مولد الاتحاد الأفريقي   
الاثنين 29/11/1425 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)
مقدم الحلقة: مالك التريكي
ضيوف الحلقة: - د.حسن وداعة الحسن: مندوب الاتحاد الأفريقي لدى الجامعة العربية-القاهرة
- د.إبراهيم نصر الدين: أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة- القاهرة
تاريخ الحلقة: 14/07/2002

- آفاق الاندماج الاقتصادي والسياسي في أفريقيا
- أثر تطور مساعي الاندماج الأفريقي على المنطقة

مالك التريكي: مولد الاتحاد الإفريقي وسط تعهدات بالإقلاع عن عادات الاستبداد وهدر الموارد، فهل يؤدي التكامل الإقليمي على مستوى القارة السمراء إلى التعجيل من وتيرة الإصلاح السياسي والاقتصادي داخل كل دولة إفريقية؟

أهلاً بكم. في غمرة البهجة بزوال الاستعمار وبناء الدولة القومية المستقلة التي كان لمنظمة الوحدة الأفريقية دور كبير في تجسيمها وتكريسها، لم يكن أحد من الأفارقة ليصغي لناقوس الخطر الذي قرعه العالم الزراعي (رونيه ديلمون)، منذ أوائل الستينات في كتاب بعنوان "انطلاقه إفريقيا الخاطئة"، علماً بأن الخطأ المقصود هو رواءة نموذج التنمية الاقتصادية الذي انتهجته القارة السمراء بدليل عجز هذا النموذج في كثير من البلدان عن تلبية أبسط أساسيات الحياة أي توفير الكفاية من الغذاء لجميع السكان، وقد كان من أخطر نقائص منظمة الوحدة الأفريقية أنها كانت عديمة الجدوى في هذا المجال، أي في مجال تصحيح خطأ انعدام التنمية، بل وانعدام النمو، وذلك لأسباب كثيرة، لعل أهمها أن منظمة الوحدة الأفريقية قد أولت الأولوية لتصفية التركة الاستعمارية إذ على خلاف السوق الأوروبية المشتركة التي أنشئت عام 57 ضد الماضي الألماني والحاضر السوفيتي، حسب العبارة الشهيرة، فإذا منظمة الوحدة الأفريقية قد أنشئت عام 63 ضد الحاضر الغائب الاستعماري الذي لم يصبح ماضياً منتهياً إلا بتحرير جنوب أفريقيا من نظام التفرقة العنصرية أوائل التسعينيات.

فهل يكون مولد الاتحاد الأفريقي منذ أيام إيذاناً بأن أفريقيا ستنطلق هذه المرة الانطلاقة الصائبة؟ لقد سبق مولد الاتحاد إطلاق خطة جديدة للشراكة بين إفريقيا وبقية العالم تقضي بالربط من هنا فصاعداً بين المساعدات والاستثمارات الأجنبية وبين بناء التنمية الاقتصادية في إفريقيا على أساس التنمية السياسية في إطار أنظمة قائمة على الديمقراطية والحكم الصالح.

ولكن على خلاف الاتحاد الأوروبي الذي شُيِّد على مراحل وبشروط سياسية واقتصادية صارمة تفرض على كل دولة تريد الانضمام لعضويته، فإن الاتحاد الأفريقي يبدأ بـ 52 عضواً ليس هناك من شرط لعضويتهم سوى أنهم كانوا أعضاءً في منظمة الوحدة الأفريقية، كما أنه لا يكاد يكون هنا ما يوحد بين هذه الدولة، سوى أنها توجد جغرافياً في نفس القارة المنكوبة التي تحلم بالخروج من ظلمات الفقر والجهل والمرض والاستبداد.. وضاح خنفر يستعرض آفاق الاندماج الاقتصادي والسياسي في إفريقيا من خلال المؤتمر التأسيسي في الاتحاد الأفريقي بديربان بجنوب إفريقيا.

آفاق الاندماج الاقتصادي والسياسي في أفريقيا

تقرير/ وضاح خنفر: قمة ديربان التي ودعت منظمة الوحدة الإفريقية وأعلنت ولادة الاتحاد الأفريقي تشكل معلماً مهماً في مسيرة القارة السمراء، فالحضور الرسمي الذي يعد الأعلى مستوى بين القمم السابقة والبرامج العملية التي تضمنها جدول أعمال القمة، بالإضافة إلى خطة الشراكة الجديدة لتنمية القارة والتي يطلق عليها اختصاراً (نبياد) أشاعت أجواء من التفاؤل وطبعت أعمال القمة بالعملية وخرجت بها من دائرة الشعارات التي هيمنت على الخطاب الوحدوي الإفريقي طوال العقود الأربعة الفائتة.

تامومبيكي (رئيس جنوب إفريقيا): يجب حقاً أن نتخذ خطوات جديدة نحو تكامل سياسي واقتصادي في قارتنا تؤدي إلى وحدتها، شعوبنا تحتاج إلى الديمقراطية، وإزالة الفساد وحقوق الإنسان، وإلى السلام والاستقرار.

وضاح خنفر: القادة الأفارقة حاولوا التأكيد على أن الاتحاد الوليد لن يكون نسخة مكررة عن منظمة الوحدة الأفريقية التي اتهمت بالعجز عن التعامل مع الملفات الساخنة في إفريقيا، لافتين النظر إلى سبع عشرة هيئة ستشكل أذرع الاتحاد وهياكله في مقدمتها مجلس الأمن والسلام الذي منح صلاحية التدخل عند الضرورة في شؤون الدول الأعضاء، بينما تمت الموافقة على آلية إفريقية للتأكد من نزاهة العملية الانتخابية، ومحكمة عدل إفريقية، وبرلمان إفريقي، هذا بالإضافة إلى مؤسسات اقتصادية قارية كالبنك المركزي وصندوق النقد الإفريقي وعدد آخر من المفوضيات على غرار هيكلية الاتحاد الأوروبي.

وإذا كان الاتحاد الأوروبي الذي بدأ مسيرته بخطوات تكاملية اقتصادية منذ قرابة نصف قرن مازال يعاني من ضعف تجاوب بعض الدول الأعضاء، فالبيئة السياسية والاقتصادي في أفريقيا ستضع الكثير من العقبات في وجه الاتحاد الوليد. الخلافات رافقت الإعلان عن تأسيس الاتحاد لا سيما حول سقف العمل الوحدوي ففي الوقت الذي طالبت فيه ليبيا التي تحتفظ بقصب السبق في طرح فكرة الاتحاد طالبت بسقف يصل إلى اتحاد اندماجي تلغى فيه الحدود ويشكل فيه جيش مشترك وعملة موحدة، دفعت دول أخرى وعلى رأسها جنوب إفريقيا ونيجيريا باتجاه مسار التكامل الاقتصادي أولاً مقدمة خطة (نيباد) عموداً فقرياً للاتحاد، وهو ما آثار خلافات تمت السيطرة عليها بعد الموافقة على توسيع دائرة اللجنة المشرفة على تطبيق (نيباد) لتضم ليبيا، فيما أجلت مقترحات ليبية أخرى إلى لقمة استثنائية تقعد بعد ستة أشهر.

إسماعيل عمر جيلة (الرئيس الجيبوتي): العملة الجديدة بيوم تأسيس الاتحاد حاجة مش معقولة ولا جيش كمان مش معقول، لأنه إلى.. ربما ما.. ما استطاعت إنه تعمل جيش، لكن عملت تحالف فقط، لهذا خير الأمور أوسطها يعني.

وضاح خنفر: وعلى المستوى السياسي فكثير من الزعماء الذين شاركوا في القمة بعيدون عن القيم الديمقراطية التي حددها النظام الأساسي للاتحاد شرطاً لعضويته، فالقارة تعج بأنواع الفساد السياسي والإداري وتهيمن ديكتاتوريات شخصية على موارد إفريقيا، وهو ما يثير مشكلة مدى استعداد هذه الأنظمة للتنازل عن صلاحياتها المطلقة لحساب الاتحاد، كما يشير المراقبون إلى مسألة تمويل الاتحاد ومدى الدور الذي تلعبه دول غنية نسبياً في تسيير مؤسساته وفرض توجهاتها عليه. ويرى البعض أن الاتحاد الإفريقي ما يزال حديث الأطر الرسمية ولم يفسح المجال لمشاركة شعبية، لا سيما تفعيل منظمات المجتمع المدني، لتقوم بمهمة الرقابة ونشر الوعي السياسي، ويذكر آخرون بمشكلات الفقر والجوع والمرض وما يرافق الصراعات الداخلية من مآسٍ إنسانية تجعل الساحة الأفريقية بعيدة عن تحول سريع نحو تحقيق الحلم الإفريقي.

مالك التريكي: من المآخذ على الاتحاد الإفريقي الوليد إذا مثلما ذكر وضاح خنفر في التقرير.. أنه ولد حبيس الأطر الرسمية ولم يفسح المجال لمشاركة الشعبية عبر منظمات المجتمع المدني خاصة في مجالات المسألة والمراقبة ونشر الوعي السياسي بضرورة الاتحاد وآليات عمله وأثره على الحياة اليومية للمواطنين الأفارقة، ومعنا الآن لبحث آفاق مستقبل الاتحاد الإفريقي الجديد الدكتور حسن وداعة الحسن (رئيس البعثة الدائمة للاتحاد الإفريقي لدى جامعة الدول العربية)

دكتور الحسن، لقد وصف الاتحاد الأفريقي الوليد بأنه سيكون اتحاد إفريقيا الشعوب بخلاف منظمة الوحدة الإفريقية التي كانت توصف إجمالاً بأنها منظمة الأنظمة الإفريقية، كيف يمكن للاتحاد الجديد أن يحقق ما وعد به من الإنجازات والإصلاحات السياسية والاقتصادية دون أن تتغير الأنظمة، الأنظمة هي نفسها، نفس الأنظمة التي كانت أعضاء في منظمة الوحدة الأفريقية هي الأنظمة الأعضاء في الاتحاد الإفريقي الجديد.

د.حسن وداعة الحسن: حقيقة مسالة الإصلاحات والتحول الديمقراطي هي مرحلة ولا يمكن أن تتم بجرة قلم، لا يمكن أن تتم بالسرعة التي يتخيلها البعض، هنالك تحول لا يمكن نكرانه في عدد كبير جداً من الدول الأفريقية تجاه الأنظمة الديمقراطية، النظام الديمقراطي، وهنالك تحول نحو إشراك الشعوب في اتخاذ القرار، وهذا التحول نجده في عدد كبير جداً من الدول الأفريقية، خلافاً لما كان في خلال الستينات أو السبعينات قامت انتخابات ديمقراطية في نيجيريا وقامت انتخابات ديمقراطية في السنغال، وقامت انتخابات ديمقراطية في بوتسوانا وظام في جنوب أفريقيا وهكذا عدد كبير جداً من الدول الأفريقية فيه تحول، حتى الدول التي لم يتم فيها تحول يمكن أن يلاحظ بصورة سهلة، هنالك حوار يجري، وهنالك صراع يجري وتطور يتم خلال الصراع وخلال الحوار ونتمنى أن يكلل بقيام أنظمة ديمقراطية في كل.. في كل القارة، لكن هي مرحلة والمرحلة لا يمكن وصفها بأنها تتم بصورة مفاجئة.

مالك التريكي: لكن يبدو أنه ليس هناك إجماع على هذه النقطة، لأن القادة الأفارقة يبدون منقسمين إلى فريقين هنالك فريق يريد أن يطور الأمور وهو ليس بالضرورة جيل جديد ولكنه يحمل تصوراً مستقبلياً عن ممارسة الحكم ويريد أن تكون المشاركة الشعبية هي الفيصل في.. في الحكم، لكن هنالك مجموعة أخرى من الحكام، ولعلهم هم الأكثرية، كثير منهم موجودون في الحكم منذ زمن طويل مثلاً في الجابون في كينيا في توجو، وبعضهم لم ينتخب إطلاقاً منذ أوائل السبعينيات، هل يمكن.. هل يمكن التوصل إلى صيغة تقتنع بها هذه الأنظمة الموجودة منذ.. منذ عقود بضرورة المشاركة الشعبية وبضرورة التداول على السلطة، يعني التنحي عن السلطة لفائدة أحزاب أخرى، هل هذا ممكن فعلاً؟

د. حسن وداعة الحسن: كما ذكرت سالفاً، هذه مرحلة ولقد اتفق القادة الأفارقة على أن النظام الديمقراطي هو النظام الذي يجب أن يسود، وقد تم الاتفاق –كما تتذكرون- في إعلان أجندة القاهرة Cairo Agenda For Action في عام 95 تم الاتفاق على أن.. أن النظام يجب أن يكون نظام يتسم بفضل السلطات والمشاركة الشعبية، وهذا أقرته جميع الدول الأفريقية، لكن عملية التحول تحتاج إلى وقت، والعملية الديمقراطية هي عملية لا يمكن –كما قلت- أن تتم بصورة متفق عليها بدقة من كل الناس، الديمقراطية نسبية ولنا في أفريقيا ظروف، والنظام الديمقراطية هو.. لا يوجد نظام ديمقراطي واحد في العالم، لا يوجد نموذج واحد للديمقراطية في العالم، حتى في دول أوروبا..

مالك التريكي: لكن هنالك معايير..

د. حسن وداعة الحسن: هنالك معايير.. هنالك معايير

مالك التريكي: هنالك معايير بسيطة، يمكن الرجوع إليها ويمكن القول إن المعايير التي وضعها مؤتمر ديربان المؤتمر التأسيسي للاتحاد الأفريقي هذه المعايير لا تلبى في جميع.. في جميع الدول، مثلاً مدغشقر لم.. لم تقبل في الاتحاد الإفريقي على أساس أن الحاكم الحالي وصل إلى السلطة في ملابسات مشبوهة، لكن الأمر نفسه ينطبق على زيمبابوي وزامبيا مثلاً، ولكن زيمبابوي وزامبيا لم تطرد..

د. حسن وداعة الحسن: لا.. لا.. أنا أختلف معكم، لو سمحت اختلف معكم، زيمبابوي تمت فيها انتخابات اشتركت منظمة الوحدة الأفريقية في مراقبتها وكانت انتخابات نزيهة، أما عن.. أو عدم...

مالك التريكي [مقاطعاً]: لكن مراقبين آخرين.. دكتور حسن.. مراقبين آخرين يقولون إنها لم تكن نزيهة.

د.حسن وداعة الحسن: المراقبون الآخرون نحن لا نذهب إلى بلادهم لمراقبة الانتخابات، ولا يدعوننا إلى ذلك، يأتون لمراقبة الانتخابات عندنا، ولكن لا يسمحوا لنا بمراقبة الانتخابات في بلادهم، في اعتقادي..

مالك التريكي [مقاطعاً]: هل.. هل ثم.. هل تم أن طلب.. هل تم أن طلبت منظمة الوحدة الإفريقية مراقبة الانتخابات في بريطانيا مثلاً ورفض ذلك؟

د. حسن وداعة الحسن: لا.. ولا نريد أن نطلب ذلك، نحن نسعى لإشاعة الديمقراطية في إفريقيا، وهذه مرحلة ستظل مرحلة طويلة، في زيمبابوي تمت انتخابات ديمقراطية، في زيمبابوي هنالك إشكال يجب أن يعرفه الجميع، ليس كل الناس ملمين بما.. بما جرى، وعملية الإصلاح الزراعي في زيمبابوي 75% من الأرض الصالحة للزراعة جيدة هي في أيدي أقلية والسكان محرومون من هذه الأراضي وكان هنالك اتفاق على أن تتم تعويضات في دول ما التزمت باتفاقاتهم، ومازال في زيمبابوي نتمنى أن يمشي إلى الأحسن والأحسن، ولكن لا يمكن أن لابد بعض الناس يقولون أنه ليس هناك ديمقراطية في زيمبابوي، معنى ذلك أنه ليس هناك ديمقراطية في زيمبابوي، لأ، هذا متروك للشعب الزيمبابوي، والشعب الزيمباوي طال الزمن أو قصر سيحسم أمره.

مالك التريكي: كثير من الرؤساء أثناء المؤتمر التأسيسي للاتحاد الأفريقي ألقوا خطابات وطبعاً اتسمت بالحماسة، لكن ألم يكن ما ذكره الأمين العام للأمم المتحدة (كوفي عنان) أقرب إلى الحقيقة، عندما قال: إن العالم الخارجي لا يأخذ إفريقيا مأخذ الجد، طالما لم تقم هي نفسها بحل نزاعاتها وقال أعني حلها وليس مجرد إدارتها.. إدارتها على سبيل احتوائها، أليس هذا هو أول شرط كي يصبح التجمع الإفريقي تجمع فاعل على الأقل في احتواء النزاعات والوقاية منها.

د. حسن وداعة الحسن: حقيقة أن ما المانع إنه يستطيع أن يحل مشاكلهم، لأنه يحل.. يحلها له الغير، بدأت إفريقيا في.. في حل مشاكلها بنفسها، تتذكرون كيف حلت مشكلة النزاع بين إريتريا وإثيوبيا، هذا تمت بأيدي وبعقول إفريقية، تمت حل مشكلة جزر القمر بأيدي إفريقية، وهذه يشهد لها العالم جميعاً، وهنالك في سيراليون، وفي مواقع كثير من إفريقيا منظمة الوحدة الإفريقية بالدور الرئيسي في فض النزاعات، وليس فقط إدانتها، كلام الأمين العام للأمم المتحدة صحيح، ولكن يجب أن نعلم أن منظمة الوحدة الإفريقية اضطلعت بدورها وقامت بتنفيذ آلية القاهرة.. آلية ملء وإدارة وفض النزاعات، وهذه آلية ستعمل في المستقبل في الاتحاد الإفريقي.

مالك التريكي: بالنسبة للموارد المالية، دكتور حسن، بالنسبة للموارد المالية كثير من الدول الإفريقية عليها مستحقات ومتأخرات كثيرة لمنظمة الوحدة الإفريقية التي خلفها الاتحاد الإفريقي، كيف سيكون الوضع المالي مستقبلاً؟ خاصة في ظل الضائقة المالية التي تعاني منها كثير من الدول الإفريقية؟

د. حسن وداعة الحسن: هذا أمر حقيقة أنه هنالك متأخرات، ولكن هذه المتأخرات في تناقص، كانت قبل عام فاقت الـ 50 مليون والآن هي أقل من 35 مليون، مسألة المتأخرات في انحسار، وليست في زيادة، ولن يمنع الوضع المالي منظمة الوحدة الإفريقية في أي يوم من الأيام من ممارسة عملها ومن توحيد كلمة الإنسان الإفريقي في المحافل الدولية، ومن النضال ضد الاستعمار.. ضد (الأبارتية) في جنوب إفريقيا، والأعمال بتاع كلها، أعمالها كلها تمت بموارد قليلة المتاحة لها، ليست هنالك إشكالية كبرى، لا تعاني المنظمة من أزمة مالية وهذه مسائل داخلية ستعالج داخلياً، ستسدد الديون وكل الدول التي عليها ديون ستواصل في سداد ديونها، وهنالك آلية.. نعم.

مالك التريكي[مقاطعاً]: دكتور حسن.. دكتور حسن وداعة الحسن (رئيس البعثة الدائمة للاتحاد الإفريقي لدى الجامعة العربية) لك جزيل الشكر.

بإنشاء الاتحاد الإفريقي نجحت أفقر قارة على وجه الأرض فيما لا يزال العرب مخفقين فيه منذ 5 عقود، بل إن الاتحاد الإفريقي ذاته أصبح مصدراً إضافياً للتباعد بين الدول العربية في شمال إفريقيا، فهل ستظل المنطقة العربية حتى بعد إنشاء الاتحاد الإفريقي غائبة عن حركة التاريخ، أي عن السير الضروري نحو التكامل الوظيفي.

[فاصل إعلاني]

أثر تطور مساعي الاندماج الأفريقي على المنطقة العربية

مالك التريكي: كأنه لا يكفي العرب أنهم لا يستطيعون مجاراة أفقر قارات العالم في مجال السعي إلى التكامل والاندماج، فإنهم قد وجدوا علاوة على ذلك في الاتحاد الإفريقي ذاته مصدراً إضافياً للخلاف والتباعد، حيث بقي المغرب خارج الاتحاد بمثلما خرج من منظمة الوحدة الإفريقية منذ عام 84 في أعقاب قبول الجمهورية الصحراوية عضواً فيها، كما عمق الموقف من الاتحاد الإفريقي الجفاء بين ليبيا والجزائر التي تتولى رئاسة اتحاد المغرب العربي منذ منتصف التسعينات، إذ تحفظت ليبيا على استضافة جنوب إفريقيا القمة الأولى للاتحاد، وسعت إلى استضافتها في مدينة (سرت) الليبية، بينما دعمت الجزائر جنوب إفريقيا.

معنا لبحث أثر تطور مساعي الاندماج الإفريقي على المنطقة العربية الدكتور إبراهيم نصر الدين (عميد معهد الدراسات الإفريقية، ورئيس الجمعية الإفريقية للعلوم السياسية، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة).

دكتور نصر الدين، لقد انبثقت فكرة الاتحاد الإفريقي من اقتراح ليبي بعد أن جربت ليبيا محاولات عدة للتكامل ثنائية وثلاثية وخماسية مع دول عربية، فهل يمكن القول الآن إن القاعدة في الاندماج الإقليمي ليست بالضرورة قيم التاريخ والثقافة؟ بل القيم المشتركة في السياسة وفي الرغبة في بناء مستقبل مشترك.

د. إبراهيم نصر الدين: نعم، واضح إذا كانت القضية هي مقارنة ما بين ما جرى في العالم العربي على مدى قرن من الزمان، وما يجري في القارة الإفريقية أيضاً على مدى قرن من الزمان، فأقول أن الرؤية هنا مختلفة على اعتبار إنه المدخل الذي اعتنق في سبيل تحقيق القومية العربية والهدف القومي العربي كان مدخل التشابه والمساواة، وهو مدخل من الناحية الموضوعية كان خطأً فادحاً، الحديث عن وحدة الجغرافيا ووحدة التاريخ ووحدة اللغة ووحدة الدين إلى آخره، كل هذه العوامل يمكن الرد عليها بأنه لا يوجد وحدة في التاريخ العربي.. لا يوجد مقاربة أبداً بين التاريخ اليميني مثلاً والتاريخ المغربي إلى آخره، ولا يوجد أيضاً إن بدأنا الحديث عن الإسلام، فغالبية.. صحيح غالبية العالم العربي من المسلمين، ولكن هناك مسيحيين وغير مسيحيين إلى آخره، هناك اختلافات بشكل أو بآخر، مدخل الوحدة هو الاختلاف، لأن التنوع هو أساس الوحدة، وليس التشابه هو أساس الوحدة، بهذا المعنى المصالح.. فكرة المصالح أن ينظر إلى العلاقات العربية العربية وتحقيق الهدف القومي العربي من منظور المصالح مسألة كانت في غاية الأهمية، وغابت طوال هذه الفترة، هذه القضية على الساحة الإفريقية مفهومة منذ قرن مضى، ذلك أن فكرة الوحدة الإفريقية هي فكرة بدأت منذ عام 1900 أي منذ قرن من الزمان، وتطورت من مؤتمر إلى مؤتمر ومن منظمات إقليمية إلى منظمات إقليمية حتى قامت منظمة الوحدة الإفريقية التي حددت هدفها الأول والرئيسي في القضاء على الاستعمار والعنصرية في القارة، وقد تحقق هذا الهدف، وكانت منظمة الوحدة الإفريقية مدركة تماماً بعجزها عن القيام بالدور الاقتصادي وتحقيق التنمية الاقتصادية، فاعترفت بذلك وأوكلت هذه المهمة إلى اللجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة، بهذا المعنى الرؤية الإفريقية كانت واضحة.

أما إن كنت تتحدث عن الدور الليبي، نعم الدور الليبي في المرحلة الأخيرة بالذات منذ عام 1999 كان دوراً فاعلاً في التعجيل بإقامة الاتحاد، لكن الدور الليبي مثل نقلة نوعية في مسيرة الوحدة الإفريقية، وفي مسيرة فكرة الجامعة الإفريقية على مستوى القارة الإفريقية، ولكن أيضاً في المقابل إن كانت ليبيا جربت العمل الوحدوي مع العديد من الدول العربية في فترات سابقة، فقد جربته أيضاً مع دول إفريقية مع تشاد في فترة سابقة أيضاً، وحاولت أن تجربه في المغرب العربي بشكل أو بآخر، محاولات مستمرة وحدوية من جانب القيادة الليبية لتحقيق سواء الهدف القومي العربي أو تحقيق الوحدة الإفريقية فلما اجتمعت.. نعم.. نعم.

مالك التريكي[مقاطعاً]: دكتور.. دكتور نصر الدين، آسف على.. على المقاطعة، بالنسبة لتصور المصالح الآن ليس هناك تصور واحد للمصالح في صلب الاتحاد الإفريقي مثلاً الموقف من خطة الشراكة بين إفريقيا وبقية العالم، خطة الشراكة للتنمية الإفريقية ليس موحداً، مثلاً الدول الأربع التي رعت هذا.. هذا.. هذه الخطة وهي الجزائر وجنوب إفريقيا والسنغال ونيجيريا، ترى أنه لابد من الاندراج في الاقتصاد العالمي عن طريق توفير مناخ ملائم لجذب الاستثمارات الأجنبية، بينما ترى دولاً أخرى، وربما ليبيا تتزعمها أن ليس للغرب أن يفرض أي شروط على الدول الإفريقية في هذا المجال، هذه مسألة حساسة خاصة أن لها بعد سياسي.

د. إبراهيم نصر الدين: نعم، بشكل أو بآخر تكاد تكون برنامج عمل للجماعة الاقتصادية لإفريقيا، يعني هي مجرد الحديث عن مشروعات قصيرة الأجل ومتوسطة الأجل وطويلة الأجل، وهي مشروعات تحتاج إلى تمويل، لأنه الهدف الأساسي للاتحاد أو الهدف رقم 1 للاتحاد التعجيل بالتكامل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للقارة الإفريقية، بهذا المعنى إذا نظرنا للـ (نيباد) هي أقرب ما تكون إلى برنامج عمل، صحيح هناك اختلافات في وجهات النظر، ولكن في ذات الوقت فهناك قبول وإجماع في النهاية على النيباد باعتبارها برنامج عمل اقتصادي على مدى 10 سنوات للقارة الإفريقية، لكي تنهض القارة من حالة التخلف التي وجدت فيها لظروف متعددة أما القول بإمكانية تحقيق التنمية بجهود ذاتية وبالاعتماد الجماعي على الذات فقط من داخل القارة الإفريقية فهي مسألة محل نظر، خصوصاً وأن مسألة الديون.. الديون المتراكمة على كل دول القارة الإفريقية، حالة الجفاف والمجاعة، تدهور الوضع الاقتصادي، عوامل كثيرة جداً تجعل من إمكانية الاعتماد الجماعي الإفريقي على الذات مسألة غير متصورة في المرحلة الحالية، وخطة النيباد لا تستهدف فقط العون أو الحصول على العون من الدول الأوروبية أو الدول الغربية وإنما تستهدف تحقيق العون على المستوى العالمي سواء من اليابان أو الصين من دول آسيوية ودول أميركا اللاتينية والدول الأوروبية في ذات الوقت.

مالك التريكي: هنالك جانب ربما يوصف باللا واقعية في.. في المشاريع، هنالك كلام عن التكامل الاقتصادي خاصة عن إنشاء عملة موحدة، سوق موحدة وبنك مركزي، هذه المؤسسات استغرقت من.. من أوروبا الغربية تحديداً أكثر من40 عاماً، كم ستستغرق بالنسبة لإفريقيا في وضعها الحالي؟

د. إبراهيم نصر الدين: يعني أنا أخشى أن تكون النظرة العربية دائماً كما تظهر في أجهزة الإعلام أنها نظرة غير متفائلة بالنسبة للوضع في القارة الإفريقية، لكن بحكم خبرتي العملية في التعامل مع القارة الإفريقية والخبرة الأكاديمية أيضاً وبحكم تعاملي مع منظمة الوحدة الإفريقية وفهمي لممارسات هذه المنظمة على مدى حوالي أربعة قرون، أستطيع أن أتصور إنه هذه الأهداف التي تم تحديدها في القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، يمكن تحقيقها على الأقل في خلال ربع قرن من الزمان، سواء كانت هذه الأهداف.. خذ. خصوصاً إذا نظرنا أن هناك العديد من التجمعات الاقتصادية الآن التي تعمل بشكل أو بآخر في القارة الإفريقية وهي منظمات إقليمية رعتها منظمة الوحدة الإفريقية وتعمل الآن تحت مظلة الاتحاد الإفريقي بغية التنسيق بين هذه المنظمات لتحقيق السوق الإفريقية المشتركة، أتصور أن هذا لن يستغرق.. نعم.. نعم.

مالك التريكي[مقاطعاً]: دكتور نصر الدين، دكتور نصر الدين آسف على المقاطعة، لأن الوقت بدأ يدركنا، من أهم التغييرات التي أتى بها الاتحاد الإفريقي هو النص على حق التدخل، وهذا لم يكن موجوداً من قبل، التدخل سواء في حالات النزاع أو.. أو جرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية أو حتى التدخل بمعاقبة الدول التي لا تحترم قوانين العضوية في الاتحاد الإفريقي، هل ترون أن هذا ممكن أن يحدث عملياً؟ ممكن أن تتدخل.. يتدخل الاتحاد عبر.. عبر منظماته وهياكله في دولة ما لأنها انتهكت قوانين المنظمة؟

د. إبراهيم نصر الدين: نعم، لأن الخبرة الإفريقية السابقة في المنظمات الإقليمية تؤكد ذلك، فتدخلت نيجيريا تحت مظلة (الإيكواس) الجماعة الاقتصادية لغرب إفريقيا واستطاعت إلى حد كبير أن تهدئ وتنهي النزاع في ليبيريات، وتدخلت جنوب إفريقيا تحت مظلة (....) في ليسوتو أتصور أن هناك إمكانية للاتحاد أن يتمثل في هذه الحالات...

مالك التريكي[مقاطعاً]: دكتور.. دكتور نصر الدين، آسف.. آسف مرة أخرى على المقاطعة، لقد أدركنا الوقت، أستاذ نصر الدين (أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة)، شكراً جزيلاً لك، وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة