رعاة البقر في أميركا, الفنون القتالية اليابانية   
الثلاثاء 1427/5/17 هـ - الموافق 13/6/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:43 (مكة المكرمة)، 11:43 (غرينتش)

- رعاة الأبقار في أميركا.. الوهم والحقيقة
- رياضات القتال.. صحة بدنية ونبل إنساني

محمد خير البوريني: تحية لكم مشاهدينا وأهلا ومرحبا بكم معنا إلى حلقة جديدة من مراسلو الجزيرة، نعرض من الولايات المتحدة تقريرا يتحدث عن ما تبقى من رعاة الأبقار فيها ونرى الفرق بين الواقع وما روَّجته السينما الأميركية عنهم. ونتحدث في تقرير آخر عن تطوير اليابانيين لرياضات وفنون قتال تاريخية يقولون إنها لا تقوِّي الجسد فحسب بل وتضفى قيما نبيلة على حياة الأفراد الشخصية كالدقة والنظام والاحترام والنظرة الإيجابية إلى الحياة، أهلا بكم إلى أولى فقرات هذه الحلقة.

رعاة الأبقار في أميركا.. الوهم والحقيقة

برز رعاة الأبقار في تاريخ الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية التي انتهت عام 1865 حيث وفَّرت الحكومة أراضي للمستوطنين البِيض لأعمارها واستغلالها وهنا ظهر رعاة الأبقار وثقافة ال(cowboy) التي انتشرت في المزارع والفيافي قبل اكتشاف وسائل النقل الحديثة، مَن هم رعاة الأبقار الأوائل؟ وكيف صورتهم لنا السينما الأميركية؟ وما العلاقة الحقيقية بينهم وبين الأسلحة النارية؟ تقرير ناصر الحسيني.

[تقرير مسجل]

ناصر الحسيني: لعل هوليوود هي التي رسَّخت صورة الـ (cowboy) في الأذهان، لم ينقرض رعاة البقر في أميركا كليا لكنهم تركوا لأحفادهم إرثا يتباهون به اليوم، الخيل وطويل القرن، الأحذية عالية الكعب والقبعات، المزارع بخيولها ونسيم عشبها وموسيقى الأرياف وحركات رقص رعاة البقر التي تعود الآن إلى نحو قرنين من الزمان، استوطن البِيض الأميركيون كل بقعة أرض استجابت لاحتياجاتهم، هنا في بلدة ريتشمان قرب هيوستن وصل مئات المستوطنين البِيض قبيل نهاية الحرب الأهلية الأميركية عام 1865، يقول التاريخ أن أوائل المستوطنين لم يحبذوا مذاق لحم البقر الوحشي نظرا لمرارته فهجَّنوه بالبقر الأوروبي ونشأ في تكساس منذ ذلك الوقت البقر طويل القرن الذي يعتبر في يومنا هذا طابع تكساس المميز، تكاثرت قطعان البقر وبرزت الحاجة إذاً إلى طبقة عاملة متخصصة، رعاة البقر أو ما عرفناهم من خلال أفلام هوليوود بال(cowboy) الذين جعلتهم عاصمة السينما العالمية أبطالا ونبلاء ولصوصا ومجرمين في آن واحد، لكن الحقيقة كما يرويها أهل جنوب تكساس أن أسلافهم رعاة البقر البِيض تعلموا مهنتهم من رعاة البقر في المكسيك المجاورة وأنهم استبدلوا كلاب الحراسة بالخيول واستفادوا إلى أقصى حد من وجود البقرة طويلة القرن.

أورين كوفل - مدير مزرعة جورج رانش التاريخية: استغل رعاة البقر ما كان متوفرا أمامهم، استخدموا قرون الأبقار لصنع أكواب الشرب ومستلزمات المطبخ.

ناصر الحسيني: كان رعاة البقر يعيشون على أراضي مالكي المزارع ولم تكن حياتهم سهلة أبدا بسبب حرارة الطقس في تكساس والأجور المتدنية، كان العازبون من رعاة البقر والعاملين في المزارع يعيشون قريبا من الأبقار بعيدا عن حياة المُلاك الأثرياء والأماكن العامة.

"
وظيفة رعاة البقر الرئيسية كانت تتركز حول الاعتناء بصحة القطعان والإشراف عليها وإيصالها إلى الأسواق، إذا لحق مكروه ببقرة كانوا يتحملون مسؤولية ما لحق بها
"
كودي أرنولد

كودي ارنولد- راعي بقر: وظيفة رعاة البقر الرئيسية كانت تتركز حول الاعتناء بصحة القطعان، كانوا بمثابة الأطباء وظهروا في هذه المناطق منذ الحرب الأهلية، المهمة الرئيسية لهم كانت الإشراف على الأبقار وإيصالها إلى الأسواق، إذا لحق مكروه ببقرة واحدة كانوا يتحملون مسؤولية ما لحق بها، كانوا بمثابة الطبيب البيطري في عصرنا الحاضر، الـcowboy)) الحقيقي لم يحمل مسدسا حول خصره كما ترى في أفلام هوليوود، هوليوود هي التي رسمت صورة منافية للواقع، إذا حدث وحمل أحدهم مسدسا فكان هو الشخص أو الـcowboy)) المسؤول عن القطيع أو ربما طباخ القافلة المسافرة وإذا حمل شخص السلاح فكان بندقية مربوطة بسرج الحصان لأن المسدس حول خصر راعي البقر يعيق حركته عندما يحاول السيطرة على البقرة وربما تنطلق رصاصة خطأً قد تؤدي إلى إيذاء زملائه أو الحصان.

جوني آدمز - راعي بقر- تكساس: اكتشف رعاة البقر الأوائل أن الكعب العالي للحذاء أكثر فاعلية وأضافوا إلى الحذاء القطعة الحديدية هذه ولاحظ معي أنها ليست حادة، نريد فقط إعطاء الحصان رسالة وأمرا كي يتحرك للاتجاه اليمين أو اليسار بهذه الطريقة دون أن نضطر إلى شد لجامه، نستهدف رأس البقرة عندما نستخدم الحبل ثم نحاول ربط رجليها الأماميتين كي تفقد توازنها، قبل أن يتدخل باقي الرعاة لسحبها.

مارك ليتون - راعي بقر أميركي- ولاية تكساس: التاريخ يقول لنا أن الرعد في البراري تسبب في قتل رعاة الأبقار أكثر مما فعلت الأبقار، الهنود الحمر كانوا يشكِّلون خطرا كذلك، لم تشكل الأبقار خطرا عليهم خاصة الأبقار طويلة القرون، إنها مهنة تتطلب مهارات ولا يتعلمها المرء بين عشيَّة وضحاها، عادةً ما يُكلَّف رعاة البقر الجدد بأصعب المهام كأن يوضعوا وراء قافلة القطيع فيتعرضون لكل الغبار.

ناصر الحسيني: القطار والسكة الحديد أدَّيا إلى تغيير نمط حياة رعاة البقر، بتقدم الصناعات لم يعد مالك الأبقار في تكساس وباقي الولايات الأميركية بحاجة إلى مئات من رجال الـ(cowboys) لنقل أبقارهم إلى الأسواق، أصبح القطار يقوم بالمهمة في أيام قليلة بسرعة ونفقات أقل، بذلك انتهى عهد رعاة الأبقار التقليديين إلى الأبد كما انتهى عهد المستوطنين الذين اختاروا هذه المزرعة قبل ما يزيد عن قرنين ولم يبق الآن إلا الأحفاد مبعثَرون حول هيوستن في مساكن عصرية وسيارة سريعة، في ساتافي حول هيوستن في الليل كما في النهار يشهد منزل عائلة ستيسي الأميركية على ذلك الماضي القريب، هنا يعيش أحد أحفاد مالكي المزارع الأوائل جنوب تكساس الذين وصلوا بدايات النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بقيت العائلة تحتفظ بذلك الماضي فشيدت منزلا بهندسة قريبة من هندسة منازل حقبة الحرب الأهلية في الولايات المتحدة، داخل المنزل مزيج من الحداثة ورائحة الماضي، كورلي ستيسي يتذكر أسلافه كل يوم في أراكن منزله، هذا تاجر متنقل أثناء الأسبوع، مزارع يعيش نمط حياة رعاة البقر في المزرعة التي ورثها عن أسلافه، مازال كورلي يحتفظ حتى اليوم بأدوات عمل أجداده من رعاة البقر الأوائل، أسلحة، قبعات، صور تسجل لحظات من حياتهم فهذا كل ما تبقى له منهم.

كورلي ستيسي- وريث لمزارع أبقار- تكساس: ثقافة الـ(cowboys) برأيي شيء عملي وواقعي، الأمر لا يتعلق بالاستعراض أو الفوز بالجوائز، ثقافة الـ(cowboys) هي القدرة على العمل في المزرعة وتجميع الأبقار كما أنها القدرة على استخدام الحبال، مازلنا حتى اليوم نستخدم الحبال للسيطرة على الأبقار، هذا المسدس من طراز 45 مليمترا، إنه المسدس الذي فتح الغرب الأميركي، إنه مسدس يطلق ست رصاصات واستُخدم للدفاع عن النفس في تلك المرحلة، كنا نواجه قُطَّاع الطرق الذين كانوا يتجولون في مناطق جنوب تكساس، ما بقِي هو الإرث الغربي، إنها كرامة الأرض، نحن نعتز جدا بالأرض.

ناصر الحسيني: هذه الآن مزرعة عائلة البرادليز، مزارعو عطلة نهاية الأسبوع، هكذا يلقبونهم في تكساس، أميركيون تعبوا من حياة المدن السريعة أصبحوا ملاَّكين صغارا لضِيَعٍ يستطيعون فيها أن يعودوا إلى جزء من ماضي رعاة البقر طويلة القرون، ليندا وزوجها ديفد يعيشان من أجل عشب تكساس الذي يعتاش عليه البقر طويل القرن، غادر الأولاد منزل العائلة وحلّ طويل القرن الآن محل الأولاد طالما شعر الزوجان بالفخر عندما ينظران للأبناء الجدد ويُحضِّران للمباريات التي تفوز بها أبقار تكساس.

ليندا برادلي: ننفق المال بشكل مختلف الآن حيث توقفنا عن أخذ الإجازات والسفر وأنفقنا مالنا على حيواناتنا، زوجي ديفد يقول أين ستجدين كل هذا الحب؟ نعطي للأبقار ونأخذ منها الكثير، ستلاحظون هذا كثيرا مع مالكي الأبقار طويلة القرون.

ديفد برادلي: نتوجه إلى مزرعتنا الأخرى في عطلة نهاية الأسبوع بعد العمل في هيوستن من الاثنين وحتى الجمعة، نجهز الشاحنة بعد ظهر يوم الجمعة ونسافر إلى المزرعة حيث نقضي يومي السبت والأحد قبل العودة إلى أشغالنا اليومية في المدينة، إنها هواية وتجارة في آن واحد.

ليندا برادلي: أُفضِّل البقاء مع أبقاري أثناء الأسبوع بدلا من عملي وسط هيوستن.

ديفد برادلي: أنا هنا زوج وأب وجَدّ، أنا المسؤول هنا والأبقار تعرف هذا وتظهر حبها لي.

ناصر الحسيني: لا تحب ليكسي البقر والعمل الشاق الطويل في المزارع، إنها من جيل يقف عند حب الخيل والأحذية النظيفة والأقمصة المزركشة من أجل التباري في استعراضات أجمل الخيول في أميركا.

ليكسي سانت كري: سأمشي مع الحصان أولا ثم سنسرع معا وندور في الحَلَبة، عندما أطلب من حصاني أن يتحرك إلى الأمام أقول له امشِ وتحرك بسرعة وإذا أردت خفض السرعة أقول له مهلا، لو عشت قبل قرنين كنت سأصبح راعية بقر ولن أجلس حبيسة المنزل.

ناصر الحسيني: المراقص الليلية لبلدات تكساس الصغيرة هي التي مازالت تحتفظ بمظاهر رعاة البقر، يجتمعون كل ليلة السبت، يحملون روح ثقافة الcowboy عبر نغمة موسيقى الأرياف وقبعة نظيفة وسروايل البلوجينز وأحذية الcowboy الأنيقة يرقصون هذه الليلة رقصة الخطوتين Two Steps الشهيرة في جنوب تكساس، يرقصون للماضي وعيونهم تعيش في الحاضر، بالنسبة لأحفاد رعاة البقر الcowboy في باقي الولايات المتحدة انتهى الآن عهد غبار الأبقار، الجري واللهث في هذا العصر في القرن 21 نحو المرتبات العالية ونمط الحياة السريعة العصرية لكنهم سيرقصون دائما لذلك الماضي في كل ليلة سبت، ناصر الحسيني لبرنامج مراسلو الجزيرة، واشنطن.


[فاصل إعلاني]

رياضات القتال.. صحة بدنية ونبل إنساني

محمد خير البوريني: عُرف اليابانيون تاريخيا باعتمادهم على العسكرية وتميزوا عن غيرهم بالمهارات القتالية الفردية، اليوم وبالرغم من الحياة العصرية والتطور التكنولوجي وتأثر الجيل المعاصر بالثقافة الأميركية يحاول اليابانيون أن يحافظوا على تراث أصيل من خلال تطوير فنون قتالية جديدة تُعرَف عالميا برياضة الجودو والإيكيدو والكاراتيه، تقرير فادي سلامة.

[تقرير مسجل]

فادي سلامة: طغى التطور الإلكتروني الذي تفوقت فيه اليابان مؤخرا، طغى على الأوجه الأخرى لحضارة هذا البلد التي ترجع بذاكرة التاريخ إلى آلاف السنين، الحديث عن اليابان في الدول المتطورة بات يعني طرح أسئلة عن أول إنسان آلي يمكنه أن يتحدث أو يمشي أو يركض أو بات ينصب على أحدث تقنيات كاميرات التصوير الرقمية وآخر الصيحات في صناعة الهواتف النقالة إلى ما هنالك من أجهزة إلكترونية حديثة، لكن اليابان لم تكن دائماً كما هي عليه الآن ففي بداية القرن العشرين كانت اليابان بلداً فقيراً على عتبة تغيرات كبيرة مثَّلت أوج عهد الإمبراطور ميجي الذي كان يرغب بفتح أبواب الجزيرة المنغلقة على نفسها على العالم الخارجي بعد عزلة دامت قروناً طويلة، الدولة القوية التي أصبح بناؤها في حينه شغلاً شاغلاً ليس فقط للمسؤولين اليابانيين بل وللمواطنين العاديين أيضاً تحتاج إلى رجال أقوياء ليقوموا بالمهمة، لكن مفهوم القوة كان حتى ذلك الوقت يرتبط بالساموراي الذين كانوا يمتلكون مهارات قتالية لها أصول صينية تُعرف بالجي جي تسو أو فنون القتال ولها أشكال عديدة من بينها استخدام السيوف والرماح والاشتباك بالأيدي وقد هدد إلغاء الإمبراطور لنظام الساموراي، هدد باختفاء تلك المهارات وأصبحت هناك حاجة لفنون قتالية جديدة يمكن للمجتمع الجديد أن يتقبلها وهكذا طوَّر عدد من الأوائل فنونا قتالية يابانية جديدة وهي ما تعرف اليوم برياضة الجودو والأيكيدو والكاراتيه، ناوكي موراتا أستاذ في مقر الجودو الرئيس في طوكيو وباحث في مجال فنون القتال اليابانية وله مؤلفات عدة حاول فيها توضيح العوامل التي أدت إلى نشأة تلك الفنون وسبب تفوق اليابانيين فيها.

ناوكي موراتا - أستاذ في مقر الجودو الرئيسي - طوكيو: كانجيرو كاوانو كان شاباً يتقن فنون قتال الساموراي أو الجي جي تسو وعندما أُعلن في عهد ميجي في نهاية القرن التاسع عشر بإلغاء نظام الساموراي ومنع تعمل مهاراتهم التي تتطلب استخدام السيف والعراك بالأيدي أحس بحزن شديد باعتباره أحد مَن كانوا يتقنون فنون هذا النوع من القتال لذا أخذ يفكر بطريقة حاول من خلالها أن يحافظ على تلك المهارات ولكن الحكومة كانت قد منعت بالفعل استخدام السيوف في القتال فقام كانجيرو باستبعاد السيف والمهارات الخطرة التي قد تؤدي إلى إقتلاع العين أو كسر الرقبة والتي كان يتدرب الساموراي عليها لاستخدامها في معاركهم فأوجد كانجيرو فناً قتالياً جديداً هو الجودو أو طريقة ارتداد القوة، أبقى في نفس الوقت على أهم شيء فطرته الساموراي وهو قلب الساموراي.

فادي سلامة: في تقليد يمتد لأكثر من مائة وعشرين عاماً يبدأ التدريب في حَلبة الجودو أو الدوجو، يبدأ في مر الجودو الرئيسي في طوكيو في الساعة الخامسة والنصف من صباح كل يوم، تُجرى التدريبات في جو يسوده نظام صارم واحترم شديد بين اللاعبين وفي الوقت نفسه وسط جرأة وإقدام كبيرين عند ممارسة تقنيات القتال وفنونه.

شيميزو كاورو: أنا رجل إطفاء متقاعد ومنذ شبابي لم أكن أفوِّت هذه التمرينات، إن الفنون القتالية لا تقوي الجسد فحسب وإنما تضيف إلى الحياة الشخصية الكثير من المعاني النبيلة كالنظام والاحترام والنظرة الإيجابية للحياة، إنني أشجع الجميع على ممارستها.

فادي سلامة: السرعة التي انتشرت فيها الفنون القتالية اليابانية وخاصة الجودو أمر مثير للاهتمام فبعد عدة سنوات فقط من تقديم المعلم كوانو للجودو عام 1882 افتتح عدة مدارس في طوكيو لتعليم الرياضة الجديدة التي تحولت خلال عدة عقود إلى إحدى الألعاب الرئيسية في الأولمبياد العالمية التي جرت في ستوكهلم عام 1912.

"
معظم الرياضات مجرد ألعاب توفر المتعة، أما الفنون القتالية فتحتاج إلى استخدام العقل الأمر الذي يجعلها أكثر جاذبية للإنسان
"
ناوكي كوراتا

ناوكي كوراتا: معظم اليابانيين كانوا فقراء في مطلع القرن العشرين وكانت ممارسة الرياضة تحتاج إلى المال، أما الفنون القتالية الجديدة التي ظهرت كالجودو فإنها لا تحتاج سوى لرداء اللاعب ويمكن عملياً ممارستها في أي مكان وإذا لاحظت فإن رياضة السومو أيضاً لا تحتاج ممارستها سوا إلى زي بسيط، إذاً هذه الفنون القتالية الجديدة وفرت ببساطتها وسيلة لتقوية الجسد وهذا بدوره انعكس على قوة العقل، معظم الرياضات الأخرى مجرد ألعاب توفر المتعة والنشوة، أما الفنون القتالية فهي تحتاج إلى استخدام العقل، الأمر الذي يجعلها أكثر جاذبية للإنسان الذي يحب أن يختبر قدراته، هذا هو في اعتقادي السبب الرئيسي لانتشار ممارسة الفنون القتالية بين اليابانيين.

فادي سلامة: الفنون القتالية اليابانية تعتمد على مبادئ فيزيائية كقوة الفعل ورد الفعل ونقطة الاستناد ومركز الثِقَل إلى ما هنالك من نظريات تساعد على فهم الحركة بشكل أفضل وهي في الوقت نفسه تؤكد على أهمية رفع ما يُعرف بطاقة الإنسان الداخلية أو روحه المعنوية وبالرغم من أن ذلك يتم من خلال ممارسات قد تبدو قريبة من الممارسات التي يقوم بها رهبان ديانة الشنتو والديانة البوذية كالوقوف تحت شلال الماء لفترات طويلة أو ممارسة التمرينات في الماء البارد إلا أن للسيد ناوكي موراتا رأيا آخر في هذا الشأن.

ناوكي موراتا: تلك الممارسات هي فقط لزيادة قوة التحمل، إن هناك حائطا سوف تصطدم به عندما تحاول أن تنشر شيئا ما في مختلف أنحاء العالم، إنه حاجز اختلاف المعتقدات الدينية ولن يقبل الآخرون ما تقدمه لهم إذا كان يتعارض مع مبادئهم الدينية، هذا ما أدركه المعلم كواني ورفاقه لكن هذا لا يعني أنه لا توجد قاعدة فلسفية عميقة تستند إليها الفنون القتالية ففي الجودو على سبيل المثال هناك مبدآن أساسيان أولها تكريس ممارسة الجودو لتقوية العقل والجسد معا دون التفكير في أي غاية أخرى، أما المبدأ الثاني فهو الرغبة في تطوير الذات واستمرار روح المنافسة مع الخصم.

فادي سلامة: يجري الاحتفال سنويا بمقر الجودو الرئيسي بمناسبة هامة تعرف بكاميبيراكي أو عيد توزيع الحلوى حيث تُكسر قطعة حلوى تقليدية كبيرة وتوزع على الحاضرين في إشارة إلى بداية عام تدريب جديد وبالرغم من الابتسامات التي تعلو وجوه مسؤولي المقر فإن قلقا يساورهم بشأن مستقبل هذه الفنون القتالية التي أخذت تتأثر تدريجيا بتغير العصر وتطوراته.

ناوكي موراتا: الفنون القتالية اليابانية تشهد تغيرا تدريجيا ولعل من أهم ما يمكن ملاحظته هو أن قواعدها أصبحت أكثر سهولة وتدريباتها أكثر ديناميكية، كما أن الألوان أخذت تُقحم نفسها في هذه الرياضة ففي الماضي كان رداء الجودو على سبيل المثال أبيض اللون، أما الآن فهناك ألوان متعددة، لم تعد ترى اللون الأبيض فحسب، ربما كان هذا بهدف اجتذاب لاعبي الجودو لكن أكثر ما يثير قلقي هو أن المال أصبح الدافع وراء تعلم البعض لهذه الفنون القتالية بغية الحصول على الجوائز المالية التي تُقدَّم لفائزيه لذا أرجو ألا تتغير روح هذه الفنون بسبب هذه العوامل.

فادي سلامة: الحياة المنظمة التي يعيشها اليابانيون منذ صغرهم واهتمامهم بدراسة تفاصيل أي موضوع حتى وإن كان رياضيا مكَّنهم من تطوير تلك الفنون ولا يستبعد بعض الخبراء أن تظهر فنون قتالية جديدة في اليابان تعكس التطور الذي تعيشه هذه البلاد، لليابان مساهمات كثيرة في التطور الذي تشهده حياتنا المعاصرة ولعل تلك الرياضة واحدة من أهم تلك المساهمات مما أضافته من صحة ونشاط إلى حياتنا، فادي سلامة لبرنامج مراسلو الجزيرة، طوكيو.

محمد خير البوريني: من طوكيو نأتي مشاهدينا على نهاية هذه الحلقة التي يمكن متابعتها بالصوت والنص من خلال موقع الجزيرة على شبكة الإنترنت والصورة عند البث، العنوان الإلكتروني للبرنامج هو reporters@aljazeera.net والبريدي صندوق بريد رقم 23123 الدوحة، قطر وكذلك الفاكس مباشر 009744887930 في الختام هذه تحية من المخرج صبري الرماحي وفريق العمل وتحية أخرى منِّي محمد خير البوريني، إلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة