هوغو شافيز .. رد فعله تجاه المحاولة الانقلابية   
الاثنين 29/11/1425 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

حافظ الميرازي

ضيوف الحلقة:

هوغو شافيز: الرئيس الفنزويلي

تاريخ الحلقة:

30/04/2002




- رد فعل الرئيس الفنزويلي تجاه الانقلاب والتغييرات التي حدثت
- شافيز واستخدام النفط كسلاح سياسي
- علاقات فنزويلا بأميركا ودول العالم
- المصالحة الوطنية في فنزويلا وتأثيرها على العلاقات الخارجية
- شافيز والفرق بين الإرهاب والمقاومة
- الجالية العربية في فنزويلا وضمانات الحقوق المدنية لها

هوغو شافيز
حافظ الميرازي

حافظ الميرازي: مشاهدينا الأعزاء مرحباً بكم في هذا اللقاء الخاص مع سيادة الرئيس هوجو تشافيز (رئيس فنزويلا) في القصر الجمهوري في كراكاس.

دعني أسألك أولاً عن ما الذي تغير؟ حين جئنا إلى هنا لاحظنا إجراءات أمنية بسيطة جداً، ولكن قيل لنا إنها لم تكن موجودة من قبل، ما الذي تغير في فنزويلا بعد 12 أبريل؟

رد فعل الرئيس الفنزويلي تجاه الانقلاب والتغييرات التي حدثت

هوجو تشافيز: أحب في البداية وباسم الشعب الفنزويلي أن أقدم الشكر لقناة (الجزيرة) على هذا الجهد الذي تبذله لك يتنقل للعالم من كراكاس حقيقة ما جرى. وحول سؤالك لي عن التغييرات التي حصلت هنا بعد المحاولة الانقلابية البغيضة، دعني أتطرق إلى موضوع يبدو لي جوهرياً أعتقد أن هذه محاولة ترتب على الشعب مسؤولية كبيرة تتمثل في وجوب بذل جهد كبير للتفكير والتأمل في أسباب ما جرى ومدى مأساويته، وأن يبحث الناس في كل كبيرة وصغيرة، أعتقد أن المواطنين فهموا بكل وضوح حقيقة الخطر الكبير الذي كدنا نقع فيه عندما تم الخروج عن إطار الدستور والمؤسسات الدستورية.

وقد سألتني كذلك عن الإجراءات الأمنية المتخذة في القصر الرئاسي، وأقول إنها إجراءات عادية وقد تصدينا لمعالجة آثار هذه المحاولة الانقلابية بكل حذر وبكل جدية دون أن نظلم أحداً أو أن نعتدي على أحد، وأظن أن ما رأيته أنت في القصر من طريقة في التعامل معك ومع فريق التصوير وكل الزائرين تثبت لك أنها طريقة عادية وإنسانية في التعامل وتعكس شعور الحكومة بالمسؤولية وتعكس أيضاً الروح الإنسانية التي تتعامل بها الحكومة مع هذا الشأن، وعلى الرغم من كل ما حصل ليس هناك قمع ضد أحد والمؤسسات الدستورية تعمل بانتظام وهناك تحقيق مفتوح ويجري ضمن احترامنا الكامل للكرامة الإنسانية ولحقوق الإنسان وخصوصاً لهذا الدستور.

حافظ الميرازي: لكن أنت اتخذت خطوات مثل قبول استقالة مديري المؤسسة الوطنية للبترول الفنزويلية وتعيين قيادات جديدة مقبولة، هل هذا الإجراء تعتقد أنه كان يُفترض أن يتم مسبقاً أو منذ وقت مبكر؟

هوجو تشافيز: نعم الحقيقة أن قرار استقالة أعضاء مجلس الإدارة السابق تم اتخاذه منذ ما قبل الأحداث، وقد وصلتني هذه الاستقالة موقعة من كل منهم على حدا وأحضرها لي يوم الحادي عشر من هذا الشهر وكانت موقعة يوم العاشر وأحضرها لي الدكتور (باررو ساردوش) إذن فالقرار كان متخذاً من قبلهم في وقت سابق، والذي حصل بعد محاولة الانقلاب هو أننا تولينا زمام المبادرة وعيَّنا الأعضاء الجدد في مجلس الإدارة.

حافظ الميرازي: ما الذي تريد أن ينجزه السيد (علي رودريجز) في مؤسسة بترول فنزويلا؟ وهل تعتقد أنها مازالت حتى الآن تشكل دولة داخل الدولة كما وصفتها من قبل؟

هوجو تشافيز: إن ما آمله بشكل أساسي ليس أنا فقط بل جميع الفنزويليين هو أن تشرع الإدارة الجديدة في عملية متكاملة لإعادة هيكلة مؤسسة النفط الفنزويلية وهي مهمة تعذر تنفيذها من قبل لأسباب عديدة، فإعادة الهيكلة تعني أموراً كثيرة ومن وجهة نظري، فيجب مثلاً تقليص النفقات وتكاليف الإنتاج التي شهدت تزايداً ملحوظاً خلال الأعوام الماضية، ويجب أيضاً تعميق وتعزيز التزاماتنا وروابطنا بالدول المصدرة للنفط.

يجب أيضاً وضع جميع نشاطات المؤسسة وقراراتها في إطار الاستراتيجية العامة للدولة، وأن تتفهم المؤسسة أن هناك حكومة دستورية وشرعية وأنها تابعة لهذه الحكومة، وبالتالي فيجب أن تخضع لأنظمة الدولة ولقرارات السلطة الدستورية المتمثلة برئيس الدولة، إن هذه هي إحدى تطلعاتنا التي نتمنى أن يحققها مجلس الإدارة الجديد برئاسة (رودريجز فراكس) وأنا على يقين أننا سنتقدم بخطى متسارعة في هذا الاتجاه تحديداً.

حافظ الميرازي: حين حدث الانقلاب وأُبعد الرئيس (تشافيز) عن الحكم انخفضت أسعار البترول في السوق رغم أن هذا يُفترض أن يكون العكس بسبب وجود عدم استقرار، وحين عدتم عادت الأسعار إلى الارتفاع، ماذا يعني هذا بالنسبة لك في رأيك؟ ما تحليلك لهذا؟

هوجو تشافيز: لا أريد أن أنظر إلى هذا الأمر بطريقة شخصية ومبسطة بهذا الشكل، إن لهذا الأمر تفسيراً يتعدى كثيراً كونه متعلقاً بي، فهو مرتبط باستراتيجية معينة، وأنت تعرف أن الحكومة برئاستي وضعت استراتيجية تهدف إلى تعزيز آليات منظمة الأوبك ومن ثم تخفيض الإنتاج بطريقة تعزز التوازن بين العرض والطلب، وقد أجريت عدة جولات حول العالم كانت الأخيرة منها في شهر أكتوبر الماضي عندما كنا خاضعين لتهديد جدي لقيام حرب في الأسعار، وكانت هذه الحرب ستصل بسعر البرميل إلى 6، أو 5 دولارات، لقد سافرت إلى المملكة العربية السعودية وإلى موسكو وإلى المكسيك ودول أخرى، الآن أنت تعلم أنني عندما سجنت من قِبَل الانقلابيين فإن أول عمل قامت به الحكومة غير الشرعية التي حاولت أن تستولي على السلطة وتفرض حكمها الظالم هو الإعلان عن أن فنزويلا ستخرج عن سياسة منظمة أوبيك، وأن فنزويلا لا تعترف بنظام الحصص في المنظمة، وإنما ستزيد الإنتاج إلى الحد الأقصى، وهو الأمر الذي أدى طبعاً إلى انهيار خطير وفوري في أسعار النفط، وبمجرد وصولنا إلى هذا القصر وعودتنا إلى تولي رئاسة الحكومة من جديد بفضل التحرك الشعبي والعسكري المستند إلى الشرعية الدستورية الديمقراطية فقد تصدينا لمسؤولياتنا وصححنا ما صدر من قبل إعلان احترامنا وتمسكنا بمنظمة أوبك وبنظام الحصص، وقد برهن ذلك فيما بعد على أن استراتيجية الأوبك والاستراتيجية المتعلقة بالحفاظ على التوازن بين العرض والطلب هي الاستراتيجية التي انتصرت في النهاية، لقد فعلنا ذلك في إطار أهداف متمثلة في تحقيق السعر العادل لنفطنا ولنفط ومصالح شعوب كثيرة مثل شعب قطر وشعب فنزويلا والسعودية وجميع الدول المنخرطة في أوبك.

تشافيز واستخدام النفط كسلاح سياسي

حافظ الميرازي: هل تؤيد أن يستخدم البترول كسلاح سياسي مثلاً العراق والرئيس صدام حسين أوقف البترول لمدة شهر تعاطفاً مع الشعب الفلسطيني، أم ترى إن البترول يجب ألا يستخدم سلاح سياسي ويبقى اقتصادي فقط؟

هوجو تشافيز: أنا أعتقد أن من المصلحة الحفاظ على النفط وسوق النفط ومستويات الإنتاج بعيداً عن النزاعات السياسية أو العسكرية، لأننا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن النفط ومشتقاته هي مصادر أساسية للطاقة ولحياة الشعوب، ونحن لا نرى من العدل ومن أجل نزاعات سياسية أو عسكرية بين حكومات أو شعوب أن نقوم بوضع الصعوبات أمام دول ومواطنيها وملايين من الرجال والنساء والأطفال الذين لا شأن لهم بهذه النزاعات، كل ذلك فنحن نفضل الفصل بين هذه النزاعات السياسية وبين السياسات النفطية.

حافظ الميرازي: لو طبقت هذا على علاقة فنزويلا بالولايات المتحدة مثلاً، لو التحقيقات التي تجرونها الآن في الانقلاب أثبتت أن واشنطن متورطة تماماً، هل لو علاقاتك السياسية قطعت بواشنطن تتركها تحصل على نفط فنزويلا، أم من حقك أن تقطع عنها النفط إذا شعرت أنها عدو سياسي لبلدك؟

هوجو تشافيز: لا، تحت أي ظرف سياسي أو دبلوماسي ومهما كان صعباً، نحن لا نخطط لإيقاف تدفق النفط عن الولايات المتحدة التي تمثل زبوناً أساسياً لنا، ولدينا في الولايات المتحدة شركة تسمى (ستجو) وتضم 7 مصاف للنفط كلها فنزويلية، وهذه الشركة تتولى تزويد 14 ألف محطة وقود في الولايات المتحدة التي نضخ إليها يومياً مليون و200 ألف برميل من النفط، ولهذا فإن أي تصرف من هذا النوع سيكون كأننا نحارب أنفسنا، لأن لدينا رأس مال مستثمر هناك ولدينا مصالحنا في سوق النفط الأميركية، ولهذا فإن أي قرار من هذا النوع سيكون قراراً سيئاً، أنا أقولها وبكل حزم ووضوح وبغض النظر عن النتائج التي ستتمخض عنها التحقيقات حول المشاركة المفترضة لأشخاص أو جهات أميركية في محاولة الانقلاب في فنزويلا، أنا شخصياً لا أريد أن أصدق ذلك وأفضل أن أدعو الله وأقول: إن شاء الله أن يكون ذلك غير صحيح، وعلى أية حال فالتحقيقات والمحاكمة ليست من صلاحيتي بل من مسؤولية الجهات القضائية التي تتحرك بشكل متزامن في فنزويلا والولايات المتحدة، ولكنني أقول لكم معزماً عن النتائج وتحت أي ظرف كان نحن لن نقوم بقطع أو تخفيض كميات النفط المتجهة إلى الولايات المتحدة وأنا أضمن لك ذلك.

علاقات فنزويلا بأميركا ودول العالم

حافظ الميرازي: بغض النظر عن التحقيقات على الأقل ما ذكر علناً أن البيت الأبيض والخارجية لم يدينوا الانقلاب الذي حدث ضدك خلافاً للموقف المتفق عليه في أميركا اللاتينية والأميركتين وميثاق أميركا اللاتينية ووصفوا ما حدث بإنه تغيير في الحكم وأنت مسؤول عنه في أعمالك، هل تشعر بخيبة أمل تجاه هذا الموقف العلني من واشنطن؟

هوجو تشافيز: لا أستطيع القول إنني أشعر بخيبة أمل، وكل ما أستطيع قوله هو أنه في الولايات المتحدة أو إن الولايات المتحدة بمؤسساتها الأساسية والناطقين باسمها وجزء من شعبها مع الأسف هم نوع من الضحايا، ضحايا لأي شيء ضحايا للكذب، ضحايا لأي شيء، ضحايا لعملية إخفاء للحقائق، ضحايا لأي شيء ضحايا للخداع والجهل، تصدر عنهم آراء وأحكام على بعض الأمور دون أن يتعرفوا على الأسباب، ثم إنهم يتجرءون على الإدلاء بآرائهم أحياناً دون أن يحللوا بعمق ويتحققوا من مجريات الأمور الداخلية عندنا على المستوى السياسي والاجتماعي والإنساني، والواقع المأساوي أحياناً لشعوب أميركا اللاتينية والكاريبي، وبمعزل عما يمكنهم قوله فقد قاموا إيضاحات لموقفهم وهذا مؤشر إيجابي، وذلك بعد أن اتضحت الأمور وبعد أن تمكن التحرك الشعبي الوطني والتحرك العسكري الوطني الغيور من إعادة الأمور إلى نصابها بسرعة البرق بل وأسرع من البرق وهو أمر لم يحدث من قبل على الإطلاق في أي مكان في العالم أن يحدث عندنا انقلاب عسكري على مؤسسات الدولة مثل الذي حصل عندنا وفي ظرف 48 ساعة تتم إعادة الأمور إلى نصابها دون أن يتم إطلاق طلقة واحدة، لقد أعيد كل شيء إلى مكانه الطبيعي الدستور والمؤسسات الدستورية، ومنها رئيس الجمهورية، بعد أن حدث ذلك بدأت الإدارة الأميركية والناطقين باسمها إلى إيضاح مواقفها وتصحيح ما صدر عنها وقالوا منذ بضع ساعات إنهم يحترمون المؤسسة الديمقراطية وأنه لا علاقة لهم بهذه الحركة الانقلابية، هذا مؤشر إيجابي كما قلت لك ليس فقط من أجل فنزويلا، بل من أجل جميع شعوب وحكومات أميركا والعالم، لذلك وبغض النظر عما قاله في بداية الأمر فأنا ومن أجل استقرار شعبي وبقية شعوبنا أركز اهتمامي في الإيضاحات التي قدموها وأضع أملي في عباراتهم حول حقوق الإنسان والديمقراطية، وأنا أضيف إن هذه العبارات التي تصب في صالح احترام سيادة الدول والشعوب، لأن فنزويلا هي دولة ذات سيادة ولديها حكومة شرعية ومؤسسات شرعية وديمقراطية فعالة، ثبتت فاعليتها لاحقاً من خلال ما حدث، ديمقراطيتنا قوية وصمدت أمام هزات من قبيل ما حدث منذ أسبوع.

حافظ الميرازي: سيادة الرئيس تشافيز طالما هذا هو رأيك البعض يرى بأن الرئيس تشافيز يجب أن يحسن علاقته بأميركا بأن يقلل العلاقات مع الدول المعادية لأميركا أو اللي أميركا تعاديها مثل كوبا والعراق وليبيا وإيران، هل أنت مستعد لأن تفعل ذلك للمصالحة مع أميركا؟

هوجو تشافيز: يجب على كلٍ منا أن يحترم مواقف أية دولة، أنا لا أستطيع الدخول هنا في انتقاد شكل أو صيغة علاقات الولايات المتحدة مع دول وشعوب أخرى في العالم، أنا أعتقد إنها شعوب تستحق الاحترام وهي دولة تستحق الاحترام وهي حكومة ذات سيادة، ونحن كذلك، فنحن أمة ودولة وسلطة ودستور وحكومة شرعية ذات سيادة، وذات علاقات واسعة، وعلاقاتنا مع دول العالم متنوعة ومتشعبة جداً، وكما قلت لك من قبل فلدينا علاقات تمتد من واشنطن إلى بكين ومن لندن إلى بونيس أيرس، لدينا علاقات مع العالم أجمع، علاقاتنا تكون أحياناً سياسية وأحياناً في إطار التعامل الاقتصادي أو التبادل الثقافي إلى آخره، ومن هنا فإن سياستنا الدولية واضحة جداً، فعلاقاتنا مع العالم العربي على سبيل المثال هي علاقات احترام متبادل في إطار السيادة وفي إطار علاقات تاريخية تم ترسيخها منذ وقت طويل ومنذ تأسيس منظمة الأوبك، والعلاقات التي تقيمها فنزويلا مع العراق ومع السعودية والجزائر وإيران ومع نيجيريا، مع أندونيسيا كلها تأتي في ظل ريادة فنزويلا داخل منظمة الأوبك، وهذا ما يُضفي عليها طابعاً تاريخياً يبدأ منذ تأسيس الأوبك وحتى وصولنا إلى رئاستها عندما تولينا رئاسة الحكومة.

إن هذه العلاقات هي جيوبولوتيكية وضرورية بشكل خاص للدفاع عن مصالح شعوبنا ولا يوجد أي سبب لتغييرها وسنستمر فيها، وضمن الرؤية التاريخية نفسها فعلاقتنا مع كوبا هي بنفس أهمية العلاقات التي نقيمها مع جامايكا أو جمهورية الدومنيكان أو أميركا الوسطى، فهذه الدول تشترك في سواحلها المطلة على البحر الكاريبي، مع كوبا لدينا علاقات ممتازة وسنواصلها، ولا أظن أن هذه العلاقات بأي شكل من الأشكال ستشكل تهديداً لأي شعب أو أي دولة في العالم.

المصالحة الوطنية في فنزويلا وتأثيرها على العلاقات الخارجية

حافظ الميرازي: لكن حتى على المستوى الداخلي إذا كانت هناك رغبة في المصالحة الوطنية أنت لن تغير سياستك مع هذه الدول أو سياستك الخارجية حتى لو كان هذا ما يطالب به بعض المعارضين لك.

هوجو تشافيز: لا توجد أية أسباب لتغييرها، قد أعمد إلى تغيير بعض العلاقات أو بعض الصيغ فقط عندما يوجد سبب وجيه ومنطقي لتغييرها، ونحن نصغي لأية انتقادات خصوصاً تأتي من الداخل، ولكن الذين ممكن أن يكونوا في هذه الحالة يشيرون إلى وجوب تغييراً أو قطع العلاقات مع كوبا لقد رأيت بنفسك ورأى العالم أنه عندما انطلقت بعض التيارات الفاشية الهائجة تهددون السفارة الكوبية انطلاقاً من توجهات سياسية معينة لم أر الأمر منطقياً أبداً، لأن جميع دول العالم تقيم علاقة مع كوبا، فأوروبا لديها استثمارات في كوبا، وكوبا هي من أكبر أسواق البحر الكاريبي، وهي من الأسواق الواعدة التي تنمو اقتصادياً وباستمرار، ومع أن لدينا علاقات تاريخية عميقة مع كوبا فأنا أسمع أفكاراً وانتقادات تدعو إلى تغيير هذه العلاقات، يجب على المنتقدين أن يقدموا أسباباً جوهرية وعميقة جداً لكي نغير مثل هذه العلاقات التي -كما قلت لك- تعتبر ضرورية لمصالح بلادنا، نحن مثلاً نبيع كوبا نفطاً مثلها مثل دول أخرى كثيرة من دول الكاريبي، وجنوب ووسط أميركا، لدينا مع كوبا اتفاقية للتعاون الزراعي في إطار منظمة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة، ولدينا مع كوبا اتفاقية للتعاون الصحي والخدمات الطبية، وقد سافر خلال العامين الماضيين أكثر من 1000 مواطن فنزويلي إلى هافانا لتلقي العلاج الطبي، إنه تعاون موجه من كوبا إلى فنزويلا ويخدم مصالح الطبقة الأكثر مقراً عندنا، وكوبا لا تتقاضى فلساً واحداً لقاء هذا التعاون رغم أن أطباءها أجروا عمليات جراحية وقاموا بعلاج بعض المرضى من نقطة الصفر وشخصوا أمراضاً وقدموا أدوية، كوبا لديها هنا مجموعة من الأطباء هنا في فنزويلا في إطار اتفاقية التعاون المذكورة وهم يعالجون المواطنين الأكثر فقراً من سكان الجبال والسهول البعيدة في الجنوب حيث لا يوجد أطباء، لدينا أيضاً اتفاقية تعاون في مجال..، وهناك مجموعة من الرياضيين الكوبيين يقيمون في فنزويلا ويعملون مع مدربين ويطورون الرياضة والنشاطات الشبابية، لدينا مجموعة من الطلبة الفنزويليين يدرسون في كوبا الطب والتدريب الرياضي واختصاصات كثيرة أخرى، فهل كل ما عرضته لك الآن يعتبر سلبياً؟ إن هذا إيجابي من أجل كوبا ومن أجل فنزويلا، بل أكثر من ذلك إنه جهد من أجل التكامل بين شعوب هذه القارة الأميركية اللاتينية وهذه المنطقة الكاريبية.

حافظ الميرازي: طالما أن هذه السياسة مستمرة، لماذا لا تقبلون الدعوة إلى استفتاء شعبي علي سياساتكم وعلى الحكم حتى تسكت هذه الأصوات المعارضة طالما أن لديكم الوعي الشعبي الواضح والقوي الذي أعادكم إلى الحكم؟

هوجو تشافيز: أعتقد أن المعارضة كانت تمر في حالة يأس وتفتقر إلى برنامج سياسي جدي، ومثال على ذلك تلك المحاولة الانقلابية البغيضة المدفوعة من قِبَل هذه المعارضة ومن قبل عناصر أخرى، ولذلك فإن التعامل مع طروحات هذه المعارضة من قبيل الاستفتاء المذكور سيكون تعاملاً مع طروحات يائسة وهي طروحات لن تقع في فخها، ونحن مقتنعون تماماً بالدعم الشعبي العارم ولو لم يكن الأمر كذلك لما رأيتني جالساً أمامك الآن، إن الشعب الفنزويلي يدعمنا ويدعم مشروعنا الرائد ليس بالصوت فقط بل بالروح أيضاً، ويدعم أيضاً رئيسه الشرعي الذي تم انتخابه عام 98 والذي تم تثبيت شرعيته مرة أخرى في عام 2000 وبدأ مشواراً حكومياً جديداً لم يبلغ عمره سوى سنة وسبعة أشهر، ولذلك وبالإضافة إلى وجهة النظر الدستورية التي تعتبر المرجع الأساسي لا يمكننا أن نجرى استفتاءً من أجل اتخاذ قرار حول استمرارية رئيس الجمهورية في منصبه يقول الدستور إنه فقط في حال انقضاء نصف الفترة التشريعية وهي ستة أعوام بقى عليها بالنسبة لنا أكثر من عام ونصف، عندها يمكن إجراء استفتاء لإقالة الرئيس من منصبه أو تثبيته فيه، جوابي الوحيد إلى المعارضة هو أن يتحلوا بالصبر وأن يعملوا ضمن مشروعهم وأن يستعيدوا زعامتهم المفقودة المهترئة وأن يقدموا طروحات لمشاريع جدية للشعب وألا ينجرفوا وراء روح المغامرة وليعلموا أن اليأس هو مستشار سيئ فيجب أن ينتظروا حتى سنة 2004. ففي عام 2004 يمكن أن تطرح إمكانية إجراء استفتاء لاستشارة الشعب حول ما إذا كان تشافيز يجب أن يستمر في منصبه في رئاسة الحكومة أم لا، هذا هو جوابي إلى المعارضة التي أوصيها بأن تكون جدية وأن تقدم مشاريع معقولة للشعب، إن مشروع الاستفتاء ليس مشروعاً جدياً، وليس مشروعاً قابلاً للتطبيق من وجهة النظر الدستورية.

تشافيز والفرق بين الإرهاب والمقاومة

حافظ الميرازي: سيادة الرئيس، الرئيس (بوش) قسَّم العالم إلى قسمين مَنْ معنا ومّنْ مع الإرهابيين منذ الحادي عشر من سبتمبر، وأنت كان لك انتقادات للحرب الأميركية في أفغانستان، أين ترى نفسك في هذا التقسيم الأميركي للعالم؟

هوجو تشافيز: لا، أنا لا أريد أن أوقع نفسي في هذا التقسيم الثنائي المبسط للعالم، لأن النظرة إلى العالم لا يمكن أن تكون ثنائية وهذا غير معقول، لأن الطبيعة تعلمنا أن العالم ليس هو الأبيض والأسود فقط، هناك ألوان كثيرة وهناك ألوان الطيف وألوان قوس قزح مثلاً بالنسبة لنا الأهم هو أن يكون لدينا موقف واضح أمام ضمائرنا وأمام العالم أيضاً، ومن المهم أن يعرف العالم ما هو موقفنا هل هو.. هل هو موقف لصالح السلام؟ موقف لصالح التفاهم بين الشعوب؟ أم هو موقف يتماشى مع موقف (البابا يوحنا بوليس الثاني) والتعاليم الإلهية والعقيدة المسيحية التي تقول: "أحبوا بعضكم بعضاً" إن موقفنا لصالح الحياة والسلام والمحبة بين الشعوب إنه ضد الحرب وضد الإرهاب وضد الموت ولصالح الحياة، إن هذا هو المهم بالنسبة لنا أن يكون موقفنا واضحاً لنا وللعالم.

حافظ الميرازي: كثير من الدول العربية تصر على أنه يجب أن يكون هناك تفرقة ما بين الإرهاب والمقاومة المسلحة من أجل التحرر كما هو الحال مع الفلسطينيين، هل ترى هذا الفارق أيضاً الذي لا تراه واشنطن -على سبيل المثال- أو إسرائيل وتخلط بين مقاومة الاحتلال وبين الإرهاب بالنسبة للمنظمات الفلسطينية؟

هوجو تشافيز: موقفنا أيضاً في هذه المسألة واضح جداً، لأننا نؤيد إقامة الدولة الفلسطينية ونحن نؤيد الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني والدولة الفلسطينية، ونحن أيضاً إلى جانب البحث عن طريق سلمي لحل هذه المشكلة التي أصبحت تاريخية، نحن نؤيد أن تقوم الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ببذل جهد يُتيح للاعبين المشاركين في هذه اللعبة وهذا النزاع وخصوصاً أولئك الذين لديهم أوراق ووزن كبير في هذا الصراع لكي يوقفوا أعمال العنف والحروب بين الشعوب العربية وإسرائيل، وكذلك أعمال الإرهاب والموت والتوتر بين هذه الشعوب التي تعتبر شعوباً شقيقة هذا ما نعتقده ونعتقد أنهم مخلوقات خلقها إلله الواحد، في هذه المسألة أيضاً نعتبر أن موقفنا متبلور وواضح جداً.

حافظ الميرازي: إذن أي مقاومة مسلحة تعتبر عنف بالنسبة لك أم هناك تفرقة أن المقاومة المسلحة مشروعة ضد الاحتلال؟

هوجو تشافيز: لا، ليست كل أشكال المقاومة العسكرية تعتبر إرهاباً، فأنا رجل عسكري ودرست منذ وقت طويل الاستراتيجية العسكرية والعقيدة العسكرية والتكتيك العسكري، وكعسكري ورجل سلاح أفهم بوضوح مدلول كلمة مقاومة مسلحة يقوم بها شعب، وما هي الأعمال العسكرية وما هي أعمال الإرهاب، نحن لا نستطيع أن نخلط بين الإرهاب والمقاومة العسكرية، في هذا الاتجاه يمكن القول أن العمل العسكري هو عمل من أعمال العنف، ورغم أني رجل عسكري أمضيت هذه الأعوام وكانت البندقية في يدي وعملت أعمالاً عسكرية وشاركت فيها، فقد أصبحت اليوم داعية سلام، وقلت أريد أن أضع السيف في غمده وأساعد على أن يتحقق ما يقوله الإنجيل من أنه يوماً ما سيصبح حديد السيف حديداً للمحراث يخدم في زراعة الأرض ويساهم في الحياة وليس في الموت.

حافظ الميرازي: بمناسبة الحديث عن إسرائيل بعض ما ورد في الإعلام من التحقيقات أن هناك كان تاجر سلاح إسرائيلي (إسحاق بيريز) من ضمن المتآمرين، هل هذا صحيح؟ هل أحد الذين تبحثون عنهم له علاقة بإسرائيل؟

هوجو تشافيز: لا، ليست لدينا هذه النظرة، كما أنه ليست لدينا أدلة عليها، وحتى لو توفرت لدينا فلن أستطيع أن أعلق سؤالك بسبب الاحترام المقدس الذي يجب أن أكنه للمؤسسات الدستورية والقانونية في بلادي، أنت تعلم جيداً أن هناك تحقيقاً جارياً، وليس من صلاحية السلطة التنفيذية أن تُدلي بتصريحات في هذا الشأن، نحن نشارك ببعض الأفكار ونقدم معلومات، فمثلاً بعض الأسلحة الحربية التي ظهرت في أشرطة الفيديو في الصور والمشاهد هي أسلحة لا تملكها القوات المسلحة الفنزويلية، لقد خرج حلف السيد (كرمونة) زعيم الانقلاب رجال وفتيان في أيديهم بنادق وأظنها قاذفات قنابل، أنا لم أشاهد أبداً ولم أتعامل مع أسلحة من هذا النوع في فنزويلا لقد صادرنا بعضها وقدمناها للتحقيق إلا أنه لا توجد لدينا حتى الآن أية أدلة ملموسة على المعلومات التي ذكرتها.

الجالية العربية في فنزويلا وضمانات الحقوق المدنية لها

حافظ الميرازي: سؤالي الأخير -سيادة الرئيس- عن الجالية العربية في فنزويلا عندكم حوالي أو أكثر من نصف مليون من أصل عربي مهاجرين أو من فنزويلا سواء خصوصاً في (مارجريتا)، في جزيرة (مارجريتا) هل طُلب منكم معلومات مخابرات عنهم في ظل حملة واشنطن لمكافحة الإرهاب؟ وما علاقة وضمانات الحقوق المدنية لهؤلاء العرب لديكم في فنزويلا؟

هوجو تشافيز: من واجبي أن أقول لك أن فنزويلا هي إحدى دول أميركا اللاتينية التي تضم جالية عربية ذات حيوية، جالية رائعة وشقيقة موزعة على طول وعرض بلادنا، لقد عرفت منذ طفولتي عرباً أتذكر السيد عدنان رضوان في قريتي في مسقط رأسي لقد كان خياطاً للملابس ويبيع بعض الحاجات وكان صديقاً حميماً لوالدي، أتذكر أيضاً الحملة الانتخابية وكيف اندفعت هذه الجالية العربية لتشارك في هذه العملية الانتخابية الديمقراطية، أتذكر كثيراً من الأشياء الإيجابية عن هذه الجالية النشيطة العاملة التي تضم أُناساً نبلاء لا يختلفون عنا، لأن العربي والأميركي اللاتيني لديهما جذور وموروث ثقافي ولغوي مشترك، وكثير من الإيمان بالله وبالعمل المشترك، لقد سعدت بمعرفة كثير من الشعوب العربية ومن بينها قطر، لن أنسى أبداً الأيام التي أمضيتها هناك وكرم الضيافة الذي لمسته عند الأمير حمد وعائلته وكذلك مع أشخاص يمثلون الشعب القطري، وفي السعودية أيضاً أمضيت عدة أيام، وفي إحدى الليالي شاركت البدو الرقص في الصحراء، وركبت الجمل، وسرت في الصحراء وسهرت عدة ليال في الصحراء، تعجبني الصحراء كثيراً وتعلمت أيضاً كيف أحب العروبة والثقافة العربية والعلوم العربية.

إننا نعبر عن هذا الحب للذين جاءوا إلى هنا لكي يشاركوننا حياتنا وجاءوا بعائلاتهم لكي يعيشوا إلى جانبنا وهذه الجالية العربية تتمتع بجميع الضمانات التي يوفرها دستورنا وتمنحها لهم قلوبنا. وإذا كانت بعض الجهات قد طلبت منا معلومات عن بعض الأشخاص أو عن بعض التحويلات المالية المصرفية وضمن التزاماتنا واتفاقياتنا الدولية وروح التعاون عندنا في الكفاح ضد الإرهاب فقد كنا نتعاون كما تفعل حكومات أخرى في العالم، ولكي أكون دقيقاً معك وإذا كنت تسأل عن وقائع محددة فحتى الآن نحن نحمد الرب أنه لا يوجد في فنزويلا أي شخص إرهابي أو عصابة إرهابية أو يتم التحضير لعمل إرهابي، ولحسن الحظ لم يكن لدينا أي شيء من ذلك وأنا أطلب من الرب.. أطلب من الله أن لا يكون لدينا شيء من ذلك، لهذا فإن لعرب فنزويلا كل محبتنا واحترامنا ومشاعرنا الأخوية ليس فقط لعرب فنزويلا بل لجميع العرب في العالم نعبر لهم عن محبتنا واحترامنا ومشاعرنا الأخوية التي ولدت في سياق الكفاح المشترك من أجل كرامة شعوبنا. السلام عليكم.

حافظ الميرازي: السلام عليكم. سيادة الرئيس هوجو شافيز (رئيس جمهورية فنزويلا) شكراً جزيلاً لك على هذه الفرصة (للجزيرة) شكراً جزيلاً. شكراً جزيلاً.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة