التعاون الأمني بين سوريا وتركيا   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)
مقدم الحلقة: مالك التريكي
ضيوف الحلقة: - د. محمود نور الدين: خبير الشؤون التركية – بيروت
- د. حسن كوني: أستاذ العلاقات الدولية ومستشار مجلس الأمن القومي التركي
تاريخ الحلقة: 23/06/2002


- التعاون الأمني وتأثيره على العلاقات السياسية
- أسباب التردد التركي في التطبيع السياسي مع سوريا
- أبعاد العلاقات السورية التركية من المنظور العرب

مالك التريكي: بعد ثلاثة أعوام من التعاون الأمني، العلاقات السورية – التركية تصل إلى درجة التطبيع العسكري، تساؤلات حول احتمالات أن تكون هذه بداية النهاية للحرب الباردة بين دمشق وأنقرة في ظل استمرار الخلافات حول شروط التطبيع السياسي.

التعاون الأمني وتأثيره على العلاقات السياسية

أهلاً بكم، قبل قيام الدولة التركية الحديثة كانت العلاقة بين تركيا والمشرق العربي علاقة احتلالية، رغم ما بعثته محاولات الإصلاح حتى أوائل القرن العشرين من أمل في تصحيح هذه العلاقة على أسس تكاملية ولأن هذه التركة الاحتلالية لم تتم تصفيتها بشكل جذري طيلة العقود الماضية فإن علاقة تركيا مع المشرق العربي ولا سيما مع سوريا قد ظلت في أفضل الأحوال علاقة إشكالية بل إنه لم يكن بين سوريا وتركيا خلال العقود الثلاثة الماضية سوى حرب باردة كادت مرة أن تبلغ حد الاشتغال، إذ قبل ثلاثة أعوام فقط كانت تركيا تجمع الحشود العسكرية على الحدود وتهدد سوريا بالحرب.

إلا أن العلاقات السورية –التركية قد حققت منذ تلك الفترة من التطور الإيجابي ما سمح ببلوغ درجة التطبيع العسكري، حيث تم تبادل عدد من زيارات الوفود العسكرية كانت أحدثها وأهمها الزيارة التي قام بها قبل أيام قلائل رئيس هيئة أركان الجيش السوري العماد حسن تركماني إلى تركيا والتي كللت بتوقيع اتفاق تعاون عسكري وصفه الجانبان بأنه يمثل منعطفاً تاريخياً ويشمل هذا الاتفاق مجالات التدريب وتبادل الخبرات العسكرية والتقنية كما يدرس الجانبان بيع أسلحة تركية لسوريا وإجراء مناورات عسكرية مشتركة.

وكان من اهتمام الرئيس التركي (أحمد نجدت سيزر) بتطور العلاقات مع سوريا أنه قام غداة عودته من زيارة هامة إلى طهران باستقبال رئيس الأركان السوري وأجرى معه في القصر الرئاسي محادثات مطولة تناولت الوضع في الشرق الأوسط واحتمالات المستقبل في العراق، في ظل التخوفات من قيام الولايات المتحدة الأميركية بشن ضربة عسكرية تستهدف قلب نظام الحكم في بغداد.

إلا أن من مفارقات التطبيع العسكري بين دمشق وأنقرة أنه لا يضمن تحقق التطبيع على بقية الأصعدة بل إنه يخشى أن يكون بمثابة الشجرة التي قد تنمو لمجرد حجب غابة الخلافات الجوهرية المستمرة حول المياه والحدود وتعاون تركيا مع إسرائيل وتحالفها مع الولايات المتحدة، يوسف الشريف ينزل في هذا التقرير من أنقرة خطوة التطبيع العسكري في إطار التطور البطيء والعسير الذي تشهده معظم العلاقات السورية التركية.

تقرير/ يوسف الشريف: كان التطبيع العسكري بين تركيا وسوريا خطوة ضرورية يجب القيام بها على طريق فتح صفحة جديدة في العلاقات لكسر الحاجز النفسي بينهما وإرساء جذور الثقة بعد تجربة حرب باردة استمرت بينهما أكثر من ثلاثين عاماً، خصوصاً وأن الطريق على درب التطبيع السياسي بين أنقرة ودمشق لا يزال طويلاً ووعراً بالرغم من ما تحقق من تعاون وتقارب بينهما في المجالات الأخرى التي يمكن حسابها في خانة إبداء حسن النية، ذلك أنه بعد اتفاق (أضنة) عام 99 وطرد سوريا لزعيم حزب العمال الكردستاني (عبد الله أوجلان) من أراضيها عبد تهديد تركيا بإعلان الحرب تشكل في أنقرة ثلاثة تيارات تجاه التعامل مع سوريا، هي:

تيار يعتبر الاتفاقية بمثابة نصر عسكري تركي يجب استثماره سياسياً لانتزاع اعتراف سوري بسيادة تركيا على لواء الإسكندرية.. وقبول الطرح التركي فيما يخص ملف المياه وتيار يرى في سوريا فرصة حقيقية الانفتاح اقتصادياً وسياسياً على العالم العربي ويدعم التقارب مع دمشق إلى أبعد الحدود دون تحفظ.

وتيار ثالث يدعم تطبيع العلاقات في كافة المجالات مع ترك المجال السياسي لتطورات الوضع الإقليمي وتقدم مشروع السلام وتحسن علاقة دمشق مع واشنطن.

د. نهاد علي أورجان (باحث في القضايا العسكرية والأمنية): تطوير العلاقات بين سوريا وتركيا بشكل كامل غير مكن في وقت قصير بالنظر إلى طول فترة الخلاف بينهما كما أن لكل بلد علاقاته الخارجية التي تخالف وتناقض في طبيعتها العلاقات الخارجية للدولة الأخرى، فتركيا عضو في الناتو وحليف لأميركا ولها علاقات مع إسرائيل فيما لسوريا سياستها المعروفة في المنطقة تجاه هذه الأطراف.

يوسف الشريف: مجلس الأمن القومي التركي أخرج سوريا من ملف أعدائه وأوصى بتحسين العلاقات معها مما خلق أجواءً إيجابية انعكست في تبادل للزيارات وتوقيع عدد من الاتفاقيات أو بروتوكولات تفاهم اقتصادية وغيرها بين البلدين، لا تزال تنتظر غطاءً سياسياً يحتضنها ويوفقه جميعاً، لم ينجح الطرفان حتى الآن في إعداده، فبالرغم من إبداء الرئيس بشار الأسد رغبته في زيارة أنقرة التي لم يزرها والده الرئيس الراحل حافظ الأسد رسمياً قط، إلا أن هذه الزيارة تعثرت بإصرار أنقرة على حل الخلاف الحدودي أولاً ضمن وثيقة إعلان مبادئ، رغم كل الجهود السورية لتحقيق هذه الزيارة.

عبد الحليم خدام (نائب الرئيس السوري): بالتأكيد سيتم توقيع عدد من الوثائق لتنظيم العلاقات بين البلدين بعضها قبل زيارة الرئيس الأسد إلى أنقرة وبعضها خلال زيارته، هذه الزيارة ستتم إذ أن هناك دعوة للرئيس لزيارة أنقرة.

يوسف الشريف: المفاوضات السياسية بين أنقرة ودمشق مرت بمراحل عدة وخرجت من ضيفة الاتفاق على إعلان المبادئ ليحل محله بيان مشترك يساعد دمشق في الالتفاف على مسألة ترسيم الحدود، ويفتح المجال لزيارة الرئيس الأسد لأنقرة، إلا أن الخارجية التركية تمسكت بموقفها مؤكدة على ضرورة أن يعرف كلا البلدين حدودهما أولاً ولم يقنعها موقف دمشق الذي لا يطالب باستعادة لواء الإسكندرونة ولكنه وفي نفس الوقت يرفض الاعتراف بسيادة تركيا عليه رسمياً ويريد تأجيل الحديث في هذا الموضوع إلى أجل غير مسمى.

ملف (هاطاي) أو لواء الإسكندرونة يشكل قنبلة موقوته بالنسبة لأنقرة، إذ أن عدم مطالبة دمشق به حالياً لا ينفي احتمال أنها قد تعود للمطالبة به مستقبلاً بعد توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل حول الجولان، إذ أن إثارة هذا الملف في المحافل الدولية سيزيد من أعباء تركيا التي تسعى لدخول الاتحاد الأوروبي بعد إنهاء جميع مشاكلها الحدودية مع جيرانها خصوصاً وأن أنقرة ترى في ملف (هاطاي) ملفاً محسوماً غير قابل للتفاوض أو التحكيم الدولي.

ولدفع دمشق إلى فتح ملف الحدود تعلق أنقرة في المقابل بحث ملف المياه، وتؤكد تمسكها بنظرية أن مياه دجلة والفرات مياه تركية عابرة للحدود وليست مياهاً دولية وترفض مبدأ اقتسامها حسب القانون الدولي مع العراق وسوريا، ويأخذ الأمر منحنى آخر مع سماح تركيا للشركات الإسرائيلية وغيرها باستثمار مياه النهرين في الزراعة والري جنوب البلاد، الذي يؤمن زحف الإسرائيليين على المنطقة ومواردها المائية.

أضف إلى ذلك بأن إسرائيل سبقت سوريا إلى التطبيع مع تركيا، بل وإلى بدء تعاون عسكري بمباركة ودفع أميركي يمكن أن يتحول إلى حلف عسكري في المنطقة وتلقي هذه العلاقة بين أنقرة وتل أبيب والتي لم تتفتح حدودها تماماً بعد بظلالها على كل خطوة للتقارب بين تركيا وسوريا.

داملة أراض (مسوؤلة الملف السوري في مركز أوراسيا): ثمة العلاقات التركية – الإسرائيلية السورية نشط ومتفاعل، فعلاقة تركيا بإسرائيل تزعج العرب ومفاوضات سوريا مع إسرائيل ومحاولة تل أبيب حل خلافاتها المائية مع سوريا على حساب تركيا يزعج أنقرة، وأي تقارب تركي سوري يقلق إسرائيل، لذلك فإن السلام في المنطقة سيريح الجميع.

يوسف الشريف: إلا أن العلاقات التركية – السورية تتمتع بأفضلية وهي القبول و الحماس الشعبي في تركيا بتطوير العلاقات مع الجيران السوريين شركائهم في الجغرافيا والتاريخ، في مقابل التحفظ التقليدي الذي يبديه عموم الشعب التركي بل وبعض المؤسسات الرسمية تجاه التعامل مع اليهود والإسرائيليين الذين فرضوا أنفسهم على المنطقة.

[فاصل إعلاني]

أسباب التردد التركي في التطبيع السياسي مع سوريا

مالك التريكي: أخرج مجلس الأمن القومي التركي سوريا إذن من قائمة الدول العدوة وأوصى بتحسين العلاقات معها وكان لهذا وقعه الإيجابي في تحقيق خطوة التطبيع العسكري بين البلدين، معنا لبحث قضية العلاقات السورية – التركية من المنظور التركي الدكتور حسن كوني (أستاذ العلاقات الدولية ومستشار مجلس الأمن القومي في تركيا) دكتور كوني.. حسن كوني سوريا ترغب في أن يشمل التعاون جميع المجالات مع تركيا، ولكن تركيا تبدو مكتفية الآن بالتطبيع العسكري، لماذا تتردد تركيا في المضي نحو التطبيع السياسي؟

د. حسن كوني: إن تركيا مازالت تنتظر ليتمثل السلام في المنطقة وببطء، لكن بالتأكيد سيكون تطبيع العلاقات مع سوريا أمراً في النهاية سيتم، بعد ذلك ستبدأ تركيا بالاستثمار في سوريا.. في علاقاتها مع سوريا وستنفتح سوريا للغرب ويصبح اقتصادها أكثر انفتاحاً وبالتالي ستمضي العلاقات في التطور، والمشكلات التي لدينا مثل المياه وبعض المشكلات الحدودية أعتقد أن مسألة الحدود لم تعد مهمة للغاية حالياً، لكن هذه القضايا سنقوم بتطويرها، ونحن الآن ننتظر لحلول السلام في المنطقة، لكن نعتقد ونحن متأكدين أن علاقاتنا مع جارتنا سوريا ستتطور كما تطورت علاقاتنا مع إيران، ومع الرئيس صدام.

مالك التريكي: أنتم تقولون -الدكتور كوني- إن مشكلة الحدود مثلاً لم تعد قضية هامة ولكن السبب حسب معظم التصريحات السبب في عدم زيارة إسماعيل جيم (وزير الخارجية التركي) إلى دمشق حتى الآن هو أن هنالك خلافاً حول صياغة البيان المشترك يتعلق بإقحام ملف الحدود في هذا البيان وهو مالا ترتضيه به سوريا.

د. حسن كوني: هذا صحيح، لكن هذا يمضي لفترة من الزمن وبعد ذلك أعتقد أنه سنتوصل إلى بعض التسوية ومن خلال المزيد من التفاوض وهذا ما يحدث حالياً، لكننا لم نتوصل إلى صياغة نهاية لكن الآن نحن بيننا علاقات جيدة ويمكننا أن نجلس معاً ونتفاوض في هذه الأمور وبالتالي يكون لدينا حدود آمنة.

مالك التريكي: هنالك القضية الأخرى الهامة طبعاً وهي قضية المياه، سوريا أيدت كثيراً من بوادر حسن النية في قضية المياه هي لم تطرح القضية دولياً، لأنها لا تريد أن تضع مزيد من العراقيل أمام تركيا في مسعاها إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكن تركيا لم تقدم إلى الآن أي شيء بالمقابل لسوريا، لماذا؟

د. حسن كوني: مازلنا نحن أيضاً ننتظر حتى تتم هذه التطورات، لأن التفاوض في هذا الأمر يجب أن يكون ثلاثي الأطراف مع العراق وسوريا، وبالتالي يمكن أن تشارك بكل شيء، ليس فقط المياه، بل أيضاً كيف نحمي المياه من التبخر واستخدام المياه والإصلاحات الزراعية التي يجب أن نقوم بها معاً نحن الأطراف الثلاثة ويجب ألا تستعجل هذه الأمور، لكنها ستتطور ويجب أن ن طورها أيضاً من خلال العلاقات الاقتصادية.

مالك التريكي: من بوادر حسن النية الأخرى التي قامت بها سوريا مثلاً أنها سعت في منظمة المؤتمر الإسلامي إلى منع انتقاد سوريا [تركيا] بسبب علاقاتها المميزة مع إسرائيل، كما أفسحت المجال أمام الشركات التركية للاستثمار في سوريا وللتنقيب عن الغاز والنفط في.. في الحقول الشمالية السورية، ماذا قدمت تركيا بالمقابل كبوادر ملموسة؟

د. حسن كوني: نعم، أعتقد أن الجيش والقطاع العسكري يقوم بتطوير العلاقات، فمجلس الأمن القومي التركي هو الجهة المخولة باتخاذ القرارات، أيضاً وأيضاً رئيس الأركان لديه علاقات جيدة مع السفير السوري هنا في تركيا بعد 30 سنة من العلاقات الباردة، فهذه العلاقات تطورت و خاصة بعد احتلال الرئيس بشار الرئاسة، وهذه العلاقات تتطور لكن يجب أن لا يستعجل هذه التطورات، لأن الوضع في الشرق الأوسط دقيق جداً، وهو أيضاً حساس، ونحن بانتظار التطورات مع العراق، ونحن بحاجة للانتظار، يجب أن ننتظر الوقت ولا يجب أن لا نستعجل لقد عانينا الكثير والعالم العربي كله عانى الكثير والآن حان وقت إحلال السلام والعلاقات الجيدة، هذا ما أعتقده.

مالك التريكي: كثير من الأوساط -دكتور كوني- تفسر عدم استعجال تركيا بأن هنالك انقسام في الرأي داخل المؤسسة السياسية.. داخل الحكومة، وداخل المؤسسة العسكرية بالنسبة للتطبيع مع سوريا، كما أن هنالك أيضاً الضغوط الخارجية وهي العلاقات المتميزة مع إسرائيل والتحالف مع أميركا، أليس هذا.. أليست هذه.. هي الأسباب الحقيقة لعدم الاستعجال التركي؟

د. حسن كوني: إن السبب في ذلك أننا بحاجة إلى وقت ومراقبة التطورات في المنطقة إضافة إلى ذلك، نعم نوايا الولايات المتحدة، نحن لسنا متأكدين حيالها وما سيحدث بالنسبة للعراق، نحن مع سيادة واستقلالية الدول العربية، نحن مع سيادة واستقلالية الدول العربية، لذا فنحن ننتظر وبعد ذلك سيكون هنالك تطورات وبالتالي سنتصرف كما يعمل السوريون ومن ثم سنرى ما سيحدث وسنفكر بالموضوع، لكن الآن التطورات الإيجابية بين سوريا و تركيا مستمرة وهذا ينطبق أيضاً مع إيران.

مالك التريكي: دكتور حسن كوني (مستشار الأمن القومي التركي) من أنقرة، شكراً جزيلاً لك.

كلما قامت تركيا بخطوة جادة نحو تحسين علاقاتها مع سوريا، شنت إسرائيل حملة دعائية تزعم أن سوريا تسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وأن هذه الأسلحة تستهدف تركيا بقدر ما تستهدف إسرائيل، فهل يمكن لسوريا أن تجاوز العقبة الإسرائيلية على طريق التطبيع السياسي مع تركيا.

[فاصل إعلاني]

أبعاد العلاقات السورية التركية من المنظور العربي

مالك التريكي: كلما قامت تركيا بخطورة جادة نحو تحسين علاقاتها مع سوريا شنت إسرائيل حملة دعائية تزعم أن سوريا تسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وأن هذه الأسلحة تستهدف تركيا بقدر ما تستهدف إسرائيل، وجريا على هذه القاعدة الدعائية، فإنه ما إن وصل رئيس الأركان السوري أخيراً إلى أنقرة حتى زعمت إسرائيل أن سوريا تسعى بالتعاون مع إيران وكوريا الشمالية إلى تصنيع صواريخ من طراز (سكود C) يمكن أن تصيب أهدافاً داخل الأراضي التركية.

معنا الآن لبحث قضية العلاقات السورية التركية من المنظور العربي الدكتور محمد نور الدين (مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في بيروت، وخبير الشؤون التركية) دكتور نور الدين، بعض الأوساط التركية تعترف صراحة بأن تطبيع العلاقات بين سوريا وتركيا لن يتم إلا إذا تم تطبيع العلاقات بين سوريا وإسرائيل، ألا يعني هذا أن العلاقة السورية التركية ستبقى دوماً تحت رحمة الضغوط الإسرائيلية؟

د. محمد نور الدين: يعني أولاً أنا فهمت من خلال كلام الدكتور حسن كوني أن الاستعجال ليس في محله في انتظار تحسن أكبر في العلاقات بين تركيا وسوريا، أعتقد بأن هذه النظرة تعكس جانباً من بعض الاتجاهات داخل تركيا والمؤيدة لإسرائيل والتي تحاول أن لا تعطي هذه الاتفاق العسكري الأخير بين تركيا وسوريا الأهمية اللازمة، نحن لا نريد الاستعجال كثيراً، لكن يجب أن يعطى هذا الاتفاق بالفعل حقه، لأنه بالفعل نقطة تحول مهمة جداً في العلاقات بين البلدين، يعني دعني فقط أسجل بعض النقاط قبل أن أجيب على مدى ارتباط تحسن العلاقات التركية السورية بمسار العلاقات التركية الإسرائيلية، أولاً هذا الاتفاق لم يأت من فراغ أو فجأة بل هو محصلة جهود كثيفة بذلت خلال الثلاث سنوات الماضية الاقتصادية والأمنية و الثقافية والاجتماعية وحتى الرياضية.

ثانياً: أن الطبيعة العسكرية لهذا الاتفاق مهمة جداً لجهة إضفاء مزيد من المصداقية، بل إضفاء مصداقية عالية جداً على إجراءات بناء الثقة بين الطرفين السوري والتركي ليكن ذلك دافعاً لتعاون أعمق وأوسع في المستقبل، وهنا أشير.. ألفت إلى أن هذا الاتفاق قد وقع من الجانب التركي.. من الجانب رئيس الأركان بالذات الجنرال (حسين كبرت أولو)، وهذا دليل على الأهمية التي توليها تركيا للتعاون مع سوريا خلاف ما كان الأمر عليه في الاتفاق التركي الإسرائيلي الذي وقع من جانب مدير عام وزارة الدفاع الإسرائيلية، والنائب الثاني لرئيس الأركان حينها الجنرال المتقاعد الآن (كرليس أولو).

مالك التريكي [مقاطعاً]: دكتور.. دكتور نور الدين أسف.. أسف على المقاطعة دكتور نور الدين.

د. محمد نور الدين: نعم.

مالك التريكي: المسألة الأمنية هي من أولويات تركيا، ولذلك تركيا تحرص عليها وتوليها هذه الأولية لأنها أولى من أولياها، مثلما هو الأمر بالنسبة لإسرائيل في العلاقة مع الفلسطينيين، لكن هنالك قضيتين جوهرتين، الحدود والمياه.

د. محمد نور الدين: نعم.

مالك التريكي: سوريا لم تتخذ أي موقف في شأنها فهي.. فهي لا تطالب بلواء الإسكندرونة، وهي لا.. لا تهدد حتى بطرح القضية الدولية من قضية المياه، فماذا.. ماذا نالت بالمقابل من كل هذا التعاون مع تركيا؟

د. محمد نور الدين: أولاً هذا الاتفاق ليس لمصلحة طرف دون أخر، و ليس لمصلحة طرف أكثر من أخر، بل هو لمصلحة الطرفين، وكل من الطرفين مستفيد بالتأكيد مثل هذا الاتفاق.

أولاً نحن نعرف تماماً ماذا كان الوضع عليه في خريف 1998 بين تركيا وسوريا، والخطر المحدق الذي جاء من الشمال تجاه سوريا، فسوريا المنشغلة بجبهة الصراع مع العدو الصهيوني يهمها جداً أن تكون حدودها الشمالية هادئة، وهذا الاتفاق العسكرية يزيل.. إن لم يكن كلياً بل.. إلى.. إلى حدٍ.. إلى حدٍ كبير، هذا التوتر أو أي خطر يمكن أن يقدم من الشمال تجاه سوريا، هذا إنجاز كبير للسياسة السورية في هذا المرحلة التي تواجه فيها سوريا ضغوط متعددة إسرائيلية وإقليمية ودولية.

ثانياً: أنا أعتقد أن التحول النوعي الأساسي في هذا الاتفاق هو أن سوريا راغبة في إقامة و.. أو تطبيع العلاقات مع تركيا بمعزل.. بمعزل عن مسار العلاقات التركية الإسرائيلية، وهذا تحول نوعي بالفعل، ويصب برأيي رغم كل الأقاويل التي تظهر هنا وهناك في اتجاه تعزيز التعاون العربي التركي وليس فقط السوري التركي، لأنه بـ..

مالك التريكي [مقاطعاً]: هل.. دكتور نور الدين.. دكتور نور الدين هذه الرغبة السورية.

د. محمد نور الدين: نعم.. نعم.

مالك التريكي: هذه هي الرغبة السورية، لكن الموقف التركي مثلاً مثال واحد، تركيا انسحبت مؤقتاً من مشاريع إقليمية للتعاون الاقتصادي مع العرب، مشروعي الربط الكهربائي والغاز مع.. مع مصر أخيراً، و.. وهذا طبعاً يسد حاجة.. حاجة تركيا إلى.. إلى الكهرباء والغاز، ولكنها ضحت بمصلحتها من أجل التنسيق مع إسرائيل، فالأولويات واضحة بالنسبة لتركيا، والرغبة السورية على خلاف ذلك طبعاً.

د. محمد نور الدين: لأ يعني نحن.. نحن هنا ننظر إلى الفائدة التي تجنيها تركيا من هذا الاتفاق على أنها فائدة رئيسية، وبطبيعة الحال الظروف التي كانت قائمة في السابق، والتي كانت تؤرق العلاقات بين تركيا وسوريا أعتقد يعني تحولت بنسبة كبيرة، و الملف الأمني قد سقط نهائياً بعد اتفاق (أضنة) بـ 1998، يعني الآن يجب أن ننظر إلى الاتفاق أيضاً من زاوية تركية لنقول أن تركيا تمر.. رغم كل مساعدات صندوق النقد الدولي، والضغوط الأميركية لمساعدتها، في أزمة اقتصادية كبيرة، ومثل هذا الاتفاق مع سوريا يفتح لها آفاق التعاون الاقتصادي واسعة، ليس فقط مع سوريا، بل مع كل العالم العربي.

سوريا هي بوابة تركيا إلى العالم العربي، وفتح هذه البوابة هو فتح لمجالات تعاون واسعة مع كل العالم العربي، كذلك تركيا مستفيدة جداً من هذا الاتفاق في هذا الظرف بالذات...

مالك التريكي [مقاطعاً]: دكتور.. دكتور نور الدين.. دكتور محمد نور الدين.

د. محمد نور الدين: نعم.

مالك التريكي: لقد أدركنا الوقت، آسف على المقاطعة، لقد أدركنا الوقت.. دكتور محمد نور الدين (خبير الشؤون التركية) من بيروت شكراً جزيلاً لك.

وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها.. دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة