الدور المصري بعد 50 عاما من حرب السويس   
الجمعة 1427/10/12 هـ - الموافق 3/11/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:14 (مكة المكرمة)، 12:14 (غرينتش)

- دور حرب السويس في تحديد الدور المصري
- مدى نجاح مصر في الحفاظ على مركزها المحوري

جمانة نمور: أهلا بكم نحاول في حلقة اليوم قراءة الوضع الذي وجدت مصر نفسها فيه غداة حرب السويس التي عُرِّفت باسم العدوان الثلاثي وما آل إليه دورها الإقليمية والعربي بعد خمسين عام من هذه الحرب، نطرح في حلقتنا تساؤلين اثنين؛ ما هو الدور الذي لعبته حرب السويس في تحديد موقع مصر على المستويين العربي والإقليمي؟ وإلى أي مدى نجحت مصر في الحفاظ على مركزها المحوري بعد خمسين عام من العدوان الثلاثي؟

دور حرب السويس في تحديد الدور المصري

جمانة نمور: رغم أن الصمود المصري في وجه العدوان الثلاثي سنة 1956 قد كتب شهادة انتصار لمشروع القومية العربية الذي قادته مصر عبد الناصر فإن هذا المشروع لم يُكتب له البقاء وانتهى بحسب رأي كثيرين بابتعاد مصر عن الأمة العربية، ابتعاد رؤوا أنه بدأ بتوقيع اتفاقية كامب ديفد ليغيب بذلك الدور الريادي المصري عن الشرق الأوسط حتى وإن أبدت مصر التزام بدورها كوسيط في حل الأزمات العربية.

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: منطقة القناة، قناة السويس المصرية عام 1956 مشاهد من العدوان الثلاثي على مصر، وقتها لم تكن مصر على دراية أنها على موعد مع بزوغ فجر المشروع العربي، خرجت مصر الناصرية من العدوان الثلاثي منتصرة وخرج معها المشروع العربي منتصر أيضا لتتسع بذلك زعامة جمال عبد الناصر ويتسع الدور الريادي المصري في المنطقة وتوالت النجاحات المصرية في الدفع باتجاه استقلال البلدان العربية بدءاً بتصدير فكر الثورة لبلدان المنطقة وإرساء شرعية مبدأ استرداد الثروات الوطنية الذي جسده تأميم قناة السويس ومروراً بإجهاض السياسة الأحلاف التي كانت تروج لها بريطانيا بين دول المنطقة، تلك المعركة الحاسمة التي كسبتها مصر لصالح الكيان العربي بتفعيل دور الجامعة العربية وإعلان الدعم المطلق للشعوب العربية ثم الوحدة المصرية مع سوريا التي أحبطت مشروع ايزنهاور في استقطاب سوريا للأحلاف الأميركية وانتهاء بنزع فتيل الأزمة في الأردن في سبتمبر/ أيلول عام 1970 ولمّا كان هذا الاستغراق المصري في العروبة يشكل تهديد للنفوذ الخارجي وتحديدا الأميركي في الشرق الأوسط كان يجب إذاً تقليص الدور المصري أو بمعنى آخر مواجهة المد القومي العربي بما يحتمه ذلك من إحداث شق في الصف العربي ونجح الغرب وانهارت الوحدة المصرية السورية عام 1961 وانقسم العرب حول حرب اليمن ثم جاء العدوان الإسرائيلي عام 1967 ليكتب سطر آخر في الانشقاق العربي ولم يهنأ المصري كثيراً بصموده أثناء حرب الاستنزاف ولم يهنأ بلحظة تاريخية عام 1973 حقق فيها نصر عسكري اختلفت فيه الآراء فتقهقر الدور المصري إلى الوراء وفرض الظرف السياسي وما حمله من ضغوط دولية على مصر الانسلاخ عن محيطها العربي باتفاقية كامب ديفد، كامب ديفد سواء كانت انعكاس لتنازل قدمته مصر بمحض إرادتها عن إدارة المنطقة كما يرى البعض أو تنازل ناتج عن استجابة القيادة السياسية وقتها لضغوط خارجية رغم الانتصار العسكري فإنها لا شك ساعدت على التوجه نحو الانكفاء المصري على الذات حسب آراء عربية ومصرية وكشفت عجز عربي عن التعامل مع الأزمات الكبرى، غير أنه لا يمكن فصل الانجذاب المصري نحو القوى الكبرى منذ عهد السادات عن تراجع دورها القيادي اليوم في الشرق الأوسط حتى وإن أبدت القاهرة التزام بدور الوساطة في حل بعض القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، تبدلت طبيعة الوجود المصري في قلب الوطن العربي وتبدل معها حلم الشعب المصري الذي يحيا اليوم بين مطرقة البحث عن قوت يومه وسندان القومية العربية التي تعلمها في 1956 وسط انتقادات عربية حادة واتهامات بالسلبية.

جمانة نمور: ومعنا في هذه الحلقة من لندن الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشعب المصري ومن القاهرة الدكتور محمد السعيد إدريس رئيس وحدة دراسات الخليج في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أهلا بكما، لو بدأنا من القاهرة مع دكتور محمد لنحدد أهمية السويس وحرب 1956 في تحديد دور مصر في تلك المرحلة؟

"
حرب السويس كانت بداية تاريخ جديد للإستراتيجيات العربية والدولية في الشرق الأوسط، ويكفي أن بريطانيا عندما قررت أن تنسحب من السويس أعلنتها منطقة رائدة وقيادية لمشروع التحرر العربي
"
محمد السعيد إدريس
محمد السعيد إدريس - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: أولاً حرب السويس كانت بداية تاريخ جديد للاستراتيجيات العربية والدولية في الشرق الأوسط، يكفي أن نقول إن بريطانيا عندما قررت أن تنسحب من الخليج وأعلنت ذلك سنة 1968 قالت إنها تنسحب من شرق السويس، السويس بدأت يعني كموقع استراتيجي منذ حرب 1956 تُعتبر منطقة فاصلة أو منطقة رائدة وقيادية لمشروع التحرر العربي، حرب 1956 كانت ذروة الصِدام بين مشروعين في إقليم الشرق الأوسط، مشروع التبعية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وقبلها بريطانيا وفرنسا بالطبع ومعهم إسرائيل والمشروع الثاني هو مشروع التحرر العربي، الصِدام أخذ سجالاً ابتداء من الثورة 1952 مرورا بمؤتمر باندونغ ودور جمال عبد الناصر في لجنة تصفية الاستعمار وصفقة الأسلحة التشيكية مع الاتحاد السوفييتي واعتراف مصر بالصين الشعبية ومناهضة مصر لسياسة الأحلاف، كان الصِدام عنيفا بين المشروعين، المشروع التحرري الوطني الذي يقوده جمال عبد الناصر من القاهرة والمشروع الاستعماري البريطاني الفرنسي الإسرائيلي وجاء تأميم قناة السويس ليمثل ذروة الصدام بين هذين المشروعين ثم جاء العدوان الثلاثي رداً على قرار التأميم ومحاولة لضرب فكرة السيطرة على الثروات الوطنية لأن قرار تأميم قناة السويس ربما يكون القرار الثاني من نوعه بعد القرار المصدق بتأميم النفط في إيران ولكن تأميم قناة السويس كمشروع ضخم وكبير في أطراف دولية على أرض مصر..

جمانة نمور [مقاطعةً]: كان الأول من نوعه الذي نجح ربما نعم.

محمد السعيد إدريس [متابعاً]: كان بداية لمرحلة جديدة.. نعم؟

جمانة نمور: يعني كان نجح في حينها عكس التجربة الإيرانية في هذا الإطار.

محمد السعيد إدريس: يعني قرار تأميم قناة السويس كان فريد من نوعه.

جمانة نمور: نعم يعني يهمنا في ذلك الوقت أنه..

محمد السعيد إدريس [مقاطعاً]: صحيح يعني وكان..

جمانة نمور [متابعةً]: حتى ولو حصل هناك كان هزيمة عسكرية عبد الناصر انتصر على الجبهة الدبلوماسية دكتور مصطفى الفقي وبعد ذلك حصل على بُعد دولي وبُعد عربي هل نستطيع القول أن تلك المرحلة كانت مرحلة انطلاق المارد؟

مصطفى الفقي - رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشعب المصري: أستطيع أن أقول الآن وأنا أتحدث من العاصمة البريطانية أنه في مثل هذه الأيام منذ خمسين عاما بدأ فصل جديد في العلاقات الدولية ككل وليس في الشرق الأوسط وحده، لازال البريطانيون يتحدثون عن ذلك الكولونيل ناصر من الشرق الأوسط الذي قام بعد 1956 بما يمكن أن يسمى المسمار الأخير في نعش الإمبراطورية البريطانية ولذلك كما قال زميلي ليس التوقيت فقط من الناحية الجغرافية ولكن من الناحية التاريخية ما قبل السويس وما بعد السويس، أستطيع أن أقول أن 1956 قدّمت عبد الناصر لأمته العربية ولكن 1958 الوحدة المصرية السورية هي اللي قدمت عبد الناصر البطل القومي صاحب الحلم العربي للأمة العربية على المستوى الدولي ككل ولذلك أنا أرى أنها مرحلة ترتبط بالأمجاد العربية ولكن لا يمكن مقارنتها بما تم بعد ذلك، الدنيا تغيرت والعالم تحوّل وعصر التحرر الوطني انتهى وتصفية الاستعمار انحصرت وأصبحنا في زمن مختلف تماما ولكن لا يمكن أحد..

جمانة نمور [مقاطعةً]: قبل أن ندخل في تفاصيل هذه.. نعم تفضل.

مصطفى الفقي [متابعاً]: لا يمكن أحد أن مثل هذه الأيام منذ خمسين عاماً كانت أيام فاصلة على المستوى العربي، يعني أستطيع أن أقول لكِ أن الشعب المصري لم يكن فهمه للحركة القومية العربية سياسياً إلا بعد 1956 قبل ذلك كان ثقافيا دينيا عاطفيا لكن 1956 هي التي جسّدت الشعور المصري تجاه الحركة القومية وأشعرت المصريين أنهم بحق جزء من كيان عربي يقوده عبد الناصر في ذلك الوقت.

جمانة نمور: مادمنا نستذكر تلك المرحلة ونتذكر.. تقول إنك في لندن وكيف كان يفكر البريطانيون حينها قبل خمسين عاماً، الكل يعلم أن ربما ميزان القوى كان حينها في صالح البريطانيين، كان عدم التكافؤ وصل إلى درجة الخلل في القوة العسكرية بين طرفي الصراع في حرب السويس ولكن هذا لم يمنع جنود الإمبراطورية البريطانية من ارتكاب العديد من الفظائع التي وصلت إلى حد فقع عيون مقاومين وحرق أحياء وبيوت بأكملها مخالفة ثلاثين ألف قتيل وجريح، محمد مهران أحد المقاومين الذين فُقئت أعينهم.

[شريط مسجل]

محمد مهران - أحد المقاومين المصريين في حرب السويس: بدأت أكلّم الدكتور ده واحد من الثلاثة اللي هو كان بيساومني في الأول يا دكتور أرجوك عشان خاطر ربنا شيل مني عين وسيب ليّ عين أشوف بها، سيادتك طبيب وعملك عمل إنساني ما تحرمنيش من نعمة ربنا اللي أنعم علي بها وعليك وعلى كل خلقه، قعدت أردد العبارات دي وهو يبص لي كده ويدور وشه يبص لي ويدور وشه وبعدين بص لي قال لي أنت رفضت طلبنا وإحنا بنرفض طلبك، دي آخر ما التقطته عيناي من صور في حياتي بعد كده لقيت نفسي نائم في سرير وأنا مربوط وفي نار في عيني نار رهيبة، سألت الموجودين إيه النار اللي في عيني دي ردوا علي بكل بجاحة قالوا لي إحنا أخذنا عينيك عشان تكون عبرة لأمثالك في مصر.

جمانة نمور: إذاً محمد مهران يتذكر ما حدث منذ خمسين عاماً وكأنه حدث بالأمس ولكن في خلال هذه الخمسين عاماً تغيرت أمور كثيرة نناقش أهم ما فيها الدور المصري بعد وقفة قصيرة فكونوا معنا.


[فاصل إعلاني]

مدى نجاح مصر في الحفاظ على مركزها المحوري

جمانة نمور: أهلا بكم من جديد وحلقتنا اليوم تبحث في الدور المصري بعد خمسين عاماً من حرب السويس، دكتور محمد تحدثنا عن الصمود عن الانتصار عن الأمجاد ولكن البعض يرى بأن نصر 1956 قاد بعد ذلك مباشرة إلى نكسة الـ1967.

محمد السعيد إدريس: لا يعني هذا قفز كبير على التاريخ يعني، المعركة كانت كبيرة جدا بين المشروع التحرري الوطني القومي اللي قاده جمال عبد الناصر اللي من خلاله انطلقت حركة التحرر الوطني العربية في كافة أنحاء الوطن العربي، الدور المصري في الجزائر في الخليج العربي في اليمن في كل الأقطار العربية ومن منطلق حركة التحرر الوطني العالمية وكانت القاهرة عاصمة كل حركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والمشروع التحرري بكامله انطلق ولكن مرحلة ما بعد 1956 كانت مرحلة تأسيس المشروع القومي، وحدة 1958 وثم الانفصال ومؤامرة الانفصال والأطراف التي شاركت في الانفصال أطراف إقليمية عربية وأطراف أخرى دولية والصِدام بين مشروع الدولة القاعدة مصر والموقف الأميركي الرافض لهذا الدور المصري.. الدور القومي التحرري وشروط الرئيس كيندي لجمال عبد الناصر أن يتخلى عن مشروع القومي وأن يتخلى عن التصنيع العسكري وأن يتخلى أن يتخلى عن بناء جيش مصري قوي وأن يتخلى عن الطريق الاشتراكي والاتحاد الاشتراكي كتنظيم كلها مواجهات..

جمانة نمور [مقاطعةً]: إذاً تتحدث عن قوى إقليمية وقوى دولية إذاً كان الكاتب خير الله خير الله على حق.. نعم يعني دكتور محمد إذا هل نستطيع القول إن الكاتب خير الله خير الله كان على حق إنه مصر عبد الناصر ذهبت.. هو قال ذهبت ضحية الشعور بالانتصار الذي لم يكن انتصاراً فحجب عنها القدرة على فهم التوازنات الدولية؟

محمد السعيد إدريس: لا هذا تجاوز للواقع، يعني مع احترامي لقائل هذا الكلام هو لم ينزل إلى مستوى الواقع ويدرس ويحلل طبيعة الصدام التي استمرت ابتداء من 1956 إلى 1967، المرحلة كانت من 1956 كانت مرحلة مواجهة عنيفة جداً بين دعوة التحرر والوحدة وبناء الوطن العربي وبين مشروع استعماري يفرض نفسه، كان لابد من ضرب هذا المشروع واعتقد أن قرار 1967 اتُخذ في واشنطن ولم يصدر من تل أبيب والدور الأميركي دور أساسي في هذه المعركة، أنا عايز أقول إن مصر بدأت مكانتها العربية من خلال الدور الذي قامت به بزعامة جمال عبد الناصر سنة 1956، القيادة المصرية وزعت السلاح على كل الشعب المصري، الشعب المصري خاض المواجهة واستطاع أن يواجه ثلاثة.. إمبراطورية بريطانية كبيرة وإمبراطورية فرنسية كبيرة والدولة الصهيونية، لمّا نقول عن هزيمة عسكرية نتحدث عن توازن القوى، مَن يحارب مَن؟ الشعب المصري بجيش لسه لم يتكون، الثورة عمرها 4 سنوات، لسه في بداية طريق امتلاك حد أدنى من الأسلحة، الأميركان يرفضوا تمويل مصر أو امتداد مصر بالأسلحة، الاتحاد السوفيتي يعقد صفقة أولية مع الجيش المصري ثم تأتي معركة كبيرة فيها إمبراطوريات هائلة وعظيمة لم تكن الشمس تغيب عنها، نتحدث عن هزيمة عسكرية، هزيمة مَن أمام مَن؟ يعني عشان نتحدث عن هذه القضية، قضية قرار وطني وقرار سياسي، عبد الناصر لما أمم قناة السويس كان مؤمن بثورة شعبه وبحقه ولمّا خاض المعركة كان مؤمن بالشعب المصري.

جمانة نمور: نحاول التحدث.. يعني دكتور محمد لو سمحت لي بأن نحاول التحدث والتركيز عليه الآن هو الدور المصري تحديداً كيف تغيّر؟ برأيك دكتور مصطفي الفقي ما هي العوامل التي أثرت في هذا الدور وأعادت المارد الذي انطلق حينها إلى قمقمه؟

مصطفى الفقي: كان عبد الناصر كما نعلم جميعا بارعا في تحويل الهزيمة العسكرية إلى انتصار سياسي وهذه ليست عبارة إنشائية لأن القدرة على الصمود بغض النظر عن تكافئ القوى وتحقيق النصر الميداني في المعركة، الصمود في حد ذاته هو انتصار ولذلك كانت مدرسة عبد الناصر السياسية تقوم على قدرته على الاستمرار في مبادئه وعدم الاستسلام والرضوخ الذي تمليه القوي العسكرية في مرحلة معينة، هكذا كان في 1956 وهكذا كان بعد مؤامرة 1967 التي استُدرج لها بسبب الاسترخاء السياسي ومراكز القوى وابتعاده عن قيادة القوات المسلحة وتركها لرفيقه المشير عامر في ذلك الوقت، إنما أنا أريد أن أقول لكِ إن الدور المصري قد تغيّر نعم هذه حقيقة ولكن يجب دراسة هذا في السياق الدولي ككل، عصر البطولات والقيادات اللامعة والزعامات الكبرى والنجوم الكبيرة اختفى، لم يعد هو عصر الأبطال من أمثال عبد الناصر أو حتى السياسيين من أمثال نهرو أو القيادات التاريخية من أمثال ديغول، أصبحنا أمام عصر مختلف تماما وحركة التحرر الوطني انحصرت والقوى الغربية انقضت لتصفية إرث ما بعد الحرب العالمية الثانية وقادت الولايات المتحدة الأميركية بشراسة وبدعم من إسرائيل حركة ضرب القومية العربية وإضعاف القوى العربية وتمزيقها وبدؤوا بالدولة الأكبر وهي مصر لأنه يجب أن تعلمي أن تحييد مصر عسكريا ثمنه فادح في القضية وهذا ما سعت إليه الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.

جمانة نمور: أين كانت النقطة المفصلية التي ترى بأن الغرب نجح فيها بذلك تحييد مصر بدورها العربي؟

مصطفي الفقي: تحييدها بدورها العسكري أريد أن أحدد، يعني لا يمكن أن تقوم حرب نظامية في الشرق الأوسط بين إسرائيل والعرب من غير وجود الجيش المصري، هذا الأمر انتهى والذي يحدث هي عمليات مقاومة.

جمانة نمور: أنت تتحدث عن كامب ديفد؟ دكتور تتحدث عن كامب ديفد؟

"
كامب ديفد كانت هي نقطة التحول ومصر السادات أقدمت على ذلك بسبب تصرفات عربية، وكانت تنظر لمصر أن تحارب كأنها مرتزقة دفاعا عن العالم العربي
"
مصطفى الفقي
مصطفى الفقي: كامب ديفد كانت هي نقطة التحول وأريد أن أقول إن مصر السادات أقدمت على ذلك بسبب تصرفات عربية في ذلك الوقت أيضاً، يجب ألا يغيب عن ذهنك أن الكل نظر إلى مصر أن عليها أن تحارب كأنها مرتزقة دفاعاً عن العالم العربي على المدى الطويل، هذا أدى إلى إمكانية بيع الأفكار الجديدة للشعب المصري والقول له إنك تحارب عن غيرك وتضحي في سبيل الأمة العربية بلا مقابل وبالتالي ظهرت الفكرة المصرية في مواجهة الحركة القومية وجاءت كامب ديفد في هذا السياق، يجب أن ندرس الأمور في ظروفها التاريخية وفي سياقها في وقتها الذي جرت فيه ثم أن السادات في نظري عرض على الجميع ذلك.

جمانة نمور: دكتور محمد تحدثت قبل قليل كيف أن عبد الناصر وزّع السلاح حينها على الناس، تحدثت.. ربما الكل يتذكر الثقة التي كانت موجودة بين الجيش والشعب المصري، الكل يتذكر صدى خطاب عبد الناصر الشهير خطاب الأزهر ثم الناس بعده تقول هنحارب.. هنحارب، الآن هذا الشعب المصري كيف تغيّر بعد خمسين عاماً؟ كيف ينظر إلى دور مصر هل يريد منها أن تكون رائدة أم يريد منها أن تؤمن له حياة كريمة أم ماذا؟

محمد السعيد إدريس: يعني أولاً أنا مختلف بعض الشيء مع السياق اللي تحدث فيه دكتور مصطفي فيما يتعلق بالتحوّل التاريخي في مصر، أنا في رأيي أن القضية ليست قضية متغيرات إقليمية ودولية فقط ولكنها أيضا متغيرات داخلية، بمعنى أنا عايز أذكر طالما بنتكلم على التاريخ بالزيارة الخطيرة جدا اللي جاء للقاهرة فيها سيسكو وكيل الخارجية الأميركية وكان القائم بالأعمال الأميركي في ذلك الوقت في القاهرة هو بيرغس والتقوا بالرئيس السادات أعتقد في أبريل 1971 قبل ما عُرف بمؤامرة مراكز القوى وهو مؤامرة يعني أعتقد من تدبيرها الرئيس أنور السادات وكانت زيارة بيرغس لمعرفة سؤال للإجابة على سؤال محدد إلى أي حد يمكن أن يتحول الرئيس المصري الجديد عن خط جمال عبد الناصر؟ سيسكو التقى بالرئيس السادات في بيته وتأكد بعد لقائه أن الرئيس الجديد يعني قابل للتحول 180 درجة عن خط جمال عبد الناصر، هنا بداية التحول الداخلي وعلاقات الرئيس السادات مع كيسنغر وحرب 1973 ومجمل التواصل الذي تم والربط الأميركي وبموافقة الرئيس السادات على مسألتين الرخاء والسلام، يعني علشان نعرف كيف تحول الشعب المصري الحالة الشعبية المصرية الآن هو أن الشعب المصري بعد حرب 1973 التي احتوت ولم يعني.. الكل تآمر على هذه الحرب المجيدة وعلى الحرب التي سبقتها حرب الاستنزاف ولم يعد أحد يتحدث لا عن حرب الاستنزاف ولا عن حرب 1973 وعلى قدرة الشعب المصري بقياداته العسكرية والشعبية على تحقيق النصر بدأ الربط بين السلام والرخاء، الناس خارجة من معركة جيش موجود شباب على الجبهة العسكرية أكثر من سبع سنوات بدأ حلم الرخاء يروجه الرئيس السادات ويربط بينه وبين السلام والحديث عن حرب 1973 هي آخر الحروب ثم زيارته للقدس ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية التي كان هدفها الأساسي هو خروج مصر من معادلة الصراع العربي الصهيوني نهائياً، خرجت مصر عن المعادلة وخرجت عن دورها وفقدت الأمة توازنها وبدأ الاختلال في توازن القوى ليس فقط العسكري ولكن أيضا السياسي وهذه القضية التي يجب أن نركز عليها الآن، كيف يمكن أن نستعيد الدور الوطني أو القومي لمصر.. الدور الرائد عن طريق القيام بدور حقيقي؟ مصر النهارده لها دور وسيط بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل بعد أن كانت دولة تقود الصراع ضد الدولة الصهيونية وخرجت بعد 1967 تقول بلاءات الخرطوم الثلاث مع كل الشعب العربي، أعتقد أن الفارق كبير جدا بين الوضع سنة 1956 و1967 حتى في أوج الهزيمة العسكرية الشعب العربي رفض هذه الهزيمة وخرج يعني يطالب بعودة جمال عبد الناصر ويؤكد تمسكه بهذه القيادة القومية ولم يفقد لحظة واحدة الثقة في هذه القيادة وأعتقد أن رحيل عبد الناصر كان يعني مشهد يجسد مكانة القيادة ومكانة الزعامة الأمة وماذا حدث بعد افتقاد هذه الزعامة.

جمانة نمور: وبعد كل هذه التجربة دكتور مصطفي برأيك هل الإنسان المصري العادي يريد استعادة هذا الدور المصري الريادي القيادي على صعيد الأمة العربية أم تهمه يعني متطلبات حياته البسيطة أن يجد حلا لأزمة القمامة وأزمة المياه الملوثة التي نقرأ عنها في الصحف؟

مصطفي الفقي: يا أخت جمانة أنت تعرفين الشعب المصري، الشعب المصري لم يتغير ربما تغيرت تركيبته بحكم تطور المنطقة ولكن لازال إحساسه الأبوي بالتزاماته العربية قائماً، إذا تهدد خطر بلد عربي فرجل الشارع في مصر يبدأ في التحدث مع زميله في قلق، ماذا يحدث لسوريا؟ ما هو الموقف في لبنان؟ هل سيستمر الوضع على هذا الحال؟ وأعطيكِ دليل على هذا السلام بين مصر وإسرائيل ظل حتى الآن بعد أكثر من ربع قرن من توقيع الاتفاقية 26 مارس سنة 1979 سلاما باردا بسبب أنه ليس شاملا فالمواطن المصري لم يتغير أبدا ولكن أريد أن..

جمانة نمور [مقاطعةً]: إذا كان لازال يريد هذا الدور المصري ماذا عنه عمليا هل بالفعل مصر يمكن أن تستعيده؟ باختصار شديد لو سمحت.

مصطفي الفقي: الذي حدث الدور اختلف، عبد الناصر كان بطلا قوميا وهامة عالية، ماكميلان مضى بين الصفوف في الأمم المتحدة لينحني أمامه ويصافحه سنة 1960، الرئيس السادات رجل دولة زي محمد علي لديه فهم للمتغيرات الدولية من منطوق مصري وتصرّف بهذا النهج ولذلك لا أعتقد أن أياً منهما كان معاديا لفكرة التزام مصر العربي إنما كانت رؤية كل منهما مختلفة ولذلك..

جمانة نمور [مقاطعةً]: والرئيس مبارك بكلمتين؟

مصطفي الفقي: الرئيس مبارك حاول أن يُحدث التوازن فهو لم يقايض ولم يتحول عن المواقف المبدئية لمصر ولكن الظروف ضغطت على مصر ضغوطات كبيرة، في المرحلة الأخيرة واضح تماما أن الدور المصري يُراد تحجيمه سواء في حدوده الشرقية في فلسطين أو حدوده الجنوبية في دارفور أو ما يجرى في المنطقة ككل، مصر يُراد لها أن تنكفئ وألا تموت تماما وأيضا ألا تقود أبداً، مصر معادلة صعبة أمام من يريد أن يتعامل مع المنطقة.

جمانة نمور: شكراً لك الدكتور مصطفي الفقي من لندن، نشكر من القاهرة الدكتور محمد السعيد إدريس ونشكركم مشاهدينا على متابعة حلقة اليوم من ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، بإمكانكم المساهمة في اختيار مواضيع الحلقات المقبلة بإرسالها على عنواننا الإلكتروني indepth@aljazeera.net إلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة