هيكل.. الزلازل القادمة   
الاثنين 1429/1/20 هـ - الموافق 28/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:20 (مكة المكرمة)، 13:20 (غرينتش)
 


محمد حسنين هيكل: مساء الخير. سؤال أطرحه على نفسي وأطرحه على غيري وهو لماذا توقفت وما زلت متوقفاً طوال هذه الحلقات على موضوع الأمن القومي أو فكرة الأمن القومي أو خطوط الأمن القومي لأي بلد من البلدان، خصوصاً نحن هنا في هذه المنطقة من العالم؟ لماذا قلت في الأسبوع الماضي إن أمامنا مخاطر وأن الأخطر فيما يتعلق بنا لم يمض بعد ولكنه قادم على الطريق، لماذا أقول ذلك ويبدو من كل الشواهد أن الأمور من حولنا تسعى بهدوء لا تقطع هدوءه إلا بعض التفجيرات هنا وهناك، موقع متفجر في غزة، موقع متفجر في لبنان، موقع متفجر في السودان، لكن لا يبدو أن هناك ما هو أكثر من ذلك على السطح؟ لماذا ألح ولا زلت ألح على هذه الموضوعات، بينما حديثي في هذه المجموعة من الحلقات الواقع هو عن الحرب والسلام وتجربة الحرب أو تجربة بقرب الحرب وقد طالت 17 عاماً وتجربة أخرى بقرب السلام وقد مضى عليها حتى الآن 35 عاماً؟ سبب هذا أنني أعتقد أن العالم مقبل على تحولات مهمة جداً من ناحية أن هناك عملية تصحيح، لعلي أقول Correction، عملية تصحيح تجري وسوف تجري لأن هناك أوضاع كثيرة جدا تغيرت. لكي أقرب الصورة أكثر إلى نفسي وإلى غيري أحاول أن أطل بعض الشيء على المجالات التي يبدو فيها أن العالم مقبل على Correction، على عملية تصحيح تكاد تكون زلزالية، نفتكر إحنا في الطبيعة أن الزلازل تحدث والبراكين تحدث لأنه في متغيرات تحدث في باطن الأرض سواء في طبقات تركيبها أو في نوعية هذا التركيب، التركيب الطبقي للأرض ولدرجة الحرارة وإلى آخره، عوامل كثيرة جداً تجري فتحدث تغييرات أساسية في باطن الأرض وعندما تصل هذه التغيرات الأساسية في باطن الأرض إلى مرحلة معينة يتعين أن يتسق سطح الأرض مع ما يجري في باطنها، هذه الظاهرة نحن نراها مرات في الزلازل في حركة الزلازل ونراها مرات حتى في تفجر البراكين لكن هذه الظاهرة صادقة أيضاً في مجالات أخرى غير مجالات الطبيعة، سأعطي نموذجين قبل ما أقرب من السياسة، نحن نشهد الآن عملية تصحيح مهولة أو خطيرة جدا تجري في المناخ في قضية المناخ كل من نقابله الصيحة الموجودة في العالم الآن هي الاحتباس الحراري وتأثير هذا الاحتباس الحراري على كوكب الأرض كله بما يهدده تقريبا بإغراق مساحات كبيرة، ثلوج الجليد الموجودة في القطب الشمالي تذوب ومياه البحار ترتفع وإذا ارتفعت مياه البحار إلى بضعة سنتيمترات فأجزاء كثيرة جدا من هذا العالم مهددة بالغرق منها دلتا النيل. لكن هذا كله حدث نتيجة لتراكمات جرت، سواء في استعمال الإنسان للطاقة سواء في قطع الإنسان للغابات سواء في هذا الاستهتار الذي حصل في البيئة وفي تلوث البحار إلى آخره، ولكن النتيجة أن هناك عملية Correction، في حاجة حاصلة، الطبيعة التي تتسق مع ما جرى من متغيرات غير ظاهرة أمامنا، فإذاً نحن أمام ظواهر تهجم علينا في واقع الأمر وتهددنا هذا اليوم. فهناك ظاهرة أن أشياء كثيرة جدا تجري في الباطن أو في الخفاء أو بعيدا عن عيوننا وقد يلمحها بعض الرواد مبكرا زي ما كثير قوي لمحوا المتغيرات الجارية في المناخ وبدؤوا يحذرون لكن التحذيرات ذهبت هباء. ثم Correction آخر متصل بالبترول، الطاقة، في تصور كان باستمرار موجود وساري ومعتمد عليه وهو أن مصادر الطاقة زي مياه الأنهار لا تنفد: مطر، بخار بيطلع من حرارة الشمس يبقى ضباب وسحاب ثم ينهمر مطرا والمسائل ماشية هادئة وممكن التنبؤ بها. إلى أن وقعت الواقعة واكتشفنا أن الزيادة في الاكتشافات البترولية لا تتوازى مع حجم الزيادة في الطلب على البترول والنتيجة أن هناك أزمة طاقة قادمة ونحن نلمح بعض ملامحها في الإسراع الأميركي في الاستيلاء على مصادر الطاقة، لكن هذا في واقع الأمر عملية Correction يقوم بها الأقوى لكي يحافظ على أوضاع جديدة نشأت نتيجة لمتغيرات نحن لم نرها.

"
العالم مقبل على عملية تصحيح تكاد تكون زلزالية، بعد أن أصبح بالإمكان مجاراة المواقع القديمة للقوة لاسيما في المجال النووي
"
في سوق المال على سبيل المثال هناك عملية Correction تحدث في العالم كله وفي العملات لأنه تراكمت أشياء كثيرة تحت السطح، أميركا زاد إنفاقها، زي ما قال لي مرة الجنرال ديغول، حتخرب العالم كله بإنفاقها على السلاح وبكل هذا الحجم من الاستهلاك الفادح في كل شيء وسوف تخرب نفسها وتؤدي بنا نحن أيضا إلى خراب. النهاردة الإسراف الأميركي كله اللي حصل، المغامرات اللي قادت أميركا، أوهام السيطرة إلى آخره وصلت إلى حيث أن الدولار بقى أضعف عملة وهو كان العملة الأقوى، واليورو عمال يطلع، ونحن نرى آثار عملية Correction نتيجة لتصرفات أو سياسات مضت بعيدا دون أن تتدبر في العواقب، والنتيجة أنها تعود لكي تجد أنه في سطح الأرض لا بد أن يتسق مع باطن الأرض مع ما يجري في الخفاء وإذاً فنحن أمام Correction عامل اللي يسموه havoc عامل عاصفة في أسواق المال بحيث لا يستقر شيء على قرار. إذا أخذنا هذه الظواهر في الطبيعة ونظرنا إلى المناخ انعكاساتها أو مثيلها في المناخ ومثيلها في الطاقة ومثيلها في سوق المال فنحن في السياسة الدولية أولاً على مقربة من عملية Correction تجري أمامنا ببطء ولكنها على عكس ما يجري في أزمات أخرى لن يجيء يوم نتنبه فيه بوضوح إلى حد فاصل بين اتساق ضروري مع حقائق جرت ونحن لم نلمحها مبكرا بالقدر الكافي ولم نتوافق معها فعكست نفسها على شكل زلازل، ما يجري في مجال السياسة الدولية هناك عملية shift في عملية انتقال تكاد تكون انتقال في طبقات الأرض ونحن حتى الآن تبدو أمامنا ظواهرها لكننا لم نرتب أنفسنا على ملاقاتها فيما بعد وهي قادمة، لأن هناك تغيير أساسي قد يمس أيضاُ حتى بعض مفاهيمنا، كلامنا عن موازين القوى وعن مراكز القوى، في شيء آخر بيختلف، في عملية أخرى تبدو تجري وتبدو أمامنا لأنه ببساطة كده النظام الدولي الذي وضع تقريبا من وقت الحلف المقدس وهو أيضا كان نتيجة Correction، بمعنى أن القرن 17، 18 شهد أفكار كثيرة قوي، الأفكار اللي مهدت للثورة الفرنسية وشهدت اختراعات وشهدت تقدم إنساني وشهدت كل الفكر اللي أثر في العالم كله وانعكس في الثورة الفرنسية ثم مثله ظهور ظاهرة زي نابليون ثم هزيمة نابليون كل ده كان زلزال أعقبه نوع من الـ Correction أو تغيرات كبيرة جدا، أعقبه نوع من الـ Correction في أن الأسرة المالكة في أوروبا أنشأت ما سمي بالحلف المقدس سنة 1812، واجتمعت فيه الدول، ووقتها كانت ملكيات الدول الكبرى عائلة هابسبورغ في النمسا، عائلة هونزوليرن في ألمانيا، عائلة رومانوف في روسيا وإلى حد ما الوينسرز في إنجلترا وحاولوا يحطوا قواعد للنظام الدولي هي في واقع الأمر، مش عاوز أخش في تفاصيل كثيرة قوي، مش عايز أرجع تاني لويستفايل، يعني معاهدة ويستفايل، وأقول إنها أصل التنظيم الدولي لكن الحلف المقدس قدامي كان فيه الملوك بيوزعوا بينهم العالم وبيتصوروا أنهم لابد لهم من أن يضعوا ترتيب جديد،Correction نوع من التصحيح الجديد لأوضاع بركانية تقريبا سبقت وأنه لا بد أن تتسق أوضاع معينة بشكل أو آخر، ويحطوا نظام دولي لا ينفرد فيه أحد ولا يترك مجال لصراع إمبراطوري جامح بالطريقة دي، حاولوا ينظموا، وهذه المحاولة لصنع سلام الملوك فضلت في واقع الأمر مستمرة وسارية في العالم برغم أشياء كثيرة جدا لكنها لم تستطع أن تصمد من أول القرن 19 لغاية أول القرن العشرين، بدا باين أنه في عملية تصحيح ضرورية لأنه في أوضاع اختلفت، من أول الملوك ما قعدوا يعملوا فيما بينهم ترتيبات الحلف المقدس اختلفت أشياء كثيرة جدا أولها الثورة الكبرى في وسائل الإنتاج، ظهور أميركا، ظهور البترول، هناك جدت أشياء استوجبت سباق على المستعمرات أدى إلى، بدل ما يبقى تصحيح، أدى إلى انفجار. باستمرار الحروب لما تعجز الدول المتقاتلة أو الدول المتواجهة أو الدول المتجاورة أو الدول المتواجدة على الساحة في العالم بشكل مؤثر عن إدارة تناقضات ظهرت تحت السطح وجرت فيها أشياء وانتقلت فيها أشياء، عندما تعجز عن حل معين على طريقة الحلف المقدس فهذا يؤدي للحروب طبعاً، لأنه لما تتصادم أحوال واقع ظاهر مع أحوال واقع باطن عادة كانت النتيجة الحروب. نتيجة لانتهاء عصر الحروب بظهور البنى النووية نفتكر أن الحلف المقدس خلص تقريبا وبعدين بدأت يبقى فيه عصبة الأمم لكنها نفس السياق تقريبا وبعدين أمم متحدة وتقريبا نفس السياق وتقريبا أربعة وكثير منهم قوي من اللي كانوا في الحلف المقدس إلا زاد عليهم أميركا والصين، لكن إنجلترا كانت هي إنجلترا وفرنسا فضلت فرنسا وإلى آخره، لكن بشكل ما بدأ يبقى واضح أن العالم بعد نظام الأمم المتحدة بدأت تستقر قوتين ظاهرتين الاتحاد السوفياتي من ناحية والولايات المتحدة الأميركية من ناحية ثانية، ثم تصادم هذا النظام اللي فيه القطبين دول في حرب باردة ثم انتهت هذه الحرب الباردة بتصور أن أميركا تستطيع أن تسود وأن تفرض نظام عالمي جديد يقوم على قوة واحدة لكن هذا الوهم سقط، وفي تغييرات كبيرة جدا في العالم. مواقع القوة لم تعد في أميركا، النظام النقدي والتغييرات الكبرى، في اليورو بقى قد الدولار مرتين تقريبا والإسترليني فات بشكل أو آخر، ولو دخل الين الصيني في سوق المال سوف تحدث مسألة لا قبل لأحد بها فيما هو ظاهر الآن، لكن نحن أمام تغييرات كبرى هائلة، ولا بد أو تستدعي أن يفكر فيها كل الناس وأن يدرسوا ما هو أثرها عليهم لأن عملية الـ Correction موجودة. لن يقبل أحد.. في هنا في قوة جديدة طالعة، لن يقبل أحد هذا التفرد الأميركي في موارد الطاقة، لن يقبل أحد هذه السيادة المزعومة للولايات المتحدة بتأثير قوة نووية بقى صعب استعمالها وأصبح ممكنا مجاراتها، لن يقبل أحد المواقع القديمة للقوة لأنه حصل تغييرات في العالم كبيرة جدا لا بد أن تعقبها عملية تصحيح ضرورية. شكل العالم فيما أتصور فيما هو قادم ليس هو العالم الذي عرفناه، ماهوش العالم اللي بيرتكز لا على تحالف ملوك ولا توازن قوى ولا مواثيق أمم متحدة أو عصبة أمم ولكن نحن أمام مجالات جديدة مافيش قوة فيها محتكرة لكنها شائعة على سطح الكرة الأرضية، وأنا أستطيع أن ألمح منها ثلاث مجالات يبدو أنها قدامي ظاهرة وواضحة، يبدو قدامي بوضوح أن المجال الأميركي طبعاً حيستنى، أميركا مجال موجود لكن أظن أن كثيرا من أجنحته سوف تقص، سوف تبقى أميركا على مدى طويل جدا قوة اقتصادية وقوة مالية كبرى، سوف تبقى قوة التجديد فيها قوة مهولة، سوف تبقى قوة التكنولوجيا فيها قوة لا بد من احترامها وتقديرها، سوف يبقى مستوى أو نوع الحياة الأميركية باستمرار مؤثر، سوف تبقى هذه السيطرة الأميركية على الإعلام، لكن أميركا سوف تحجم سواء أرادت أو لم ترض لأن هناك عملية تصحيح لا مفر منها. يبدو قدامي أن في مركز آخر بينشأ، يبدو أن أوروبا واضح جدا أنها بشكل أو آخر السوق الأوروبية عملت فيها معجزة لم يكن يتصورها مونيه، أقصد الأب الروحي الأول للسوق الأوروبية والأب الروحي الأول للمجتمع الأوروبي الموحد بشكل أو بآخر، وهذا مجتمع أصبح بيمثل جزء كبير جدا من طاقة الإنتاج وفي قلبه ألمانيا، وواضح جدا أن تعبيراته عن نفسه بقيت واضحة وأبرزها أو أهدأها حتى الآن هو هذا الظهور البارز والواضح للعملة الأوروبية، لليورو. فبقى أميركا مجال موجود لكنها ليست أميركا المتصورة أن تسيطر على العالم، لكنها بتحاول تؤخر العملية وهذا الخطر. الحاجة الثانية، أنا قدامي مجال آخر بيظهر في أوروبا في ألمانيا وهي تتحرك بهدوء. يبدو أمامي أن في مركز آخر يظهر في روسيا بعد أن تخلصت من عبء الإمبراطورية، ويبدو لي وهذا واضح قدامي، أن روسيا لحد الآن مستغنية عن الإمبراطورية وبقيادة، أنا أعتقد أنها قيادة جُربت ثمان سنوات فاتت وأظن أنها اجتازت امتحانها بنجاح وأظن أنها مطلوبة أكثر مما هي طالبة، لأول مرة في روسيا سلطة يطلبها الناس ديمقراطيا ويلحوا عليها وهي بشكل أو آخر النظام اللي عمله الرئيس بوتين. هنا في روسيا بتظهر ثاني، بتظهر وبتستعيد بشكل ما، بعد انكسار الاتحاد السوفياتي، في قدامي روسيا تحاول أن تظهر في الساحة الدولية وأن تكون، مش قوة أخرى، قطب آخر لكنها مجال لقوة أمامي وينبغي أن أراقب ما يحدث فيه باهتمام، ولا ينبغي أن تأخذني في هذا أن السياسة الأميركية هي برضه بتحاول، زي ما بيقولوا في الريف المصري "تفلفص" من تغييرات شايفاها قادمة، لا يجدي أنها تقول لي والله ده بوتين ده صورة لستالين ثانية. وأن محاولة إرجاعها للمدار ده من نوع آخر تتصور أنها تؤثر به أو تخيف به دول زي ألمانيا أو زي فرنسا حتى أو إيطاليا أو الدول الجديدة في أوروبا، لن يحدث هذا لأنه ظهر والتجربة أوضحت أن كل هذه القواعد للإطلاق النووي والكلام ده كله، كله لن يستعمل، وأنه هنا نحن أمام ظواهر قوة تحتاج تغييرات في وسائل الإنتاج، تغييرات في سوق المال، تغييرات في المناخ، تغييرات في الطاقة، تغييرات في التكنولوجيا، كلها بتعمل عملية Correction ضرورية وبتظهر لي مجالات أخرى ظاهرة لقوة ليست مغلقة على بعضها زي ما كنا بنشوف في وقت المعكسرات السابقة، ولكنها مجالات مفتوحة ومتصلة.

[فاصل إعلاني]

عناصر توازن عالمية ووضع عربي مقلق


"
الحرب آخر مجال تلجأ إليه نظرية الأمن القومي في إثبات حقها أو في الدفاع عنه
"
محمد حسنين هيكل:
في مجال آخر بيظهر قدامي وهو مجال الصين والصين ظاهرة لا بد أن تلفت الأنظار، والصين قوة قادمة حتى وإن التزمت بمقولة حكامها التي تقول "لاتظهر قوتك قبل أن تتكامل قوتك" فأنا قدامي هنا مجال بيعد نفسه، بيتطور، بيعد نفسه أو ستعده وسائل التقدم في حد ذاتها وسائل القدرة في حد ذاتها لكي يكون مجال آخر، فأنا أمامي مجال أميركي، عندي مجال أوروبي يظهر، عندي مجال روسي يظهر، عندي مجال صيني، وبين هذه المجالات في عناصر توازن بترسم لي خريطة جديدة لعالم مختلف، عندي عوامل توازن جنب القوة الظاهرة في أوروبا، التي تقودها ألمانيا عندي عنصر توازن متمثل في فرنسا، متمثل إلى حد ما في إنجلترا إلى حد ما في إيطاليا، إلى حد ما في إسبانيا، مع العلم أن كل واحد من دول، كل طرف من الأطراف الثلاثة اللي أنا قلتها، يحاول أن يقوي نفسه، دوره في توازن المجالات، يحاول يقوي نفسه، إنجلترا تقوي نفسها بالكومنولث، فرنسا بالفرانكوفون، حتى إسبانيا بدأت تدور على رابطة تربطها بأميركا اللاتينية فعملت تجمع أيبيريا وأميركا اللاتينية، يعني إسبانيا، البرتغال، وأميركا اللاتينية برابط اللغة لوحدها. عندي المجال الروسي، عندي في قوة بتحاول تربط التوازن وأظن أن القوة الظاهرة في هذا المجال، بقرب المجال الروسي أنا أستطيع أن أرى تركيا وأن أرى إيران وهذه دول متهمينها، عندي المجال الصيني وما بين المجال الصيني والمجال الروسي عندي قوة مقبلة تستجمع إمكانياتها وهي الهند، وهي قادمة، لكن أنا قدام شكل وقدام عالم جديد مختلف سوف تحدث فيه عمليات Correction، سوف تحدث فيه عمليات تصحيح لأنه في متغيرات كثيرة قوي حصلت في السنوات السابقة كثيرة قوي وأثرت وظواهرها بادية قدامي وبتغير في موازين القوى الدولية. ولكن وهي تغير بتعمل أشياء أخرى، بمعنى إيه؟ بمعنى لما أي حد بيعمل Correction، أي حد بيعمل عملية تصحيح هو ينتقل من وضع كان، تغيرت أسبابه، تغيرت منطلقاته، تغيرت مكوناته، إلى وضع آخر تقتضيه وتفرضه ظروف رآها أمامه وتصورها وقدرها، فهو هنا في عملية الانتقال من أوضاع لم يعد ممكنا البقاء معها إلى أوضاع تفرضها أحوال جديدة وتستدعيها وقد تفرضها دواعي أخرى، زي الطاقة على سبيل المثال، في هنا إحنا مقبلين على مشكلة أخرى، أنه مع محدودية موارد الطاقة ومع عدم ظهور بدائل محققة حتى هذه اللحظة، أوروبا بدأت تفكر في مشروع لبدائل الطاقة كله بيرتكز على شمال أفريقيا لأن اتجاهات الرياح كلها من الشمال إلى الجنوب، فشمال أفريقيا هو الجهة المعرضة لكل الرياح القادمة من القطب إلى جنوب أوروبا فهم عاوزين يتلقوا هذه الرياح كبدائل يولدوا منها الطاقة كبدائل للبترول لكنها.. الغريبة كلها على شاطئ أفريقيا لأنه هو ده الموقع المناسب لها، لكن شاطئ أفريقيا يصدر الطاقة مرة أخرى، أو يصدر الطاقة إلى أوروبا، وتتصور بعض الناس في أوروبا أن هذه مسألة أخلاقية لأن هذه الطاقة نشأت ونبعت من مناخ أوروبي وهي واصلة للشواطئ الأفريقية فتروح تاني لأوروبا مافيش مشكلة. لكن نحن هنا أمام تغييرات تكاد تكون زلزالية، وإيه هنا؟ أتصور هنا ده اللي بيدعوني أقول، أين العرب في هذا كله؟ أين نحن؟ وأين أمننا، أين تصورنا لنوع من الأمن القومي؟ عايز أقول الأمن القومي ماهواش الحرب. الحرب آخر مجال تلجأ إليه نظرية الأمن القومي في إثبات حقها أو في الدفاع عنه كملجأ أخير، لكن في أشياء أخرى، يعني على سبيل المثال أنا سأعطي نموذج لما فعلته إسرائيل، مش بعيد، إسرائيل عندها نظرية أمن قومي، واحد أن تكون متفوقة على كل الدول العربية مجتمعة، اثنين أن تكون لديها صداقة دائمة مع القوى الكبرى، القوى السائدة في العالم، ثلاثة أنها تبقى قادرة على تعبئة عامة سهلة وقادرة.. إلى آخره، الحاجة الرابعة أنها تأخذ دول الحزام الشمالي اللي هي تركيا، إيران، باكستان من العرب لكي تعريهم من هذا الغطاء في أقصى منطقة أمنهم القومي. لكن جد حتى على هذه النظرية، نظرية الأمن القومي أشياء لا علاقة لها بالحرب، لا علاقة لها بالقتال، أضاف الجنرال غور، وهذا الموضوع أنا كتبت فيه، مش كتبت فيه من عندي، كتبت فيه نقلا عن تقارير إسرائيلية عن مناقشات إسرائيلية في الأمن القومي الإسرائيلي، رأى الجنرال غور، موردخاي غور، اللي وقتها كان رئيس أركان الحرب، وقت حرب أكتوبر ده كان قائد الطيران، لكن غور ده بقى رئيس هيئة أركان الحرب، فأضاف عنصرين إلى نظرية الأمن الإسرائيلي، العنصر الأول هو، ضرورة أن نعطي، إذا كنا حنعمل سلام مع العرب، الكلام ده كان سنة 1975، عاوزين نعمل سلام مع العرب لا بد أن نبدأ هذا السلام وأن نعطيه 25 سنة اختبار، يتصور غور أن في هذه الـ 25 سنة، واحد سوف تختبر نوايا الدول العربية، اثنين أن الدول العربية مقبلة على تقلبات اجتماعية اقتصادية قد تفيد منها إسرائيل، بمعنى أنها تديها فرصة للانتظار وتديها فرصة لتحقيق مكاسب أكثر. نمرة ثلاثة أن محاولات تجريب السلام قد تحدث انشقاقات في العالم العربي بسبب عدم الاتفاق على رؤية واحدة للمستقبل وبالتالي تبقى إسرائيل إدت 25 سنة على أقل تقدير فرصة لاختبار السلام، بما يمكن أن يحدثه في مصلحتها هي. إذاً أنا أمام تصورات ناس بيدركوا أشياء معينة، يدركوا حقائق عصر معين فبيرتبوا نظريات أمنهم ويضيفوا إليها بما شاؤوا لكن بعيدا عن القتال. الحاجة الأولانية اللي بيقولها غور زي ما قلت، هي اختبار سلام طويل بآثاره وتداعياته، الحاجة الثانية وهي مهمة جدا وهي مسجلة في يوميات أركان حرب الجيش الإسرائيلي وأنا ناشرها في سنة 1975، بيقول فيها إنه لا أستطيع أن أطمئن إلى نوايا العرب الحقيقية إلا إذا وجدتهم مشتركين في نزاعات أخرى لا علاقة لها بالنزاع العربي الإسرائيلي، لابد أن أجد العرب داخلين ومنهمكين في صراعات أخرى بعيدة عن الصراع العربي الإسرائيلي لكي أستطيع أن أطمئن. هذا أيضاً ماهواش قتال ماهواش نظرية حرب، بمعنى أن الأمن القومي أكثر من حرب وأن الأمن القومي يمكن، لا بل ألزم في وقت السلام للحفاظ عليه منه في زمن الحرب لأنه في زمن الحرب نظرية الأمن القومي تبقى انتهت، تنازلت إلى الحرب وإلى القتال ما نبقاش محتاجين حاجة، واضحة المسائل ومحددة ومش عاوزة فلسفات من ناس كثير قوي. أنا في التغييرات اللي جارية في هذا العالم بهذا الشكل على كل المجالات وفي تراكمات كل ما جرى في عصور سابقة وفي عمليات تصحيح تجري أنا معتقد اننا إذا لم نبادر نحن، وبتكلم نحن العرب أو نحن مصر، نحن أي حد، إذا لم نبادر إلى رؤية متجددة للأمن القومي أنا أخشى أننا سوف تفاجئنا عصور بما لا نريد، خصوصا ونحن منطقة تقريبا بعيدة عن كل مجالات القوة، وإن كانت مجالات القوة الجديدة الصاعدة، مجالات القوة الجديدة كلها تتصارع عندنا باعتبار الموقع وباعتبار الموارد وأهمها البترول، إذا فسوف نجد أنفسنا في الحركة البطيئة جدا وغير الظاهرة والهادئة لكل مجالات القوة الجديدة الظاهرة في العالم، تقريبا، مش تعبير مجازي، بين شقي رحى ننطحن في هدوء ودون أن نتنبه إلى حاجتين، أول حاجة أن إحنا ينبغي أن نكون شركاء للعالم فيما يجري وأن نرتب أنفسنا بدل من أن ننتظر غيرنا يرتبنا، نمرة اثنين أننا لا ينبغي لنا أن نلاقي أنفسنا في يوم من الأيام بين شقي رحى بننطحن وتسوى قضايا كثيرة جدا في العالم على حساب الأمن القومي العربي وعلى حساب الحياة العربية. إذا أنا وصلت لهذه النقطة تقودني على طول إلى ما هي المداخل الموجودة عندنا؟ أين المداخل المعلقة والموجودة عندنا والتي أعتقد أنه لا بد لنا أولا من رؤية شاملة لأمن قومي عربي، ما يكفيش أحد يقول لي أن مجال أمني القومي هو كذا وكذا ويرص حاجات لا قبل لنا بها من أول كلمة الخليج، وهي ليست مسؤوليتي زي ما أنا قلت المرة اللي فاتت لأن هذا موضوع معقد قوي، لا ادعاء إلا ما تصحبه قدرة، لا ينبغي لنا، أي حد فينا، ينبغي لنا أن ندرك أن هناك نتائج طبيعية تترتب على مقدمات حقيقية وإلا نخطئ ونذهب بعيدا جدا في الأوهام أو في الظنون إلى آخره. ما حدش يقول لي مثلا الشرق الأوسط مجال قوتي، الشرق الأوسط هذا تعبير سياسي وتقريبا يكاد يكون تعبير صحفي وهو يشمل إسرائيل ويشمل إيران ويشمل تركيا ويشمل المحيط الهندي، حتى واصل المحيط الهندي، ويشمل مساحات كبيرة قوي في البحر الأبيض المتوسط لاعلاقة لي بها، لا، مش لا علاقة لي بها، لي علاقة بها لكن لا أستطيع أن أتحمل على مسؤوليتي عبء أمنها، لا بد أن أحدد وأن يكون واضحا، في نطاق أمني القومي كما هو ظاهر أمامي حأسيب كل الكلام اللي ممكن نقوله، إسرائيل ومش عارف، الوحدة العربية.. الكلام ده كله، لكن أنا قدامي ثلاث قضايا محددة وأظن أنه إذا لم نتنبه لها بالقدر الكافي فأنا أخشى أن التطورات القادمة، عملية التصحيح الجارية سوف ترتكز علينا نحن وسوف ننوء تحت أعبائها ولن نستطيع أن نخطو من زمن إلى زمن على الإطلاق. الثلاث مشاكل الواضحة قدامي، ثلاثة محددة في القلب العربي، مش حأتكلم على دارفور معلقة فين ولا حأتكلم على العراق وإيران موجودين فين، في قلب العالم العربي عندي ثلاث مشاكل بالتحديد، عندي تسوية.. الكلام اللي كنا بنتكلم فيه أنابوليس على سبيل المثال، ماذا سوف يجري في هذه الأرض التي اسمها فلسطين، واللي هي بالنسبة لمصر، جنب كل دواعي التاريخ وجنب كل دواعي الأخوة والوحدة العربية والصداقة، هي بوابة مصر إلى نطاق أمنها الحقيقي وهو الشام ممتدا إلى العراق نزولا إلى منطقة السعودية بقدر ما هو ممكن، لكن بالذات هذا الحزام الواصل من سيناء إلى شمال الشام هذه مسألة مهمة، اللي حيجري في فلسطين حيجرى إيه؟ مسألة لا يحق لأحد أن يتصور أنه والله هذه مفاوضات تجري بعيدا عنا وتأثيرها فينا محدود بشكل أو آخر، حأرجع لكل قضية من دول. القضية الثانية فيما أعتقد، الجولان، أنا أعتقد وكل الشواهد قدامي تؤيد اعتقادي، مهما كان ما يقوله أصدقاؤنا في سوريا، قضية الجولان إذا لم يتنبه العالم العربي إلى وعي بضرورة أمن قومي فهذه الجولان سوف تضيع ولن تتمكن.. سوريا بتقول لي قبل مؤتمر أنابوليس أنا لن اذهب إلى أنابوليس إلا إذا كنت سأناقش موضوع الجولان، والغريبة أنهم راحوا من غير أي وعد بالجولان لأنهم كانوا عاوزين يروحوا وأنا مقدر جدا ظروف إحساسهم بالعزلة، لكن هنا الجولان في خطر وسوف يسوى بضمه إلى إسرائيل إذا نحن لم نتنبه في ظل الأوضاع الراهنة، في ظل عمليات التصحيح القادمة، أنا أخشى أن الجولان سوف يضيع في الزحام. ويعني قد ما أنا بأقول، قد ما هذا مؤلم بالنسبة لي في فرق جدا بين الأشياء التي يمكن أن تؤلمنا وبين طبائع الأشياء وحقائقها لأنه إذا اردنا أن نبني مستقبل فلا نستطيع.. يعني أنا آسف أن أقول، نحن نرسم صور لأنفسنا مرات.. في رسام مشهور جدا من عصر النهضة، رامبرانت، بيقول حاجة، إنه كان بيرسم بورتريهات، بيرسم صور شخصية لناس، وبعدين بدا يتخانق مع اللي بيرسمهم لأنه كثير قوي من الناس اللي راحوا له أرستقراطيين، أرستقراطية هولندا وغيرها وأوروبا كلها راحوا له يرسم لهم بورتريهات، لكن كل واحد بعد ما يخلص له البورتريه بتاعته يتخانق معه لأنه بيلاقي البورتريه اللي الفنان عمل فيه، لكن ده والله مش شكلي، أنا أحسن من كده! ووصل الرجل إلى قناعة قال إنني لن أرسم صور لأحد بقى خلاص لأنه أجمل صور لأي إنسان هي ما يرسمه خياله لنفسه، وأنا ما بين التناقض ما بين خيال أي أحد يرسم أي خيال أي صورة لنفسه، هو يقدر يرسم، يرسم أجمل صورة لنفسه، الصورة التي يرسمها خيالنا لنا وقد ترضينا ليست هي صورة الحقيقة، ليست صورة الحقيقة أبدا. والصورة التي يجب أن نطل عليها هي صورة الحقيقة.

[فاصل إعلاني]

أمن قومي عربي غائم


"
سكان العريش ليسوا مصريين وإنما هم من أصول بوسنية
"
محمد حسنين هيكل:
حأجي للموضوع الثالث وهو موضوع المعلقات، وأنا آسف أثيره لكنه يجب أن يثار وأن يثار هذه اللحظة، وهو موضوع سيناء. أنا أظن أنه بين المعلقات الموجودة وبين القضايا الخطرة واللي أنا خايف عليها جدا في عمليات التصحيح المقبلة هي سيناء. عايز هنا أرجو جميع الناس أن نطل على تقرير عملته لجنة الأزمات، لجنة الأزمات لجنة دولية، لجنة فيها عدد كبير جدا من المسؤولين خصوصا في أميركا، ولما أطل على قائمة الناس الموجودين في لجنة الأزمات ألاقي فيهم تقريبا أكبر مفكري أميركا، أكبر الناس المؤثرين في صنع القرار في أميركا، على الأقل أكثر الناس القادرين على استكشاف حدود جديدة للسياسة الأميركية تتحرك فيها. وهنا مرات.. حتى عندنا في مصر لما نشوف طيور السمان نقول جاء الخريف، أخشى أنه في شواهد قدامي لما ألاقي بدأ الكلام يتكرر في أشياء كثيرة جدا وبدأت تزيد نبرة الكلام، علي أن أتوقع أن الطيور المبكرة التي ألمحها في السماء هذه ظاهرة لأجواء مختلفة سوف تجيء إلي بعد هذه الطيور. صديقنا كان مدير تحرير التلغراف، جوردن بروك شبرد كان عنده كتاب بحاله بيتكلم فيه على ظاهرة.. وهو مسميه الطيور، عندما تجيء الطيور مبكرة، حاجة كده يعني، أنه عندما تبدأ هجرة الطيور بص تأمل ما معنى هذا مناخيا وجويا وإلى آخره، لأنك تستطيع أن تتوقع العواصف من هذه الطيور. أنا هذه التقارير المتكررة عن سيناء تدعوني إلى قلق شديد جدا. اعتقادي أنا أننا، إذا كان أحد سيتكلم على تسوية وإذا كانت إسرائيل بتتكلم على تسوية جديدة، وإذا كانت بتقول أنا لن أقبل لاجئين وإذا كان في حقيقة مشكلة لاجئين وإذا كان في تكدس في فلسطين لا يحتمل إنسانيا لأن غزة bursting تكاد تنفجر بالناس اللي فيها، الضفة الغربية تكاد تنفجر بالناس اللي فيها، وفي شتات عائد، ثم يهودية إسرائيل، إصرار إسرائيل في أنابوليس وغيرها على دولة يهودية أنها دولة يهودية ولليهود، بهذا سوف يستطيعون إخراج العرب الموجودين في إسرائيل هذه اللحظة. نحن في عملية الـ Correction أمام عمليات لابد أن نتنبه لها وأن نعرف أنها تعنينا، موضوع اللاجئين وخروج العرب الفلسطينيين الموجودين تحت الاحتلال الإسرائيلي، اللي عايشين في دولة إسرائيل النهاردة حتى، بلاش احتلال، أنا بتكلم هنا على دول تقريبا هذه اللحظة واصلين لمليون مع غزة مع أنه أنا قدامي طاقة بشرية هائلة وإسرائيل لن تقبل حاجة، وكان في فكرة زمان موجودة عند الأميركان أن يهجروا اللاجئين الفلسطينيين إلى شمال العراق لكن الأوضاع النهاردة في العراق تختلف بعد الاستيلاء الأميركي على العراق وبالتالي أنا خايف جدا. وأرجو أن يكون واضحا أن موضوع سيناء هنا موضوع.. قد يتصور بعض الناس أنه يجد فيه فراغ جاهز لكي يمتلئ بحاجة ثانية، أنا عندي كل الضعف الفلسطيني، عندي كل الضعف للشعب الفلسطيني، عاوز حقوقه كلها كاملة، وأرحب به في أي وقت، لكن هنا في موضوع آخر متعلق بأشياء كبرى أنا لا أملكها ولا عواطفي تملكها ولا مشاعري تملكها ولا تصوري التاريخي يملكها، هنا في سيناء أنا أعتقد أن هناك شيء ما يدبر في سيناء. تقرير لجنة الأزمات بدأ يعالج موضوع سيناء وعالجه وهو تقرير مش سري ولا حاجة تقرير منشور وعند ناس كثير قوي، إحنا قصة سيناء معنا قصة تستحق أن نقف أمامها باهتمام لأنها تساوي أن نهتم بها. نحن في سيناء تعاملنا مع الأرض بميوعة شديدة جدا، وتعاملنا ولا زلنا نتعامل مع الناس بخشونة شديدة جدا، اللي حصل أن سيناء صحارى، وسائل المواصلات القديمة بشكل ما، خصوصا بعد ما إتعملت قناة السويس خلت في نوع من البعد ما بين الوادي وبين هذا الـ bridge، هذا الجسر الهائل الذي يربطني بآسيا، لو أخذت سيناء من مصر، مصر دولة أفريقية محدودة في المجال ده، لكن سيناء قضية أخرى، سيناء قضية لا بد أن نلتفت لها. حصل تعاقبت عصور كثيرة قوي، لكن في تعاقب العصور الحركة الأساسية كانت في الوادي باستمرار دون التنبه إلى سيناء، أخذنا شاطئ شمالي لسيناء المؤدي لفلسطين، أخذنا يمكن الشاطئ الجنوبي المؤدي إلى الطور لكن الباقي فضل. بعدين جاء في الوقت التركي، محمد علي ما كانش مهتم قوي بسيناء إلا كمعبر في الشمال، بعدين جاءت الحكومات بقى من أول ما جاء الاحتلال الإنجليزي، الإنجليز قفلوا سيناء ما دخلناش سيناء أبدا، قفلوا سيناء وشاطئ البحر الأحمر كله، لم ندخل، فبقيت سيناء موجودة مكشوفة معرضة، انتهى الاحتلال البريطاني والإسرائيليين دخلوا سيناء في سنة 1956، ومباشرة أعلن بن غوريون في الكنيست ضمها لإسرائيل وأعاد تسمية خليج العقبة فأسماه خليج سليمان ثم خرج، وهذا ضمن قصة الحروب اللي نحن بنتكلمها ونحن نتحدث عن الحاضر مش عن الماضي، وبعدين رجعنا، رجعت سيناء لكن أنا أخشى أننا في سيناء عملنا حاجة تحتاج إلى تدارك، مش حأقول حاجة ثانية لأنني لا أريد أن أحمل ناس بما هو أكثر من طاقتهم، تدارك بمعنى إيه؟ عملنا غلطة أساسية، عملنا غلطة التفرقة بين السيادة على أرض وبين ترتيبات توضع عليها هي في واقع الأمر ضد السيادة. في وقت من الأوقات أحد يقول والله سيناء كلها كانت محتلة، وأنا موافق، سيناء كانت كلها محتلة وكان ينبغي أن نقاتل وقد دفعنا بجيوش إلى سيناء ودخلنا، لكن هنا بعدها، في ترتيبات ما يسمى بالسلام، دخلنا في حاجات، مناطق ألف وباء وجيم وإلى آخره، دخلنا إلى درجة أنه أنا لا أستطيع أن أحرك على حدود رفح أكثر من 750 عسكري إلا بتصريح من إسرائيل. بيحكي لي وزير خارجية أميركا جورج شولتز، بيحكي لي في مذكراته بيقول لي، بعد الحكم اللي صدر لصالح مصر في طابا، إسرائيل قالت مش حأنفذ، وإسرائيل ده مش بس حكم تحكيم، وأنا عارف الكلام، متابع قضية التحكيم لأنه يعني واحد من أعز الناس بالنسبة لي الدكتور نبيل العربي كان هو الرجل الذي قاد المفاوضات في طابا، وأعتقد قاد مفاوضات التحكيم قاد عملية التحكيم، وأعتقد أنهم نجحوا فيها نجاح باهر، فجاءت إسرائيل قالت لا، مش منفذة. لأنه مش إسرائيل، إذا كانت حكم محكمة العدل الدولية في الجدار ولم تأبه به، فإذاً هنا قدام مشكلة، إسرائيل رفضت التحكيم، يقوم يقول لي وزير خارجية أميركا في ذلك الوقت شولتز، وأنا أرجو التحقق من هذا، بيقول لي والله توصل كبير خبراء الخارجية الأميركية القانونيين وهو أبراهام سوفير، توصل إلى حل يتسق مع منطق، آه احتفظ بالسيادة لكن الترتيبات على الأرض حاجة مختلفة، فتوصل فيما يتعلق بطابا توصل إلى أن تبقى طابا.. هي طابا فيها إيه؟ فيها منطقة اللي فيها الفندق، عال قوي، تنشأ شركة مشتركة مصرية إسرائيلية. يعني ترتيبات كده من النوع اللي إحنا بنعرفه في السجلات والورق في ترتيب الشركات، ثم تتولى هذه الشركة الإسرائيلية إدارة الفندق اللي هو واقع الأمر منطقة طابا. وبهذا رضيت إسرائيل ثم رضيت مصر وانتهى الموضوع. دخلنا في تصورات ترتيب أشياء على سيادة، عاوز سيادة، آه هو فايت يأخذها، لكن في ترتيبات حنعملها. مرات الدول تقبل أشياء ترتيب.. نحن قبلنا مرات ترتيبات سيادة، ترتيبات عملية فوق السيادة، لكن قبلناها من الأمم المتحدة، بمعنى أنه كان في قوات طوارئ وقت من الأوقات لكن هذه كانت أمم متحدة وساعة ما قلت لها اطلعي طلعت، لكن الترتيبات التي جرت على السيادة المصرية في سيناء بقيت تضمنها وتملكها الولايات المتحدة الأميركية، القوة الموجودة لمراقبة الترتيبات اللي وضعت في سيناء هي قوة دولية تقودها الولايات المتحدة. كل ده ما بيعنينيش، لكن اللي حاصل بعد كده، وأنا شفت التقرير، ألاقي تقرير لجنة الأزمات تقريبا، تقريبا بيقول لي بوضوح كده أن سيناء ليست مصرية، مشكوك قوي في حكاية انتمائها المصري. لما أقعد أقرأ التقرير، وأنا قرأته كله وأنا شديد.. وأنا بشوف النهاردة لأنه لما أقول أننا تعاملنا بميوعة مع الأرض وتعاملنا بخشونة مع الناس أنا شايف اللي جاري، اللي بنعمله في سيناء، مرات يبقى قدامنا مشاكل سياسية تقتضي حلها فإذا بنا نواجهها بأمن، ما ينفعش، لا يصلح، الأمن هنا، الأمن زي الحرب، زي القتال يعني هو آخر ما تلجأ إليه الدول، آخر ما تلجأ إليه السياسة، وعندما تلجأ الدولة إلى الأمن أو إلى الحرب فمعنى هذا إما أن سياستها في الداخل قصرت عن إقناع مواطنيها بأن لا يتمردوا فاستدعت قوة البوليس، أو أنه في حالة الحرب، أعدائها في الخارج زاد تهديدهم أو زادت جرأتهم وإذا الدولة بتواجههم بالحرب. لكن سيناء قضية مخيفة بالنسبة لي في الـ Correction اللي جاي في عملية التصحيح القادمة واللي أنا خايف منها في المنطقة، أرض نحن أهملناها طويلا في مكان حساس يراد بها أشياء كثيرة قوي، قبلنا فيها ترتيبات فوق السيادة محتاجة مناقشة، وبعدين بدأنا نتعامل مع أهلها بشكل أو بآخر، ثم أخيرا بدأت لجان حل أزمات تقول لي أشياء أنا أقرأها وأجفل، وأتصور كده ببساطة إذا كنت أقول إن الجولان في خطر، ضاعت فعلا إذا لم تسترد، وسيناء يمكن أن تضيع إذا لم نتنبه. لأنه هنا لجنة الأزمات تقول لي، هو من متى بالضبط كان خط مصر، خط الحدود المصرية هو هذا الخط الموجود؟ ده وقت الخلافة العثمانية مش عارف كان واصل من العريش للسويس بس والباقي ده كله ما كانش موجود، ما كانش تحت السيادة المصرية. وبعدين أبص ألاقي يقولوا إيه؟ ده سكان سيناء كلهم إما بدو وإما القبائل والتجمعات المدنية، والفلسطينيين الموجودين هم، هو نفس العنصر والقبائل رايحة وجاية، والقوافل رايحة وجاية، مافيش فاصل بين هذه الأرض وبين إسرائيل في واقع الأمر أو بين فلسطين الحقيقية. ألاقي في لجنة الأزمات بتقول لي والله ده سكان العريش كلهم ليسوا مصريين، سكان العريش كلهم أصلهم بوسنيين، من البوسنة، وأنهم كانوا حاميات عثمانية يقصد بها العثمانيون أن يضعوا في الحاميات الواصلة بين أقاليم الدولة بين منطقة ومنطقة، يضعوا فيها حاميات ليست عربية وإن كانت مسلمة وبالتالي فالعريش دي هذه منطقة، يعني مصر حتى السكان اللي فيها ما قدروش يقولوا تابعياتهم مصرية، دول ناس أصلهم كلهم وليدي الجماعات اللي في البوسنة! اللي جاية من الحاميات! أنا هنا أقرأ التقرير ده وأنا أرجو أن يعرض لبحث أطول من كده أطول من الكلام اللي أنا بقوله، لأنه الكلام الموجود فيه.. واحد يقول لي في التقرير بالنص كده "إن سيناء تنظر إلى الشمال أكثر مما تنظر إلى الشرق، لا تنظر إلى فلسطين ولا تنظر إلى وادي النيل" وبعدين أنا هنا ألاقي أنه حكاية الفصل ما بين السيادة وما بين الترتيبات اللي على الأرض ألاقي أنه مصر حتى يعني، يعني لما نيجي نحن في الأزمات الأخرانية وأبص ألاقي أنه في مشكلة في الأزمات الموجودة أنه عندنا أزمة لتحريك جنود مصريين.. من ترتيبات الأمن اللي موجودة بعد كامب ديفد، بتقسم سيناء أربع مناطق، أنا ده كله والله ما أنا عايز أتكلم فيه ولا أخش فيه، في كل حاجات كامب ديفد مش هو ده الموضوع، الموضوع بالنسبة لي هو سيناء، التنبه وإلا سوف تلحق بالجولان، وإذا لم نتنبه فأيضا الجولان ضايع مؤكد يعني، ألاقي الكلام اللي موجود في التقرير هنا كلام كل ما فيه يؤدي إلى أنه إمكانية أن أصحى يوم من الأيام ألاقي في ترتيبات موجودة في سيناء، وأنا دلوقت عمال أقول أحاول أطمئن الناس، للإسرائيليين مثلا، أقول لهم ده أنا مسكت مائة نفق كانوا بيهربوا سلاح من سيناء إلى غزة وأنا لكي تطمئنوا هدمت كل هذه الأنفاق وهدمت وأجريت رقابة.. مش هو ده الموضوع، الموضوع أكبر من كده جدا جدا، وهو موضوع كيف يمكن أن تتعامل مع أرض هي جزء من التراب الوطني وإذا أردت أن تجعل فيه ترتيبات خارجة أو فوق السيادة فعليك أن تكون جاهزا للتعامل معها عند اللزوم ويبقى عندك القوة الكافية. بصراحة يعني ما أقدرش أقول والله ده أنا الشرق الأوسط مسؤوليتي، وما أعرفش إيه مسؤوليتي ولكني لا أستطيع أن أحرك أكثر من 750 عسكري من البلد الأصلي إلى رفح إلا باستئذان إسرائيل! ما أقدرش أقول أمن قومي، ما أقدرش أقول أمن قومي يتعدى خارج حدودي إذا كان أنا عندي داخل حدودي في قيود. أنا مستعد أفهم، برضه أنا لا أريد أن أنتقد مكان ولا أريد أن أنتقد ما هو قائم لكن كل اللي بقوله، علينا جميعا أن ندرك أننا قدام مرحلة من التاريخ، قبل ما أتكلم عن الحروب اللي حصلت وكيف وصلنا إلى هنا وإزاي أنا عندي جيش على قناة السويس أو في سيناء وانكسر سنة 67 ودخلنا في مشكلة حقيقية كبيرة، ثم عندي سنة 73 عندي ثلاث جيوش عبرت في ظرف 24 ساعة إلى سيناء ثم النهاردة بتكلم على مائة عسكري آخذ فيهم إذن من إسرائيل! هذا كلام محتاج مراجعة، كلام محتاج مراجعة مش بس في السياسات، محتاج مراجعة في النظر إلى نظريات الأمن القومي، وإلى خطوط الأمن القومي وإلى فكر الأمن القومي. تصبحوا على خير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة