محمود حسين.. تجربة صفاء في زمن الكدر العربي ج1   
السبت 1427/2/11 هـ - الموافق 11/3/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:37 (مكة المكرمة)، 11:37 (غرينتش)

- بداية التعارف بين كاتبين في الدراسة والاعتقال
- النقاشات الفكرية والعمل الأدبي

مالك التريكي: يُعَد محمود حسين منذ أكثر من ثلاثة عقود من أشهر الأسماء الفكرية العربية في فرنسا لجدية أعماله وجدتها ولقدرته على مخاطبة القوم بما يفهمون في شؤون العالم الثالث وشجون الحضارة العربية، هذا فضلاً عن أن طرافة محمود حسين تكمن في أنه ليس اسماً لكاتب واحد بل إنه اسم لكاتبين اثنين أي أنه اسم أدبي مستعار مشترك بين توأمين فكريين ولذلك قصة يعود تاريخها إلى عام 1969 إذ عندما عرض بهجت النادي وعادل رفعت نص كتابهما الأول عن الصراع الطبقي في مصر على دار ماسبيرو الفرنسية أبدت الدار رغبة في نشره ولكنها تحفظت على التوقيع بحسبان أن من المجازفة التجارية أن يُنشر الكتاب بتوقيع اسمين أجنبيين لشابين مغمورين، فكان أن وقع الاختيار على اسم قلمي مستعار هو محمود حسين باعتباره من أكثر الأسماء المصرية والعربية عمومية وأقلها غرابة على المسامع الأوروبية وبما أن كتاب الصراع الطبقي في مصر الذي عُدّ تحليلاً يسارياً لامعاً لتناقضات النظام الناصري قد لاقى نجاحاً كبيراً لدى الأوساط الفكرية في فرنسا وفي عدد من بلدان أوروبا والعالم الثالث عبر طبعات متكررة وترجمات عديدة فإن محمود حسين قد تجاوز وضعه المؤقت ليُكتب له منذ ذاك البقاء والاشتهار اسماً مفرداً لثنائي فكري، غير أن التتويج الفعلي قد تحقق للثنائي في أعقاب نشره عام 1974 بالاشتراك مع المؤرخ سول فريدلاندر أول كتاب حواري بين مثقف عربي ومثقف إسرائيلي وكان المنطلق أن الثقة التي استعادها العرب في أنفسهم بعد حرب عام 1973 أصبحت تسمح لهم بخطو خطوة أولى نحو المواجهة التحاورية الصريحة مع أي جانب فكري إسرائيلي مستعد للاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وقد عُدّ الكتاب آنذاك حدثاً تدشينياً هاماً وذاع صيته إلى حد أن محمود حسين قد استُضيف مع محاوره الإسرائيلي في برنامج أبستروف التليفزيوني الذي كان له من الإشعاع ومن الجماهيرية ما بوأه منزلة المؤسسة الثقافية في جميع البلدان الناطقة بالفرنسية وبعد إشراف الثنائي الفكري على رئاسة تحرير مجلة اليونسكو الشهيرة لمدة عشر سنين أصدرا مزيداً من الكتب التي أدى نجاحها إلى استخدامها مادة لبرامج وثائقية تليفزيونية مثل ما كان الأمر مع كتاب السفح الجنوبي للحرية، ظهور الفرد في العالم الثالث وكتاب حملة بونابرت على مصر، هذا إضافة إلى سلسلة برامج تليفزيونية عن العصر الذهبي للإسلام استغرق التوثيق لها وإعدادها ربع قرن وهي بعنوان عندما تكلم العالم العربية وقد بثت في فرنسا مرات عديدة كما بثت مترجمة في عدد من القنوات العالمية بما فيها قناة الجزيرة وإذا كان هذان المفكران من أصفى إخوان الصفاء في عصر الكدر العربي فذلك لأن مسار التآزر الإنساني والتواؤم الفكري بينهما قد بدأ يُزهر في وطنهما مصر منذ كانا في زهرة الشباب ولأن تجربة النشاط الطلابي والنضال السياسي ضد نظام الناصري قد أفضت بهما إلى محنة الاعتقال والتنكيل فإذا بهذه المحنة تفضي بهما إلى نعمة الأخوة المطلقة وتكاملية الفكر التحاوري.



 

بداية التعارف بين كاتبين في الدراسة والاعتقال

بهجت النادي- كاتب ومؤلف: يعني كنا لسه طلبة في بداية الدراسة.. أنا كنت حتى طالب في الجامعة في سنة إعدادي هو كان أو في أولى..

عادل رفعت- كاتب ومؤلف[مقاطعاً]: لسه في ثانوي.

بهجت النادي [متابعاً]: هو كان لسه في ثانوي في الليسية فرنسية، فتقابلنا في إطار زي ما أنت عارف.. أنت فاكر في الفترة.. كان فيه فترة عبد الناصر سافر فيها باندونغ.. كان فيه مؤتمر باندونغ.. الشباب بتوع اليومين دول نسيوا.. ما يعرفوش حاجة عن مؤتمر باندونغ..

مالك التريكي [مقاطعاً]: كان عام 1955..

بهجت النادي [متابعاً]: بس ده كان حدث كبير في..

مالك التريكي: المؤتمر الأفروآسيوي..

"
النظام الناصري تحول إلى نظام ديكتاتوري ابتداء من 1954، حيث بدأ جانب الحرية يختفي تدريجياً لغاية ظهوراللنظام الرئاسي فلا تنظيمات ولا أحزاب
"
            بهجت النادي

بهجت النادي: بالظبط فده كان حدث كبير في التاريخ السياسي العالمي مش بس في التاريخ السياسي بتاع العالم الثالث أو الدول الإفريقية الآسيوية لأنه لأول مرة كانت بتظهر الدول دي على الساحة السياسية العالمية عايزة يبقى لها موقع.. يعني فإحنا كمناضلين في الفترة دي كنا شايفين إن النظام الناصري تحول شيء فشيء إلى نظام ديكتاتوري.. يعني ابتداء من 1954 جانب الحرية اللي كان موجود في المجتمع المصري واللي كان مفروض على الضباط الأحرار بدأ يختفي تدريجياً لغاية ما وصلنا للنظام الرئاسي اللي فرض بقى القواعد بتاع ما فيش أحزاب، ما فيش تنظيمات ثانية، فإحنا كطلبة كان فيه اتحادات الطلبة، اتحادات الطلبة دي كان لها سلطة في الفترة اللي قبل الناصرية ما تيجي.. يعني كانت بتمثل حاجة فكانت في الفترة اللي الاحتلال الإنجليزي مثلاً كانت بتقود إضرابات واعتصامات وبتاع ضد الإنجليز يعني، لما النظام الناصري في الفترة دي بدأ يفرض قيود على اتحادات الطلبة.. يعني مثلاً ما كنش ممكن حد يترشح لاتحاد الطلبة إلا لما المباحث توافق عليه وده نظام أظن لغاية دلوقتي موجود.. يعني استمر بقى من التقاليد القومية يعني، فإحنا كنا بندور على مساحات نقدر نتحرك فيها فانتهزنا فرصة باندونغ دي وبدأنا نعمل لجان من أجل السلام في العالم واللجان دي طبعاً كانت يسارية فتقابلنا في اجتماع من اجتماعات اللجان دي، طبعاً اللجان دي ما كانلهاش مستقبل.. يعني بعد ثلاث أربع أشهر النظام تنبه فلغى الجماعات دي أو الاجتماعات دي وانتهى الموضوع، ما بقاش فيه لجان باندونغ ولا حاجة بس فضلت صداقتنا.

مالك التريكي: تجربة المعتقل بدأت في أواخر الخمسينيات؟

عادل رفعت: أول يناير 1959..

بهجت النادي: عادل بدأ قبلي دائماً سباق..

مالك التريكي: بداية مضبوطة زمنيا.. يعني أول يناير.

عادل رفعت: عبد الناصر اختارها على أساس أنه.. يعني أنت عارف آخر السنة الناس ما فيش حذر في التصرفات جاؤوا فعلاً أخذونا من بيوتنا وكانت فترة طولت.. يعني في النهاية فضلنا خمس سنين في المعتقلات، المعتقلات إذا كنت عاوز الذكرى اللي فاضلة دلوقتي رغم أنه كانت ظروف قاسية فيه سبعة عشر واحد ماتوا تحت الضرب شهدي عطية من ضمنهم كاتب كبير، إنما بعد السنين دي تقدر تقول أنها في النهاية كان فيه حوالي ألف واحد وعددهم بعد كده قل شوية لغاية أربعمائة وكذا وصلونا الواحات وسابونا هناك فعندك مجموعة من الكتّاب والعلماء..

مالك التريكي [مقاطعاً]: يعني معتقل صحراوي كان المعتقل صحراوي؟

عادل رفعت [متابعاً]: الأخير.

بهجت النادي: لا ده كان معتقل سياحي.. يعني نظام الاعتقال في مصر كان نظام سياحي.

مالك التريكي: بأي معنى؟

بهجت النادي: بمعنى أنه يبدأ بك يحطك في معتقل القلعة وبعدين يرحلك لمعتقل الفيوم وبعدين من الفيوم يرحلك لمعتقل..

مالك التريكي [مقاطعاً]: فيه تدرج..

بهجت النادي [متابعاً]: أبو زعبل ومن أبو زعبل للواحات.. يعني ما كنش فيه معتقل واحد أو تقعد في حتة واحدة فنقّلونا وبعدين بالنسبة للناس اللي كانوا في المعتقل واللي دخلوا قضايا لأن فيه ناس كثير اعتُقلوا من غير ما يكون فيه حاجة ضدهم، إنما فيه ناس هم حاولوا ينظموا لهم قضايا.. يعني فالناس اللي كانوا منظمين لهم قضايا بقوا ينقلوهم ثاني أكثر من كده يعني.

عادل رفعت: لا ما هو فيه نكتة ظريفة علشان تشوف الأحكام العرفية جمالها إيه بقى، إنه كنا مثلاً في زنازين مع بعض، فيه ناس حكم عليهم بكذا سنة وفيه ناس معتقلين، تيجي مثلاً واحد فيهم يوم انتهى الحكم خد ثلاث سنين.. أربع سنين فييجوا يندهوا له يروح مكتب مدير السجن يقول له مفروض إفراج، فعملية الإفراج دي يغير الزي بتاعه من أبيض لأخضر ويرجع في زنزانته، فيعني..

مالك التريكي [مقاطعاً]: يعني كان يمدد إدارياً بدون أي قرار قضائي، بدون الرجوع لإجراءات قانونية، يمدد بقرار إداري، طبعاً في تلك الفترة أنتم تعرفتم في منتصف الخمسينيات ثم غبتما عن بعضكما البعض لم تريا بعضاً وتقابلتما مرة أخرى في المعتقل؟

بهجت النادي: لا كنا بنشوف بعض من سنة 1955 و1959 وكنا بقينا أصدقاء، ما هو الفائدة بتاعة لجان باندونغ هي ما كنتش بس فائدة سياسية إنما كانت فائدة شخصية إن إحنا تعرفنا ببعض، بعد كده كنا بنشوف بعض بانتظام، كان بقينا أصدقاء يعني، في المعتقل ما كناش مع بعض في الأول قعدنا بتاع ثلاث سنين هو في حتة وأنا في.. كل ما.. يعني أنا أروح في حتة.. هو ييجي يبقى في القلعة وبعدين يترحل من القلعة أدخل أنا القلعة، أروح أنا الفيوم يروح هو الواحات..

مالك التريكي [مقاطعاً]: كنتم في درجات مختلفة من الاعتقال نوعاً ما.

بهجت النادي [متابعاً]: آه ما هي كده.. يعني الحقيقة إحنا دلوقتي بنتكلم عن الاعتقال ده بشكل هيّن كده ومسلي بينما هو كانت تجربة مش عايزين..

مالك التريكي: لهذا السبب أريد أن أذكر مقطع من كتاب كتبه المسؤول الإعلامي المعروف في فرنسا هيرفي بورغ كتب مذكراته وكان مسؤول عن القناة الثانية الفرنسية..

بهجت النادي: والأولى الأول..

مالك التريكي: ولا الأولى والإذاعة الدولية الفرنسية أيضاً فمعروف في الأوساط الإعلامية الفرنسية وهو صديق لكما ويعرف عنكما الكثير، كتب يصف كيف تقابلتما في المعتقل، طبعاً هو لأنه باللغة الفرنسية وليس ترجمة حرفية لكن ما يقول إنه عندما دخل الأستاذ عادل هذه المنطقة يقول أن اللقاء بينكما أو إعادة اللقاء بينكما لم تكن عادية لأن الأستاذ عادل كان قد تعرض للضرب المبرح في البداية وأجبر مثله مثل بقية الآخرين على الجري حافياً وكانت رجلاه متورمتين وجراحه تنزف وأجبر أن يجري في ساحة مليئة بالمسامير وبشظايا الزجاج وعندما سقطت أنهال عليك الضرب مرة أخرى وفوجئت بالأستاذ بهجت يحملك على أعناقه فتحمّل الضرب من أجلك.

عادل رفعت: ضُرِب بدالي نعم.

بهجت النادي: دي حاجة فاكرها عادل أنا كنت نسيتها، هو فكرني بها، فعلاً كنت نسيتها قبل.. وإحنا بنتكلم مع هيرفي، فحكى له الحكاية دي بينما بالنسبة لي ما كنش.. بس هي فعلاً كان منظر تعرف في الأوردي كان.. في أوردي أبو زعبل بالذات، فده كان المعتقل اللي إحنا قعدنا فيه ثمانية نتعذب، نتعذب يعني بمعنى ننضرب كل يوم، بنمشي حافيين، بنروح الجبل نشتغل أشغال شاقة وإحنا خارجين وإحنا راجعين بننضرب وبنهان.. يعني أهم حاجة كانت الإهانة.. يعني الإحساس بإنه بيهينك.. العساكر بتهينك.. يعني ودي يبدو أنها سياسة..

مالك التريكي [مقاطعاً]: مقصودة..

بهجت النادي [متابعاً]: مش بس مقصودة إنما.. يعني متبعة طول الوقت..

مالك التريكي: منهجية..

بهجت النادي: إن المواطن يبقى مُهان.. يعني ما يبقاش محترم، فده إحنا كنا في المعتقل وكنا كده.. إحنا كنا في الأوردي، أوردي أبو زعبل وعادل كان في الواحات، بعدين نقلوهم.. هم كمجموعة جابوهم الأوردي لأن هم في طريقهم للإسكندرية علشان يحاكموا هناك وهنا كان فيه المعتقل بقى حكاية.. في الأوردي بالذات حاجة اسمها الاستقبال، يعني لما ييجي حد.. لما تيجي مجموعة جديدة أو واحد جديد بيحضروا له استقبال خاص يليق بمقامه، فمن على باب السجن.. من على باب المعتقل يقلعوه عريان، طبعاً يجروه ويقلعوه عريان ويضربوه وهم بيعمل ويهينوه ومش عارف ولما يدخل السجن لازم يدخل وهو مدغدغ.. يعني متكسر، فده اللي حصل مع عادل وبعدين خرجوه بعد كده معنا.. يعني خرجوا المجوعة دي، كانت مجموعة أصدقائنا.. الأصدقاء الشخصيين بالذات فخرّجوهم معنا الجبل، الجبل ده الحتة اللي إحنا بنكسر فيها الحجارة وبنعمل فيها الشغل، ففي الطريق للجبل بيبقى فيه الحجارة المتكسرة دي اللي تمشي عليها زي ما تكون سكاكين وإحنا رجلينا عريانة، فإحنا كانت بقت رجلينا فيها طبقة من الجلد السميك كده بيحمينا بحكم الممارسة، ففعلا آه هم بيوصلوا الضرب وهو كانت رجليه وارمة وهي طبعاً إذا ما مشيش بالشكل الملائم ضرب برضه، فقلت له تعالى.. يعني شلته على ظهري على الأساس ده طبعاً الضرب ما توقفش بس كانت كده.. يعني فدي.. فيه ناس ماتت من الضرب ده في المعتقل نتيجة ضربة بالصدفة، طبعاً مش مقصودة بس بالصدفة تيجي الضربة على الرأس، واحد جاءت له الضربة على البطن فالكبد انفجر فمات.. يعني حاجات من النوع ده.



 

[فاصل إعلاني]

النقاشات الفكرية والعمل الأدبي

مالك التريكي: هذه التجربة طبعاً لا شك في أنها وثّقت العلاقة بينكما، علاقة التوأمين، أصبحتما توأمين بالمعنى الأدبي الفكري وتوأمين بالمعنى الإنساني لأنكما متلازمان منذ ذلك الوقت، كان هنالك جانب آخر في تجربة المعتقل هي أن المعتقلين لم يكونوا يساريين فقط بل كانوا من الإخوان المسلمين أيضاً وأذكر أن من أشهر الكتب في السبعينيات كان هناك كتاب عنوانه حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون كان أحد كتبه.. كاتبه كان من الإخوان المسلمين، كيف كانت النقاشات؟ ماذا كان.. ما هي مواضيع النقاش بين اليساريين والإخوان؟

عادل رفعت: لا في الفترة اللي كنا فيها ما تقدرش تقول إن كان فيه نقاشات أو حوار منظم، كان فيه مقابلات، إحنا كنا في عنبر وهم في عنبر ثاني وأظن عنبر ثالث مساجين عاديين.

مالك التريكي: يعني عنبر بالاتجاه السياسي.. بالألوان السياسية.. يعني عنبر يساريين، عنبر إخوان مسلمين بهذا الشكل يعني منظم.. فيه تنظيم؟

عادل رفعت: طبعاً بس المقابلات كانت بتتم إذا كنت عاوز، ما حدش فرض علينا نروح للإخوان أو هم يأتوا، كان فيه اتصالات إحنا كنا شبان.. يعني يا دوبك عشرين سنة أو واحد وعشرين سنة نحب نقابل الجميع، نحب نناقش، نحب نسمع وبعدين كان فيه حاجة مهمة جداً في تفكيرنا اللي هو.. وما تعرفش جاءت إزاي حتى وإحنا في الفترة الماركسية دي إنما الإحساس باحترام حرية الشخص واحترام الفكرة الديمقراطية العامة إنه كل واحد من حقه يقول رأيه اللي خلتنا حتى نعارض الغالبية العظمى من أصدقائنا اليساريين إن إحنا كنا ضد التنكيل بالإخوان المسلمين لأنهم إخوان مسلمين، ممكن نختلف معهم بس مش.. الديمقراطية بتبدأ بأنك تقبل الخلافات دي، عندنا كان فيه الفضول الفكري والثقافي، فكرة الحوار مع ناس مختلفين معك من زمان قوي فعلاً من صغرنا تهمنا جداً.. يعني تحس إنه بقى متبادلة..

مالك التريكي [مقاطعاً]: من أسس البحث الفكري عندكم والسياسي، من الأمور اللافتة للنظر في تجربة المعتقلات في مصر في تلك الفترة أن اليساريين والإخوان المسلمين على حد سواء وربّما اليساريين أكثر لم يكونوا رغم تعرضهم للإيذاء والاضطهاد على يد النظام الناصري وبعض رفاقهم وزملائهم ماتوا في هذه التجارب رغم ذلك كانت وطنيتهم تحدوا بهم إلى الوقوف مع النظام عندما يتعرض للاعتداء وعندما وقع العدوان الثلاثي يقال مثلاً هنالك فيلم وثائقي أخيراً بُث هنا في فرنسا بثته وأنتجته ابنة أحد الشيوعيين المصريين السابقين يعيش في فرنسا من زمان يثبت هذا الفيلم الوثائقي أنه في تلك الفترة في عام 1958 في العدوان الثلاثي شكّلوا فريق من المتطوعين للقتال مع..

بهجت النادي [مقاطعاً]: كان في 1956 أه الشيوعيين وهنا..

مالك التريكي [متابعاً]: آسف عام 1956 آسف.

بهجت النادي: في عام 1956 إحنا كنا موجودين في المجموعة اللي راحت الإسماعيلية على القناة علشان نحارب الإنجليز بس من الفترة دي.. من الوقت ده حتى النظام كان بيبص لنا بحذر.. يعني ما بيعتبرناش وطنيين مخلصين يعني..

مالك التريكي: رغم الاستعداد للقتال وقتها؟

بهجت النادي: مع إن إحنا.. يعني عايز يستخدمك.. يعني أنت بتتطوع علشان تروح تحارب هو اللي يحدد لك هتروح فين وتحارب إزاي وتعمل إيه، فلما شاف إن إحنا كنا مستعدين نروح ندخل في المعركة في بورسعيد وبتاع رجّعونا ثاني ما سابوناش.. يعني أخذوا بعض العناصر اللي هم.. يعني كانوا واثقين فيها جداً إنما سابونا.. يعني كان فيه دائماً الحذر من أي تنظيم مستقل مش إن إحنا كنا قوة كان ممكن تغير حاجة في التاريخ أو تهدده إنما أي قوة لها وجود مستقل..

مالك التريكي: استقلالية.

بهجت النادي: أو استقلالية أو طريقة مستقلة في التفكير مش المفروض إنها تبقى موجودة ده.. يعني كان واضح جداً في الـ 1956 يعني.

مالك التريكي: تفضل.

"
في الفترة الناصرية كان البعد الوطني للمعركة في مصر وفي معظم البلاد العربية ذا طابع دنيوي وعلماني
"
                عادل رفعت

عادل رفعت: عايز أضيف حاجة ممكن تكون مهمة للمتفرج النهاردة وبالذات الجيل الجديد، إنه البعد الوطني للمعركة اللي كانت بتخاض في مصر وفي معظم البلاد العربية إنه الحيز الوطني كان دنيوي.. مهم جداً نركز على النقطة دي، كان فيه مفاهيم القومية، الأمة، الدولة، السياسة، الأحزاب دي كانت اللغة اللي بنتكلم بها، البعد الديني في الفترة دي تقدر تقول من نهاية الحرب العالمية الثانية لغاية الثمانينات طبعاً كان موجود في المجتمع، المجتمع مشبع بالإسلام كدين وكقيم إنما الحيز السياسي.. الحيز العام كان فيه كلام دنيوي علماني وده اللي بيفسر مش بس الجو اللي عشنا فيه في الفترة دي والحد الفاصل بين اليسار والإخوان المسلمين إنما ده اللي بيفسر إنه عبد الناصر في معركته كان أقرب بكثير جواهر لال نهرو ولتيتو لناس أقرب بكثير ليهم منه إلى..

مالك التريكي [مقاطعاً]: من الملك فيصل مثلاً.

عادل رفعت [متابعاً]: من فيصل ملك السعودية، فالخطوط دي مهمة علشان الناس تُقدِّر إنه كان فيه طابع خاص للمعركة الوطنية مختلف عن اللي إحنا شايفينه النهاردة وده فسر، كمان تفكيرنا ومسارنا السياسي والتطور التدريجي اللي خلانا مركزين على المقولات السياسية الدنيوية وإزاي تدريجياً في الـ15 سنة اللي فاتت بدأنا نُدخل من جديد مفاهيم عن الإسلام وعلاقته بالسياسة يعني.

مالك التريكي: من السمات الواضحة عند أكثر من جيل في المثقفين والمناضلين السياسيين في مصر أن كثير منهم في تلك الفترة ممَن فروا من مصر أو اضطروا للخروج دون رغبة منهم مصر توجهوا إلى فرنسا، الآن تذكراني بالدكتور أنور عبد الملك كان من المفكرين اللي ذوي الوزن.. المفكرين ذوي التوجه اليساري واضطر أيضاً في ظروف شبيهة نوعاً ما بظروفكم إلى المجيء إلى هنا؟

بهجت النادي: بالضبط هو هرب هنا، في الفترة الأولى من أول ما بدأت الاعتقالات.. يعني فجاء فرنسا، فالسؤال هو ليه فرنسا؟

مالك التريكي: ليه فرنسا وليست بريطانيا لأن هنالك النخبة فكرية سياسية مصرية هواها فرنسي أو توجهها فرنسي وليس بريطاني؟

عادل رفعت: تبدأ بنابليون هنا على طول.

بهجت النادي: بونابرت.

عادل رفعت: بونابرت آه لأنه أيامها كان لسه جنرال بونابرت والحملة الفرنسية وبرضه يمكن هنا نختلف عن بعض أصدقائنا إنه في رأينا إن الحملة دي كان لها دور تاريخي مهم جداً، إنه فتح مصر من جديد للعالم وللروح العصرية، إنه بونابرت فضل فيها 11 شهر وساب مصر وبعد كده كليبر جاء.. المهم الحملة كلها أقل من ثلاث سنين فما لحقوش يقيموا نظام استعماري، كان بونابرت جاي وفي ذهنه طبعاً إنه يضم مصر وبعد كده يقطع طريق الهند على الإنجليز..

مالك التريكي [مقاطعاً]: على البريطانيين نعم.

عادل رفعت [متابعاً]: يعني وكمان في ذهنه من ناحية تانية..

مالك التريكي: سحر الشرق.

عادل رفعت: سحر الشرق بس بمعنى جاد مش هلامي، إنه بالنسبة له زي قيصر قبله المثل المحتذى هو الإسكندر الأكبر، الإسكندر لف العالم أو الجزء ده من العالم..

مالك التريكي: معروف.

عادل رفعت: وجاب فيه مفاهيم جديدة، من أيام الإسكندر إلى نابليون فكرة دور الفرد، إنه في عالم مبني كله على جماعات هنا فكرة الفرد الفكرة اليونانية الأولية بونابرت جابها وهو جاي بعد الثورة الفرنسية، فجايب معه أفكار عن الفرد، عن بعض حقوق الفرد، عن فكرة القانون دي كلها أفكار مهمة جداً..

مالك التريكي: طبعاً وإنه..

عادل رفعت: جابها وحطها..

مالك التريكي: طبعاً والقانون النابليوني له أثر كبير في التراث القانوني في البلدان الحديثة..

بهجت النادي [مقاطعاً]: في مصر..

مالك التريكي [مقاطعاً]: في مصر وبعض البلدان العربية الأخرى.

بهجت النادي: ومصر كمان وبعد أن..

عادل رفعت [متابعاً]: لا ولما أقام المجلس في مصر ولما قال لعلماء طيب ما تفكروا هنصوت.. إحنا نصوت ده دور المماليك ملناش دعوة.. يعني المهم فتح لهم آفاق فكرية وثقافية وبعد كده طبعاً انتهت الحملة، بس مش عاوزين ننسى إن بعد كده لما بونابرت بقى نابليون، محمد علي استولى على السلطة وبدأ مشروعه في..

مالك التريكي [مقاطعاً]: بناء الدولة الوطنية.

عادل رفعت [متابعاً]: بناء دولة..

بهجت النادي [مقاطعاً]: حديثة..

عادل رفعت [متابعاً]: حديثة على الأقل وبتعاون مع نابليون وبعد كده جاء بعد نابليون، فالعلاقة بين مصر وفرنسا كانت علاقة نوع خاص وطبعا.. يعني رفاعة الطهطاوي وإلى آخره وكل التيار ده للمثقفين المصريين اللي بدأوا ينفتحوا على العالم وعلى الروح العصرية والأفكار العلمية من خلال فرنسا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة