مسؤولية الجامعة العربية   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

د.مصطفى الفقي: مفكر عربي
د.مجدي حماد: مدير الجامعة اللبنانية الدولية

تاريخ الحلقة:

07/11/2002

- التأثيرات الخارجية والداخلية على دور الجامعة العربية.
- أسباب عجز الجامعة العربية في التصدي للتحديات المصيرية.

- أداء الجامعة العربية في مجالات التكامل الاقتصادي والإصلاح المؤسسي.

مالك التريكي: بعد تزايد المخاطر على الأمن القومي العربي، تساؤلات عن مسؤولية الجامعة العربية ومسؤولية الدول الأعضاء.

أهلاً بكم. من فلسطين إلى الجولان، ومن الصومال إلى لبنان، ومن شمال العراق إلى جنوب السودان يتعرض الأمن القومي العربي لتهديدات خطيرة تنذر بانهيار النظام العربي الإقليمي، هذا النظام الذي تآكل منذ أكثر من عقدين بفعل عوامل متتابعة، منها معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، والاجتياح الإسرائيلي للبنان، والغزو العراقي للكويت، ثم اتفاقية أوسلو.

وقد تكاثرت المخاطر المحدقة بالأمن القومي العربي على خلفية التكريس المستمر للأنانية القُطرية التي تُسمى "مصلحة وطنية"، بحيث لم يعد من المستغرب عندما تصدر قرارات من جامعة الدول العربية ضد إسرائيل -على سبيل المثال- أن تعلن بعض الدول أنها في حِلٍ من هذه القرارات بسبب ارتباطها بعلاقات دبلوماسية مع تل أبيب.

أمام هذا التراكم فيما اصطُلح على تسميته بالعجز العربي الرسمي عن مواجهة التحديات لا يجد الرأي العام بُداً من تحميل الجامعة العربية جميع الأوزار، بالنظر إلى أن الرأي العام يفترض ألا معنى لوجود الجامعة إن لم يكن الذود عن الأمة والنهوض بشأنها، بل إن اليأس من الجامعة لا ينحصر في المستوى الشعبي فحسب، إذ إن دولة مثل ليبيا قد هددت أكثر من مرة بالانسحاب احتجاجاً على ما سمته بتخاذل الجامعة في نصرة فلسطين والعراق.

ومع أن الشعور بالإحباط من وضع الأمة العربية مفهوم، فإن تحميل الجامعة وزر هذا الوضع يُوحي كما لو أن للجامعة إرادة جوهرية مستقلة عن إرادات الدول الأعضاء، هذا رغم أن الجامعة ليست في الواقع مختلفة عن الأمم المتحدة التي كان للجنرال (ديجول) في الإشارة إليها وصف تهجيني تحقيري، كناية على هوان شأنها في مقابل أهمية شأن الدول.

إلا أن خيبة أمل العرب في الجامعة هي بقدر رجائهم فيها، وليس أدل على شدة رجائهم من أنهم قد عقدوا آمالاً عريضة على الإصلاحات التي أعلنها السيد عمرو موسى فور توليه الأمانة العامة، ولكن يبدو أن التقصير ظل سيد الموقف لا في القضايا المصيرية التي تمس الأمن القومي فحسب، بل وحتى في المجالات العملية مثل التعاون الاقتصادي والثقافي.

مراسلتنا في القاهرة لينا سيد الغضبان تتناول السياق الدولي والهيكلي وتأثيره في دور الجامعة العربية.

التأثيرات الخارجية والداخلية على دور الجامعة العربية

تقرير/لينا سيد الغضبان: هل حقاً ما تقوله ليبيا من أن الجامعة العربية أصبحت تجسد العجز العربي إلى الدرجة التي حدت بطرابلس إلى تقديم طلب رسمي للانسحاب من الجامعة؟

الإجابة عن هذا السؤال تبدأ بالنظر في الظروف التي أحاطت بإنشاء الجامعة العربية في مارس/آذار عام 1945 بأهداف على رأسها دعم كفاح الدول العربية من أجل استقلالها عن القوى الاستعمارية الأوروبية والتصدي للخطر الذي كان يلوح في الأفق وقتها والمتمثل في ضياع فلسطين أمام الزحف الصهيوني، ودعم وتنسيق العمل العربي المشترك في المجالات السياسية والاقتصادية.

رفعت سيد أحمد (كاتب متخصص في الشؤون العربية): إن الجامعة العربية كانت في محصلتها -خلال السنوات الماضية من تاريخ إنشائها من الأربعينيات حتى الآن- كانت محصلة فاشلة، لأنها محصلة للسياسة العربية إجمالاً الرسمية، وهي سياسة في مجملها تجاه القضايا الأساسية العربية سياسة قائمة على المصالح المتضاربة، وقائمة على التبعية للخارج.

لينا سيد الغضبان: هذه الانتقادات تدعو إلى التأمل في أسباب ما يعتري الجامعة العربية من ضعف بالمقارنة مع نماذج من تكتلات إقليمية أخرى ناجحة، أبرزها الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، خاصةً عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات أو إجراءات تنطوي على مواجهة أو إلزام.

فميثاق الجامعة نفسه ينص على أن القرارات ملزمة فقط لمن يقبلها مما يفتح الباب واسعاً أمام تملص أي دولة من أي قرار لا يتفق مع مصالحها، إلى جانب أن كثيراً من قرارات الجامعة -وحتى تلك التي كانت موضع اتفاق بين الدول الأعضاء- لا توضع موضع التنفيذ، لأن الجامعة تفتقد إلى آلية واضحة لإلزام الدول بتنفيذ القرارات التي وافقت عليها.

هشام يوسف (المتحدث الشخصي باسم الجامعة العربية): يمكننا أن نتحدث عن التقييم العام لأداء الجامعة، ولكن يجب أن نقول: إن أوضاع الجامعة العربية هي انعكاس لأوضاع الدول العربية، وإذا كانت الدول العربية تمر بمرحلة ضعف، فبطبيعة الحال ستكون الجامعة العربية أيضاً في موقف ضعف.

لينا سيد الغضبان: كما يمكن القول إن جامعة الدول العربية عجزت عن تحقيق حلم كبير هو التكامل الاقتصادي العربي، فبالرغم من أن الجامعة العربية تضم في هيكلها عديداً من المجالس واللجان المعنية بتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول العربية إلا أن تفعيل ذلك التعاون لم يسفر حتى الآن عن سوق عربية مشتركة، أو عملة عربية موحدة، أو إزالة للحواجز الجمركية بين الدول العربية، أو زيادة في حجم التجارة البينية بين تلك الدول.

لعل المقارنة بين الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي مثلاً قد لا تكون منصفة لأسباب عديدة، ولكن الحقيقة الواضحة هي أن التجربة الأوروبية نجحت عندما أدرك القائمون عليها أهمية التكامل الاقتصادي بين دولهم، فمتى يدرك العرب هذه الحقيقة؟

وقد تجلى فشل الجامعة في التصدي لحل قضايا الأمة العربية المصيرية في عجزها عن الوقوف بالقدر المطلوب من الصلابة في الدفاع عن الشعب الفلسطيني في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، وكذلك فشلها في الملف العراقي، عندما عجزت مرةً عن إقناع بغداد بالانسحاب من الكويت عام 90، ثم عجزت مرة أخرى في التصدي بشكل إيجابي للتهديدات الأميركية للعراق.

أحمد يوسف (رئيس معهد الدراسات العربية): أي منظمة إقليمية كالجامعة تواجه معوقات من خارجها ومن داخلها، الجامعة العربية مثلاً منذ نشأت تواجه تحديات هائلة من خارجها، لأن القوة المهيمنة في النظام الدولي لا تريد لهذه المنطقة أن ترتب على أسس عربية، وبالتالي دائماً كان هناك محاولة لفرض نظام شرق أوسطي على المنطقة العربية، سواء تمثل هذا في مشروع حلف بغداد سنة 55، في مشروع (أيزنهاور) سنة 57، سواء تمثل في المشروع الكبير للشرق أوسطية في بداية التسعينيات، ولكن الشيء اللافت للنظر إنه على الرغم مما يبدو من.. من أن العرب ضعفاء وأن قوى الهيمنة قوية إلا أن الشيء الغريب أن الجامعة بقيت وكل مشاريع الشرق أوسطية انتهت إلى زوال.

هشام يوسف: يجب أن تفرق بين الواجبات والمسؤوليات لكل طرف، حتى نرى من هو الطرف المقصر وفي ماذا يقصر؟ وكيف نعالج هذا التقصير؟ وبدأنا.. الجامعة العربية بدأت في موضوع التطوير والإصلاح.

لينا سيد الغضبان: ورغم كل ما سبق تظل الجامعة العربية هي التعبير الرسمي الوحيد عن فكرة الوحدة العربية، والأمل قائم في أن يأتي يوم تتحول فيه إلى أداة فعَّالة لخدمة الشعوب العربية، ولكن تحقيق ذلك يتطلب الكثير من التطوير في هيكل الجامعة، وربما حتى ميثاقها الذي يبدو أن الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية والعالم قد تجاوزته بعد مرور أكثر من نصف قرن على إنشاء الجامعة، ويتطلب أيضاً قدراً أكبر من الالتزام من جانب الدول الأعضاء بمسؤولياتها، بما في ذلك تسديد أنصبتها في موازنة الجامعة.

أسباب عجز الجامعة العربية في التصدي للتحديات المصيرية

مالك التريكي: عجز الجامعة العربية عن التصدي للتحديات المصيرية التي تواجه الأمة العربية هو إذن نتيجة لارتباط مصالح الأنظمة السياسية العربية بالغرب أكثر من ارتباطها بالعالم العربي، ومع ذلك فإن الجامعة تبقى التعبير الرسمي الوحيد عن فكرة الوحدة العربية معنا لبحث دور الجامعة العربية المفكر العربي الدكتور مصطفى الفقي، الذي يتولى رئاسة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشعب المصري.

دكتور الفقي، كثُر الكلام في الآونة الأخيرة عما اصطلح على تسميته بالعجز العربي، كيف تتوزع المسؤوليات في تقديركم بين الدول الأعضاء من ناحية وبين الجامعة من ناحية أخرى؟

د.مصطفى الفقي: يجب أن نلاحظ بدايةً أن الأمر لا يؤخذ بهذه الطريقة، يجب أن تلاحظ أن هناك محنة للتنظيم الدولي عموماً، وكما ذُكر في التقرير السابق، فالأمم المتحدة تمثل النموذج لذلك، العلاقات متعددة الأطراف الآن في أضعف مراحلها، وهناك رغبة لدى كل الأنظمة في أن تتعامل مباشرة على المستوى الثنائي، أيضاً جامعة الدول العربية وُلدت ضعيفة.. وُلدت بهندسة بريطانية في فترة نهاية الحرب العالمية الثانية، تأثرت بميثاق عصبة الأمم، اعتمدت على قاعدة الإجماع، وحملت مع ميلادها أسباب متاعبها وعوامل القصور فيها، ولذلك عندما نناقش جامعة الدول العربية الآن فيجب أن نستوعب هذه الأسباب، فضلاً عن عامل أساسي لا يجب أن يغيب عن الذهن، وهو غياب الإرادة السياسية العربية، أنا لا أعتقد أن هناك إرادة سياسية عربية جماعية تسعى إلى تفعيل العمل العربي المشترك داخل الجامعة أو خارجه، هناك نزعات قطرية، هناك حساسيات شعوبية، هناك ارتباطات أجنبية، المسألة ليست بهذه السهولة والبساطة، أضف إلى هذا الظروف الإقليمية للشرق الأوسط ووجود إسرائيل ومحاولات الخروج من النظام العربي القائم على جامعة الدول العربية إلى أنظمة أخرى، ولذلك فإن تحميل الجامعة تبعة كل ما جرى وكل ما سوف يجري فيها كثير من الافتئات على الحقيقة، أنا في ظني أن الجامعة...

مالك التريكي: إذاً دكتور.. دكتور، إذاً.. إذاً في توزيع المسؤوليات بين الجامعة وبين الدول الأعضاء، هل أفهم أنكم تحملون الدول الأعضاء القسم الأكبر من المسؤولية عن تردي الوضع العربي؟

د.مصطفى الفقي: بالتأكيد الجامعة ليست إلا محصلة لما هو حادث، هي مرآة للأمة العربية لا ترى فيها إلا ما ترى، يعني لا يمكن أن تكون الصورة إلا انعكاس للأصل، الوضع العربي في حالة من حالات التمزق والترقب والتوتر، وبرغم كل الجهود يعني تغيير الأمانة العربية.. أمانة جامعة الدول العربية وحده لا يكفي، أنا في رأيي لو تمكنت الجامعة من إحداث تغييرين أساسيين تكون قد حققت نجاحاً كبيراً.

الأول هو البحث عن خطاب إعلامي سياسي عربي جديد.

2- فتح قنوات مع مواقع التأثير في القرار الأميركي.

وأظن أن الجامعة حاولت أن تسعى لشيء من ذلك، وحتى الذين يتحاملون عليها في المسألة العراقية أنا أعتقد أن جهود الجامعة مؤخراً هي التي أحدثت هذا الاتصال بين جامعة الدول العربية والأمم المتحدة لخدمة الوضع في الشرق الأوسط، صحيح لم تكلل بالنجاح، لأن المسألة ليست بهذه البساطة، والأجندة أكبر من أن تتعامل معها الجامعة العربية وحدها، ولكن الجهود مستمرة...

مالك التريكي [مقاطعاً]: بالنسبة للنقطة الأولى..

د.مصطفى الفقي [مستأنفاً]: إنما طبعاً يعاب على الجامعة...

مالك التريكي [مقاطعاً]: دكتور.. دكتور، آسف على المقاطعة، ذكرت نقطتين الخطاب الإعلامي العربي الجديد وإحداث قنوات أو فتح قنوات للتواصل مع مراكز القرار في أميركا، بالنسبة للنقطة الأولى بعد تولي السيد عمرو موسى أنشأ مفوضيات، ومنها مفوضية للإعلام، وكان تعيين السيدة حنان عشراوي كناطقة باسم الجامعة أو كمفوضة للإعلام، ألا.. ألا يجدر المضي في.. في.. في هذه.. في هذا السبيل؟

د.مصطفى الفقي: يجب المضي أنا أقول أن الجامعة تحاول، ولكن الذي يحدث أن هناك عقبات مادية، وعقبات سياسية، وعدم حماس عربي للتفعيل، المسألة فيها كثير من التعقيدات والمصاعب، حاولت الجامعة العربية أن تدعو المفكرين العرب، وشاركت في ندوة، حضرها السيد الأمين العام عمرو موسى، وحدث لقاء آخر بين وزراء الخارجية وبين أقطاب الجاليات العربية في المهجر، واستمع الجانبان كل منهما إلى الآخر في وضوح محاولة لفتح قنوات الاتصال، المهم هو وجود الإرادة السياسية، معظم الدول العربية تنظر إلى الجامعة نظرة فولكلورية على اعتبار أنها كيان تاريخي يمثل رمز للوجود العربي، ولكن لا توجد آلية حقيقية تدفعه وتحاول أن تحركه، المحاولات كثيرة، ولكن يكفي أن أذكِّرك أن المقررات أحياناً ينتقل معظمها من دورة إلى الدورة التالية، ماذا يعني هذا؟ يعني أن الروتين وأن شيئاً من الشيخوخة قد أثرت على جامعة الدول العربية وأصابتها ببعض الترهل، هناك محاولة لدفعها وإحيائها، اتسمت دبلوماسية الدكتور عصمت عبد المجيد (الأمين العام السابق) بالدبلوماسية الهادئة، وهي مدرسة في الدبلوماسية، تتسم دبلوماسية الأمين العام الحالي بالحيوية ومحاولة تحريك الأمور، وكل حاول قدر جهده، ولكن الجامعة تنقصها الإرادة السياسية، وينقصها الرغبة الحقيقية من كل الأطراف في تفعيل دورها، كل قطر عربي يحاول أن يتعامل دولياً على حدة وليس من خلال الجامعة.

مالك التريكي: لكن.. على الأقل دكتور.. دكتور، ذكرتم أن العمل المتعدد الأطراف والمنظمات الدولية والإقليمية عموماً تمر بمحنة الآن كان ذلك في مفتتح حديثكم، وقلتم إن هذا هو السياق العام الذي يوجد فيه أو الذي يمكن أن يلاحظ فيه ضعف العمل العربي المشترك، لكن مثلاً كانت هنالك أزمة أخيراً بين المغرب وإسبانيا حول.. حول الصخور التي تُسمى بجزيرة ليلى، ومما لوحظ أن الاتحاد الأوروبي رغم مضيه شوطاً بعيداً في التكامل الاقتصادي والسياسي فإنه تكلم بصوت واحد، وقال: إن أي اعتداء على إسبانيا يعتبر اعتداءً على الاتحاد الأوروبي، بينما لوحظ أن هنالك دولة عضواً في.. في الجامعة هي الجزائر بدا كأن موقفها كان أقرب إلى إسبانيا منه إلى الجزائر، ألا يتوفر على الأقل الحد الأدنى من.. التضامن اللفظي بين العرب؟

د.مصطفى الفقي: لا يغيب عليك أن هناك خلافات عربية وأن هناك انقسامات تؤثر في بعض المواقف، ولكن لا يمكن مقارنة دور الاتحاد الأوروبي بدور جامعة الدول العربية، المعوقات مختلفة، والانقسامات مختلفة، والحساسيات مختلفة، وأريد أن أذكِّرك إنه حتى الأمم المتحدة حالياً ليس فيها فعلياً إلا مجلس الأمن لتمرير القرارات الهامة للقوة الأعظم، ومنظمة التجارة العالمية المنوط بها تطبيق في الجانب الاقتصادي للعولمة، والوكالة الدولية للطاقة الذرية باعتبارها هي النادي الذي يتمتع فيه البعض بميزات لا يتمتع بها البعض الآخر، وهي مسألة الضمانات الدولية في النطاق الذري، ضف إليه محكمة العدل الدولية، فلا توجد حاجة إلى تنظيم دولي إلا إذا كانت هناك ضرورة وآلية لتفعيله، أما المنظمات الدولية الرمزية، فهي تبقى هياكل لا قيمة لها، وأخشى أن تتعرض جامعة الدول العربية لشيء من ذلك، ما لم نؤمن جميعاً على المستوى العربي بأهمية هذه المنظمة وضرورة تفعيلها، يعني طبعاً دورية انعقاد القمة، وأنا شخصياً كنت مندوب مصر في تلك المرحلة تمثل إنجازاً باهراً، هو أكبر إنجاز منذ صدور ميثاق جامعة الدول العربية، لو استطعنا أن نمضي بهذه القوة من الدفع وهذا الزخم لحققنا شيئاً كبيراً، ولكن طبعاً الأجواء في العالم العربي وفي الشرق الأوسط يحيط بها الريبة والتوقع والانتظار والشكوك وحالة الثقة المفقودة، كل هذا ينعكس بالضرورة على العمل الجماعي العربي وفي مقدمته جامعة الدول العربية، فلا يجب أن نحمل الأمور أكثر مما تحتمل.

مالك التريكي: رغم انعدام الثقة.. رغم انعدام الثقة دكتور.. رغم انعدام الثقة، ورغم انعدام التعاون في كثير من المجالات هنالك مجال يلاحظ أن التعاون فيه بين الدول العربية وربما عبر الجامعة العربية نشيط وسريع، هو جانب الأمن فاجتماعات وزراء الداخلية العرب تُعقد بانتظام والاتفاقيات تنفذ.. تنفذ بسرعة، ألا يدل هذا على أن الأولوية بالنسبة للأنظمة مازالت أولوية في درجة الصفر، يعني مجرد البقاء في السلطة؟ أليست هذه المشكلة قبل انعدام الثقة بينهم؟

د.مصطفى الفقي: لأ هذا.. لأ.. لأ، هذا أنا.. أنا أقرأ هذا الأمر قراءة أخرى.

مالك التريكي: ما هي؟

د.مصطفى الفقي: أرى فيه أن ما يرتبط بالضرورة.. ضرورة يبدو تفعيله مهماً، يعني لو استطعت أن توجد منفعة اقتصادية مشتركة لكل الدول العربية وشعرت بها كل الأنظمة كما تشعر بها كل الشعوب، فإن الجانب الاقتصادي في جامعة الدول العربية سوف يجري تفعيله، واتفاقية الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي سيكون له وضع آخر، المهم نظرية الضرورة، لا يوجد شيء يمثل تعبير رمزي عاطفي يلتف حوله الناس فقط، لابد من الشعور بالمصلحة، يعني لو تبنت جامعة الدول العربية مشروعاً للطرق المشتركة بين الدول العربية، واتجهت لتفعيل التعاون الاقتصادي، وركزت على الخطاب الإعلامي لكانت هذه هي القضايا الأساسية التي يتمحور حولها دورها في المرحلة القادمة...

مالك التريكي: الدكتور مصطفى الفقي..

د.مصطفى الفقي [مستانفاً]: أما الحديث الكبير والعمل العربي الضخم لا يمكن أن يؤدي إلى نتيجة، الأمر يحتاج إلى رؤية مختلفة.

مالك التريكي: الدكتور مصطفى الفقي المفكر.. الدكتور مصطفى الفقي (المفكر العربي المعروف ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب المصري) من القاهرة، لك جزيل الشكر.

بعد أن تلاشت الرؤى والأحلام الكبرى عن الوحدة العربية الشاملة أصبح العرب مقتنعين بأنه لم يعد أمامهم سوى مسلك التكامل الذي سلكته التجمعات الإقليمية الأخرى أو.. أي التعاون العملي التدريجي في مختلف المجالات بلوغاً إلى الاندماج الاقتصادي.

بعد الفاصل: نظرة في أداء الجامعة العربية في مجالات التكامل الاقتصادي والإصلاح المؤسسي.

[فاصل إعلاني]

أداء الجامعة العربية في مجالات التكامل الاقتصادي والإصلاح المؤسسي

مالك التريكي: كشفت العقود الخمسة الماضية عن قصور شديد في العمل العربي المشترك وثغرات عديدة في ميثاق الجامعة العربية وهيكلها التنظيمي، وتتجلى هذه الثغرات على سبيل المثال في اشتراط التصويت بالإجماع، وبما أن شرط الإجماع هذا يجعل كل دولة عضو في حِلٍ من أي قرار لا يعجبها حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة القومية العامة، فقد ساهم هذا الشرط -إلى حد كبير- في شلِّ إرادة الجامعة وإصابتها بالوهن.

أما على الصعيد الاقتصادي، فرغم كثرة الكلام عن العمل العربي المشترك فإن التبادل التجاري بين الدول العربية لا يبلغ ولو 10% من إجمالي التجارة العربية مع الخارج، أما منطقة التبادل التجاري الحر التي اتفقت الدول العربية على إنشائها عام 96 على أن تستكمل بحلول عام 2007، فقد ظلت في الأدراج في الجامعة العربية طيلة عقدين من الزمان.

فهل مازالت هنالك بعد كل هذا الفشل إمكانية فعلية لتطوير العمل العربي المشترك على الأقل في المجال الاقتصادي.

لبحث القضية معنا من بيروت الدكتور مجدي حماد (مدير الجامعة.. الجامعة اللبنانية الدولية، والموظف السامي سابقاً بالجامعة العربية، ومؤلف كتاب جديد يصدر قريباً بعنوان "جامعة الدول العربية مدخل إلى المستقبل").

دكتور حماد، بعد كل هذا الفشل في المجال السياسي هل مازال هنالك فعلاً إمكانية لتطوير التعاون في المجال الاقتصادي بين الدول العربية؟

د.مجدي حماد: اعتقادي أن هناك مجال واسع لتقييم الجامعة، لأن من الظلم لهذه الجامعة أن يقال ببساطة أنها فشلت، فالتقييم المنصف للجامعة ينبغي أن يضع في اعتباره ميثاق الجامعة نفسه، الميثاق تحدث عن مجموعة من الأهداف التي لا تتجاوز التنسيق والتعاون الجماعي، وفي هذا المجال الجامعة حققت الكثير، ولكن الحاجة الأهم أن الميثاق لم يكلف الجامعة لا بتحريك الوحدة العربية ولا بتحرير فلسطين، بخاصة وأن الجامعة هي الطرف الوحيد في النظام العربي الذي لا يملك سلاحاً لتحرير فلسطين.

أود أن أضيف إلى ذلك مسألتين في غاية الأهمية:

المسألة الأولى: أن البعض يلقي على الميثاق تبعات ما يسميه بفشل الجامعة وعجزها.

والمسألة الثانية: تتصل بقاعدة الإجماع التي أعتقد أنها قاعدة مفترى عليها في بحكم التطبيق، وعلى سبيل التحديد والتوضيح فإن الميثاق الحالي، وأتذكر هنا كلمة سمعتها مباشرة من جلالة الملك الحسن الثاني في قمة الدار البيضاء عام 1989عندما تحدث عن عبقرية واضعو النص، أي نص الميثاق عام 45، فإن هذا الميثاق الحالي لم يمنع تعديل نفس الميثاق، بخاصة إن هناك مادة 19 تنص على ذلك، وأبرز مسائل التعديل هو ما تم مؤخراً باستحداث هيكل جديد هو هيكل القمة العربية، الميثاق الحالي لم يمنع إنشاء العديد من المنظمات التي تتراوح من "الأراضي القاحلة" إلى "عربسات"، الميثاق الحالي لم يمنع إبرام عديد من الاتفاقيات، لعل أبرزها اتفاقية الدفاع المشترك لتغطية ثغرة في هذا الميثاق، ومن أبرزها أيضاً القرارات الهامة جداً.. جداً التي اتخذتها قمة عمان الاقتصادية عام 1980.

أما ما يتصل بقاعدة الإجماع فإنني أعتقد على العكس من الشائع لدى الرأي العام أن هذه القاعدة مفترى عليها، لماذا؟ لأنها تقول أن القرارات تُتخذ بالإجماع، وما يتخذ دون الإجماع يعتبر ملزماً لمن يقبله، أي أن هناك مجال واسع لتنفيذ القرارات التي تتخذ دون الإجماع، والأهم من ذلك للتدليل على أن القضية ليست في الإجماع من عدمه، أن لجنة تعديل الميثاق درست قرارات الجامعة العربية من عام 45 حتى عام 80، وانتهت إلى أن 80% من هذه القرارات اتُخذت بالإجماع، والـ20% اتُخذت دون الإجماع كالقضايا التنظيمية وقضايا إدارية ومالية، الـ80% اللي اتخذت بالإجماع لم ينفذ معظمها، يضاف إلى ذلك من التجربة أيضاً ومن التطبيق أن اتفاقية الدفاع المشترك، وهي في غاية الأهمية، لأنها تمس مسألة الأمن القومي في الصميم لم تُبنَ على الإجماع وإنما بُنيت على الأغلبية البسيطة، كل اتفاقيات العامل الاقتصادي العربي المشترك -عشان ندخل في صلب الموضوع- مبنية في أصعب الحالات على أغلبية الثلثين، وليس على أغلبية.. ليس على قاعدة الإجماع، معنى ذلك أن العقدة...

مالك التريكي: إذا كان الأمر كذلك.. إذا كان الأمر كذلك دكتور، إذاً..

د.مجدي حماد: أيوه...

مالك التريكي: غياب الإرادة السياسية.. مثلما ذكر الدكتور مصطفى الفقي هو.. هو من.. من العلل.

د.مجدي حماد: بالضبط.. بالضبط.

مالك التريكي: ويتجلى في.. في مظاهر كثيرة منها عدم سداد الحصص المالية لكل دولة رغم أن ميزانية الجامعة محدودة وضئيلة جداً لا تتجاوز 27 مليون دولار.

د.مجدي حماد: هذا صحيح، لكن علينا أيضاً أن ننظر إلى مسألة في غاية الأهمية هو لماذا أنشأت هذه الدول الجامعة؟ المنظمات الدولية تنشأ لأحد اتجاهين، أو لأحد غايتين، الغاية الأولى تغيير كيان هذه الدول يعني نوع من الاتحاد أو الوحدة كما هو حادث في السوق الأوروبية المشتركة على سبيل المثال، أو الحفاظ على كيان هذه الدول.

المحادثات التي أدت إلى إنشاء الجامعة عام 43 و44 و45 كانت تجري تحت شعار مباحثات الوحدة العربية، ولكن عندما أُبرم الميثاق وُضع تحفظ في صلب هذا الميثاق وفي صدر ديباجته ينص على أن الجامعة تعمل في ظل الحفاظ على سيادة واستقلال الدول الأعضاء، وبالتالي ليس من الإنصاف لكيان الجامعة القائم أن نتساءل: لماذا لم يحقق الوحدة؟ إن هذا الكيان في صلبه وفي فلسفة قيامه وفي الغاية منه بالنسبة للدول الأعضاء التي أنشأته هو الحفاظ على هذه الكيانات كما هي.

مالك التريكي: لكن دكتور، مفهوم السيادة نفسه، وأنتم تعرفون هذا، مفهوم السيادة نفسه -نوعاً ما- تجاوزه الزمن بواقع.. بواقع العلاقات الدولية الآن.

ثانياً: الجامعة انقضى على.. على.. على نشأتها الآن حوالي 57 سنة، فالأمر يستدعي النظر مرة أخرى، مراجعة الميثاق ومراجعة الآليات في العمل، أليس هذا أمراً مفروغاً منه؟

د.مجدي حماد: مراجعة الآليات أكيد مطلوبة، وأنا أؤكد أن الميثاق خضع لتغييرات واقعية عديدة، قد لا تكون منظورة على مستوى النص، ولكن على مستوى التطبيق هذا الميثاق كما أشرت حالاً ما هيَّ القمة آلية جديدة، وقبل سنة من.. من إقرار القمة أقرت آلية جامعة الدول العربية للوقاية من النزاعات وإداراتها وتسويتها، و... الميثاق...

مالك التريكي [مقاطعاً]: لكن ما هو أهم من القمة.. دكتور، ما هو أهم من القمة النواة لمجلس اقتصادي واجتماعي في يكون عن طريق.. عن طريق اجتماعات دورية لرؤساء الحكومات، هذه فكرة أطلقها أيضاً السيد عمرو موسى على أساس أنها تكون أول آلية للعمل المشترك في المجال الاقتصادي والاجتماعي، أليس هذا أهم من القمم على أساس أن أحد الزعماء العرب أخيراً بيَّن أن قرارات القمة تصدر قبل انعقادها؟

د.مجدي حماد: دعني أؤكد لك مسألة هامة في النظام العربي، ليس هناك على وجه الإطلاق أهم من القمة، لأن إحنا -للأسف الشديد- في مرحلة من التخلف على مستوى النظام العربي وعلى مستوى النظم العربية.. الدول العربية، وليس من المتصور أن هذه الدول العربية عدد كبير منها لا.. لا يوجد به دستور، وإذا وُجد لا يُحترم، لا يوجد مستوى من المؤسسات في غالبية الدول الأعضاء، ليست هناك دولة قانون، فليس من المتصور أن يكون هذا هو حال الأعضاء، ونطالب الجامعة بأن تكون أفضل من حال الدول المؤسسة لها، إحنا -إذا جاز التعبير- بالذات للمقارنة مع السوق الأوروبية المشتركة ومع الوحدة الأوروبية والاتحاد الأوروبي، الدول العربية لا تزال في مرحلة القرن الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر على أحسن الفروض، والدول الأوروبية لما انتقلت من هذه المرحلة التي كانت تسود فيها الحروب المتكررة وصلت إلى قمة التطور السلبي بحربين عالميتين، إحنا -للأسف الشديد- مازلنا في غياهب القرون السابقة على تحقيق الوحدة.

مالك التريكي [مقاطعاً]: الدكتور مجدي حماد.. الدكتور مجدي حماد (مدير الجامعة اللبنانية الدولية والموظف السامي في الجامعة العربية سابقاً) لك جزيل الشكر.

وبهذا تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة