي تناثرت أشلاءً، والآخر يتحرق إلى الانتقام من أحد أكثر لوردات الحرب قسوة في تاريخ لبنان، آخر معارك الرجل لم تكن في شوارع بيروت الشرقية كما كان عهده في السبعينات، ولم تكن ضد منظمة التحرير الفلسطينية التي نفذ ضدها المجزرة تلو الأخرى، لكنها كانت في ساحات المحاكم البلجيكية، فالقضية التي رفعت ضد (أرييل شارون) من قبل ضحايا صبرا وشاتيلا سمت (إيلي حبيقة) كمنفذ للعملية و(شارون) كقائد للقوة المحتلة مسؤولاً لأنه وفر الغطاء اللازم.

لكن كثرة أعداء الرجل لا توازيها إلا قلة أصدقائه، ومنذ عام 83 أصبح (حبيقة) حليفاً لسوريا وعدواً لزعيم القوات اللبنانية (سمير جعجع) الذي يقبع في السجن منذ سنوات عديدة، ونعم (حبيقة) برضا دمشق، وأصبح نائباً برلمانياً ووزيراً في عدة حكومات لبنانية، (فحبيقة) كان يعتبر رجل سوريا في صف الموارنة اللبنانيين، لكن أكثر ما اشتهر به (إيلي حبيقة) في تاريخه هو اتهامه بأنه الرجل الذي نفذ مجزرة صبرا وشاتيلا التي بدأ تنفيذها يوم السادس عشر من شهر سبتمبر/ أيلول عام 82 بعد خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية إلى شتات جديد، واستخدم مقاتلو القوات اللبنانية الفؤوس والخناجر والرصاص لقتل وذبح وبقر بطون آلاف الفلسطينيين، لم يفرقوا بين مسن أو طفل أو امرأة أو رجل، قتلوا الجميع بدم بارد. (شارون) وفر الغطاء العسكري وأشعل الأنوار الكاشفة لتضيء الطريق أمام القتلة، هذا لم تستطيع حتى المحكمة العليا الإسرائيلية إنكاره، لكن (شارون) وآخرين يقولون إن هناك جهات أخرى أسهمت في هذه المجزرة، منطق الأشياء يقول: إن إسرائيل تخشى من أن يشهد (حبيقة) ضد (شارون) وأن يفضح تورطه في هذه المذبحة، وأنها لإسكاته دبرت حادث الانفجار، ورغم النفي الإسرائيلي فإن هذا يبدو لأول وهلة أمراً منطقياً، لكن كما قلنا في البداية: دعونا نفكر معاً، هناك جهات أخرى لها مصلحة في ترويع وتحجيم الفلسطينيين في لبنان، وهذه الجهات كما يعتقد بعض المراقبين قد تكون تخلصت من (حبيقة) لأن شهادته قد تجر أطرافاً أخرى إلى المحاكم البلجيكية وهو ما قد يفجر مشاكل شتى قد تؤدي إلى اضطرابات لا تُعرف عقباها.

وهناك بالطبع احتمال أن تكون بعض الجهات الفلسطينية أو غيرها تريد الثأر لقتلى صبرا وشاتيلا ففجرت الرجل، ولا يُعتقد أن كثيرين سيذرفون الدموع لرحيله.

توفيق طه: وللتعرف على ردة فعل الشارع المسيحي اللبناني على اغتيال (إيلي حبيقة)، تحدثت هاتفياً إلى دوري شمعون (زعيم حزب الوطنيين الأحرار اللبناني) وسألته أولاً: من قتل (إيلي حبيقة)؟

دوري شمعون (رئيس حزب الوطنيين الأحرار اللبناني): من قتل (إيلي حبيقة)؟ سؤال.. سؤال وجيه لأنه فيه.. (إيلي حبيقة) كان عنده أعداء كثير، وكان يعني كان نوايا جهات كثيرة اللي هي عندها نوايا لقتل (إيلي حبيقة)، ما تنسوا إنه (إيلي حبيقة) متهم بـ.. بصبرا وشاتيلا، والفلسطينيين أساساً كانوا واهبين نفسهم بقتل إيلي حبيقة، علاقاته المزدوجة المخابراتية أو.. وكانت بتصرف إسرائيل أو كانت بتصرف سوريا كمان خلقت له عداءات مع إسرائيل ومع سوريا، فيه الاعتداءات اللي هو كان قائم فيها في لبنان على.. على جهات لبنانية كمان كانت خلقت له أعداء، يعني ما كان.. لو كان عنده أصحاب قد ما عنده أعداء كان بعده طيب اليوم وما كان مات.

فمين عملها؟ بدها تبين طبعاً مع الوقت، ولكن هيك بسرعة الواحد يقدر يحدد مين.. مين قتل (إيلي حبيقة) بأظن هذا سؤال صعب الجواب عليه.

توفيق طه: لكن أعتقد أن السؤال المنطقي هنا هو: من المستفيد من مقتل (إيلي حبيقة) في هذا الوقت؟

دوري شمعون: المستفيد من قتله هو كل شخص بيعتقد إنه (إيلي حبيقة) ممكن يعطي.. يعطي إفادات أو أخبار اللي هي عاصية لبعض الفئات، يعني ممكن إنه الإسرائيلي يقتل (إيلي حبيقة) لأنه (إيلي حبيقة) قال بدي يروح على.. على محكمة بروكسيل ويعطي معلومات عن قصة صبرا وشاتيلا، طبعاً وقت بده يروح لهناك بده.. بده يجرب يبرئ نفسه، ويرمي الحق على.. على آخرين، فممكن هون الإسرائيلي يكون مزعور من الشيء، ممكن فيه فئات أخرى كانت داخلة بقصة حبيقة وشاتيلا.. بقصة صبرا وشاتيلا يا اللي هي كمان ما بدها إنه بعض الحقائق تُصرَّح.

توفيق طه: يعني لنمسك هذه الأطراف طرفاً بعد الآخر، الفلسطينيون مثلاً لو كانوا وراء مقتل (إيلي حبيقة)، لماذا انتظروا عشرين عاماً بعد مجزرة صبرا وشاتيلا؟

دوري شمعون: هاي ما فيه إجابة، ما فيه إجابة كاملة، يمكن ما كانت عندهم.. يمكن.. يمكن ما حبوا يعملوها بوقتها.. يمكن.. ما فينا.. ما فيه إجابة بس أكيد كانوا.. كانوا مبتهجين جداً لما سمعوا الخبر.

توفيق طه: لكن ربما كانت الأمور أسهل بالنسبة للفلسطينيين قبل سنوات، لنذهب إلى السوريين، السوريون هم الذين دعموا (إيلي حبيقة) وجعلوه وزيراً ثم هم الذين أدخلوه لائحة حزب الله في الانتخابات الأخيرة.

دوري شمعون: لأ.. مين السوريين، والسوريين آخر مدة كمان سقطوه بالانتخابات، يعني لو بدهم ينجحوه بالانتخابات وبعده.. وبعده رضاهم عليه مثل ما كان سابقاً كانوا نجحوه بالانتخابات، كان بقى نائب وكان يمكن بقى وزير، ولكن بيظهر إنه فيه.. فيه حسابات يا اللي هي ما بنعرفها نحنا، يا اللي خلت إن السوريين يتخلوا عنه..

توفيق طه: ماذا يستفيد السوريون من مقتل (إيلي حبيقة) الآن؟

دوري شمعون: ما بأعرف.. ما بأعرف.. ما فيه أجاوبك، أنا مش عم بأقول السوري قتله، قلت أني..

توفيق طه: قلت إن.. إن..

دوري شمعون: أنا عم بأقول لك إنه آخر مدة.

توفيق طه: قلت إن لإيلي حبيقة أعداء كثيرين..

دوري شمعون: آخر مدة كان صار عنده أعداء كثيرين ومنهم بيظهر كان فيه.. كان على خلاف حتى مع السوريين.

توفيق طه: هل تعتقد أنه مازال لإسرائيل أعوان في الساحة اللبنانية؟

دوري شمعون: ما بأعرف بالآونة، هلاَّ إسرائيل، إنت بتعرف إنه.. إنه إسرائيل بالنسبة للمواضيع هذه شاطرة كثير يعني، إذا كانه عندها.. عندها عملاء هون معقول يكون عندها عملاء هون، مين عملاؤها هون؟ بدك تعرف، بس أكيد.. أكيد إذا كان إسرائيل عملتها بده يكون طبعاً مش جاية.. مش.. مش جاية من إسرائيل فرقة تعمل الشغلة هايدي، فيه عندها عملاء هي اللي.. هي نفذت، هي اللي درست بالأول وخططت ومن ثم نفذت.

توفيق طه: قبل مقتله بيوم واحد اجتمع (إيلي حبيقة) مع وفد برلماني بلجيكي جاء إلى لبنان للتحقيق في موضوع صبرا وشاتيلا والمسؤولين عنه، هل تعتقد أنه سلم ما لديه من وثائق وأدلة إلى ذلك الوفد؟

دوري شمعون: حسب ما قرأت بالصحف لأ، قال لهم: إنه فيه عنده أدلة، بس ما سلمهم إياها حسب.. هذا حسب ما قرأت بالصحف.

توفيق طه: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع معكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً بعد الفاصل:

يفترشون الجليد ويلتحفون الرياح الثلجية العاصفة، فهل حقاً نسي العالم مأساة الشيشان؟

[فاصل إعلاني]

تداعيات قضية لوكربي الجديدة

توفيق طه: أهلاً بكم من جديد، يبدو أن الاستئناف الذي قدمه عبد الباسط المقراحي المتهم الأول في قضية (لوكيربي) قد ينال حظاً من النجاح، فقد ظهر رجل أمن بريطاني قال إن باب حجرة الأمتعة في مطار (هيثرو) يوم الرحلة عام 88 قد تم كسره، ومن هنا قد تكون القنبلة قد أدخلت الطائرة من لندن وليس من مالطة وهذا ما قد يبرئ (المقراحي) تماما.

أزمة لوكربي
تقرير/ حسن خضر: 23 عاماً مرت على واحدة من أبشع الجرائم التي عرفها تاريخ الطيران، ولا يزال الفاعل مجهولاً بالنسبة للبعض ومعروفاً بالنسبة للبعض الآخر، أصابع الاتهام توجهت إلى مواطنين ليبيين عبد الباسط المقراحي، والأمين فحيمة على أنهما المسؤولان عن وضع القنبلة في طائرة (البنام) الأميركية بصفتهما يعملان لحساب جهاز الاستخبارات الليبي، وكان الهدف من هذا الاتهام واضحاً إلصاق التهمة بالنظام الليبي لتصفية حسابات قديمة بينه وبين واشنطن ولندن، وفُرضت عقوبات على طرابلس لرفضها تسليم المتهمين حتى تدخلت السعودية وجنوب إفريقيا بشخص زعيمها التاريخي (نيلسون مانديلا) وتم التوصل إلى اتفاق يرضي كافة الأطراف، لكن المحكمة الاسكتلاندية التي انعقدت في (كامب دايف) في هولندا برأت العام الماضي (الأمين فحيمة)، وحكمت بالسجن المؤبد على (المقراحي) وهو قرار رأى فيه كثيرون حلاً وسطاً سياسياً وليس قضائياً، ولهذا يحاول محامو الدفاع عن (المقراحي) نقض هذا الحكم في جلسة الاستئناف، فعلى ماذا يستند الدفاع؟

لا يوجد في يد هيئة الدفاع حالياً أي دليل جديد يثبت براءة (المقراحي) فقرار إدانته لم يعتمد بالأصل على دليل، لذا قرر الدفاع مهاجمة هيئة المحكمة مباشرة من خلال اتهامها بالتحيز، إذ إن الاتفاق الذي تم بموجبه تسليم المتهمين الليبيين كان ينص على إنشاء محكمة بدون هيئة محلفين، لكن الدفاع يتهم اليوم القضاة أنفسهم بأنهم نسوا مهنتهم ووضعوا أنفسهم موضع هيئة المحلفين التي تصدر الأحكام وفقاً لضميرها وليس وفقاً للنصوص القانونية وللإثباتات والقرائن المقدمة، وهذا ما حدث برأي الدفاع حين أخذت المحكمة بشهادة بائع متجر مالطي قال بأنه تعرف على (المقراحي) الذي اشترى منه ثياباً قبل أكثر من اثني عشر عاماً رغم أنه لم يره إلا مرة واحدة، ولم تأخذ المحكمة أيضاً بشهادة أحد رجال الحراسة في مطار (هيثرو) اللندني الذي أكد أن الحجرة التي نقلت إليها حقائب رحلة الـ (بان آم) قد تم دخولها عنوة مما يعني أن الحقيبة المشؤومة قد لا تكون انطلقت من مالطة بل من لندن، ثم كيف تتم تبرئة متهم وإدانة الآخر في التهمة نفسها الموجهة إليهما؟ أسئلة كثيرة يطرحها إذن الدفاع على مرأى ومسمع من العالم كله للتدليل على أن الحكم الأولي لم يكن سوى تسوية سياسية لم تكتمل فصولها بعد، من الواضح أن الدوافع التي أدت إلى هذا الحكم لا تزال قائمة ولا مجال للعودة عنه وإلا كانت العواقب وخيمة، وخيمة لواشنطن ولندن اللتين ستظهران بمظهر سخيف أمام العالم كله، إذ ستعود عقارب الساعة إلى الوراء ويعود التساؤل الأول: مَنْ الفاعل؟

توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار في السودان

توفيق طه: استبشر الكثيرون باتفاق وقف إطلاق النار في جبال (النوبة) والتي توصلت إليه الحكومة السودانية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، لكن ما أدهش الكل هو القبول –ولو على مضض- بوجود قوات دولية في السودان، فوجود هذه القوات –مهما كان حجمها- يعني أن الطبقة السياسية السودانية قد عبرت حاجزاً نفسياً ويبدو أنه في زمن الوصفات الأميركية فإن المرونة التي تبديها الأطراف المختلفة قد تجلب كثيراً من مكافآت واشنطن السياسية والاقتصادية والاستثمارية.

قوات التمرد السودانية
تقرير/ : بعد مفاوضات مضنية بإشراف أميركي سويسري في بلدة (بيرجن ستوك) السويسرية، اتفقت الحكومة السودانية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان على وقف إطلاق النار في منطقة جبال (النوبة) والتي تقع إلى الشمال الغربي من وسط السودان والتوقف عن كل ما يمكن تفسيره على أنه عمل عدائي خلال 72 ساعة بعد التوقيع على الاتفاقية وتشكيل لجنة عسكرية مشتركة لتطبيق وقف إطلاق النار، والعمل على إعادة تأهيل الطرق والبدء في نزع الألغام والسماح بحرية تنقل المدنيين والسلع ومواد الإغاثة وتأمين وصول اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي، إلا أن التطور الأكثر خطورة هو موافقة الطرفين على نشر بعثة مراقبة دولية تضم في مرحلة أولى بين 10 و15 مراقباً عسكرياً ومدنياً فهذا يعتبر أول تدويل حقيقي للأزمة السودانية ومن أخطر القفزات على التقاليد المرعية في السياسة السودانية الداخلية، وعلى الرغم من أن الطرفين الحكومة وحركة التمرد كانا يستعينان بالقوات الأجنبية في فترات ليست قليلة في تاريخ النزاع السوداني إلا أنهما كانا ينكران بشدة وجود تلك القوات، وها هما الآن يوافقان على نشر قوة دولية علناً في وسط البلاد، ومهما تحفظت الحكومة على نصَّت القوات الدولية فإنه من الواضح أن قبولها هو السبيل الوحيد لإثبات صدق نية الحكومة أمام الإدارة الأميركية، فسيف قائمة الدولة التي ترعى الإرهاب مازال مسلطاً على رقبة الحكومة السودانية، ويبدو أنها لا تريد ترك فرصة للجانب الأميركي كي يعود الدعم الأميركي السافر للمعارضة السودانية، وكانت الإدارة الأميركية قد أعلنت في أواخر العام المنصرم أنها ستدعم المعارضة السودانية بعشرة ملايين دولار، وهو ما كان قد أثار حفيظة الحكومة السودانية، ولو كان الظرف مختلفاً لشنت الحكومة السودانية وأجهزتها الدبلوماسية والإعلامية حملة شعواء على الولايات المتحدة ولنعتتها بالاستكبار، لكن يبدو أن التوجه الأميركي الجديد نحو فرض سياستها بقوة السلاح في الآونة الأخيرة مباشرة أو عبر دعم حلفائها، يبدو أن ذلك قد أكسب الحكومة السودانية قدراً أكبر من المرونة لم تكن تتحلى به في الماضي تجاه من ينتقدونها ولو كانوا في قوة الولايات المتحدة.

من ناحية أخرى يتساءل كثيرون عن الخطوة التالية في المخطط الأميركي، وهل ستدفع الولايات المتحدة نحو استفتاء تقرير مصير تدعم فيه القوى الاستقلالية في جنوب السودان، أم ترى ستحرص على مصالح مصر التي ستتخوف من نشوء حاجز جديد بينها وبين منابع النيل بالإضافة إلى السودان؟

الشيشان بين الثلوج والنسيان

توفيق طه: وأخيراً نأتي إلى الشيشان حيث تحاول المؤسسات الدولية رفع المعاناة عن كاهل الشيشانيين بعد أن دمر الجيش الروسي بلادهم، ويبدو أن الإدارة الروسية تريد التعامل مع الملف الشيشاني بطريقة الولايات المتحدة نفسها، أي نعقب أعدائها بعد تصنيفهم إرهابيين.

ويرفض (الكرملين) التعامل مع (أصلان مسخادوف) رئيس الشيشان الذي عزلته موسكو وسمته إرهابياً وكأن ذلك يبرر فظائع القوات الروسية في الشيشان.

منظر عام لمدينة غروزني
تقرير/ جيان اليعقوبي: تشن القيادة الروسية حملة عسكرية ضد الشيشان منذ عامين، ويبدو فيها الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) مصمماً على إسكات أي صوت قد يعكر صفو هذه الحملة حتى لو كانت قناة تليفزيونية لا تسعى لشيء أكثر من نقل ما يجري في هذه الجمهورية المنكوبة لبطش القوات الروسية من جهة وتجاهل الإعلام الدولي لما يجري هناك من جهة أخرى، وهكذا تم إقفال محطة (CP6) التي نشرت تقارير مستقلة عما يجري في الشيشان ليتم توجيه الاتهام هذه المرة إلى الملياردير اليهودي (بوريس بيرزوفكي) التي يملك 75% من أسهمها بأنه يمول المقاتلين الشيشان، وكان (بيرزوفكي) قد أعلن قبل أيام أنه سينشر الأدلة التي تثبت تورط أجهزة الأمن الروسية في الاعتداءات الدامية في صيف 99 للتذرع بشن الحملة العسكرية في الشيشان.

الغضب الروسي لم يطل فقط (بيرزوفكي) ومحطته التليفزيونية بل أخذ رزازه يتطاير خارج الحدود، فبعد أن سجلت موسكو اعتراضها لاستقبال مسؤول صغير في الخارجية البريطانية لممثل عن الرئيس الشيشاني (أصلان مسخادوف) قبل أيام، عادت واحتجت هذه المرة على واشنطن لاستقبالها وزير خارجية الشيشان (إلياس أخمدوف) ووصفت اللقاء بأنه تشجيع لما وصفته بالإرهاب ضد القوات الروسية في (غروزني) ولكن من يمارس الإرهاب حقاً في (غروزني) التي أصبحت نسياً منسياً بعد أن دمرها القصف الروسي ولم يبق فيها مسكن يحتفظ بجدرانه الأربعة، بعد مرور عامين على بدء الحملة الروسية في الشيشان والتي أطلق عليها "القضاء على الإرهاب؟، ولكن موسكو لم تقض على أي شيء هناك سوى كل أشكال الحياة المدنية من بشر ومدارس ومستشفيات حيث يتمركز هناك 45 ألف عسكري روسي يمارسون عمليات إبادة ونهب شاملة حسب شهادات المنظمات الدولية، وكان رئيس المفوضية العليا لشؤون اللاجئين قد قام قبل أيام بزيارة إلى (موسكو) ليبحث العمل (...) فيها الأوضاع المأساوية لنحو 150 ألف لاجئ شيشاني يقضون هذا الشتاء البارد في معسكرات مؤقتة، وهؤلاء اللاجؤون لم يعد يتذكرهم أحد. فمن يريد أن يجازف هذه الأيام ويجد نفسه ضيفاً على لائحة الإرهاب الأميركية؟!

توفيق طه: بهذا نأتي مشاهدينا الكرام إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي). ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت. وسنعود –إن شاء الله- في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر.

تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة