محمود جبريل.. الأزمة المالية العالمية   
الاثنين 1431/8/15 هـ - الموافق 26/7/2010 م (آخر تحديث) الساعة 12:58 (مكة المكرمة)، 9:58 (غرينتش)

- عوامل الأزمة المالية وانعكاساتها عالميا وعربيا
- مؤشرات أزمة الغذاء وتداعياتها وسبل مواجهتها

عوامل الأزمة المالية وانعكاساتها عالميا وعربيا

حسن جمول
محمود جبريل
حسن جمول:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا بكم مشاهدينا في حلقة جديدة من لقاء اليوم، في هذا اللقاء نرحب بالدكتور محمود جبريل الخبريل الإستراتيجي، شغل مناصب في بلده ليبيا والخارج ونظم وأدار العديد من برامج التدريب لقيادات الإدارة العليا في كثير من الدول العربية، وهو الحائز على دكتوراه التخطيط الإستراتيجي وصنع القرار من جامعة بيتسبرغ في الولايات المتحدة. دكتور محمود أهلا ومرحبا بك. أبدأ معك بداية مما تنبأت به قبل أكثر من أربع سنوات، دكتور محمود تنبأت بحصول الأزمة المالية الكبرى في الولايات المتحدة، الآن الولايات المتحدة هي في قلب الأزمة كذلك دول عديدة في أوروبا، ما هي المؤشرات التي لاحظتها آنذاك حول هذه الأزمة؟

محمود جبريل: عادة الناس الذين يقرؤون ويستشرفون المستقبل يعتمدون على ما يسمى بالمحركات الرئيسية التي تصنع التاريخ في مرحلة من المراحل، كان الادعاء ادعاء كل المستقبليين أن هناك خلافا جذريا في المؤشرات التي تحرك التاريخ اليوم عما كان عليه الحال في عصر الصناعة، ثلاثة مؤشرات رئيسية هي التي تتلاعب بمصير القرن الحالي، الزيادة السكانية المتسارعة في عدد سكان العالم، عدد سكان العالم يبلغ اليوم تحديدا ستة مليار و803 مليون نسمة، مرشح أن يقترب من العشرة مليار مع سنة 2050، اثنين هناك تزاوج أبدي وعضوي ما بين رأس المال والتكنولوجيا نشأ عنه ما يعرف بالاقتصاد الخائلي أو الاقتصاد الرمزي اللي هو يعتمد على حركة رؤوس الأموال، البورصة، السندات، سوق الأوراق، هذه العوامل الثلاث. في الوقت الذي يتزايد فيه عدد السكان معنى ذلك نحن في حاجة إلى مزيد من الغذاء، الأمر المبشر أن أغلب الاختراعات والتطورات التكنولوجية التي حدثت وتحدث حتى هذه اللحظة تمكننا فعلا من زيادة الإنتاج إلا أن الذي يحدث أن الشركات متعددة الجنسية والتي أصبح عددها الآن يتجاوز 66 ألف شركة على مستوى العالم ناتجها المحلي الإجمالي يساوي الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم الثالث مجتمعة، هذه الشركات لو ضخت ووظفت المزيد من التكنولوجيا لمزيد من الإنتاج معنى ذلك انخفاض الأسعار وانتفاء الربحية على الأمد الطويل فكان الحل أن فائض القيمة فائض الربح يوظف في شراء أسهم وسندات، التكنولوجيا ساعدت على سرعة التداول، الاختلاف الزماني والمكاني ما بين قارات العالم ساعد على اقتناص الفرص من خلال هذه التكنولوجيا بمعنى عندما يكون هناك ملياردير أميركي -ولنقل مثلا بيل غيتس- جالسا في مانهاتن، البورصة تفتح في هونغ كونغ وفي سنغافورة وفي آسيا وشرق آسيا مبكرا، التوقيت فرق رهيب، يستطيع أن يحول من خلال الـ lap top عددا مهولا من المليارات وقبل أن تشرق الشمس في الولايات المتحدة يستطيع أن يقتنص الفرص مرة أخرى، هذه السرعة الشديدة جدا في التداول رؤوس الأموال حركة رؤوس الأموال لم تطور لها المؤسسات المالية المناسبة لأن مؤسساتنا المالية هي وليدة الحرب العالمية الثانية وليدة عصر الصناعة، بريتن وود اتفاق بريتن وود سنة 1947 نتج عنه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تنظيمها وقوانينها ولوائحها وأنظمتها لا تناسب إطلاقا هذه الحركة المجنونة والسريعة والمتزايدة التسارع لحركة رؤوس الأموال، حركة رمزية، شيل شيل، ما فيش نقل حقيقي للأموال. الاقتصاد الحقيقي القائم على المبادلات التجارية صادرات وواردات بدأ يتراجع بشكل كبير جدا..

حسن جمول: قياسا للاقتصاد الرمزي.

محمود جبريل: الرمزي، الاقتصاد الحقيقي في سنة 1976 على سبيل المثال كان يساوي ضعفي الاقتصاد الرمزي، الاقتصاد الرمزي اليوم يساوي 12 مرة الاقتصاد الحقيقي، شوف الهوة تتسع كيف! هذه الهوة ستزداد اتساعا لأن ما طور واقترح من حلول الآن من مختلف المنظمات الدولية سواء صندوق النقد أو من الولايات المتحدة أو من البنك.. هي حلول تسكينية هي بانادول.

حسن جمول: هنا يعني وكأنك بهذه الحالة تضع يعني المسؤولية على النظام التكنولوجي أكثر مما تضعه على أصل النظام الرأسمالي القائم.

محمود جبريل: لا، هي وظفت التكنولوجيا لخدمة أهداف الرأسمالية فالتكنولوجيا كان يمكن أن توظف لإشباع مزيد من الجوعى..

حسن جمول (مقاطعا): طيب ماذا لو لم تكن هذه الحركة التكنولوجية السريعة في نقل رؤوس الأموال واستمر النظام الرأسمالي قائما كما هو قائم اليوم بربحيته وبالهوة ما بين الشمال والجنوب، هل كان النظام الرأسمالي ما زال متماسكا؟

محمود جبريل: قد يزداد عمرا ولكن أزمة الغذاء لا يمكن أن هو يتفاداها لأن أزمة الغذاء قادمة وأنا أقول إنها حتحدث قبل 2015..

حسن جمول: نتيجة تزايد السكان.

محمود جبريل: تزايد السكان وانحسار توظيف التكنولوجيا لمزيد من التصنيع ومزيد من الإنتاج. اللي زاد الطين بلة أن كثيرا من اقتصادات الدول وعلى رأسها الاقتصاد الأكبر في العالم الاقتصاد الأميركي بدأت تتحول إلى اقتصادات خدمية وليست اقتصادات إنتاجية، همها الرئيسي المصارف شركات التأمين الخدمات السياحة لأنها سريعة الربح وبالتالي الاقتصاد الأميركي اليوم هو أكبر اقتصاد مستهلك في العالم، لعلك سمعت اليوم تصريح أوباما يلوم العالم باستغراب شديد جدا ليش أنتم معتمدون على الاقتصاد الأميركي..

حسن جمول: على الاستهلاك الأميركي.

محمود جبريل: ما خلاص الآن أصبح في يعني عارف اللي بيسموه أزمة السجين بين أكبر اقتصاد مصدر اللي هو الاقتصاد الصيني وأكبر اقتصاد مستهلك اللي هو الاقتصاد الأميركي يعني الاثنين أصبح الإخوة الأعداء.

حسن جمول: إذاً نحن على أبواب أزمة غذائية، طيب الأزمة المالية المستمرة حاليا هل تتوقع لها أن تطول؟ يعني هناك مؤشرات بدأت تتحدث عن نمو في اقتصاديات الدول الأوروبية وحتى في الاقتصاد الأميركي بعد ما حصل في هذه الأزمة.

محمود جبريل: المسكنات قد تقتل الألم مؤقتا لفترة ما يعني لكن ما لم تكن هناك عودة حقيقية إلى الاقتصاد الحقيقي واستثمارات حقيقية لاقتصاد حقيقي وهذه دعوة لاستثماراتنا العربية التي تلهث وراء الاستثمارات في أسواق الأوراق المالية وأسهم هذه الشركات وهذه المصارف أن تعود للاستثمار في بدها في اقتصادات حقيقية في صناعة في زراعة في خدمات لأن ذلك هو المدخل الحقيقي لإعادة تجسير الهوة ما بين ما يسمى الاقتصاد الرمزي والاقتصاد الحقيقي.

حسن جمول: هل ترى خللاً في النظام الرأسمالي بحد ذاته؟

محمود جبريل: طبعا خلل هيكلي لأن النظام الرأسمالي بأدواته وبأفكاره وبآلياته وأنظمته هو صمم لعصر الصناعة الذي انتهى من أربعين سنة يعني عصر الصناعة من الثمانينات خلاص..

حسن جمول: نحن اليوم في عصر التكنولوجيا.

محمود جبريل: نحن الآن في عصر المعلومات والمعرفة، من يملك المعرفة هو القوي، تصنيف الدول لم يعد تصنيف.. القضية لم تعد من يملك ومن لا يملك زي ما كان زمان يقال في الماركسية، لا، القضية من يعرف ومن لا يعرف، المعرفة اليوم هي القوة، رأسمال المعرفي هو الأساس وبالتالي دول صغيرة مثل سنغافورة وإيرلندا الآن أصبحت في مصاف الدول التي تصنف في تقارير التنافسية من الدول الخمس الأولى.

حسن جمول: طيب تقول من يملك المعرفة، معرفة ماذا؟ معرفة التصنيع معرفة التكنولوجيا وبالتالي نحن ما زلنا أمام من يستطيع أن يصنع أكثر أن ينتج أكثر وأن يورد أكثر.

محمود جبريل: هذا صحيح لأنه الآن أنت عندك ثلاثة أنواع، عندك دول مستهلكة للمعرفة واللي منها إحنا الدول العربية، دول تدير المعرفة ولكن لا تنتجها وهذه كثير من الدول زي ماليزيا وكذا هذه دول بتوظف أفضل ما في التكنولوجيا وأفضل ما هو متاح في علوم الإدارة وفي علوم الاقتصاد وفي علوم السياسة وتطور مهارات البشر حتى يمكنها أن تبني اقتصادا حديثا وتبني دولة حديثة، وهناك دول التي تحتكر التكنولوجيا هذه هي التي تنتج المعرفة. القضية أن إحنا في دولنا العربية يا ريت حتى ننط نطة ندخل إلى اقتصادات تحاول أن توظف المعرفة أن تدير المعرفة لا أن تنتجها لأن ذلك أمر بعيد يعني بيننا وبينه كثير.

حسن جمول: قبل أن ننتقل إلى هذا التمني الذي أشرت إليه، أن ندير المعرفة في العالم العربي، العالم العربي الآن تأثر بشكل أو بآخر بشكل متفاوت بين دوله بتلك الأزمة المالية التي أصابت النظام الرأسمالي، هل تعتقد بأن مستوى التأثير قد وصل إلى الذروة وأن الدول العربية قد استوعبت تلك الأزمة وبالتالي ربما تخرج منها قريبا؟ بعض الدول العربية.

محمود جبريل: زي ما تفضلت حضرتك هو في تفاوت في التأثير يعني كلما زاد اندماج اقتصاد الدولة العربية في الاقتصاد العالمي كلما زادت درجة التأثير وكلما قل ذلك الاندماج كلما قلت درجة التأثير وبالتالي يمكن أن أقول إن اقتصادا مثلا زي اقتصاد دبي والذي أصبح مندمجا بدرجة كبيرة في الاقتصاد العالمي نتيجة حركة رؤوس الأموال اقتصاد خدمي اقتصاد تجاري ويعتمد على مضاربات ويعتمد على.. اقتصاد خلينا نسميه اقتصاد بالوني، هو بالونة بتنتفخ لكن ما فيش نمو حقيقي قائم على مراقبة رأسمال ولد من بشر من قاعدة إنتاجية من قاعدة خدمية، هو حركة تداول رأسمال ومراكمة الفائدة، هذا الاقتصاد البالوني انفجر بسرعة نتيجة ما حدث الأزمة لأنهم عملوا اللي يسموه الـ Echo Effect أو تأثير الصدى يعني الحدث كان هناك على طول الأطراف تتأثر يعني خصوصا الحدث هذه المرة جاء في قلب الرأسمالية في الولايات المتحدة.

حسن جمول: الصدى نتيجة التكنولوجيا التي حدثت عنها.

محمود جبريل: طبعا، طبعا.

حسن جمول: السرعة في نقل المعلومة السرعة في نقل رؤوس الأموال.

محمود جبريل: نتيجة الاندماج في الاقتصاد العالمي وتكامله أصبح أمرا مخيفا وبالتالي حتى التخطيط تغير مفهومه، لازم يأخذ شكلا ديناميكيا.

حسن جمول: طيب قبل الفاصل فقط بعجالة هل للجانب السياسي للأزمات السياسية الكبرى التي تتخبط بها الولايات المتحدة اليوم أكان في العراق في أفغانستان في دول أخرى أثر على أو سبب ما من أسباب الأزمة المالية؟

محمود جبريل: قد يكون أحد الأسباب الرئيسية لأن الولايات المتحدة أكبر دولة مدينة في العالم تستدين لتمول استهلاكها ولتمول صناعاتها وبالذات صناعاتها الحربية، تستدين بطباعة مزيد من النقد ولكن ما فيش رصيد حقيقي، في 1971 نيكسون ألغى الرصيد وعوض..

حسن جمول: ألغى الذهب.

محمود جبريل: ألغاء الغطاء غطاء العملة اللي هو الذهب سنة 1971 وبالتالي لم يعد هناك من رصيد للعملة الأميركية سوى ثقة دول العالم في هذه العملة، فزي أنا ما قلت في لقاء سابق لو سحبت هذه الثقة ولو بشكل جزئي لكان الانهيار أكبر..

حسن جمول: والسياسة كفيلة بأن تسحب..

محمود جبريل: كفيلة بأن تفعل ذلك، كثير من الدول تعتقد أن حياتها ومعاشها مرتبط بالرضا الأميركي.

حسن جمول: دكتور محمود سنتابع هذا الحديث معك وهذا اللقاء إنما بعد الفاصل، فاصل قصير مشاهدينا نتابع بعده لقاء اليوم، ابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

مؤشرات أزمة الغذاء وتداعياتها وسبل مواجهتها

حسن جمول: نرحب بكم مجددا في لقاء اليوم ونرحب مجددا أيضا بالدكتور محمود جبريل الخبير الإستراتيجي. دكتور محمود ننتقل إلى العالم العربي، العالم العربي الذي كما ذكرنا تأثر بشكل أو بآخر بالأزمة المالية العالمية ولكن بغض النظر عن الارتباط المالي أو الارتباط الاقتصادي هل كان بإمكان العالم العربي أو الدول التي تأثرت هل كان بإمكانها أن تبقى بمنأى عن هذا التأثر الكبير بالأزمة الاقتصادية العالمية ولماذا كانت كثيرا ما آذاها تفاعل تلك الأزمة؟

محمود جبريل: لا، لم يكن لديها خيار أن تبقى بمنأى عن الاندماج في الاقتصاد العالمي لأن يعني حركة الاقتصاد العولمي أصبحت قائمة على فكرة الدوران السريع في كل شيء في الخدمات في البضائع في رؤوس الأموال، فكرة الحركة السريعة والمتزايدة والمستمرة والتغير السريع هذين المفهومين هما الجوهر في تعريف العولمة، التغير والتحرك والدوران السريع للبضائع والخدمات والأموال، البشر لا، وبالتالي عنا قضية هجرة غير شرعية، الغات استبعدت البشر، ليش؟ مخافة أن يأتي هؤلاء الجوعى من الجنوب إلى الشمال فيوقفوا حركة النمو الاقتصادي ويأخذوا فرص الأعمال من أبناء البلد وبالتالي دائما القوي هو اللي بيفرض شروطه يعني هذه سنة التاريخ ففرضوا علينا باسم العولمة أن تنتقل كل الأمور الأخرى وبالتالي أموالنا مسموح لها أن تنتقل إليهم وتستثمر في بلادهم ولكن أبناءنا سواء من إفريقيا أو من آسيا دول العالم الثالث غير مسموح لهم بالانتقال إلى هناك أن هذه هجرة غير شرعية، ما ينتقل إلى هناك المؤهلون وبالتالي نحن عنا نزيف الأدمغة، حتى من أوروبا إلى الولايات المتحدة من آسيا إلى الولايات المتحدة في نزيف أدمغة حقيقي.

حسن جمول: طيب، تنبأت بالأزمة الغذائية، هل الأزمة الغذائية أيضا ستترك انعكاسات كبيرة على العالم العربي؟ وأين ستتركز؟

محمود جبريل: الأزمة الغذائية سيكون وقعها أشد لأن فيها بعدا إنسانيا مؤلما يعني ستكشف زيف الحضارة الحالية، كثير من الدول ستتأثر بأزمة الغذاء لأنه ستترتب عليها هجرات بشكل طوفان بشري يعني زي ما زمان كان..

حسن جمول (مقاطعا): أزمة الغذاء تعني نقصا أو تعني ارتفاعا في الأسعار أو الاثنين معا؟

محمود جبريل: أنا أتحدث عن عدم وجود مجاعات أتحدث عن عدم وجود أغذية بما يكفي لسد الأفواه وما هو متاح غير مقدور شراءه ولكن بالدرجة الأولى الارتفاع الشديد أو الزيادة الكبيرة في عدد السكان التي ستحدث مع فجوة التكنولوجيا التي توظف لأغراض أخرى ستزداد هذه الفجوة ومع زيادة توجه اقتصادات دول الاقتصادات الخدمية الفجوة ستصبح أكثر اتساعا، حتى ما يوظف الآن من استثمارات عادة يوظف في الاستثمارات سريعة الربح سريعة الإدرار تحت مفهوم الصفقة يعني، وبالتالي لنأخذ إفريقيا مثلا، إفريقيا في سنة 2050 حتكون اثنين مليار إلا 35 مليون، الاثنين مليار مع عارف إفريقيا الآن إحنا عندنا الآن مليار وتقريبا 230 مليون جوعى في العالم اليوم عدد الفقراء في العالم فما بالك سنة 2050 لما حيكون تعداد السكان بيقترب من العشرة مليار؟ لك أن تتخيل الاثنين مليار في هذه الاقتصادات الهشة وبهذه الموارد البسيطة وبهذه السيطرة الاقتصادية العولمية لشركات متعددة الجنسية على اقتصادات هذه الدول لك أن تتخيل كيف سيكون..

حسن جمول (مقاطعا): ما هو سيكون على صعيد التحسب لتلك الأزمة؟

محمود جبريل: أعتقد لنأخذ إفريقيا مرة أخرى كمثال، لأوروبا مصلحة اقتصادية حقيقية ومصلحة قومية أوروبية ألا يحدث هذا الهجوم البشري الكبير على شواطئ أوروبا الجنوبية، الحل أن يقام ما يمكن تسميته بالمصدات التنموية تشارك فيها أوروبا برأسمالها ويشارك فيها رأس المال العربي الخاص ورأس المال العربي من الدول النفطية لإقامة هذه المصدات على سواحل ليبيا على سواحل الجزائر على سواحل تونس هذه المصدات هدفها كالتالي، أن تحول هذا الكم البشري الجائع إلى كم نوعي بمعنى يمتلك المهارات والمعارف التي يحتاجها الاقتصاد الأوروبي لنموه، ليه؟ لأن الاقتصاد الأوروبي اليوم سيحتاج في سنة 2015 إلى 110 مليون فرصة عمل لمجرد المحافظة على معدل الإعالة الحالي، أغلب هذه الاحتياجات يأخذها مما كان يسمى أوروبا الشرقية وهي أكثر تكلفة بالنسبة له، العامل الإفريقي سيكون أقل تكلفة سيكون أكثر مهارة اللي إحنا حندربه ونعمل ما يسمى بتدريب تحويلي، نحوله من إنسان غير منتج إلى إنسان منتج وطبقا للاحتياجات التي يحتاجها..

حسن جمول (مقاطعا): ولكن هذا الكلام نظري جدا لأنه حتى مصدات التنمية التي تتحدث عنها تحتاج إلى هيئات قادرة وفاعلة وذات معرفة وخالية أيضا من الفساد لأنه أنت ستعطي أموالا لجهات معينة في أماكن معينة من العالم من أجل أن تبني هي المصدات التنموية تلك.

محمود جبريل: يمكن أن يكون جهدا مشتركا يعني مثلا أنا دائما أطرح فكرة أن هذه الشركات متعددة الجنسية لو يؤخذ منها 1% فقط من أرباحها سنويا هو أكثر بكثير مما تعهدت به الدول في مؤتمر تمويل التنموية بتاع الأمم المتحدة والتي الآن بدأت في التراجع عنه، بدأت في التراجع عن هذه التعهدات متعللة بسبب الأزمة المالية، طبعا يقول لك أهل مكة أدرى بشعابها، نطفي الحريق في البيت الأول يعني، لكن لو أقيم مثل هذا الصندوق أنشئ هذا الصندوق وأخذنا 1% فقط لك أن تتخيل مئات المليارات ستخصص لتنمية دول العالم الثالث في مجال التعليم في مجال الغذاء في مجال الصحة في مجال تنقية المياه لكن للأسف لا زالت الحلول التي تطرح هي حلول حكومية، ليش؟ لأن منظومة الأمم المتحدة لما أنشئت سنة 1944 و 1945 لم تكن هذه الشركات متعددة الجنسية بهذا العدد ولم يكن تأثيرها في تشكيل مجرى وجوهر الاقتصاد العالمي أوالعولمي بهذا الشكل، كانت يعني تعد على الأصابع.

حسن جمول: يعني أصبحنا الآن أمام أزمة أنه حتى الهيئات الدولية السياسية الكبرى المشكلة من عشرات السنين لم تعد توائم الواقع؟

محمود جبريل: لا تستطيع، لأنها هي أقيمت انعكاسا لواقع مضى من حوالي خمسين أو ستين سنة.

حسن جمول: يعني حتى هذه بحاجة إلى تجديد بحاجة إلى تغيير؟

محمود جبريل: طبعا، طبعا، هيكل الاقتصاد العالمي، مؤسسات الاقتصاد العالمي المالية والاقتصادية، فكر الاقتصاد العالمي لأن فكرنا هو وليد عصر الصناعة، حتى هذا الحديث الذي يدور لا يزال محكوما بما تعلمناه في مدارسنا و.. و..

حسن جمول: طيب أين العالم العربي من كل هذه الهواجس ومن كل هذه الأفكار؟

محمود جبريل: العالم العربي في حالة حراك يعمي الأبصار لأنه حراك بدون بوصلة واضحة..

حسن جمول: حراك أين؟

محمود جبريل: في كل الاتجاهات وهذا المخيف في الأمر لأنه ليست هناك رؤية واضحة تعمل ما يسمى بعملية التوضع، نأخذ هذا العالم العربي ونحطه في داخل الاقتصاد العالمي، ما هي الميزة النسبية لهذا الاقتصاد العربي؟ لأنه للأسف إحنا الآن داخلين رأسيا في الاقتصاد العالمي لكن ما فيش أي اقتصاد بيني ما فيش تجارة بينية، التجارة البينية بين الدول العربية من السبعينات لحد الآن لم تتجاوز 9%، كما هي لا تتحرك، يعني من الثوابت التجارة البينية العربية، في أي لحظة من لحظات الزمن تطلع الإحصاءات تلاقيها 9%! الاقتصاد العربي إذا كان هناك رغبة حقيقية في تخطيط إستراتيجي حقيقي، وأنا أحط عشرة خطوط تحت رغبة حقيقية، وإرادة حقيقية لإعطاء الإمكانيات وتحمل عامل الزمن لأن الأمم تخلق مش في.. الله سبحانه وتعالى خلق السماء والأرض في ستة أيام، كان ممكن هو يخلقها في لحظة لكن باش يعطي رسالة للبشر أن كل شيء بيأخذ وقته. فأول شيء هو موضعة أين يقع العرب في العالم اليوم معرفيا اقتصاديا مكانيا، اثنين تحديد هوية ما يجب أن يكون عليه الاقتصاد العربي بشكل تكاملي بحيث أن إحنا نكون إضافة لهذا الاقتصاد العالمي. الآن الاقتصاد العربي منقسم إلى نوعين يا إما ما يسمى بـ returns economy اقتصاد ريعي وواكبه فكر ريعي طريقة التعامل في هذه الأموال طريقة ريعية أيضا أو أن هو اقتصاد يعيش على هوامش الفكر الريعي أو الاقتصاد الريعي بأن أغلب الدول زي مصر وزي تونس وزي المغرب تبعث أبناءها للعمل في هذه الدول وتستفيد بشكل.. لكن هل هناك قاعدة إنتاج حقيقية تسمح بنمو حقيقي يولد فرص عمل حقيقية في الوطن العربي اليوم؟ لا، إلا ما رحم ربي درجات بسيطة في تونس والأردن..

حسن جمول (مقاطعا): الوقت يداهمنا جدا، فقط أريد أن أسألك، بشكل مبسط أكثر، دول عربية لديها إمكانات، بعض الدول لديها إمكانات بشرية بعض الدول لديها إمكانات مادية نتيجة وجود النفط والبترول وما إلى ذلك، إذا أردت أن تقترح الآن على الدول العربية ما هو موقعها في الاقتصاد العالمي وأي نظام أو أي نظام اقتصادي للدول العربية يصلح؟ ومعظمها كما سميتها في السابق -قرأت لك- سميتها دول رعائية، إذا صح التعبير.

محمود جبريل: اختيار الاقتصاد لا يأتي عشوائيا ولكن فعلا زي ما قلت لا بد من دراسة لواقع الاقتصاد العالمي وأين يسير وتحديد ما هي الموارد والإمكانيات، الموارد الموجودة وهل يمكن أن تتحول إلى إمكانيات لو عبئت في الوقت المناسب تمكننا من المنافسة وتحقيق نمو أم لا؟ قضية أن هذه الدول ما زالت بادئة مسيرة النمو بتاعها بعد أربعين خمسين سنة من الاستقلال مش عيب رغم أن هو ما كان يتم بذلك..

حسن جمول: وقت طويل.

محمود جبريل: آه وقت طويل في عمر الزمن يعني شوف كوريا واليابان وألمانيا وغيرها كلها بعد الحرب العالمية الثانية قامت، ورغم ذلك إذا كانت في إرادة حقيقية وتخطيط سليم يقوم على الآتي: واحد تمكين المواطن من المشاركة في بناء بلاده، تمكين المواطن معناه إعطاءه حريته تفعيل القضية الديمقراطية بما يعني إعادة تأسيس قضية المواطنة لأن أغلب المواطنين في بلادنا العربية هم مواطنو جواز سفر وبطاقة شخصية زي ما تحدثت كذا مرة، المواطنة تعني أن لي حقوقا طبيعية يعني هذه الثروة هي حق وليست مكرمة من الحاكم أو ليست هبة وبالتالي حتى ما.. حضرتك كنت بتتحدث عن الفساد من شوي، الفساد استشرى مجتمعيا لأن الناس حاسة أن هذا رزق الدولة وليس رزقها الخاص، حاسة أن هذا رزق الدولة وبالتالي لما يسرق يسرق في رزق الدولة، لكن لما تكون عندك حقوق طبيعية، لا، لما تسرق الدولة تتصدى الدولة ولا تشاركها السرقة، فقضية تأسيس الحقوق أصلية جدا. الأمر الثاني لبناء النهوض لا بد من تجسير الهوة بين فكرة الوطن وفكرة الدولة، في أغلب دولنا العربية الدولة موجودة والوطن غير موجودة، موجودة قبائل موجودة هويات أخرى. النقطة الثالثة وهي الأهم، لا بد من مصالحة حقيقية، مصالحة حقيقية هدفها أن الأنظمة الحاكمة أو القيادات الحاكمة تهدف إلى خلود حقيقي في التاريخ عن طريق إعطاء هامش أكبر لشعب يبني ذاته بذاته، فلو توفرت القيادة مع الرؤية السليمة والإرادة السليمة، اثنين استطعنا أن نفعل قضية المواطنة، ما بقي كله تفاصيل..

حسن جمول: تفاصيل تقنية. نعم، أشكرك جزيلا دكتور محمود جبريل الخبير الإستراتيجي على هذا اللقاء، وقتنا انتهى وأيضا أشكر مشاهدينا على متابعة لقاء اليوم، نلقاكم بإذن الله في حلقة مقبلة، السلام عليكم ورحمة الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة