في الذكرى الثالثة لرحيل ياسر عرفات   
الاثنين 4/2/1429 هـ - الموافق 11/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 13:24 (مكة المكرمة)، 10:24 (غرينتش)

- أثر غياب عرفات على الوضع الفلسطيني
- إرث عرفات ومؤتمر أنابوليس

 

جمانة نمور
: أهلاً بكم. نتوقف في حلقة اليوم عند إحياء السلطة الفلسطينية الذكرى السنوية الثالثة لوفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وسط انقسام فلسطيني غير مسبوق، فيما الاجتماع الدولي المرتقب في أنابوليس على الأبواب. نطرح في هذه الحلقة تساؤلين رئيسين، في الذكرى الثالثة لرحيل عرفات، إلى أي حدّ أثّر غياب الرجل على مجمل أوضاع القضية الفلسطينية؟ ومع اقتراب مؤتمر أنابوليس كيف يبدو الإرث السياسي لحقبة عرفات في ذهن وسياسات القيادة الحالية؟... ثلاث سنوات مرّت على رحيل الزعيم الفلسطيني لترسم المسافة بين حلم قيام دولة مستقلة، وبين كابوس الاقتتال الداخلي الذي يراه عامة الفلسطينيين بعيداً كل البعد عن مصالحهم الوطنية. ثلاث سنوات من الجمود السياسي أعادت إلى أذهان الفلسطينيين صورة هذا الرجل الذي قاوم وفاوض ورفض التنازل عن الثوابت الوطنية.

 

أثر غياب عرفات على الوضع الفلسطيني

 

[تقرير مسجّل]

 

نبيل الريحاني: تُرى ماذا كان سيفعل الزعيم الراحل ياسر عرفات لو بقي على قيد الحياة يشهد ما تمر به الساحة الفلسطينية هذه الأيام؟ سؤال جال بأذهان الكثيرين وهم يحيون الذكرى الثالثة لوفاته، مستحضرين طريقته في إدارة الشأن الفلسطيني. مثّل الرجل زعامة ذات تجربة واسعة اكتسبها من المناصب العسكرية والسياسية التي تقلّدها طيلة مسيرة الثورة الفلسطينية. على نحو أو آخر، اختزل عرفات تلك المسيرة وصنع أهم تحولاتها، عندما قبل بالتفاوض مع إسرائيل بحثاً عن سلامٍ دائمٍ معها. دولتان لشعبين يعيشان متجاورين بسلام. ذاك هو غصن الزيتون الذي لوّح به عرفات للمجتمع الدولي بيدٍ، دون أن يُسقط خيار البندقية من اليد الأخرى. كان على الرئيس عرفات أن يمسك خيوطاً كثيرة تتصل بالمسألة الفلسطينية، بقاءٌ على التزامات السلام تجاه عدو الأمس وتجاه رعاة التفاوض، ووعود، وجهتها الداخل الفلسطيني، بالصلاة سوية في رحاب الأقصى ذات صبح قريب.

ياسر عرفات: يا جبل ما يهزك ريح، وإحنا وياهم والزمن طويل. وحنصلّي في القدس عاصمة دولة فلسطين، شاء من شاء وأبى من أبى. واللي مش عاجبه يشرب من بحر الميت..

نبيل الريحاني: تأخر ذلك الصبح ولم تقم تلك الصلاة بعد، فقد حوصر عرفات في مقر المقاطعة من قبل الإسرائيليين الذين لم يغفروا له التمسك بالقدس وبحق العودة للاّجئين. وعزلته أمريكا وبعض العواصم الغربية، التي اعتبرته عثرة في طريق السلام، ثم لم يلبث الموت أن غيّبه ليفسح المجال لقيادةٍ جديدة ولمرحلةٍ قيل إنها ستجلب الخير للقضية الفلسطينية. فماذا كانت النتيجة؟ تعطّل مسار التسوية في انتظار جولة جديدة للتفاوض لم تأت بعد. وسقوط فلسطيني في امتحان التوزيع السلمي للسلطة، وتقاتل بين حركتي فتح وحماس اللتين أضحى الرصاص لغة التخاطب بينهما، بسبب صراع حول صلاحية مناصب دولة لم تقم بعد. الأخطر من كل ذلك، غيابٌ للرؤية المستقبلية على أعتاب مؤتمر أنابوليس الذي قد ينفضّ كسابقيه دون أن يفعل شيئاً يخفف من معاناة الشعب الفلسطيني.

 

[نهاية التقرير المسجل]

 

جمانة نمور: ومعنا في هذه الحلقة من دمشق الكاتب والمحلل السياسي بلال الحسن، ومن عمّان الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، أهلاً بكما. سيد بلال الحسن، بعد ثلاث سنوات من غياب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الكثير تغير في المنطقة، وتغير معه الكثير فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ماذا لو كان الرئيس الفلسطيني حياً؟

"
 لو كان الرئيس الفلسطيني حياً، كان الوضع الفلسطيني الداخلي أفضل مما هو الآن. وذلك لأنه كان سيبتدع العديد من الوسائل لمنع تفاقم المشكلة بين رام الله وغزة، بين فتح وحماس.
"
           بلال الحسن
بلال الحسن
: أعتقد لو كان الرئيس الفلسطيني حياً، كان الوضع الفلسطيني الداخلي أفضل مما هو الآن. وذلك على صعيدين، الصعيد الأول، هذه المشكلة بين رام الله وغزة، بين فتح وحماس، ما أعتقد أن عرفات بما له من نفوذ معنوي على الناس وعلى الآخرين، خارج حركة فتح أو خارج السلطة، كان يبتدع عديد الوسائل لكي يمنع وصول الأمور إلى ما وصلت إليه الآن. ثانياً، بحكم مكانته كقائد وكقائد مسموع الكلمة، ما كان من طبعه أن يسمح لأشخاص من الدرجة الثالثة أو الرابعة أن يترأسوا أجهزتها الأمنية، وأن يعملوا مرتبطين مع جهاتٍ خارجية. بتوفّر هذين العاملين، بحكم قيادته، كان يستطيع أن يعالج الشأن الداخلي بشكل أفضل. أيضاً هناك أمر آخر، كان عرفات قادراً، رغم تيارات فتح العديدة القائمة دائماً، أن يوحّد هذه التيارات وراء قرار سياسي فعّال، الآن هذه التيارات داخل فتح مفككة. هذه العوامل الثلاثة تأثرت بشكل أساسي بغياب ورحيل ياسر عرفات.

جمانة نمور: دكتور حسن ، كان من المعروف أن الرئيس عرفات كان هو القائد صاحب الشخصية الكارزمية، القيادية الذي يمكن أن يُغفر له ربما أي شيء على الصعيد الفلسطيني الداخلي، ولكن كان له القدرة أيضاً على ما وُصف بإمساك العصا من الوسط. هل غيابه كان من أهم العوامل التي أوصلت الوضع الفلسطيني إلى ما هو عليه الآن؟

حسن نافعة: جزئياً، نعم، ولكن أظن أن الوضع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني الآن هو في جزء منه أيضاً نتاج بعض سياسات الرئيس عرفات التي أعتقد شخصياً أنها كانت خاطئة، صحيح أن الرئيس عرفات كانت له سمات زعامة حقيقية، وكان يستطيع توحيد معظم فصائل الشعب الفلسطيني حوله، ولكن الشرخ الذي أصاب الحياة السياسية الفلسطينية بعد توقيع الرئيس عرفات على اتفاقية أوسلو هو شرخ عميق، وهو الشرخ الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني الآن، صحيح أن الأمور ربما، ما كانت لتسوء مثلما هي عليه الآن، وربما ما كانت حماس لتصل إلى السلطة لو كان عرفات موجوداً، وربما ما كان يمكن أن يحدث الانشقاق في غزة لو كان موجوداً ووصلت حماس إلى السلطة.. إلى آخره. ولكن أنا أظن أن هناك أخطاء سياسية ارتُكبت طوال مسيرة الرئيس عرفات، وبالتالي عرفات له شقين، شق مضيء جداً باعتباره رمز للصمود الفلسطيني والنضال الفلسطيني، وشق أيضاً، سلبي إلى حد كبير، وهو أنه اتخذ مواقف سياسية، أو اتخذ قرارات بناء على حسابات سياسية خاطئة وجرى أكثر مما ينبغي وراء وهم التسوية دون أن تكون في يده أي مقومات لتحقيق هدفه في إنشاء دولة فلسطينية حقيقية ومستقلة، لكن بقيت نقطة مهمة، أعتقد أن عرفات سيبقى في ذاكرة الشعب الفلسطيني باعتباره الرجل الذي رفض في كامب ديفيد أن يقدم تنازلات لايمكن أن يقبلها الشعب الفلسطيني، وفي هذا السياق يمكن القول أنه يمثل بحق رمز الصمود، وهذه اللحظة ستبقى حية في ذاكرة الشعب الفلسطيني.

جمانة نمور: على ذكر الثوابت، سيد بلال، موضوع الوحدة الفلسطينية أيضاً كان أحد أهم الثوابت لدى ياسر عرفات إلى جانب القضايا المعروفة، القدس واللاجئين، وما تمسّك به في كامب ديفيد، أنت ذكرت قبل قليل أو أشرت إلى ارتباط لأشخاص أو مسؤولين فلسطينيين بجهات خارجية، ولكن القضية الفلسطينية ككل، ألم تحتج في السنة الماضية خاصة إلى تدخّل أطراف خارجية لفض النزاعات، ولمبادرات، وإلى ما هنالك. لو كان الرئيس عرفات حياً، هل كان ليحدث هذا؟ أم أن الأوضاع التي تغيرت في المنطقة كلها، وهذا الانقسام، مابين، كما يقال، جهات إيران مثلاً، سوريا من جهة، دول ممانعة من جهة، من جهة أخرى دول عربية معتدلة، انعكس بشكل تلقائي على الوضع الفلسطيني؟

بلال الحسن: مرّ الفلسطينيون بظروف صعبة في مراحل متعددة، واشتبكوا أحياناً مع قوى عربية، وأحياناً اشتباكات فلسطينية، ودائماً كانت هناك وساطات عربية تدعو لفض خلافاتهم، وكانت القيادة الفلسطينية تستجيب لهذه الوساطات وتتفاعل معها وتحترمها. الذي يحدث الآن أن الوساطات العربية قائمة لمواجهة خلافات فلسطينية وإنهائها ولكن قيادات فلسطينية ترفض التجاوب مع هذه الوساطات وتقبل التجاوب مع الضغوطات الأمريكية. هذه حالة فلسطينية جديدة وخطيرة، عندما يستجيب القائد الفلسطيني للضغط الأجنبي ولايقبل الوساطة العربية.. أكيد أن هناك ظروف..

جمانة نمور(مقاطعةً): يعني كان هناك مثلاً اتفاق مكة برعاية عربية، ولكن حتى حينها، الرئيس محمود عباس ربطه بحسن النيّات. لماذا تلوم طرف واحد في هذا الإطار؟ أليست بحاجة أن يستمع كل الأفرقاء أو الأطراف الفلسطينية إلى هذه الأصوات التي تشير إليها؟

بلال الحسن: هناك وساطة مصرية تمثلت في اتفاق القاهرة، وهناك وساطة كبيرة ومحترمة سعودية تمثلت في اتفاق مكة، اتفاق مكة وافق عليه الطرفان، حماس والسلطة وحركة فتح، حصل ما حصل في غزة بسبب خروج جماعة رام الله على اتفاق مكة. فإذا كان اتفاق مكة يدعو للتفاهم فإن ما أقدم عليه مسؤولو الأمن الوقائي في غزة كان اللعب الخفي لتعطيل اتفاق مكة، عدم وقوف قيادة رام الله ضد هذا الجناح، أو رعايته أحياناً، هو الذي أدى إلى إفشال اتفاق مكة. وهناك من المسؤولين الفلسطينيين من حذر المسؤولين السعوديين مبكراً من أن هذا الجناح المتخفّي في الأمن الوقائي، والمرتبط بجهات أمنية هو الذي سيعمل على تخريب اتفاق مكة.

جمانة نمور: دكتور حسن، ما رأيك فيما أشار إليه السيد بلال؟ وما تعليقك أيضاً على كلام سمعناه على لسان محللين، حتى إسرائيليين، تحدثوا عن وجود شعبين فلسطينيين بواقع جغرافي، بواقع اقتصادي، بواقع أن هناك عقليتين الآن على الأرض والظروف اختلفت عما كان عليه الحال على أيام الراحل ياسر عرفات.

حسن نافعة: لا جدال في أن القضية الفلسطينية قضية شديدة التعقيد، والحضن العربي لها مسألة بالغة الأهمية، وبالتالي جزء كبير من المشكلة أيضاً يقع على العالم العربي. صحيح أن هناك دول كبيرة، مثل التي ذكرها الأستاذ بلال، تحاول التوفيق بين الفصائل الفلسطينية المختلفة، ولكن الواقع العربي نفسه ضعيف. مصر ذهبت في اتجاه معين أثّر على القضية الفلسطينية، السعودية تحاول إرضاء جميع الأطراف، وبالتالي التوصل إلى حلول وسط هي في حقيقة الأمر وهمية، لأنه لايوجد عالم عربي موحّد يقف وراء شعب فلسطيني موحّد. وبالتالي الانقسام الفلسطيني هو في جزء منه على الأقل هو مرآة للانقسام العربي. وبالتالي أنا أظن أن هناك وضعاً فلسطينياً بائساً، وهناك وضع عربي بائس، وهناك أيضاً وضع دولي، في وجود إدارة مثل إدارة بوش، أيضاً بالغ الضغط، يعني ضاغط جداً على القضية الفلسطينية. لكن مسؤولية الفلسطينيين في كل هذا هي مسؤولية كبيرة في رأيي الشخصي، وأنا في تقديري أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق فتح، وجزئياً على عاتق حماس. وكنت أتصور أنه بعد وصول حماس أو حصولها على الأغلبية التشريعية كان يمكن توزيع الأدوار بطريقة لتجاوز نواقص اتفاقية أوسلو، لكن لم تكن هناك القيادة ولا الحكمة التي تُمكّن الشعب الفلسطيني من التعامل مع معطيات القضية بهذه الطريقة. تجاوز أوسلو كان ممكناً، واستخدام حماس كوسيلة للضغط على إسرائيل وعلى العالم العربي كان ممكناً، ولكن هذا تطلب قيادة فلسطينية من نوع آخر لم تتوافر للأسف الشديد.

جمانة نمور: إذاً البعض نظر إلى هذه النقطة أنها أصبحت تقاسم للسلطة بدل تقاسم للأدوار الذي أشرت إليه، وربما لو كان التقاسم هو تقاسماً للأدوار لاختلفت عليه الصورة قبيل مؤتمر أنابوليس. ماذا عن إرث عرفات قبل هذا المؤتمر؟ هذا ما سنناقشه بعد الفاصل، فكونوا معنا.

 

إرث عرفات ومؤتمر أنابوليس

 

[فاصل إعلاني]

 

جمانة نمور: أهلاً بكم من جديد. مع اقتراب مؤتمر أنابوليس، عاد الحديث مرة ثانية عن ضرورة التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية والتحذير من تقديم تنازلات مجانية. وهو ما أكد عليه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الذكرى الثالثة لرحيل ياسر عرفات.

 

[شريط مسجل]

 

محمود عباس: نعلم جميعاً أيها الأخوة، أن المخاض العسير الذي تمرّ به قضيتنا اليوم، هو مخاض ولادة دولتنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف. ونؤكّد لك يا أبا عمار، كما نؤكّد لشعبنا تمسكنا بثوابتنا الوطنية، على أساس قرارات الشرعية الدولية، وبخطة خارطة الطريق، وبالمبادرة العربية، وبحلّ الدولتين، وبحلٍّ عادل ومتّفق عليه لقضية اللاجئين حسب القرار 194، وبتحرير أسرانا ومعتقلينا من سجون الاحتلال ومعتقلاته..

 

[نهاية الشريط المسجل]

 

جمانة نمور: سيد بلال، إذاً الثوابت الوطنية، مازال الفلسطينيون يتمسّكون بها، كما سمعنا على لسان الرئيس الفلسطيني قبيل مؤتمر أنابوليس. هل إرث عرفات في الحفظ والصون؟

بلال الحسن: أعتقد أن القيادة الفلسطينية حتى الآن متمسكة بالثوابت الفلسطينية. عرفات تمسّك بالثوابت، الرئيس أبو مازن حتى الآن متمسّك بالثوابت، وهذا موقف يجب أن يسجّل لأي رجل في سرد مواقفه السياسية. المشكلة في رأيي ليست في القائد الفلسطيني، المشكلة في القائد الإسرائيلي، المشكلة في القائد الأمريكي. القائد الإسرائيلي يرفض الاعتراف بحقوق للشعب الفلسطيني، القائد الإسرائيلي يرفض القبول بمبدأ الانسحاب، بمبدأ إنشاء دولة فلسطينية، بمبدأ التخلّي عن القدس، بمبدأ حق العودة. هنا المشكلة، يأتي القائد الأميركي ويدعم هذا الغلوّ الإسرائيلي والتطرف الإسرائيلي. فالمشكلة هناك وليست في المسؤول الفلسطيني. الذي يحدث أن القائد الفلسطيني يتعرض لضغوط، وأمام الضغوط تبرز شخصية القائد. عرفات تعرّض في كامب ديفيد لضغوط كبيرة جداً جداً، من الجانب الإسرائيلي ومن الرئيس الأمريكي، ولكنه صمد أياماً طويلة أمام هذه الضغوط ثم كانت لديه الجرأة أن يقول لا. الآن، الرئاسة الفلسطينية تواجه الضغوط نفسها، وربما أشد. نحن ننتظر من الرئيس محمود عباس أن يقول لا للمخطط الإسرائيلي، أن يقف في وجه الإدارة الأمريكية، لنواصل مسيرة الصمود في وجه هذه الضغوط.. وحين يفعل ذلك سيلقى من الشعب الفلسطيني تأييداً لامثيل له، وستقف وراءه جميع الدول العربية حتى ما يُسمى المعتدل أو غير المعتدل منها. وأنا أرى في الموضوع الفلسطيني لايوجد معتدل ومتطرف، الكل يوافق على المبادرة العربية، فالكل في موقف واحد في هذه المسألة.


 

جمانة نمور: دكتور حسن، هناك بعض التشابه، ربما، حينما عُقدت كامب ديفيد كان الرئيس كلينتون حينها يشارف على نهاية ولايته، كان يريد نجاحاً على هذا الصعيد. الآن الرئيس بوش يُشارف على نهاية ولايته وهناك مؤتمر أنابوليس، ما الذي يختلف؟ أوجه الاختلاف والظروف، وفعلاً هذه الضغوط التي تحدث عنها السيد بلال، كيف يمكن أن يواجهها الرئيس أبو مازن؟


 

"
لن يتم تقديم أي شيء جديد للقضية الفلسطينية في مؤتمر أنابوليس لا الإسرائيليون يريدون حلا حقيقيا للقضية الفلسطينية ولا الولايات المتحدة الأميركية تريد حلا حقيقيا
"
          حسن نافعة

حسن نافعة: هناك خط ثابت في هذه المسألة، وهو أن لا الإسرائيليون يريدون حلّ حقيقي للقضية الفلسطينية، ولا الولايات المتحدة الأمريكية تريد حلّ حقيقي، هي تعرف كيف يمكن التوصل إلى حل حقيقي، لكن لا الإسرائيليين مستعدين لقبول هذا الحل ولا الأمريكيين. هناك إدارة للصراع وفق المعطيات المتغيّرة باستمرار، وبالتالي أنا أظن أنه لن يُقدَم شيء حقيقي للرئيس أبو مازن في أنابوليس، ويمكن التمسك بالثوابت الفلسطينية بشكل نظري، لكن المسألة ليست مسألة تمسّك لفظي بالثوابت الفلسطينية، المسألة التي يجب أن تُطرح فلسطينياً، وتُطرح عربياً، كيف يمكن إدارة الصراع العربي الإسرائيلي بطريقة مختلفة، وتعظيم القدرات العربية؟ لأن تآكل القدرات الفلسطينية على هذا النحو، وتآكل القدرات العربية على هذا النحو، يجعل الوضع العربي عموماً والوضع الفلسطيني بوجه خاص، أكثر عرضة للضغوط، وبالتالي يمكن في لحظة من اللحظات حدوث الانهيار. أنا أعتقد أن إسرائيل، التي حاصرت عرفات باتهامه بأنه يدعّم الإرهاب، ثم في النهاية الأرجح أنها قتلته، كانت تريد أن تصل إلى نتيجة معينة. أن تقول بعد ذلك أن أبو مازن ضعيف، وأنه ليس العنوان الصحيح، ثم تحاول أن تحصل من أبو مازن على ما لم تستطع أن تحصل عليه من ياسر عرفات. السؤال الحقيقي الذي يواجه أبو مازن الآن، ماذا لو أن إسرائيل لم تعطه ما يتصور هو أنه الحد الأدنى للحقوق الفلسطينية المشروعة؟ هل يستقيل وماذا بعد الاستقالة؟ هذه كلها مسائل يجب أن يفكر بها المفاوض الفلسطيني، حتى قبل أن يذهب إلى ما يُقال المؤتمر أو الاجتماع الدولي. وأنا من الذين طالبوا أن يتغير الموقف الإسرائيلي كشرط مسبق للذهاب إلى هذا الاجتماع، لأنه بدون تغير هذا الموقف الفلسطيني هذا معناه أن عملية التفاوض ستستمر في حلقة مفرغة، ستدور في حلقة مفرغة، وستستمر إلى مالانهاية. وبالتالي لا أتوقع شيئاً حقيقياً، وأتوقع خسارة أكثر من المكسب في حالة مجرّد حصول هذا الاجتماع.


 

جمانة نمور: سيد بلال، على الرغم من تاريخ الرئيس عرفات الطويل، رغم بعض الأخطاء التي تحدّث عن بعضها الدكتور حسن، بقي راسخاً في الأذهان، كما أشار أيضاً، موضوع تمسّكه بالثوابت الوطنية، خاصة في كامب ديفيد، وخاصة ما نتج عنها بعد ذلك من ضغوط وحصار وإلى ماهنالك. هل نستطيع القول أن ياسر عرفات بذلك وضع سقفاً لما يمكن أن يقدّمه الفلسطينيون ولا يتمكن أي زعيم يأتي بعده من أن ينزل تحت هذا السقف؟ وبالتالي لاتسوية ولاسلام، لأنه إذا كان هناك مفاوضات يجب أن يكون هناك تنازل، وإذا لم يكن هناك تنازل، حينها، غاب السلام؟


 

بلال الحسن: ليس صحيحاً أنه إذا كانت هناك مفاوضات فيجب أن يكون هناك تنازل. التنازل يكون في حالة التمسك بأشياء خاطئة..


 

جمانة نمور(مقاطعة): في أبجدية التفاوض بشكل عام، ليس تحديداً القضية الفلسطينية، لكن عندما يجتمع طرفان من المعروف نظرياً أن الأطراف تجتمع لكي تصل إلى حل وسط، وحينما نتحدث عن حل وسط، واقعياً، سمّها ما شئت، لكن يكون هناك بعض التنازلات.


 

بلال الحسن: هذا شيء نظري. ولكن في صراعات الشعوب، عندما نقول شعب، وعندما نقول حق تقرير مصير، القانون الدولي يضمن حقوقاً أساسية مسلّم بها سلفاً. هذه الحقوق الأساسية ليست عُرضة للنقاش. يتم التسليم بالحقوق الأساسية، ثم يبدأ البحث عن حلول وسط.، ولايبدأ البحث عن حلول وسط قبل إقرار هذه المبادئ الأساسية. مثلاً، الرئيس السادات، رغم كامب ديفيد الأولى، رفض أن يدخل المفاوضات إلا بعد أن تُسلّم إسرائيل بالانسحاب من كل الأرض المصرية، لم يضع الأرض المصرية موضعاً للتساؤل أو للحل الوسط.. عندما سلّمت بذلك دخل ليبحث بشروط ذلك وبالحلول الوسط.. هذه نقطة مهمة، الشرعية الدولية، قرارات الشرعية الدولية هي الأساس في التفاوض مع إسرائيل، إسرائيل تطالبنا بالتنازل عن حقوق الشرعية الدولية تحت شعار الحل الوسط، هذه نقطة. النقطة الثانية، إسرائيل تأتي الآن لا لتفاوضنا على الانسحاب، تريد أن تفاوضنا على اقتسام الضفة الغربية، وتسمي هذا الاقتسام حل وسط. هنا خطأ كبير في منطق التفاوض، وهذا الخطأ هو ما أسميه الضغوط الإسرائيلية والأمريكية، وهذا ما يجب أن نقف في وجهه، وحتى الآن القيادة الفلسطينية تقف في وجهه.


 

جمانة نمور: دكتور حسن نافعة، بدقيقة، ماذا لديك من كلمة أخيرة؟


 

حسن نافعة: الكلمة الأخيرة أنه إذا ذهب المفاوض إلى طاولة المفاوضات، وليس لديه بديل آخر غير أن يستمر في التفاوض، لن يكون أمامه إلا أن يقدم تنازلات. وبالتالي أنا أظن أنه في هذه اللحظة ليس من المصلحة الفلسطينية، ولا من المصلحة العربية، أن تذهب إلى المفاوضات. عليها أولاً توحيد الفصائل الفلسطينية، أن يذهبوا بموقف فلسطيني موحد، وأن يكون هناك موقف عربي موحد داعم. إذا لم تتوفر هذه الشروط فلايجب إطلاقاً الذهاب إلى مؤتمر، إما لتضييع الوقت، وإما لأخذ الصور، لكن الرابح الوحيد الولايات المتحدة وإسرائيل اللذان، ربما، تمهّدان لضربة ولإدخال العالم العربي في أزمة جديدة، هذه هي المشكلة الحقيقية.


 

جمانة نمور: الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، شكراً لك من عمان. ومن دمشق نشكر الكاتب والمحلل السياسي بلال الحسن. ونشكركم مشاهدينا على متابعة حلقة هذه الليلة من ماوراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم. بإمكانكم المساهمة باختيار مواضيع الحلقات المقبلة بإرسالها على عنواننا الالكتروني

indepth@aljaseera.net

 

غداً إنشاء الله قراءة جديدة فيما وراء خبر جديد. فإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة