آية الله المدرسي.. دور علماء العراق في الاستقرار   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 12:45 (مكة المكرمة)، 9:45 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

وضاح خنفر

ضيف الحلقة:

محمد تقي المدرسي: أحد علماء الدين العراقيين

تاريخ الحلقة:

15/10/2003

- رؤية العلماء الشيعة لصياغة الدستور الجديد في ظل الاحتلال
- دور علماء الدين العراقيين في استقرار الوضع في العراق

- موقف علماء الدين من قيام نظام فيدرالي داخل العراق الموحد

- حقيقة الوضع الشيعي الداخلي وطبيعة البرنامج السياسي المشترك

- إمكانية التقاء السنة والشيعة في العراق من أجل المستقبل

- موقف علماء الدين من المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي

- المستقبل السياسي للمشاريع الإسلامية السياسية في العراق

وضاح خنفر: أعزائي المشاهدين، السلام عليكم ورحمة الله.

أحييكم من الفضاء الرحب من مكتب سماحة آية الله العظمى -المرجع الديني- السيد محمد تقي المدرسي في هذا اللقاء الذي نتناول فيه عدداً من القضايا التي تهم العراق في هذه المرحلة الحاسمة، سماحة السيد أهلاً وسهلاً بكم.

محمد تقي المدرسي: وبارك الله فيكم.

رؤية العلماء الشيعة لصياغة الدستور الجديد في ظل الاحتلال

وضاح خنفر: الحقيقة السؤال الأول هو عن ما تحدثتم عنه مؤخراً من أفكار ورؤى حول موضوع الدستور، طرحتم تشكيل مجلس سيادي يتكون من خمسة أشخاص هل لكم أن تعطونا فكرة مختصرة عن الطرح الذي أعلنتموه قبل أيام حول مسألة الدستور؟

محمد تقي المدرسي: بسم الله الرحمن الرحيم، لأن الدستور العراقي يجب أن ينسجم مع الوضع العراقي ويتماشى مع تطلعات وقيم الشعب العراقي ويهدي أنشطة هذا الشعب إلى مستقبلٍ أفضل فاقترحت مجلس سيادي يتكون من خمسة أشخاص ينتخب رئيس الجمهورية ورئيس المجلس ويشتركان في هذا المجلس الخماسي، بالإضافة إلى كبير علماء الشيعة وكبير علماء الطائفة السنية وقائد كردي لضمان استقرار الحالة الأمنية والحالة الاجتماعية في العراق ولكي يشترك علماء الدين إلى جانب سائر الطاقات الفاعلة في العراق في تضمين وتأمين حالة الاستقرار في العراق.

وضاح خنفر: لعل الحديث سماحة السيد عن شكل نظام الحكم يأتي في نظر الكثيرين خطوة متقدمة إذ مازال الجدل الآن يدور حول طريقة تشكيل الدستور، هناك من يرى ضرورة انتخاب الهيئة الدستورية، وهناك من يقترح تشكيل أو تعيين لأعضاء الهيئة الدستورية التي تكتب على الدستور.. ما هو في الحقيقة موقفكم من هذه القضية؟

محمد تقي المدرسي: عموماً كتابة الدستور في ظل الاحتلال من ناحية فقه الدستور يعتبر شيء غير مرغوب فيه، لأن هناك تساؤل في الفقه الدستوري حول أنه الدستور الذي يكتب ويشرَّع في ظل الدول ذات السيادة الناقصة هل يعتبر هذا الدستور شرعياً أم لا؟

إلا أنه مع التغاضي عن هذه النقطة الحساسة نقول أن الدستور العراقي يجب أن يكتب عبر لجنة منتخبة من قبل الشعب العراقي مباشرة، ثم يعرض على الشعب العراقي لكي نضمن تطبيق هذا الدستور في العراق من دون تكلُّف ومن دون تعسف، لأن أي دستور يفرض على شعب بقوة السلاح أو يقر في ظروف غير طبيعية يصعب على أبناء الشعب قبول هذا الدستور ومن ثَمَّ يصبح الدستور إما حبراً على ورق وإما يطبق بقوة السلاح، وكلا الأمرين مرفوضان.

وضاح خنفر: طيب، هناك الحقيقة مجموعة من الأفكار تتحدث عن أطر زمنية لوضع هذا الدستور، وزير الخارجية الأميركي مؤخراً طالب مجلس الحكم بأن يضع الدستور خلال ستة أشهر، هل تعتقد بأن مدة زمنية قصيرة كهذه يمكن أن تنتج دستوراً كالذي تتحدث عنه؟

محمد تقي المدرسي: في اعتقادي لا، والسبب في ذلك أن حالة الاستقرار في العراق لما يأتينا.. لما يأتنا بسبب الظروف المعروفة في العراق، وبسبب خروج العراقيين من أزمة سياسية حادة ووجود الاحتلال في العراق، وبالتالي ظروف العراق لا تسمح لنا بوضع الدستور في مرحلة زمنية قصيرة.

دور علماء الدين العراقيين في استقرار الوضع في العراق

وضاح خنفر: نعم، سماحة السيد، الحقيقة تحدثتم قبل قليل عن.. عن مجلس السيادة المشكل من خمسة أشخاص، ألا تعتقد أن وجود كبير علماء السنة وكبير علماء الشيعة، بالإضافة إلى التشكيلات الأخرى والأعضاء الآخرين قد يؤدي في النهاية إلى دولة دينية في العراق وهو ما ربما يرى كثيرون أن الحل الحقيقي للعراق بسبب التنوع الإثني والمذهبي والعرقي أن تكون دولة علمانية ديمقراطية.

محمد تقي المدرسي: جربنا الدول العلمانية في العراق وبأشكال مختلفة، دعنا نجرب أيضاً دولة يساهم الدين في استقرار هذه الدولة، ولا يقف الدين أو المتدينون والمؤمنون في موقف معارض لهذه الدولة، لنضمن استقرار البلد، ولا أدعو أنا إلى دولة دينية محضة وإنما إلى مساهمة فعالة من قبل علماء الدين في استقرار البلد، ولمنع حدوث الانقلابات العسكرية والسبب أننا عانينا من هذه الانقلابات الكثيرة، ودول العالم.. دول العالم الثالث عموماً تعاني من انعدام الديمقراطية بسبب مراكز القوة، فليساهم العلماء وليساهم المؤمنون وليساهم المتدينون في العراق في منع حدوث انقلابات عسكرية جديدة.

وضاح خنفر: سماحة السيد الحقيقة يعني الحديث عن مساهمة علماء الدين في الحياة السياسية بهذا الشكل ربما يُقبل من قطاعات واسعة، لكن الحديث على أن يكونوا جزءًا من الهيكلية السياسية أو من الهيكلية الدستورية للدولة، ألا تعتقد أنه قد يعطيهم صلاحيات في النهاية تؤدي إلى ازدواجية بين الإطار السياسي وبين المرجعية الدينية؟

محمد تقي المدرسي: طبيعي، نحن نعيش في بلد، هذا البلد شعبه متمسك بالدين وفي نفس الوقت منفتح على الحضارة، فلابد أن نبحث عن أطروحة تجمع بين القوتين الرئيسيتين، قوة الانفتاح على الحضارة على الغرب، وقوة الطاقات السياسية التي تريد تحديث هذا البلد وعصرنتها.. وعصرنته، وفي نفس الوقت القوى الدينية التي تريد أن تحافظ على استقرار البلد، قيم البلد، وبالتالي تساهم في استمرار النهج القائم في البلد.

وضاح خنفر: هل فكرة مجلس السيادة الذي تفضلتم بالحديث عنه هو في الحقيقة مستوحى من فكرة مصلحة تشخيص النظام -على ما يبدو مثلاً- في إيران؟

محمد تقي المدرسي: ربما، لكن هناك مجلس سيادي في كثير من الدول، في مصر بعد الثورة، في العراق أيضاً بعد انقلاب 58، شُكِّل مجالس سيادة موجودة أو مجالس لقيادة الثورة أو ما أشبه، وجود مجلس لقيادة بلد هذا شائع في البلاد.. في بلاد كثيرة، مجلس تشخيص النظام أو حماية.. حماية الدستور أو مجالس مشابهة في إيران ظروفها تختلف جدياً عن اقتراحي.

موقف علماء الدين من قيام نظام فيدرالي داخل العراق الموحد

وضاح خنفر: من النقاط الأخرى التي قد يدور جدل حولها في الأيام القادمة فيما يتعلق بالدستور، أيضاً مسألة الفيدرالية بالإضافة إلى نوع نظام الحكم، هل تعتقد أن الفيدرالية الجغرافية، الفيدرالية التي تؤدي إلى بروز كيان مستقل للأكراد وآخر للعرب ضمن دولة عراقية موحدة مقبولة من طرفكم؟

محمد تقي المدرسي: تصوري أن أي فيدرالية في العراق، وبالذات فيدرالية في شمال العراق قد تسبب في تجزئة العراق وفي تحويل العراق إلى كنتونات، وفي إيجاد جروح نازفة في هذا البلد الذي يعاني بذاته من جروح كثيرة، فأنا أُفضِّل أي تحول في خريطة العراق السياسية يجب أن يكون في ظروف هادئة، وفي ظروف طبيعية حتى يوافق عليه الشعب العراقي، وأتطلع إلى ذلك اليوم اللي الشعب العراقي يستطيع أن يقرر قرار إما بالفيدرالية أو الكونفيدرالية أو أي شيء آخر، لكن أن نقتطع جزءاً من العراق باسم الفيدرالية أو بأي اسم آخر في ظروف طارئة لابد أن نعرف أن الشعب العراقي سوف يتعافي من أزمته، وسوف يعود إلى قوته، وسوف يسأل: لماذا وُئِد هذا البلد، وُئِدت هذه الدولة في ظروف؟ لماذا استغلت هذه الظروف لتمزيق هذا البلد؟ وأعتقد هذه سيكون جرح نازف سيتضرر به ليس العراق فقط، وإنما دول الجوار أيضاً.

وضاح خنفر: نعم، طيب الحديث عن رجل يمثل.. عضو من علماء الدين يمثل الشيعة وآخر يمثل السنة، ألا تعتقد أنه قد يثير حزازات وخلافات في داخل كل فريق، بمعنى أنه لابد من أن يلتقي الشيعة على رجل واحد، وكذلك يفعل السنة، ألا تعتقد بأن ذلك قد يؤدي إلى نقل المشكلة إلى داخل الطرف الشيعي وداخل الطرف السني والكردي أيضاً؟

محمد تقي المدرسي: هذه المشكلة هي مشكلة.. مشكلة الحرية، والحرية لها مشاكلها ولها فوائدها، ولابد أن نحل مشاكلها، أما أن نتجاوز الحرية بتبرير أنها ستحدث بعض الخلافات، وفعلاً الآن هناك أحزاب سياسية كثيرة في العراق وتوجهات مختلفة لا يمكن لنا أن نلغي هذه التوجهات لأنها سببت مشكلة بالعكس أن الأزمات النفسية دعها تخرج إلى النور وتعالج أفضل مما تكبت وتتحول إلى بقع للتوتر المستمرة.

حقيقة الوضع الشيعي الداخلي وطبيعة البرنامج السياسي المشترك

وضاح خنفر: في هذا الإطار إلى أي حدٍ ترى بأن الحالة الشيعية في العراق أو قد توصلت إلى ربما وضع سياسي مستقر يمكنها من أن تتقدم بمشروع موحد أو بشخصية موحدة بقيادة المجلس.. المجلس الدستوري الذي تحدثتم عنه؟

محمد تقي المدرسي: نحن تقدمنا خطوات، وأتصور أن العراق كله يتقدم خطوات سريعة نحو الوئام ونحو أن يتعرف الناس على بعضهم بعد فترة.. فترة الديكتاتورية التي كانت تقوم على أساس "فُرِّق تَسُد" أو على أساس زرع اللا ثقة والشكوك بين التيارات المختلفة في البلد، طبيعي لا نتوقع ولا ننتظر أنه نستطيع أن نتجاوز كل المشاكل التي كانت خلال ثلاثين عاماً في خلال أيام أو في خلال أشهر، ولكننا نتقدم خطوات في هذا الاتجاه.

وضاح خنفر: سماحة السيد، أنتم أيضاً أنتم شاركتم في تأسيس منظمة العمل الإسلامي وتسترشد بآرائكم عدد أو جملة من التنظيمات أو من الحركات السياسية الموجودة هنا في العراق، هل هناك من حوار داخلي في أوساط التنظيمات الشيعية والحركات الشيعية من أجل حالة ربما من التوحد، حالة من البرنامج السياسي المشترك؟

محمد تقي المدرسي: نعم.

وضاح خنفر: هل هذا الحوار ربما يثمر قريباً عن لافتة سياسية عن منهاج سياسي موحد؟

محمد تقي المدرسي: ربما، لكن الحوار حينما يكون حوار مفتوح، وفي ظروف كظروف العراق أعتقد نحتاج إلى بعض الوقت.

إمكانية التقاء السنة والشيعة في العراق من أجل المستقبل

وضاح خنفر: إلى أي حدٍ تعتقد بأن هناك إمكانية لأن يلتقي الجانب الإسلامي الشيعي مع الجانب الإسلامي السني في طرح أفكار كلية تشمل الوطن ككل، وتقدم التيار الإسلامي بشقيه الشيعي والسني بمقترحات محددة من أجل دستور المستقبل والحياة السياسية عموماً في العراق؟

محمد تقي المدرسي: نأمل ذلك، ولكن كما تعرفون أن الحكم البائد في العراق كان يستخدم نوع من الطائفية ليس لمصلحة الطائفة السنية، وإنما ضد الطائفة الشيعية، مجرد استخدام لافتة، وهذه سببت بعض المشاكل في الوضع العراقي، وأعتقد إحنا نحتاج إلى بعض الوقت حتى نتجاوزها.

وضاح خنفر: هل تعتقد أو هل ترى بأن هناك إشكالية طائفية حقيقية في العراق بين السنة والشيعة؟

محمد تقي المدرسي: لم تكن لدينا هذه الإشكالية تاريخياً، ومعروف جداً أنه الحالة الإسلامية في العراق حالة منسجمة، وكانت لدينا لقاءات في أيام الزعيم عبد الكريم قاسم حينما كان يحكم العراق، وكانت هناك تيارات معينة كنا نواجهها.. نواجهها جميعاً سنة وشيعة.

وضاح خنفر: ولكن يعني في المرحلة القادمة هل مثل هذه الإشكاليات أو يمكن فعلاً أن.. أن توضع قيد النقاش والدرس المفتوح، يعني بمعنى هل هناك إطار لحوار حقيقي يتجاوز فقط اللغة الدبلوماسية والنوايا الطيبة إلى معالجة القضايا الحقيقية التي يطالب بها كل فريق حتى تنحسم بإطار سلمي وحوار حضاري؟

محمد تقي المدرسي: بالتأكيد، تعرفون نحن في العراق ليس.. لسنا منفصلين عن العالمين العربي والإسلامي، وكما تعرفون في أكثر من بقعة في العالم الإسلامي هناك حوار، بل هناك تكامل وتعاون بين الطوائف المختلفة، فلماذا نحن لا نقتدي بهم ولا نسير وفق هداهم.

وضاح خنفر: الحقيقة أيضاً من الأشياء التي يتخوف منها كثيرون هو جمود الفكر ربما السياسي الإسلامي بشقيه ربما الشيعي والسني هكذا كثير من منتقدية يقولون بأنه في النهاية الأمثلة على الدولة الإسلامية كانت النموذج على سبيل المثال ربما الإيراني، وأيضاً هناك نموذج حركة طالبان وما إلى ذلك، هل تعتقد بأن الفكر الإسلامي السياسي، وأنتم ألفتم عدد من المؤلفات في هذا الاتجاه قادر في هذه المرحلة على أن يتقدم بحلول معاصرة وحقيقية وتسمح للآخر بأن يوجد وأن يعبر عن نفسه؟

محمد تقي المدرسي: في الخمسينات والستينات كانت هناك تيارات إسلامية منفتحة كما تعرفون، ولكن المشكلة هي ابتداءً من الثمانينات، يعني العقدين الأخيرين من القرن الماضي الثمانينات والتسعينات نحن ابتلينا بظروف سياسية صعبة في العالم العربي والعالم الإسلامي، وبالذات فيما يرتبط بالقضية الفلسطينية، هذه الظروف دفعت شبابنا إلى تيارات أكثر تطرفاً وأكثر تشدداً، يعني من الناحية الطبيعية كان ينبغي أن يزداد الفكر الإسلامي انفتاحاً وعصرنة في هذه الفترة يعني بعد مرور ثلاثين سنة من ممارسته للدور السياسي في مصر وفي باكستان، وفي.. وفي بلاد أخرى، لكن قمع هذه التيارات والقضية الفلسطينية والأزمات التي حدثت بين الغرب والشرق سببت في نمو التيارات الأكثر تشدداً، وهذا مما يؤسف له أنه نحن لا نلقي بالمشكلة على عاتق الإسلاميين، المشكلة هي.. هي أزمة حضارية موجودة في العالم الإسلامي، والأزمة مصدَّرة إلى العالم الإسلامي والعالم العربي من العالم الغربي اللي لم يتفهموا واقعنا، ولم يعالجوا مشاكلنا، ودفعونا أو دفعوا شبابنا إلى التشدد بل وإلى الإرهاب أيضاً.

وضاح خنفر: يرد كثيرون ويقولون بأن دور علماء الدين في هذه المرحلة لا سيَّما في التعامل مع الواقع المعاصر ومع الشباب عموماً اتسم بالانعزال ما بين المنبر والمحراب ولم يخرجوا فعلاً لكي يتعاملوا بشكل واقعي وعصري مع هذه القضايا، يقدسوا حلول يعني يشعر الشاب أحياناً بغربة عندما يدخل إلى المسجد أو يدخل إلى المؤسسة الدينية.

محمد تقي المدرسي: إذا ترجعون تاريخنا الحديث لا أقل من العراق تجدون أن علماء الدين الذين قتلوا أو اغتيلوا إما في السجون وإما اغتيال مفتوح، هؤلاء كانوا من المنفتحين ويعني ذلك أن هناك أيادي سواء في داخل البلاد العربية والإسلامية وخارجها ما تريد لها النوع من العلماء أن ينمو، إنما يشجع على ذلك العالم القابع في زاوية المسجد أو في فوق المنبر ينصح الناس بـ "يا عباد الله اتقوا الله"، وإلى هذه اللحظة ممنوع على كثير من علماء الدين في العالم الإسلامي أن يلقوا أحاديثهم في يوم الجمعة ارتجالا، عليهم أن يقرءوا ورقة والورقة يجب أن يُصدِّق عليها وزارة الأوقاف أو أي وزارة أخرى.

وضاح خنفر: سماحة السيد، إذا عدنا مرة ثانية إلى الواقع العراقي، تعرف أن هناك تحديات جديدة نتجت عن انهيار النظام السابق، ما هي وظيفة عالم الدين في هذه المرحلة؟ لا سيما أنه قد أتيحت له الآن ربما أكثر بكثير مما كانت عليه في العقود السابقة؟

محمد تقي المدرسي: بعد سقوط النظام البائد قام العلماء بمجموعة أنشطة، وأعتقد إنها كانت صحيحة، أبرزها ترشيد الجماهير ومنعها من الاعتداء على ممتلكات الدولة، ومنعها من التضارب الداخلي باعتبار فُقِد الأمن في العراق تلك الفترة وفُقِدت المؤسسات الحكومية كلها، وقاموا في أغلب المدن العراقية، قام العلماء أيضا بتسيير دفة البلاد بصورة مؤقتة والتعاون مع القوات التحالف بالرغم أنهم كانوا يرفضون قوات التحالف، إلا أنهم تعاملوا معها كأمر واقع من أجل إدارة البلاد، وفعلاً أثبت علماء الدين في العراق بأنهم عامل استقرار، وأعتقد في هذه المرحلة يجب عليهم بالإضافة إلى هذا الدور أن يقوموا بدور تنوير الساحة وأن يكونوا محور التقاء ومحور تكامل المجتمع العراقي، ويمتصوا الحالات الحزبية وحالات التفرقة والتعصب.

موقف علماء الدين من المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي

وضاح خنفر: الحقيقة من الأشياء التي شغلت الرأي العام عراقياً وعربياً أيضاً، الهجمات العسكرية ضد القوات الأميركية والتي يسميها ويحلو البعض كثير من يسمونها بالمقاومة هنا في العراق؟ أنت أيضاً في كتابك عن "فقه الجهاد وأحكام القتال"، تحدثت يعني عن حماية البلاد من الغزو الخارجي، هل الحالة العراقية الآن ينطبق عليها ضرورة أن يقوم المسلم بحماية بلده من الغزو الخارجي؟

محمد تقي المدرسي: بالتأكيد نحن ندعو إلى حماية البلاد من الغزو.. الغزو الخارجي، ولكن كيف، الإنسان يجب أن يكون واقعياً، ويعرف كيف يتصرف، العراق احتل من قِبَل قوات التحالف في ظروف طارئة، هذه الظروف لا تزال موجودة ولكي يرحل المحتلون من العراق قوات التحالف، لابد أن نهيئ الظروف المناسبة لاستقرار البلد بناء المؤسسات وهم وعدونا بالرحيل، أنا شخصياً بأعتقد بأنهم سيوفون وعدهم.. سيوفون بوعدهم لأسباب تخصهم، وأعتقد نحن ينبغي أن نساهم في المسارعة بالخطوات التمهيدية لرحيل قوات التحالف.

وضاح خنفر: نعم.

محمد تقي المدرسي: وهذه أفضل من أن نثير بعض المشاكل في البلد، اللي هذه المشاكل قد تصبح تبريراً لقوات التحالف في البقاء أكبر فترة ممكنة.

وضاح خنفر: على المستوى الإقليمي هنا في المنطقة هناك كثير من الدول المحيطة بالعراق جيران العراق، لديهم مصالح مهمة جداً، هناك تركياً، المسألة الكردية، أيضاً إيران والامتداد الشيعي هنا في العراق، إلى أي حدٍ ترى ضرورة تشكيل أجندة وطنية منفصلة أو منفكة عن هذه المناطق، أم أنه فعلاً من حوار ما مع هذه القوى وهذه الدول؟

محمد تقي المدرسي: بالتأكيد، العراق جزء من العالم الإسلامي، وجزء من العالم العربي، وجزء من منطقة متوترة طبيعياً، الشرق الأوسط، والخليج، ومشاكل أخرى في المنطقة، ولا يمكن للعراق أن ينفصل عن جغرافيته كما لا يمكن أن ينفصل عن العالم، ولذلك أنا أدعو إلى المزيد من الحوار مع دول الجوار من جهة، وفي نفس الوقت لابد أن تكون في العراق حكومة وطنية ترى مصالح البلاد قبل أي شيء آخر.

المستقبل السياسي للمشاريع الإسلامية السياسية في العراق

وضاح خنفر: فيما يتعلق بالفقه السياسي -إن صحت التسمية- هناك جدل يدور في أوساط كثير من التيارات السياسية الإسلامية حول بعض ملامح هذا المشروع السياسي، أنتم أيضاً في الجانب الشيعي هناك تيارات تتحدث عن ولاية الفقيه، وأخرى لا تؤمن بولاية الفقيه برأيك في الحالة العراقية وفي أوساط أهل الشيعة من العراق، ما هو المستقبل السياسي لهذه الأفكار؟

محمد تقي المدرسي: الأفكار كثيرة، لكن علينا أن نختار من هذه الأفكار الأكثر واقعية وانسجاماً مع الساحة العراقية، الساحة العراقية ساحة فيها الكثير من التيارات العلمانية وفيها الآن حالة احتلال، وفيها أيضاً مشكلة الكردية، ولعل هناك شيء من المشكلة الطائفية فلنسمها ولو كان القضية الطائفية ليست بحد الإشكال، لكن بالتالي نحن لا نستطيع أن نطلق شعارات في العراق ونجري وراء هذه الشعارات، نحن ينبغي خطوة فخطوة ندرس كل مرحلة بمرحلة، ونرى كيف نستطيع أن نطبق قيمنا على الواقع الخارجي، وبالتالي يجب أن يكون لدينا مجتهدون يستطيعون استنباط الأحكام على الواقع الخارجي، ومن دون الأخذ بالآراء السابقة والآراء اللي طبقت في بلد آخر، وإنما ينظرون للحالة العراقية والظروف العراقية بصورة جدية.

وضاح خنفر: وهل هذا يعني ضمن هذه السياقات تشكيل مرجعية عراقية شيعية أكثر استقرار من ذي قبل لا سيَّما ما دار من حديث حول تقوية مرجعية النجف وحوزة النجف على حساب حوزتكم في السنوات والعقود الماضية؟

محمد تقي المدرسي: أتصور أن الحوزة العلمية في النجف أو في كربلاء، أو على أي حال في أي مكان آخر، لا تكون على حساب حوزات أخرى وإنما تتكامل معاها، ولكن عموماً في العراق كانت حوزة علمية، والحالة العراقية الحالة الدينية في العراق، والحالة السياسية في العراق ليست تابعة لأي حالة أخرى في أي بلدٍ آخر، سواء إيران أو مصر أو أي بلد آخر، الشعب العراقي شعب عنده تاريخه، وعنده فكره، وعنده حوزاته، وعنده علماءه وأحزابه وأفكاره، ولذلك قياس العراق بسائر البلاد قياس مع فارق.

وضاح خنفر: نعم، سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، شكراً جزيلاً.

محمد تقي المدرسي: عفواً.

وضاح خنفر: شكراً.

محمد تقي المدرسي: حياكم الله وبارك الله فيك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة