ملامح أفغانستان ما بعد طالبان   
الاثنين 30/11/1425 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)
مقدم الحلقة: عمرو الكحكي
ضيوف الحلقة: عدة شخصيات
تاريخ الحلقة: 20/06/2002

-22 ديسمبر 2001 استقرار أم صراع؟

- الحرب ضد طالبان.. حرب بلا هوادة

- مستقبل أفغانستان في ظل الأوضاع الراهنة


عمرو الكحكي: لكل زمان دولة ورجال، وهؤلاء هم رجال دولة أفغانستان ما بعد طالبان.

22 ديسمبر 2001 استقرار أم صراع؟

في ذلك التاريخ تسلمت حكومة مؤقتة السلطة تم الاتفاق على تشكليها في بون وكانت تشكيلتها مفاجئة فيما يتعلق بشخصياتها، وإن كانت متوقعة من حيث التقسيم العرقي، فهي حكومة تجاهلت الرئيس المنتخب الموجود في كابول برهان الدين رباني ذا الأصل الطاجيكي لتفسح المجال أمام تلاميذ أحمد شاه مسعود الذي اغتيل في التاسع من سبتمبر، كما أنها جاءت ببشتوني لم يكن بارزاً من قبل هو حامد كرزاي ليصبح رئيساً للإدارة المؤقتة، والأغرب والأعجب أنها رأت في الماضي حلاً للمستقبل، الملك السابق محمد ظاهر شاه عاد إلى البلاد بعد أكثر من 29 عاماً في المنفي، عاد ليلعب ما يقال أنه دور الأب ويقود مسيرة المصالحة والتسامح العرقي، عودته اتفق عليها كما الوضع الجديد برمته في اتفاق بون لكنها نقطة اختلاف في الرأي داخل أفغانستان ما بين أنصاره ومعارضيه، ويرى أنصار عودة الملك السابق أنه سيكون المخلص من التناحر العرقي ويرون أن الاستقرار الذي عاشته أفغانستان في عهده كان نعمه لم يعرفوا قيمتها إلا بعد التناحر بين الفصائل الأفغانية المختلفة سياسياً وعرقياً، كما يشيرون بالبنان إلى تجارب سابقة عاد فيها ملوك وأمراء وحكام إلى سدة السلطة بعد نفي أو لفظ، ولكن ما هو دور ظاهر شاه كما كان متخيلاً قبل العودة؟

حامد كرزاي (رئيس الإدارة الأفغانية المؤقتة): إنه يقول عن نفسه إنه مواطن عادي كلنا مواطنون عاديون في أفغانستان، لكن هناك مواطنين بارزين في أي وطن، السيد (نيلسون مانديلا) مثلاً مواطن في جنوب أفريقيا، مواطن عادي، لكنه مانديلا بتاريخه كذلك الملك السابق لأفغانستان مواطن عادي مثل الباقين، لكنه الملك السابق والرمز الأبوي.

عمرو الكحكي: غير أن هناك من يرى أن عودة ظاهر شاة ارتداد إلى عصور ظلامية كان الاستقرار فيها قائماً على قمع المعارضين وإتباع سياسة القبضة الحديدية.

حشمت الله مصلح (محلل سياسي): عودة الملك السابق والملك نفسه لا يمثلان شيئاً سوى اللا مبالاة إذ لم تكن هناك جبهة حرب تمثل ظاهر شاة خلال 23 سنة من الحرب، وهو لم يصرف دولاراً واحداً على أعمال الإغاثة وأعمال الخير الموجهة للأفغان المتضررين منها، ماذا فعل طوال تلك السنوات؟ لماذا لم يهتم بشبعه؟

لهذا لا يرحب بعض قطاعات المجتمع بعودته في حين يرى البشتونيين فيه قائداً بديلاً، لأنهم من الناحية الاجتماعية لم يتمكنوا من الاتفاق على من يقودهم، والنتيجة هي وجود عدد من القادة المنتمين إلى القبائل المختلفة ليس بينهم قائد أعلى

عمرو الكحكي: أنصار الملك رأوا أن تلك الانتقادات غير مبررة.

سيد مخدومي رهين (وزير الثقافة بالإدارة المؤقتة): كان لدينا الكثير من الناس الذين فتحوا مكاتب ومنظمات أثناء الحرب، لكن التجربة أثبتت أن أحداً منهم لم يتمكن من كسب وضعية قومية على عكس ظاهر شاه الذي يتمتع بتأييد الناس في المدن والقرى، وربما كان السبب في ذلك هو أنه لم يؤذ أحداً خلال حكمه الذي دام أربعين سنة والذي كان مستقراً وآمناً، وفيه تعايش مشترك. وللهواة ذكريات عن رجل لم يخسر قلبه من أجل السلطة والمملكة.

عمرو الكحكي: ورغم وجود انقسام في الرأي بشأن عودة الملك السابق ظاهر شاه أصبح وجوده واقعاً ملموساً قاد من خلال اجتماعات مجلس حكماء القبائل وأعيانهم المعروف باللوياجيركا لاختيار الحكومة الانتقالية التي تسير أمور البلاد طوال الثمانية عشر شهراً المقبلة، إلا أن الجميع كان يتحدث دائماً عن دوره في مستقبل أفغانستان، ويشير إلى تقدم سنه، فهو في السادسة والثمانين من عمره، الأمر الذي يعني لدى البعض أن الملك السابق لا يمكنه الإضطلاع بمسؤوليات الحكم إن اختير أو انتخب، غير أن المجتمع الدولي الذي ساعد في رسم ملامح أفغانستان ما بعد طالبان لم يرد -على الأقل علناً- أن يفرض الدور الذي يلعبه الملك السابق.

ميشيل ريفاسو (الناطق السابق باسم الخارجية الفرنسية): الأمر راجع للأفغان أنفسهم في معرفة ما يريدون عمله، وإذا استطاع الملك السابق القيام بدور مفيد فهذا أمر جيد، لكنهم على الأقل اتفقوا في (بون) على عودته لقيادة اللوياجيركا.

سيد مخدومي رهين: مسألة السن ليست مهمة، لأنه لم يعد إلى بلاده للعب مباراة في المصارعة، ودوره رمزي هو دور الأب الذي يحقق الاستقرار ويوحد العرقيات الأفغانية ويشيع السلم بينها، ووجوده هو الذي يعطي الشرعية للحكومة الانتقالية.

عمرو الكحكي: عودة الملك السابق ظاهر شاه مرة أخرى إلى بلاده بعد غيبة دامت نحو تسع وعشرين سنة بعد أن تأخرت المرة تلو الأخرى ستلقي بظلال على المستقبل السياسي لعدد من القادة الحاليين في الحكومة الانتقالية، كما أنها ستزيد من حدة الصراع السياسي الخفي الذي يدور بين الوزراء من مختلف العرقيات.

حامد كرزاي البشتوني ومحمد فهيم الطاجيكي عملا جنباً إلى جنب، لكن من غير المعلوم تماماً كيف يعمل كل منهما على تدعيم أركان سلطته. حامد كرزاي رئيس الإدارة المؤقتة الذي فرضه الغرب نتيجة عدم اتفاق البشتون على قائد كان يشعر بخطر داهم يتهدد مستقبله السياسي من جراء عودة الملك السابق ظاهر شاه، لأن كرزاي لم يترك انطباعاً مؤثراً عن الأفغان وعند الأميركيين على حدٍ سواء يثبت من خلاله امتلاكه مواهب وشخصية القائد المسيطر على الأمور، ولذا كانت عودة ظاهر شاه تعني لدي البعض تواري البشتوني الأول في الإدارة المؤقتة أو على الأقل نزوله إلى مرتبة سلطوية أدني.

نور الله ديلاوري (مستشار اقتصادي للإدارة المؤقتة): لا على الإطلاق فلو حدث ذلك سيكون حامد كرزاي من بين هيئة المستشارين التي يشكلها الملك السابق، ويمكن أن يتم اختيار كرزاي نائباً للرئيس مثلاً للقيام بالعمل البدني المطلوب لقيادة هذا البلد.

عمرو الكحكي: وتشير زيارة حامد كرزاي للمزار الشريف على وجه التحديد في عيد رأس السنة الفارسية (النيروز) إلى رغبة منه في كسب التأييد، وللتأييد أنواع:

التأييد الشرعي الديني المتمثل في زيارة مسجد يقول الأفغان إن به جثمان علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- حيث يرفع صارٍ يقال أنه يحمل عباءة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- وهي عادة دأب عليها القادة والزعماء لكسب مكانة دينية لدي الرعية، ويعتقد أنها نوع من أنواع البيعة وإعلان الولاء من جانب عبد الرشيد دوستم القائد العسكري ذي الأصل الأوزبكي المستعد لعمل أي شيء لضمان مكانة العرقية الأوزبكية في السلطة، وهو أحد أمراء الحرب في أفغانستان منذ ما يزيد على 23 سنة.

التأييد الشعبي سعى إليه أيضاً حامد كرزاي عندما دغدغ حب الناس للعبة (البوسكاشي) أي شد التيس، وهي اللعبة الشعبية الأولى في أفغانستان، اللعب كان على مستوى الكبار، فالغريم هو دوستم المضيف الذي استطاع أن يتحول بولاءاته مراراً، كما غيره من القادة الأفغان، فتارة كان مناصراً للحكم الشيوعي، وتارة أخرى تحالف مع أحمد شاه مسعود الطاجيكي وانقلب لمؤازرة قلب الدين حكمتيار البشتوني ثم أنضم أخيراً إلى تحالف الشمال في مواجهة طالبان، وكان هدفه الوحيد في كل الأحوال هو بقاء الأوزبك في الحكم والاحتفاظ بالسلطة في مملكته بالمزار الشريف، وهنا تتفق المصالح التي توحدها الرغبات الأميركية في فرض حالة استقرار في أفغانستان، ولا يهم ذكر نتيجة مباراة (البوسكاشي) فدوستم بعرف أيضاً كيف يكرم ضيوفه، الخلافات العرقية واحدة من أبرز ملامح أفغانستان ما بعد طالبان، رغم محاولة الظهور بمظهر الوحدة الوطنية، وهناك مقولة مفادها أن كل أرض لم تصبح جزء من دولة في تلك المنطقة تحولت لاحقاً إلى ما يعرف بأفغانستان.

حشمت الله مصلح: لا شك إن ما فعلته اتفاقية بون هو التحكيم بين العرقيات المختلفة في كيفية تقسيم السلطة في أفغانستان، ولذلك تقوم كل وزارة أسندت إلى عرقية بعينها بتوظيف أناس من نفس العرقية، وبالتالي بقيت التقسيمة العرقية السابقة ولكن في شكل وزارات، رغم حديث المسؤولين عن التناغم العرقي وهكذا اتسع دائرة الخطوط السياسية الفاصلة بين العرقيات على مستوى القيادة لتشمل السواد الأعظم من موظفي الحكومة.

عمرو الكحكي: الخطوط العرقية الفاصلة تبقى إذن في مكانها بعد أن انتهى عملياً تحالف الشمال أو الجبهة الإسلامية المتحدة باغتيال أحمد شاه مسعود وسقوط حركة طالبان، وإن حاول الحلفاء إظهار التماسك في العلن، لكن اغتيال مسعود جعل حلم القيادة يداعب خيال كثيرين، ومنهم جماعة وادي بانشير الذي ينحدر منه مسعود، وقد تولى هؤلاء حقائب الداخلية والخارجية والدفاع وهي الوزارات السيادية، مما يعكس ميزان القوة العرقية كيفاً وليس كماً.

نور الله ديلاوري: أعتقد أن هذا أمر مفهوم ومتعارف عليه بين أفراد الشعب الأفغاني، ومثال ذلك هو اتفاق بون الذي تم التوصل فيه إلى تفهم بشأن تقاسم السلطة بين العرقيات كلها، وتم قبول حامد كرزاي لرئاسة الإدارة المؤقتة لأنه ممثل البشتون أكبر العرقيات الأفغانية، وهكذا يجب أن يكون له نائب من الطاجيك وآخر من الأوزبك وثالث من الهزارة، وهو نفس المعيار الذي تعمل به اللوياجيركا، وليست في ذلك مشكلة.

[فاصل إعلاني]

[حرب بلا هوادة]

الحرب ضد طالبان.. حرب بلا هوادة

عمرو الكحكي: غرب كابول حي الهزارة، أحد أكثر الأحياء المتضررة من الحروب في العاصمة.

لم تنس أفغانستان بعد الطعم المر للدمار الذي حاق بها من جراء حروب دامت 23 سنة، لكنها لم تكد تنعم بالسلام بعد انتهاء الاقتتال الأفغاني الأفغاني حتى استمرت الحرب إلى الجنوب الشرقي من كابول، الطريق من كابول إلى (جرديز) عاصمة ولاية (باكتيا) طويلة وملتوية كما التواء الأحداث والمفاجآت فالحرب التي قادتها الولايات المتحدة هناك في سلسلة الجبال الممتدة على طول الطريق، في سلاسل الجبال تلك التي يتغير اسمها كل بضعة كيلو مترات، وبالتحديد في جبال (أرما) اعتصم عدد من فلول مقاتلي طالبان والقاعدة بقيادة مولوي سيف الرحمن منصور بن حاكم باكتيا في عهد طالبان، القوات الأميركية ومعها قوات غربية حليفة شنت عملية (أناكوندا) التي استغرقت سبعة عشر يوماً لملاحقة هؤلاء المقاتلين والقضاء عليهم، وخلال الأيام السبعة عشر كانت هناك تصريحات أميركية عن أعداد مقاتلي طالبان والقاعدة، بلغت أحياناً رقم ثلاثة آلاف مقاتل، في حين قال أهالي القرى المحيطة أنهم في حدود الخمسمائة تصحبهم أسرهم.

قرية (زورمات) هي أكبر القرى القريبة من جبال أرما، وهي مسقط رأس سيف الرحمن قائد المقاتلين في الجبل، أهالي القرية بشتون خالصون متعاطفون مع سيف الرحمن وزملائه، ويرون القوات الأميركية التي تصفها الحكومة المؤقتة بالصديقة على أنها قوات غازية.

مواطن من قرية زورمات (1): الناس هنا لا يريدون الحرب، إنهم يبغضونه ويرفضون الغزو الأميركي، لأن الذين يتعرضون للهجمات في الجبل هم أبناؤنا.

عمرو الكحكي: مين اللي متحاربين هناك؟ مين اللي متحاربين.

مواطن من قرية زورمات (2): هناك من.. من المنطقة هذه مجاهدين.. هذاك اللي هناك.

عمرو الكحكي: مع مين؟

مواطن 2: مع اللي شو اسمه؟ قوات الشمال وقوات هذا اللي يجون..

عمرو الكحكي: يعني ما في حد من القاعدة ولا كذا؟

مواطن 2: لا.. لا، من.. من .. من المنطقة هذه، وإخوان زينا الإخوان هذا اللي.. يعني كلنا نحنا، مسلمين كله، ما فيه غير فيه حد ولا عرب ولا غيره.. ولا غيره، كله نحن.

عمرو الكحكي: طائرات 52B الأميركية، كانت القوة الضاربة في هذه المعركة في جبال أرما، فبعد الرصد والاستطلاع تقوم الطائرات بطلعات مكثفة وقصف عنيف لمواقع أتباع سيف الرحمن في الجبال بحيث تحرق الأرض كلها، وتجعل الانتقال من مكان إلى آخر مهمة شبه مستحيلة، غير أن انزال جنود أميركيين على الأرض هناك مسألة غير مضمونة العواقب في حرب العصابات التي تدور في الجبال، كما أن اعتراف الولايات المتحدة بمقتل تسعة من جنودها وإصابة 48، وفقد مروحيتين زاد الأمور حرجاً، وكان من الضروري الاستنجاد بمدرعات الحكومة المؤقتة لطلوع الجبال.

دبابات وناقلات جنود تابعة لوزارة الدفاع الأفغانية تتوجه إلى جرديز للقتال في الجبال، هذا الرتل بالذات متمرس في ذلك النوع من القتال، فهو في جُلِّه من أبناء وادي بانشير، ومن أبرز مقاتلي تحالف الشمال، وعلى الأخص من قوات أحمد شاه مسعود الخصم اللدود لحركة طالبان. المراس في قتال طالبان مدعومة بالقاعدة في الجبال عنصر مهم وحافز قوي، غير أن الثأر حافز أكثر قوة في معركة تحتاج إلى روح قتالية عالية جداً، والثأر مبعثه اتهام طالبان والقاعدة بتدبير اغتيال أحمد شاه مسعود أثناء المقابلة التي أجراها معه صحفيان عربيان فجَّرا نفسيهما والكاميرا بعد إجراء الحوار معه.

ميرجان (قائد السرية المدرعة): لقد فقدت إصبع يدي في معارك سابقة مع طالبان والقاعدة، ومستعد لأن أفقد رأسي لقاء القضاء عليهما.

عمرو الكحكي: وجود تلك القوات الحكومية ذات الأصول الطاجيكية في منطقة بشتونية لم يكن أمراً سهلاً، فالزائر والمزور كانا عدوين حتى الأمس القريب، وكيف يتسنى لفرقاء الأمس أن يُصبحا حليفين في يوم وليلة ولم تجف بعد دماء القتلى من الجانبيين؟

حاجي سيف الله (رئيس مجلس شورى غارديز): هذه قوات وزارة الدفاع التي تمثل أفغانستان بأسرها، والحديث عن العرقيات مدعاة للانقسام يروج له الراغبون في إثارة القلاقل، ونحن نريد السلام وسننجح في تحقيقه.

غول حيدر خان (قائد القوات الحكومية في غارديز): نريد أن يُحل الخلاف بالتفاوض على أن يُقدَّم الأجانب للعدالة، وعلى الأفغان أن يحرروا شعبهم من هذا الشقاء، وألا ينخدعوا بكلام الإرهابيين العرب والباكستانيين، فلماذا ندمر وطننا من أجلهم؟

عمرو الكحكي: لكن هذه الصورة الوردية للوحدة الوطنية لم يكن لها على الأرض ما يدعمها شعبياً، وكان بغض البشتون لوجود الشماليين بأسلحتهم ملحوظة.

مواطن من قرية زورمات (3): نحن لا نريد الحرب، ولا نريد مجيء أية قوات إلى هنا، سواء كانت من بانشير أو أي مكان آخر، فالحرب ليست الحل، والقصف الأميركي لم نر مثله من قبل وشرَّد كثيراً من الناس.

مواطن من قرية زورمات (4): القصف سبب معاناة كبيرة، وحضور القوات الشمالية إلى جرديز روزمات يزيد فقط من التوتر العرقي، الأهالي ليسوا سعداء هنا في قرية زورمات.

عمرو الكحكي: ولهذا البعض ما يبرره نظراً لأن زورمات كانت معقلاً من معاقل طالبان، وكانت تضيِّف بعضاً من أعضاء القاعدة قبل سقوطها.

حشمت الله مصلح: يمكن القول إنه لا وجود ملموساً للقاعدة حالياً في أفغانستان، غير أن طالبان تتمتع بقدر لا بأس به من التأييد، خاصةً في الجنوب الشرقي والشرق من أفغانستان، لأنهم مشتركون مع سكان تلك المناطق ثقافياً، فإذا استمرت عمليات القصف العسكري الأميركية وتحركات قوات الحكومة من الشمال إلى تلك المناطق، فسيُنظر إلى ذلك على أن الشماليين يحاولون الثأر من الجنوبيين، مما يُعقد الموقف، وقد يؤدي أيضاً إلى ظهور حركة طالبان جديدة في جنوب أفغانستان.

عمرو الكحكي: هذه القوات الحكومية هي التي كان من المفترض أن تكون الدرع الواقي للقوات الأميركية عند عملية الإنزال في جبال أرما. القوات الأميركية والأفغانية تتحدث عن وقوع أسرى ومئات من القتلى في صفوف المتحصنين بالجبال، وتمنع الصعود إليها، وترفض التصوير، وترفض السماح لأحد بالنزول، وبالتالي لا وسيلة للتأكد مما يجري حتى بعد أن أُعلن عن انتهاء العملية وهزيمة سيف الرحمن وأبتاعه.

الجنرال/ عبد الوهاب جويندها (قائد عمليات المنطقة الجنوبية): لا لم يبد العدو أية مقاومة، وهرب تماماً من المنطقة، ولا أحد هناك سوى قواتنا.

عمرو الكحكي: نجحنا في الالتفاف على نقطة السيطرة الأفغانية الأميركية الموجودة أسفل الجبل، هدفنا هو الوصول إلى قرية شاهيكوت، التي كانت آخر معقل لرجال سيف الرحمن الذي انسحب من الجبال.

المشهد داخل القرية يثير الرعب، أكثر من ثلاثمائة منزل مُدمَّر في دلالة قاطعة على شراسة القصف الجوي من الطائرات الأميركية، التي لا قبل لمن في الجبال بمواجهتها. آثار الطعام كان يُطهى أثناء القصف لا تخطئها العين في القدر، القرآن الكريم –كعادة الأفغان- محفوظ في أكياس من البلاستيك، ملامح التديُّن لا تخطئ العين داخل البيوت، التي تزيل جدرانها ساعات تشير إلى توقف عجلة الزمن عند توقيت الهجوم على القرية.

دلالات وجود العرب الأفغان يشير إليها كتاب لعبد الله عزام الذي يُعد معلم أسامة بن لادن. الأعداد الهائلة من القتلى التي دار الحديث عنها لم نجد لها أثراً قوياً، أربع جثث فقط فوق الأنقاض، رغم أن جنود الحكومة الأفغانية أكدوا أن الأميركيين منعوا دفن القتلى إلا بحضور أقاربهم للتعرف عليهم، وظهرت السيطرة الأفغانية الأميركية جليةً بوجود المعسكر في الوادي بين قمم جبال أرما غير أن الوجود الإعلامي غير مرغوب فيه.

قائد أميركي: إننا على وشك تفجير ذخيرة الآن، المكان هنا خطر جداً، لا أعتقد أنه مكان مناسب للإعلاميين. شكراً لتفهمكم، شكراً.

عمرو الكحكي: العمليات العسكرية في تلك المنطقة لم تتوقف، لكن عناصر جديدة دخلت عليها، منها انسحاب أعداد من القوات الأميركية إلى قاعدة (باجرام) الجوية شمالي كابول، ووصول القوات البريطانية التي شنت عملية (كوندور) بالقرب من خوست في ولاية

مستقبل أفغانستان في ظل الأوضاع الراهنة

باكتيا القريبة جداً من الحدود الباكستانية، حيث يُقال إن فلول طالبان والقاعدة يتمركزون لأنها منطقة قبائل بشتونية متناثرة على جانبي الحدود، في هذه العملية تم العثور على كهوف كانت تستخدم لتخزين الذخائر والأسلحة، وتم تدميرها، لكن الهجمات على تلك القوات وعلى مطار خوست مركز القوات الغربية في العمليات لم تتوقف، إذ إن الولايات المتحدة التي تخوض الحرب في أفغانستان في إطار ما تسميه حربها ضد الإرهاب لم تُعلن بعد انتهاء تلك الحرب.

[آمال شعب.. ماذا بعد؟]

للغرب وجهان في أفغانستان أحدهما وجه المساعدة على حفظ الأمن في كابول، بينما الآخر هو الانخراط تحت قيادة أميركية في الحرب الدائرة في شرق وجنوب أفغانستان، وتقوم هذه القوة التي اصطُلح على تسميتها (أيساف) بمهام البحث عن الأسلحة المتبقية من العهد السوفيتي وتدميرها، وبنزع الألغام، والمساعدة في بناء منشآت حيوية دمرتها الحرب، غير أن هذه القوات تتعرض من وقت لآخر لإطلاق نار واعتداءات ممن لا يرغبون في وجودها، وهناك دعوات من عدد من الساسة بتوسيع منطقة عمل تلك القوات لتشمل جميع أرجاء أفغانستان، وذلك نظراً لتجدُّد الصراعات بين أمراء الحرب من حين لآخر.

من المهمات التي قامت بها قوة المساعدة على حفظ الأمن بمقتضى اتفاق بون تدريب كتيبة هي نواة الجيش الأفغاني المرتقب بعد نزع أسلحة الميليشيات وجعلها تنخرط في تشكيل عسكري نظامي، إلا أن قوام هذا الجيش وعدد أفراده محل خلاف بين وزارة الدفاع والمجتمع الدولي حتى الآن، فالأفغان يريدون جيشاً لا يقل عن مائتي ألف جندي بأي حال من الأحوال متذرعين باتساع الحدود مع دول الجوار الطامعة دائماً في نفوذ داخل الأراضي الأفغانية.

الجنرال/ محمد عطا (قائد قوات المنطقة الشمالية): أعتقد أن وزارة الدفاع ليست مصرة على أن يكون قوام الجيش ثلاثمائة ألف جندي، لكن رقم أربعين ألفاً الذي اقترحته الأمم المتحدة- ليس منطقياً أيضا لأنه لن يستطيع الدفاع عن أفغانستان، ولا يمكنه أن يمثل جميع العرقيات أفضل تمثيل، وأعتقد أن جيشاً قوامة مائة وخمسون ألفا أو مئتا ألف سيكون أفضل حالاً لخدمة البلاد، فأفغانستان ليست متقدمة في التكنولوجيا العسكرية.

عمرو الكحكي: الحالة الأمنية وقضايا تدريب الجيش ليست المساهمة الدولية الوحيدة في أفغانستان، فهناك قضايا إعادة الإعمار التي شغلت الساسة الأفغان والمجتمع الدولي في آن واحد، وعلى الرغم من أن المبالغ التي أعلن عن التبرع بها لتلك الغاية ليست كافية لإنجاز جميع أوجه إعادة الإعمار، إلا أن مؤتمر الدول المانحة في كابول شهد مطالبة مختلف قطاعات إعادة الإعمار بمبلغ ثلاثمائة مليون دولار تقريباً لإنجاز مهمات مختلفة حتى نهاية عام 2002، المبلغ ليس كبيراً في عرف عمليات الإعمار التي سبق وأن احتاجتها بقاع أخرى في العالم، لكن هذا ليس مربط الفرس.

الأخضر الإبراهيمي (مبعوث عنان الخاص إلى أفغانستان): هو السؤال الآن هل يتوفر هذا المبلغ؟ فيه حماس كبير من قبل الدول المانحة، لكن الواحد يخشى من التأخير، وبعد، هذه السنة أن تتميز بأن النداء الذي وجه، وكان نتيجة دراسة مفصلة بالتشاور مع المسؤولين خلافاً للسنوات الماضية التي كانت النداءات تطلع من الأمم المتحدة تقريباً دون تشاور مع أي جهة أفغانية، لأنه البلد كان مقسم والتعاون ما كانش يعني على المستوى المطلوب، ففيه أمل كبير، أنه أولاً نوع المشاريع أحسن وأقرب إلى تلبية حاجات الناس، وبعد أيضا فيه اهتمام، يعني مثل ما سمعت من رئيس مجموعة الدولة المانحة، فيه اهتمام واستعداد طيب من قبل الدول الأجنبية.

عمرو الكحكي: دول عديدة وإن اختلفت مآربها سارعت باستغلال مساهمتها في تمويل إعادة الإعمار لنشر نفوذها في أفغانستان، ولذلك تعددت زيارات المسؤولين الغربيين إلى كابول لإظهار الدعم في قطاعات بعينها.

ميشيل ريفاسو: الصحة والتعليم والزراعة هي المجالات الرئيسية للمساعدة الفرنسية إلى أفغانستان، فنحن نساهم في بناء المدارس والكليات، ونرسل منتجات زراعية كثيرة للفلاحين الأفغان، منها البذور على سبيل المثال، وفي مجال الصحة نساعد في إعادة افتتاح المستشفيات.

عمرو الكحكي: الأمم المتحدة تشرف على تنفيذ الكثير من برامج التعمير وتوزيع المعونات الغذائية، وتسعى إلى تشجيع الكفاءات الأفغانية التي برزت في الخارج على العودة إلى بلادها لقيادة خطى التعمير والبناء على كافة الصُعد، وتدفع المنظمة الدولية مبالغ مجزيةً جداً لهؤلاء المختارين للعودة، وهي مبالغ مجزية بالمعايير الغربية، غير أن هذه الخطة تثير مشكلات اجتماعية، لأنها تخلق طبقة من الأثرياء الذين فروا من آتون الحرب ينظر إليها بحسد من بقوا في الداخل، وعانوا شظف العيش ويتمتعون بمؤهلات علمية مماثلة في بعض الأحيان، من هؤلاء أحمد فريد (رئيس قسم تخطيط مدينة كابول بوزارة التخطيط الأفغانية).

يشرف المهندس أحمد فريد على مشروع جديد لشق طريق التفافي يصل بين منطقة (كاركيه بروان) الشعبية ومطار كابول الدولي لتجنب ازدحام الطرق في العاصمة، ودرس فريد تخطيط المدن في جامعة كابول ولم يغادر أفغانستان في أحلك الظروف، بينما غادرها زميل له، وعلم فريد أن زميله الذي هاجر إلى أستراليا ويعمل في تخطيط المدن هناك تقدم لبرنامج إعادة الكفاءات الأفغانية المغتربة بالأمم المتحدة، تقدم لها بمشروع لتمويل قسم تخطيط مدينة كابول الذي يرأسه فريد في الوقت الحالي، وكان ذلك يعني أن فريد سيفقد منصبه وسيظل يتقاضى راتبه الهزيل الذي لا يزيد على ثلاثين دولاراً، في حين يتقاضى زميل دراسته الذي هاجر راتب مائة مثل فريد

أحمد فريد (رئيس قسم تخطيط كابول بوزارة التخطيط): في رأيي يجب أن تتعامل الأمم المتحدة مع هذا الأمر بدقة وتفكير عميق، بحيث تضع في اعتبارها الكفاءات الأفغانية التي فضلت البقاء في أفغانستان من أجل مهنتها وشعبها نحن نرحب بعودة الكفاءات للعمل جنباً إلى جنب مع أفغان الداخل وبتبادل الخبرات، لكن لو فرقت الأمم المتحدة بين القادمين من الخارج والموجودين في الداخل على أساس الراتب فسيولد ذلك شعوراً بالظلم الاجتماعي، ويجب على الأفغان الذين عاشوا في الخارج بعيداً عن دوي الرصاص أن يعودوا لمساعدة شعبهم، لا من أجل حفنة من المال.

عمرو الكحكي: المال كلمة السر في المرحلة الجديدة بأفغانستان، فالفقر والفاقة واضحان تماماً على وجوه أناس لا يعرفون إلا النذر اليسير طعاماً لهم لسنوات، وقد عانت الحكومة المؤقتة لدى تسلمها مقاليد السلطة من عجز عن دفع رواتب الموظفين والقوات المسلحة والشرطة، كما أن الاقتصاد الأفغاني لا يمكنه القيام من عثرته التي طالت من دون الاعتماد اعتماداً كلياً في بادئ الأمر على المساعدات الدولية، ورغم ذلك لا يزال هناك قدر من التفاؤل.

إلى أين المصير إذن في ظل تلك المعطيات؟ فرجل الشارع العادي في أفغانستان لم يذق حتى الآن ما ينبغي من ثمار الاستقرار النسبي الذي حل ببعض مناطق البلاد. ولكن ذلك لن يتحقق إلا إذا استقرت حكومة في السلطة لمدة أربع أو خمس سنوات، بعدها يمكن الحكم على مدى استفادة المواطن من الحالة الجديدة في البلاد.

كانت هذه بعض ملامح أفغانستان ما بعد طالبان. تحت المجهر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة