أميركا والعراق، الفلسطينيون والحرب الأهلية، الصراع السوداني   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:30 (مكة المكرمة)، 23:30 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

توفيق طه

تاريخ الحلقة:

12/10/2002

- دلالات تفويض الكونغرس للرئيس الأميركي باستخدام القوة ضد العراق
- الفلسطينيون وشبح الحرب الأهلية في ظل عمليات القتل الجماعي الشارونية

- الانتخابات الجزائرية بين عزوف المواطنين والمطالب القومية للأمازيغ

- المساعي البريطانية لحشد الدعم للحملة الأميركية ضد العراق

- انعكاس الصراع السوداني على الاستقرار في القرن الأفريقي

توفيق طه: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيها اليوم:

الكونجرس يفوض الرئيس الأميركي استخدام القوة ضد العراق بصورة منفردة، بينما يتزايد التصعيد الأميركي.

والفلسطينيون يقاومون شبح الحرب الأهلية بينهم كما يقاومون الاحتلال الإسرائيلي، وشارون يصعِّد من عمليات القتل الجماعي.

وعزوف المواطن الجزائري عن صندوق الاقتراع يفضح حالة اليأس من التغيير، بينما يصعد القبائليون من مطالبهم القومية.

دلالات تفويض الكونجرس للرئيس الأميركي باستخدام القوة ضد العراق

فاتت على كثيرين الدلالات الخطيرة لتصويت الكونجرس الأميركي على منح الرئيس (جورج بوش) صلاحيات شبه مطلقة لشن الحرب بصورة منفردة، فلم يحدث منذ فضيحة (ووتر جيت) ما بين عامي 73 و74 أن تمتع رئيس أميركي بهذا القدر من الصلاحيات، وهو ما دفع بعض مراقبي الشأن الأميركي إلى تسمية ما حدث انقلاباً على الشرعية الدستورية في الولايات المتحدة.

فالدستور الأميركي يقوم على التوازن ما بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومن المستغرب للغاية أن يتخلى الجهاز التشريعي عن سلطته الرقابية على أهم قرار في الدولة، قرار إعلان الحرب، فهل نحن نشهد الآن بداية الجمهورية الأميركية الثانية؟

تصريحات الرئيس الأميركي حول ضرب العراق
تقرير/حسن إبراهيم: بتصويت الكونجرس –بمجلسيه النواب والشيوخ- لمنح الرئيس الأميركي صلاحيات إضافية طلبها، يكون خطاب بوش الذي وجهه للأمة الأميركية قد آتى أُكله، وكان خطاب الرئيس الأميركي إقراراً للتشدد ضد العراق وتأكيداً على الخطر الذي يمثله الرئيس العراقي ومطالبة بقرار متشدد من مجلس الأمن الدولي يخوِّل الاستخدام التلقائي للقوة ضد العراق إن لم يتعاون مع المفتشين الدوليين.

الخطير في تفويض الكونجرس للرئيس الأميركي هو أنه منح الجهاز التنفيذي الحق في إعلان الحرب ضد دولة مستقلة بدون الرجوع إلى الكونجرس، كما ينص على ذلك البند الأول من المادة الثامنة من الدستور الأميركي، وحتى التعديل الرابع عشر من الدستور الأميركي الذي يمنح الرئيس الأميركي سلطة إعلان الحرب في حال تعرض أمن الولايات المتحدة إلى الخطر يحظر عليه أن تستمر الحرب فوق الستين يوماً، وعندها يجب الرجوع إلى الكونجرس، وما نشهده هنا حالة جديدة تتوافق مع مزاج عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، إلا أن تركيز السلطات في الجهاز التنفيذي أمر يحدث دائماً بعد الأزمات الحادة في التاريخ الأميركي، فبعد انهيار سوق الأوراق المالية عام 29 والبطالة الطاحنة التي أعقبته، ضغط الرئيس (فراكلين روزفلت) على الكونجرس لمنحه سلطات استثنائية لإطلاق برنامجه الإصلاحي "العهد الجديد"، واستمر الجهاز التنفيذي يكتسب المزيد من القوة حتى أتت فضيحة (ووترجيت)، وفقد الشارع الأميركي ثقته في الجهاز التنفيذي حين اكتشف الطريقة التي كان يدير بها (ريتشارد نيكسون) البيت الأبيض.

لذا يعتبر كثير من المراقبين ما حدث في الكونجرس انقلاباً غير معلن على الدستور الأميركي أساس شرعية الدولة الأميركية، فهل نحن نشهد الجمهورية الثانية في الولايات المتحدة؟

يبدو ذلك جلياً في عدم حرص البيت الأبيض على نقل خطاب الرئيس الأميركي مباشرة عبر قنوات التلفزة الوطنية، ويعتبر ذلك غريباً، خاصة وأن الرئيس الأميركي كان يريد تطويق الحركة المناهضة للحرب والتوجه إلى الجماهير مباشرة، فلماذا يهمل البيت الأبيض وسيلة الاتصال الأوسع انتشاراً؟ فهل توارت أصوات الجماهير إلى المرتبة الأقل أهمية في تحديد آلية صنع القرار في الولايات المتحدة؟

فقد أظهرت استطلاعات الرأي بعد الخطاب –لو كانت لها دلالات وإن افترضنا الدقة فيها- انقساماً، فبينما يرفض 30% أن تخوض الولايات المتحدة الحرب منفردة كان هناك 30% يقبلون ذلك، لكن معظم الأميركيين يؤيدون خوض الحرب عبر تحالف دولي على غرار حرب الخليج الثانية.

اليمين التقليدي في الحزب الجمهوري ويمين الحزب الديمقراطي ما زال يؤمن بالوشائج التقليدية التي تربط بلادهم بدول العالم العربي المحافظة، لكن اليمين الجديد أو .. Conservatives New يريد قلب الطاولة على الجميع بمن فيهم الأصدقاء السابقون، واليمين الجديد يرى الشرق الأوسط حقول نفط وغاز بالإضافة إلى إسرائيل، ولا يأبه بكل منظومة العلاقات القديمة التي تشكلت على مدى الستين عاماً الماضية.

التصعيد الأميركي يبدو جلياً في الحشود العسكرية واللهجة التصعيدية المتشددة والتي ترفض حتى التعامل وفق أسس اللعبة الدولية، وحتى لو أفلحت الجهود الفرنسية الروسية الصينية في تخفيف لهجة وبلوغ أي قرار جديد من مجلس الأمن الدولي، فإن الرئيس الأميركي بتصريحاته المتشددة قد قطع على نفسه خط الرجعة، فهل يتراجع بوش؟!

الفلسطينيون وشبح الحرب الأهلية في ظل عمليات القتل الجماعي الشارونية

توفيق طه: لم يكن رد الفعل الأميركي على مذبحة خان يونس التي نفذتها قوات الاحتلال أخيراً مفاجئاً لرئيس الحكومة الإسرائيلية، (فآرييل شارون) يعي تماماً حدود ما يستطيع أو لا يستطيع عمله في الأراضي الفلسطينية بغية عدم التأثير على جهود واشنطن الرامية إلى حشد الدعم والتأييد العربيين لضرب العراق، وفي الوقت الذي تستمر فيه سياسة القبضة الحديدية التي ينتهجها شارون ضد الشعب الفلسطيني بدأت تطفو على السطح بوادر اقتتال فلسطيني داخلي لا يبشر بالخير لمجمل القضية الفلسطينية.

معتقلان فلسطينيان من مخيم بلاطة يرفعان أيديهما بعلامة النصر
تقرير/سمير خضر: مرة أخرى تدوي أصوات الانفجارات في قلب إسرائيل، ومرة أخرى تعلن كتائب القسام أن يدها الطويلة يمكن أن تنال من عظيمها متى أرادت وحيثما شاءت، عملية تل أبيب الأخيرة تشكل فشلاً جديداً لأجهزة الأمن الإسرائيلية ولسياسة شارون الأمنية، ولكنها تشكل أيضاً فشلاً لسياسة التهدئة التي تنادي بها السلطة الفلسطينية والتي دعا رئيسها من مقره المحاصر في رام الله إلى وقف الهجمات الفلسطينية على المدنيين الإسرائيليين، وأصبح من الواضح أن السلطة الفلسطينية لم تعد تسيطر على جزء كبير من الشارع الفلسطيني، لا بل أن الاحتقان في صفوفه بدأ يطفو على السطح ويهدد بنسف ما كان يُسمى وحدة الصف الفلسطيني، ولا أدل على ذلك من تجرؤ بعض أنصار حماس في غزة على اغتيال عميد في الشرطة الفلسطينية بحجة الثأر، والذي أعقبه مواجهات مسلحة بين الشرطة وعدد من أنصار حماس أدى إلى سقوط مزيد من القتلى والجرحى، مثل هذا الاقتتال الداخلي لا يمكنه إلا أن يبعث السرور في قلب شارون الذي يواجه مع ذلك معضلة سياسية ودبلوماسية في قطاع غزة، إذ تحاصر الدبابات الإسرائيلية معظم مدن وبلدات القطاع وتشتبك يومياً مع الفلسطينيين، وغالباً ما تقوم قوات الاحتلال بقصف عشوائي للمناطق السكنية تحت حجج واهية، وتوقع العشرات من القتلى والجرحى.

ورغم أن الحكومة الإسرائيلية اعتادت على وجود غطاء سياسي ودبلوماسي أميركي يجنبها الحرج الدولي فإن عمليتها الأخيرة التي كانت غالبية ضحاياها من الأطفال واجهت غضباً أميركياً واضحاً، حيث انبرى الناطق باسم الخارجية الأميركية إلى التعبير عن قلق بلاده من مثل هذه العمليات.

والواقع أن واشنطن بدأت تشعر أن الحملة العسكرية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين باتت تشكل حرجاً لها في العالم العربي في الوقت الذي بدأت تقرع فيه طبول الحرب ضد العراق.

وترى واشنطن أن شارون يختبر قدرتها على التحمل رغم مطالبتها إياه مراراً بالتهدئة -ولو مؤقتاً- ريثما تتمكن من حشد الدعم والتأييد العربيين لصالحها ضد العراق، وربما لهذا السبب تمت دعوة شارون إلى العاصمة الأميركية ليتدارس مع بوش حدود ما يمكن وما لا يمكن لإسرائيل عمله دون أن يؤثر ذلك على الحرب القادمة في المنطقة، إذ رغم نفيها المتواصل لوجود رابط بين المسألتين العراقية والفلسطينية، فإن واشنطن وحلفاءها الغربيين يعون تماماً تأثير كل منهما على الأخرى ويواصلون إرسال إشارات بهذا الصدد بشكل مباشر أو حتى غير مباشر من خلال جولات لعدد من الموفدين إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية والتي تواجه معظمها -إن لم تكن كلها- بالصد والازدراء من الجانب الإسرائيلي.

الانتخابات الجزائرية بين عزوف المواطنين والمطالب القومية للأمازيغ

توفيق طه: خيبة أمل كبيرة تلك التي خيمت على المراقبين للشأن الجزائري بسبب الإقبال الضعيف على صناديق الاقتراع، وتختزن الذاكرة الحية للشعب الجزائري حقيقة أن صناديق الاقتراع هي التي دشنت الحرب الأهلية التي تدور رحاها منذ مطلع التسعينيات، وراح ضحيتها ما يناهز المائة ألف جزائري وجزائرية.

وبعيداً عن جدلية من يقتل من؟ فإن المحاور التي تمزق الفرقاء في الجزائر تتزايد يوماً بعد يوم، فبعد صراع الأسلمة والعلمنة، تبرز الأمازيغية اليوم كواحدة من أهم نقاط الاختلاف في المجتمع الجزائري.

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أثناء الانتخابات البرلمانية في الجزائر
تقرير/جيان اليعقوبي: لم تكن نتيجة الانتخابات المحلية التي جرت في الجزائر مفاجأة لأحد، فقد فاز الحزب الحاكم كما جرى العرف في العالم العربي بحصة الأسد من المقاعد في المجالس البلدية في ظل مشاركة ضئيلة من الناخبين، وترك الفتات لغيره من الأحزاب التي منها من ولد من رحم السلطة الحاكمة ومنها من يحمل رائحة التاريخ الغابر، ويحاول أن يقاوم إلى النفس الأخير.

وتشهد مواسم الانتخابات عادة إطلاق شعارات نارية في محاولة للحصول على ما لا يستطاع الحصول عليه أو التكلم فيه أثناء الظروف العادية، وكذا أطلق محفوظ نحناح نداء للإفراج عن الزعيم التاريخي للحركة الإسلامية للإنقاذ عباس مدني ردت عليه الحكومة بالتجاهل التام، ثم نداء آخر استرعى الكثير من علامات الاستفهام، وفي جهات أخرى الكثير من الاستياء، وجاء هذه المرة من حسين آية أحمد (زعيم حزب جبهة القوى الاشتراكية) الذي طالب من محل إقامته في جنيف كوفي عنان ورئيسة الاتحاد الأوروبي بالتدخل لتفادي حرب أهلية محتملة، مع أن آية أحمد قد قرر هذه المرة أن يشارك في الانتخابات بعد أن قاطع حزبه الانتخابات البرلمانية السابقة التي جرت في غيابه، وبدا الحزب أمام الآخرين وكأنه أصبح تابعاً للجناح المتشدد من التيار القبلي الذي قاطع الانتخابات السابقة والحالية.

وقد أثار قرار المشاركة هذه المرة ثائرة القبليين الذين اعتبروا قرار آية أحمد نوعاً من شق الصفوف، وهجم الشباب الغاضب على مقرات الحزب بالمتفجرات.

ومشكلة القبائل التي تزداد تأججاً بمرور الزمن ترجع جذورها إلى أيام الثورة وقبل أن تنال البلاد استقلالها، عندما جرت مناقشات مستفيضة بين مناضلي جميع الفصائل حول توصيف الأمة الجزائرية، وطالب حسين آية أحمد وقتها بإدراج البعد الأمازيغي في دستور الدولة المقبلة، ولكن جبهة التحرير الوطنية التي حكمت البلاد فور استقلالها استطاعت أن تدفع بهذه الخلافات تحت السطح وأسكتت خلال 30 عاماً الماضية جميع الأصوات التي تبدو نشازاً في آذان القائمين على شؤون البلاد، حتى جاء عام 80 وتسبب قرار السلطات بمنع الكاتب مولود معمري من إلقاء محاضرة حول الشعر القبيلي القديم إلى اندلاع مواجهات عنيفة بين طلاب جامعة (تيزي أوزو) وأفراد الشرطة، وبقي الصراع حول هذا الموضوع يدور في الأوساط الفكرية والثقافية التي لم تكن تجرؤ آنذاك على ترجمته إلى حركة سياسية واضحة، حتى جاء عقد التسعينات وبدء دوامة العنف والعنف المضاد بين الحكومة والجماعات الإسلامية فقد تأججت وتيرة المطالب، وأصبحت الاحتجاجات أكثر علنية وعنفاً.

وهكذا شهدت مناطق القبائل موجة من العنف لم يسبق لها مثيل وظلت مستمرة حتى الآن، وصلت إلى حد منع الدولة بكل هيبتها من إتمام العمليات الإدارية الخاصة بالانتخابات في مناطقهم، ولهذا جاء انشقاق حسين آية أحمد وقراره بخوض الانتخابات بمثابة هدية ثمينة للحكومة التي تريد إعادة ترتيب البيت الجزائري على ضوء هذه التحالفات الجديدة استعداداً للانتخابات الرئاسية المقبلة.

توفيق طه: ولإلقاء مزيد من الضوء على المشهد الجزائري معي في الاستوديو المحامي والناشط في مجال حقوق الإنسان سعد جبار.

أستاذ سعد، ما هي أهم أسباب عزوف الناخب الجزائري عن صناديق الاقتراع؟

سعد جبار (متخصص في الشؤون الجزائرية): أنتم بدأتم البرنامج أن المواطن الجزائري عزف عن التصويت بسبب التغيير، في الحقيقة أن الانتخابات لم تؤدِ إلى تغيير لأن الانتخابات في كل المجتمعات التي تؤمن بها هي وسيلة وقناة لترسيخ طموحات الناخبين من خلال ممثليهم سواء أكانوا أحزاب أو أفراد مستقلين.

بالنسبة للجزائر عاشت الجزائر منذ بداية الأزمة عدداً قياسياً من الانتخابات لغاية أن فقدت الانتخابات معناها، وهذا ما جعل المواطن الجزائري الذي يدرك من تاريخه البعيد أثناء حرب.. سواء أثناء الاستقلال.. حرب التحرير أو قبل حرب التحرير وبعد الاستقلال أن.. أن الانتخابات استعملت كوسيلة لوقف أي تغيير، تغيير لطبيعة النظام، تغيير لموازين القوى وعليه فالانتخابات التي أجريت إلى حد الساعة ما هي إلى وسيلة للحفاظ على ما هو قائم أي الوضع المرفوض شعبياً وسياسياً.

توفيق طه: كيف؟

سعد جبار: لأن.. لأنه منذ وقف المسار الانتخابي عام 1992 لم يعالج النظام المعضلة السياسية الحقيقية ألا وهي الشرعية، مشكلة الشرعية في الجزائر، هذه هي الحقيقة لكن مشكلة الشرعية في الجزائر ليست مجرد كلمة، بل أن الناس أي أن هنالك إجماع داخل الجزائر، أن المجتمع الجزائري تطور ولديه مجتمع مدني بحيث أصبح من حقه أن يعيِّن حُكَّامه ويعزلهم طبقاً للوسائل السلمية أو الديمقراطية.

توفيق طه: نعم، في ضوء هذه المقاطعة يعني أي ظل تحمل هذه المقاطعة أو تلقي على انتخابات الرئاسة المقبلة؟

سعد جبار: هي نتيجة منطقية لأن الانتخابات لم.. لا يقصد بها التغيير، لو كانت الانتخابات تغير شيء لما سمح النظام بإجرائها.

توفيق طه [مقاطعاً]: وكل هذا الكلام..

سعد جبار [مستأنفاً]: الانتخابات.

توفيق طه [مقاطعاً]: عن الأحزاب وتعددية.

سعد جبار [مستأنفاً]: حتى الأحزاب كان بالجزائر قبل التعددية حزب أو أداة سياسية واحدة لكي يستعملها النظام يعني في الجانب السياسي للحفاظ على نفسه، فاليوم وبعد بدء الأزمة عام 92 أراد أن يجعل من الأحزاب وتعددها مجرد أدوات، أي حزب واحد قسمه إلى عدة أقسام، بينما الأحزاب الفائزة يا إما دُجنت أو أُجريت انقلاب ضدها في الداخل مثلما حدث لعبد الحميد المهري في جبهة التحرير الوطني أو أريد تدجينها وتلغيمها من الداخل مثل ما يحدث حالياً لحزب جبهة القوى الاشتراكية.

توفيق طه: نعم، لكن إلى متى يمكن أن تسيطر الدولة على هذه اللعبة الديمقراطية بالشكل الذي تريده؟

سعد جبار: المقصود ليس الدولة، بل النظام.

توفيق طه: النظام.

سعد جبار: الكتلة الحاكمة لم تتغير منذ بداية الأزمة عام 92، أساليبها لم تتغير كل ما طورته منذ 92، ليس تمهيد للأرضية الديمقراطية أو مرحلة البدء الديمقراطية بل طورت أساليب التحايل من أجل منع أي إمكانية لبدء الديمقراطية في الجزائر، هذه هي المأساة.

توفيق طه: نعم. نعم، الخريطة النيابية الحالية في الجزائر إلى أي مدى تتحمل دعوة مثل دعوة الشيخ نحناح إلى الإفراج عن الشيخ عباس مدني؟

سعد جبار: الإفراج يجب أن يدخل في إطار مصالحة وطنية شاملة في وجود نية لدى السلطة الحاكمة أن تقبل أن الوقت قد حان، أن تضحي بنفسها، الابتعاد عن السلطة بدلاً من أن تجعل المجتمع، الشعب والدولة يضحون من أجل هذه الكتلة، هذه هي القضية، إنما الحديث عن حزب إسلامي وإطلاق سراح الإسلاميين وقادة الجبهة الإسلامية، هذه يدخل في إطار إن كانت هنالك نية حقيقية للرجوع للشرعية ومحاولة إقرار ديمقراطية في البلد، فهذه تأتي نتيجة وليست هي الوسيلة لما يمكن إطلاق سراحهم غداً، لكن تبقى الظروف التي أدت إلى الأزمة قائمة، فيجب التعامل مع جذور الأزمة لا مع ذيلها.

توفيق طه: نعم، في.. في مطلع التسعينات كان فوز التيار الإسلامي سبباً في كل ما نشهده الآن، يعني في غياب الآن جبهة الإنقاذ الإسلامي من يمثل.. أو كيف تمثل التيار الإسلامي في هذه الانتخابات؟

سعد جبار: عين السؤال يجب أن يكمل أو يُصاغ في التالي: لماذا نجحت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في عام 1991، النظام الجزائري لم يعِ الدرس ولم يتقن الدرس التاريخي في هذا المجال، بمعنى المجتمع يريد التغيير والتغيير حقيقي والتغيير للأحسن، بحيث يكون للشعب رقابة على حكامه، تعيينهم وعزلهم، وهي الوسيلة الوحيدة للحل في الجزائر، النظام يريد أن يُعيد نفس الأساليب بطرق مختلفة، وهذا لا يعتبر حل، بل تعتبر مهزلة بعد أخرى.

توفيق طه: نعم، لكن السؤال يبقى قائماً كيف يتمثل التيار الإسلامي الآن؟

سعد جبار: التيار الإسلامي هو جزء لا يتجزأ من تيار كبير في الجزائر، مرة تنفس الجزائريون عن طريق التيار الإسلامي، فالآن أصبحت المعادلة كالآتي: مجتمع يريد أن يتحرر من استبداد استعمل كل الحيل والوسائل الموجودة في قاموس السياسة من أجل استمراريته بألوان وطرق مختلفة، وبين وجود بديل لهذه الوسائل، المجتمع الجزائري يريد أن يجد بديل، لذلك أنا أرفض التركيز على القضية القبائلية، القضية القبائلية في التاريخ الجزائري استعملت كل مرة عندما تكون هناك أزمة في السلطة المركزية بعد.. منذ الاستقلال وفي حتى في إطار الحركة الوطنية عندما ظهرت احتجاجات أو اختلاف في الآراء أنعتت بأن هنالك أزمة بربرية، أكبر حزب في منطقة القبائل اللي هو حزب جبهة القوى الاشتراكية يرفض التعامل مع قضية القبائل وكأنها قضية عرقية، قضية ثقافية يطالب بالديمقراطية كحل ويمكن بالطرق الديمقراطية التعامل مع مجمل القضايا الأخرى.

توفيق طه: نعم، ما دمت أتيت على مسألة القبائليين، يعني أين يقف الآن رجال في.. في قامة ووزن حسين آية أحمد في هذه الانتخابات؟

سعد جبار: أعتبر حسين آية أحمد وحزبه صمام الأمان والجبهة الحديدية في وجه أي محاولة لتجزئة المجتمع أو الانفصال داخله، ويجب أن نقول ونؤكد مرة أخرى بأن الذين يدعون للتجزئة أو الانفصالية هم المتعاملون مع النظام في الماضي ولا زالوا.. ولا زالوا يتعاملوا مع النظام إلى يومنا هذا، فهي ألعوبة لإيهام بقية المجتمع الجزائري بأن هناك خطر من منطقة القبائل خطر الانفصال هذا لم يحدث في 63 ولم يحدث في الماضي ولن يحدث في المستقبل، إذن القضية غير واردة، ما هو موجود هو هنالك حركة احتجاجية ضد وسائل الاستبداد المستمرة تركزت في القبائل بشكل مختلف عن بقية المناطق، لكن جوهر الاحتجاج والغضب لا زال قائما في مختلف أنحاء الوطن وأتمنى أن يدرك الحكام هذه الحقيقة ويختزلوا مأساة شعب الجزائر.

توفيق طه: نعم، كيف تقيِّم الآن مشاركته في الانتخابات هذه المرة في ضوء تنامي تيار استئصالي آخر في.. بين القبائليين؟ باختصار لو سمحت.

سعد جبار: العروش منظمة تلاعبت فيها المخابرات، خلقت مجموعة مثلتها وبينتها على أنها من الشعب.. المجتمع المدني، لكي تعزل السياسة وتُهِّمش السياسة وتهمش السياسة، بمعنى تهميش الأحزاب وتهميش السياسة يعتبر عنصر أساسياً في التحايل الذي يقوم به النظام، لكي يختزل السياسة في أنها مهازل وأنها طمع وأن البديل الوحيد هو السلطة القائمة.

توفيق طه: أستاذ سعد جبار (المحامي والناشط في حقوق الإنسان) شكراً جزيلاً لك.

ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيها أيضاً بعد الفاصل: هل يجر الصراع السوداني بقية دول القرن الإفريقي إلى حرب شاملة؟

[فاصل إعلاني]

المساعي البريطانية لحشد الدعم للحملة الأميركية ضد العراق

توفيق طه: غالباً ما تلجأ واشنطن إلى الوسيط البريطاني -أو إلى ساعي البريد البريطاني- عندما تفشل في تمرير سياسة ما، سواء تعلق الأمر بالعراق أم بفلسطين، فقد سارعت لندن إلى إرسال وزير خارجيتها (جاك سترو) إلى الشرق الأوسط لحشد الدعم والتأييد للحملة الأميركية البريطانية المرتقبة ضد العراق في وقت يتصاعد فيه التوتر في الشارع العربي، وفي الوقت نفسه أخذ رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) على عاتقه محاولة تليين موقف موسكو حيال مشروع القرار الذين تنوي واشنطن تقديمه إلى مجلس الأمن.

وزير الخارجية الأميركي كولن باول (يسار) بجانب نظيره البريطاني جاك سترو
تقرير/سمير خضر: قد يتساءل البعض إن كان (فلاديمير بوتين) بحاجة إلى تدخل توني بلير ليتخذ موقفاً إزاء المسألة العراقية، هذا إذا لم يكن الرئيس الروسي قد اتخذ بالفعل قراره. رئيس الحكومة البريطانية جاء إلى موسكو لتليين موقفها إزاء أي قرار جديد حول العراق في مجلس الأمن، ويبدو أن روسيا أصبحت اليوم على قناعة باستحالة منع تبني مثل هذا القرار، ولكنها وبغية المحافظة على مصالحها السياسة والاقتصادية تسعى الآن إلى تليين عباراته لتحاشي الإشارة إلى أي عمل عسكري تلقائي.

الدبلوماسية البريطانية بدأت تنشط بشكل لافت للانتباه تماماً كما حدث قبيل حرب الخليج الأولى في مطلع التسعينات رغم نفي لندن الشديد أن تكون مجرد ساعي بريد لواشنطن، لكن جولة جاك سترو في الشرق الأوسط لم تنجح في تكذيب هذه المزاعم، إذ لماذا يكلف وزير الخارجية البريطاني نفسه مثلاً عناء جس نبض القيادة الإيرانية حيال مسألة ضرب العراق من قبل من تسميه طهران الشيطان الأكبر، فقد سمع سترو في طهران كلاماً أشبه بالعتاب على الغرب وسياسة المعايير المزدوجة التي يتبعها، وخاصة عتب على صمته على إصرار واشنطن على تصنيف إيران ضمن ما يسميه (بوش) دول محور الشر، رغم الدور الهام الذي لعبته طهران في الحرب على الإرهاب، ومساهمتها في الإطاحة بنظام طالبان، ورغم الإشارات الصادرة عنها بأنها لن تتدخل في حالة غزو أميركي للعراق.

طهران أكدت مع ذلك لسترو بأنها لن تشعر بالأسى للإطاحة بالنظام العراقي، وربما أيضا لن تكترث كثيراً بطبيعة النظام الجديد الذي ستنصبه واشنطن ليتولى الحكم في بغداد، لكن هذا الاعتبار يبقى أساسياً لدى حلفاء الغرب في العالم العربي، وخاصة في مصر، التي لا تزال ترفض الفكرة من حيث المبدأ، فالقاهرة تشعر بالانزعاج من قرع طبول الحرب في المنطقة دون أن يكون هناك تصور ما لطبيعة المرحلة المقبلة، وهي لا تخفى خشيتها من أن تؤول الأمور إلى مزيد من التطرف في الشارع العربي، والتي تجلت تباشيره في الهجوم على قوات المارينز الأميركية في جزيرة (فيلكا) في الكويت، التي نالت حريتها بفضل هؤلاء الجنود، الذين خاضوا حرب تحريرها عام 91، والتي تخطط واشنطن للانطلاق من مياهها وأراضيها لغزو العراق، وإكمال ما لم تكمله في حرب الخليج الأولى.

وقد اضطرت الكويت إلى الإقرار بأن هذا الهجوم لم يكن عملاً فردياً كما تصور البعض، بل جزءاً من مخطط تعمل على تنفيذه خلية أو خلايا كويتية تعبر عن نبض جديد في الشارع الكويتي، الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من الشارع العربي المغلوب على أمره.

انعكاس الصراع السوداني على الاستقرار في القرن الأفريقي

توفيق طه: وأخيراً إلى السودان، المنكوب بصراعاته وتشرذمه، فها هو الكونجرس الأميركي يهدد الحكومة السودانية بتوقيع عقوبات عليها إن هي رفضت العودة إلى طاولة المفاوضات في ضاحية (مشاكوس) الكينية، وإن هي لم تتوقف عن استخدام التجويع سلاحاً ضد مواطني جنوب السودان ممن يقطنون المناطق التي يسيطر عليها الجيش الشعبي لتحرير السودان..

ما لم يقله الكونجرس هو أن الصراع السوداني يهدد بإشعال جميع مناطق شرق، وشمال شرق أفريقيا، بسبب الطبيعة المتشابكة للصراعات هناك، وهو ما قد يشعل نيراناً من الصعب إطفاؤها.

وفد الحكومة السودانية في مفاوضات نيروبي
تقرير/حسن إبراهيم: نزيف الدم السوداني مازال مستمراً والحكومة تحارب الأشباح، تسقط (توريت) الجنوبية في مطلع سبتمبر، فتستعيدها الحكومة في مطلع أكتوبر لتسقط مدينة (همشكوريب) في الشرق، والاتهامات تتطاير.

في حالة توريت اتهمت الحكومة أوغندا بمساندة المتمردين، واتهمت إريتريا عندما سقطت همشكوريب، وسقط من الخطاب السياسي السوداني اتهام الولايات المتحدة بالتآمر ضد المشروع الحضاري الإسلامي الذي يرقد عرَّابه الدكتور حسن الترابي طريح الفراش عندما سقط في سجن (كوبر)، فالولايات المتحدة أضحت الضامن الوحيد للسلام السوداني.

أخطر ما في العملية الحالية هو أن إريتريا التي تصالحت مع الحكومة السودانية بعد لأيٍ وعداءٍ دام أعواماً طويلة أعلنت عن استعدادها لصد أي هجوم يأتي من الخرطوم، وهددت الحكومة السودانية إريتريا بحرب ضروس وعلى مختلف المستويات، دبلوماسياً بشكوى في المحافل الدولية، واقتصادياً بإغلاق الحدود والتوقف عن مدها بالنفط، وإن لزم الأمر فعسكرياً أيضاً.

الخطير في الصدام السوداني الإريتري -إن حدث- هو أنه سيكون صراعاً إقليمياً قد يجر إليه معظم دول القرن الإفريقي، فأثيوبيا جارة إريتريا اللدودة أعلنت عن استنفارها لقواتها خوفاً من أن تستغل حكومة جارتها إريتريا أجواء التصعيد، وتعيد احتلال مثلث (بادمي) الحدودي، والذي نزفت في سبيله دماء آلاف المواطنين والجنود من البلدين، ولو فكرت إريتريا في الرد الوقائي على أثيوبيا لتعقدت الأمور للغاية، ولأصبح كل القرن الإفريقي معرضاً لانفجار كبير.

الصومال بتشرذمه وميليشياته يصبح معرضاً أكثر للانفجار إن نفذت أثيوبيا تهديداتها التي لم تجتهد كثيراً في إخفائها في الماضي باحتلال المزيد من أراضي صحراء الأوجادين، وليست إريتريا بعيدة عن المطامع في الأراضي الصومالية، فالكل حول الصومال المنكوب ذي الموقع الاستراتيجي يطمع في حصة من الكعكة.

المحزن في الشأن السوداني، وخاصة في حدوده الشرقية أنه حقيقة يشكل شوكة في خاصرة الحكومة الإريترية، وكان الرئيس الإريتري (أسياس أفورقي) قد حذر في الماضي من أن الجماعات الإسلامية الإريترية تزعزع الاستقرار في الدولة الناشئة، وبدعم سوداني، وكما ينفي السودان دعمه لهذه الجماعات الإسلامية التي تقيم في أراضيه، فإن الرئيس (أسياس أفورقي) ينفي دعمه للمعارضة السودانية المسلحة التي تنطلق من أراضيه.

أوغندا كانت قد قربت في السلام في السودان بتخلي الحكومة السودانية عن دعم جماعة "جيش الرب المسيحي"، لكن لأسباب كثيرة لم تنقطع بالطبع وشائج التعاون بين أوغندا والجيش الشعبي لتحرير السودان، إذن فشرق، وشمال شرق القارة الإفريقية مرشحان لانفجار شامل إن لم تطفئ شرارة الحرب في مهدها.

أما الولايات المتحدة عرَّاب السلام في الشأن السوداني فترد بكلمة واحدة على كل الشكاوى السودانية، مشاكوس.

توفيق طه: بهذا نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي) ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر.

تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة