الغضب الأفغاني ضد القوات الأميركية   
الخميس 1427/5/5 هـ - الموافق 1/6/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:46 (مكة المكرمة)، 12:46 (غرينتش)

- ما وراء الاحتجاجات الشعبية في كابل
- موقف القوات الأجنبية والحكومة الأفغانية

محمد كريشان: السلام عليكم، نتوقف في هذه الحلقة عند أسباب وتداعيات الغضبة الشعبية التي عمت شوارع كابل والتي أطلق شرارتها حادث اصطدام آلية عسكرية أميركية بسيارة مدنية أفغانية ونطرح تساؤلين اثنين.. هل كانت غضبة كابل مجرد رد فعلا على حادث محدود أم تنفيسا عن احتقان طويل؟ وكيف ستنعكس هذه التطورات على وجود القوات الأجنبية والحكومة في أفغانستان؟ بصورة درامية تطورت الأحداث في العاصمة الأفغانية كابل، البداية كانت بحادث مروري صدمت خلاله آلية أميركية سيارة مدنية أفغانية فقتلت ثلاثة أشخاص حسب الشهود وشخصا واحدا حسب المصادر الأميركية، تجمع مواطنون غاضبون ورشقوا القوات الأميركية بالحجارة فردت عليهم بإطلاق النار لتقتل وتجرح العشرات، توسعت الاحتجاجات واقتحم المتظاهرون مبنى البرلمان، السفارة الأميركية اضطرت لإجلاء جميع العاملين فيها بعد أن تجمع المتظاهرون الغاضبون خارجها أما الرئيس الأفغاني فدعا للهدوء ووصف المتظاهرين بأنهم أعداء أفغانستان، أعلنت الحكومة حظر التجوال في العاصمة كابل لمدة ستة ساعات اعتبارا من الساعة العاشرة مساء، هكذا إذاً توالت الأحداث، فهل جاء تطورها منطقيا أم أن المزاج السياسي العام في كابل لم يكن ينتظر سوى شرارة؟

ما وراء الاحتجاجات الشعبية في كابل

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: بالرصاص الحي ردت القوات الأميركية على حشود مدنية أفغانية تظاهرت احتجاجا على مقتل أربعة أفغان على يدي جنود أميركيين، الحدث أبعد ما يكون عن الصورة الوردية التي رسمتها الوعود الأطلسية بقيادة أميركا بدء من إسقاط طالبان سنة 2001، قتلى وجرحى بالعشرات في أسبوع هو من بين الأسوأ أمنيا في السنوات الأخيرة، تزامن مع عودة لطالبان التي طفت وبقوة على الساحة في حرب كر وفر مستفيدة من تململ شعبي لم تعد تخطئه العين، دفع ذلك الرئيس حامد كرزاي لدعوة القوات الأجنبية للبقاء طويلا في البلاد، تلك القوات التي طلبت بدورها تعزيزات كبيرة علها تعيد الهدوء إلى نصابه، دخول الجماهير على خط الأحداث الساخنة تفسره عوامل عديدة تتجاوز أحيانا التعليل السياسي فالأفغان خاصة من سكان الأرياف اقتنصتهم فيما يبدو مشاعر الإحباط والتهميش في أفغانستان الجديدة ورغم ما تباهي به الإدارة الأميركية من أن حكومة كرزاي نجحت في إصدار عملة جديدة ومن أنها نجحت في السيطرة على التضخم الاقتصادي بفضل إصلاحات إدارية ومالية واسعة فإن ذلك لم ينقذ أفغانستان بعد من براثن الفقر والمخدرات، إذ تبدو طريق خطة الاتفاق التي اعتمدتها أكثر من ستين دولة مانحة في مؤتمر لندن الذي عقد في يناير من السنة الجارية.. تبدو طريقها وعرة بسبب تغلغل تجارة السموم البيضاء في بلاد الأفغان، تشير أرقام موثوقة إلى أن أفغانستان تكاد تتحول إلى دولة مخدرات وذلك بإجمالي إنتاج وصل إلى أربعة آلاف وخمسمائة طن، أفغانستان التي تعد مصدرا لـ 90% من استهلاك الهيروين في العالم يعتبر إنتاج المخدرات فيها أوسع نطاقا من إجمالي النشاط الاقتصادي المشروع، الحرب على المخدرات حرب شرسة يلوح الانتصار فيها بعيدا في تركيز حكومة كرزاي على الحل الأسهل وهو التشديد على المزارعين المضطرين عوض المهربين، أولئك المزارعون الذين لم يصلهم فيما يبدو من الدعم والإدماج ما يقنعهم بالعدول عن زراعة المخدرات وكذلك لم يعجبهم في نفس الآن أن تقصف القوات الأميركية قراهم كلما تعقبت فلولا لطالبان والنتيجة جاءت مزيدا من الامتعاض الذي استوى وانفجر في وجه قوات دخلت البلاد ذات يوم دخول الفاتحين المحررين.

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من واشنطن الدكتور عمرو حمزاوي كبير الباحثين في معهد كارنيغي للسلام العالمي ومن إسلام أباد الكاتب المتابع لتطورات الأوضاع في أفغانستان علي مهر وهنا في الأستوديو الكاتب الصحفي الأفغاني مطيع الله تائب، أهلا بضيوفنا جميعا، سيد مطيع الله تائب هل يمكن الحديث عن بداية انتفاضة في أفغانستان؟

مطيع الله تائب - كاتب صحفي أفغاني: حتى نضع الأمور في سياقها الطبيعي في أفغانستان لابد أن نسمي الأشياء بمسمياتها الصحيحة، برأيي أنها قد لا تكون انتفاضة لكنها رسالة واضحة جدا من الشارع الأفغاني الذي بدأ يفقد ثقته بأداء الحكومة..

محمد كريشان [مقاطعاً]: رسالة لمن؟

مطيع الله تائب: لحكومة كرزاي وللمجتمع الدولي الذي أخذ على عاتقه كثير من الوعود منذ عام 2001 بإعادة الأمن والاستقرار والرفاهية إلى هذا البلد، فمنذ أربع سنوات ونصف مازال الطريق أمام هذه الوعود طويلا فبرأيي أن هذه هي تمثل حالة من التململ وحالة من اليأس الذي تحتاج إلى أي شرارة وقد تأخذ أشكال مختلفة في التعبير عنها في الشارع الأفغاني.

محمد كريشان: حتى لا يتهم أي كان أي مراقب بالمبالغة.. هذا حادث مرور، أي حادث مرور بها الطريقة التي تم بها كان يمكن أن يثير ردود فعل من هذا القبيل، لماذا لا ننظر إلى الحادث على إنه فقط حادث اجتماعي في سياق محدد يمكن أن يحصل في أي عاصمة في العالم؟

مطيع الله تائب: هو حدث مرور ممكن من وجهة نظر إذا نقول موضوعية، لكن لما نضع هذا الحادث المروري البسيط حتى في مسلسل الأحداث اللي تشهدها أفغانستان حاليا من انفلات أمني، من أحيانا قصف الأماكن السكنية مثل ما حدث في الجنوب من القوات الأميركية ومن حالة اليأس فالحادث البسيط تتحول إلى شرارة، إلى غضبة شعبية، إلى حالة من الفوضى.

محمد كريشان: الدكتور عمرو حمزاوي في واشنطن إذا كانت هذه الأحداث رسالة للمجتمع الدولي كما قال سيد مطيع الله تائب.. كيف ترى جرى التقاطها من قبل المسؤولين والمراقبين الأميركيين؟

عمرو حمزاوي - كبير الباحثين بمعهد كارنيغي للسلام العالمي: الحقيقة سياق الأحداث في أفغانستان يرتبط ارتباط وثيق بأخبار نشرت اليوم وبالأمس في الصحافة الأميركية عن تورط القوات الأميركية في مذبحة في مدينة في غرب العراق وأنتم تعلموا تفاصيلها بالتأكيد، واقع الأمر هناك نقاشات طويلة ومقالات في الصحافة الأميركية اليوم عن مدى التزام القوات الأميركية بقواعد حماية المدنيين وحقوق الإنسان وما إلى ذلك.. فهذا هو السياق الأول، السياق الثاني بالتأكيد هو الدور الأميركي ومستقبله في أفغانستان، نحن أمام حالة أخرى مثل العراق لم تنجح القوات الأميركية والإدارة الأميركية في تحقيق أهدافها المعلنة، الاستقرار، الرفاهية، معالجة الانفلات الأمني، كل هذه الأهداف الرئيسية ما زالت غائبة عن أفغانستان رغم مرور فترة زمنية أطول من العراق وبالتالي نحن أمام بالتأكيد نقاش جديد حول مستقبل الدور الأميركي هناك.

محمد كريشان: ولكن ألا يثير التساؤل في واشنطن أن تقع هذه الأحداث في العاصمة التي يفترض أنها هي الأكثر أمنا والأكثر الاستقرار والتي تستمتع بين قوسين بالحد الأدنى من الخدمات التي أصبحت متوفرة بعد دخول القوات الدولية؟

"
الخدمات متدنية للغاية في أفغانستان فمن المنطقي أن تثور جماعات من الأفغان إزاء حكومة وإدارة دولية لم تف بما وعدت به
"
  عمرو حمزاوي

عمرو حمزاوي: نعم أستاذ محمد أنا أعتقد الحديث عن حد أدنى من الخدمات في العاصمة ربما كان به قدر من المبالغة، قبل أن آتي لكم نظرت إلى عدد من البيانات الدولية عن الخدمات ومستواها في أفغانستان حتى في العاصمة وهي الوحيدة التي نعلم عنها أي شيء.. الباقي بمثابة صندوق أسود، هذه الخدمات متدنية للغاية، من المنطقي أن تثور جماعات من الشعب الأفغاني من سكان العاصمة إزاء حكومة وإزاء إدارة دولية لم تف بما وعدت به، الأمر الثاني في واشنطن الولايات المتحدة الأميركية تعلم تماما أنه حتى في داخل أفغانستان نظام وحكومة الرئيس كرزاي هي حكومة غير مستقرة، نحن أمام عملية سياسية غاية في الهشاشة.. مرة أخرى إذا ما قورنت بالعراق هي أسوأ بكثير وبالتالي التساؤل حول لماذا ربما لن يكون في المقدمة ولكن بالأساس عن ما هو الحل؟ يعني كيف يمكن التعامل مع هذا الوضع المنفجر؟

محمد كريشان: نعم سيد علي مهر في إسلام أباد، إذا أوجزنا أسباب الغضب الشعبي في اعتبارات سياسية مثلما ذكرها الآن الدكتور حمزاوي في واشنطن أو إلى اعتبارات اقتصادية تتعلق بمستوى المعيشة والحاجات الأساسية، أي الاحتمالات أو العوامل تجعلها أكثر رجاحة؟

علي مهر- كاتب ومحلل سياسي: المطلعون على الأوضاع للانتفاضات والمقاومات في أفغانستان يعرفون أن عادة دور العاصمة كابل تأتي في نهاية المطاف، فمثل هذه المظاهر من الغضب الشعبي والانتفاضات شهدتها مختلف أنحاء أفغانستان منذ سنتين ماضيين من قندهار إلى غزني إلى هيلمند وإلى هرات وهذا الغضب الشعبي الآن دخل أيضا في العاصمة الأفغانية كابل نفسها ولا يمكن للمحلل أن يقول إن هناك حادث سير ينفجر بهذا الشكل بل هناك أسباب اجتماعية وأسباب معيشية يمكن أن نقول هي وراء هذا الحادث كعامل أساسي، فالقوات الأميركية أو نقول قوات أو جهات الاحتلال الأميركية والغربية ليست فقط فشلت عسكريا بل أيضا فشلت سياسيا واجتماعيا أيضا.. أولا أنهم وعدوا بإعادة إعمار أفغانستان فلا توجد أي آثار لإعادة إعمار في جميع أفغانستان بما فيها كابل إلا فتح وإنشاء بعض مراكز الخمور والدعارة، كما أن عامة الشعب الأفغاني إلى الآن ينتظر الدعم والمساعدة المالية من الخارج وأن المانحين من الدول المانحة والمؤسسات لم تف بوعودها منذ أربعة سنوات ماضية رغم أن الإدارة الأفغانية هي أساسا تحت سيطرة وإشراف الأميركيين، فكل هذه الأسباب هي أصلا وراء هذه الهجوم وليس فقط المسألة هي مسألة كابل.

محمد كريشان: نعم، مع الأخذ بعين الاعتبار العناصر التي ذكرتها لماذا لا نأخذ أيضا بعين الاعتبار ما قاله الرئيس كرزاي من أن هناك كما قال محرضين وانتهازيين هم الذين يقفون وراء هذه الأعمال؟ كيف يمكن أن تكون الصورة واضحة في ضوء هذه الاتهامات؟

علي مهر: المحللون يعرفون أن الهدف الأول.. قد يكون الهدف الأول لرد فعل أميركي لما يحدث في أفغانستان هو شخصية حامد كرزاي نفسه لأنه هو الذي يعتبر فاشلا في إدارة وسيطرة الأمور وحامد كرزاي لا يوجد لديه أي مبرر سوى أن يتهم أحيانا باكستان وأحيانا المحرضين من التحالف الشمالي أو من طالبان أو من جهات أخرى، لكن الأمر الحقيقي أن حامد كرزاي شخص لا نفوذ له في أية منطقة في أفغانستان وهذا هو الخطأ الأميركي أنهم اختاروا شخص لا نفوذ له في أي طبقة من طبقات الشعب الأفغاني.

محمد كريشان: سيد مطيع الله تائب إذا نظرنا مثلا ما صرح به الرئيس الأفغاني السابق برهان الدين رباني قبل زهاء الشهرين عندما دعا المجاهدين إلى الاستعداد إلى مرحلة صعبة في المستقبل وربما العودة إلى القتال، عندما نرى الموقف الأخير لقلب الدين حكمتيار واستعداده خوض غمار أي تجربة عسكرية جديدة تحت لواء القاعدة.. ألا يمكن أن نعتبر أن كانت هناك أجواء تحريضية وتعبوية سبقت هذه الأحداث وجعلتها ربما بهذا الشكل؟

مطيع الله تائب: يعني من الصعب أن نربط هذه التصريحات بما حدث وبما يحدث من الانفلات الأمني وبما حدث اليوم من غضبة شعبية، لكن لابد من معرفة مسارات الأحداث في داخل نظام الحكم الأفغاني بما فيه الحكومة، المعارضة، المؤسسات، فنجد أن هناك نوع من التجاذب ونوع من التنافس ونوع من الإقصاءات بطريقة.. بطرق دبلوماسية وحتى مهذبة ونوع من الصراع الخفي.. هذا لا أحد ينكره، الذي يعرف تشكيلة الحكومة في أفغانستان واتفاقات بون وما وصل إليه الحال إلى الآن فالصراعات موجودة ولكن من الصعب أن نربط ما حدث اليوم بهذه التصريحات، لكن بالنسبة لي أهم شيء هو حالة الغضب وحالة عدم الثقة واليأس الموجود لدي المواطن الأفغاني العادي.

محمد كريشان: مع ذلك يستمر التساؤل هل ستمر أحداث كابل التي تابعنا تطوراتها.. هل ستمر مرور الكرام أم أنها ستترك آثارها سواء على مستقبل القوات الأجنبية أو الحكومة الأفغانية؟ نتابع الموضوع بعد وقفة قصيرة فابقوا معنا.


[فاصل إعلاني]

موقف القوات الأجنبية والحكومة الأفغانية

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد وحلقتنا هذه تبحث خلفيات أحداث كابل والتداعيات المحتملة لهذه الأحداث، ضيفنا في واشنطن دكتور عمرو حمزاوي.. هل يمكن القول أيضا إن معركة القلوب والعقول أيضا في أفغانستان معركة متعثرة بالنسبة للقوات الدولية والأميركية ربما تحديدا؟

عمرو حمزاوي: نعم، أستاذ محمد سؤالك في محله، أنا أعتقد بالفعل القوات الأميركية والقوات الدولية فشلت بحكم فشل الإدارة الدولية وبحكم فشل الحكومة الأفغانية كما عالجنا في الجزء الأول في أن تفي بما وعدت به، القضية الثانية وهي أهم وعلينا هنا أن ننظر بعين الاعتبار إلى التصريحات الأميركية وإلى تصريحات رئيس الحكومة الأفغانية.. حينما تتحدث وزارة الدفاع الأميركية عن حادث عرضي أو حينما يتحدث رئيس الحكومة الأفغانية ويقول إن هؤلاء هم بمثابة مجموعة من المغرضين ومن أعداء أفغانستان، نحن هنا أمام مرة أخرى واقع الأمر يعني إن انتقلنا من سياق أفغانستان إلى أي سياق آخر تجد نفسك أمام إدارة سلطوية غير ديمقراطية لشؤون مجتمع سواء أتت هذه التصريحات من الجانب الأميركي أو من الجانب الأفغاني هي تدل ببساطة شديدة على عدم احترام لمنطق العملية الديمقراطية التي ادعى كرزاي وتدعى القوات الدولية أنها موجودة في أفغانستان لتدعيمها ولمأسستها، النقطة الثالثة وأنا أعتقد أيضا هي غاية في الأهمية.. الولايات المتحدة الأميركية تخسر المزيد من المصداقية، نحن أمام عقبات شديدة وأزمات شديدة للولايات المتحدة الأميركية في العراق كما يقول الحديث عن مجزرة أو مذبحة غرب العراق مازال في أوجه ونحن اليوم أمام قوات أميركية تفتح النار على متظاهرين مدنيين ولا ترتدع رغم أنها قتلت عدد كبير منهم، إذاً المصداقية.. مصداقية إدارة مجتمع.. شؤون مجتمع ما من أجل الديمقراطية أصبح عليها علامات استفهام كثيرة.

محمد كريشان: مع ذلك دكتور عمرو القوات الدولية قالت إنها ستفتح تحقيق وستدفع تعويضات لمن يتم التأكد من أنه فعلا راح ضحية هذه الأحداث، هذه الإجراءات ألا يمكن أن تمتص بعض الغضب؟

عمرو حمزاوي: لا.. لا أعتقد يا أستاذ محمد، حينما تقوم قوات دولية.. مرة أخرى علينا أن نتذكر الخطاب المعلن.. الخطاب المعلن من جانب الولايات المتحدة والعواصم الغربية الأخرى، أنت هناك من أجل بناء الدولة، أنت هناك من أجل نشر الديمقراطية، من أجل دعم تحول ديمقراطي في مجتمع عانى كثير من حكومات سلطوية وتذهب أنت وقواتك وتعيد ذات الممارسات غير الديمقراطية السلطوية التي لا تحترم حقوق الإنسان ولا حق الإنسان في التظاهر يحترم، حديث عن تعويضات لن يخفف من الغضبة الشعبية، لن يخفف من حالة الامتعاض الموجودة بوضوح في العاصمة الأفغانية خلال الساعات القليلة الماضية.. مرة أخرى العلاج الوحيد سيكون علاج طويل المدى، هو يرتبط بمستقبل العملية السياسية وبمصداقيتها، القوات الدولية خسرت الكثير بهذه الحالة وخسرت الكثير في الأيام الماضية والأشهر الماضية بحكم عدم الالتزام بالمعلن من أهداف.

محمد كريشان: هذا ما خسرته القوات الدولية، ماذا عن الذي خسره كرزاي؟ نسأل سيد علي مهر خاصة وأن كابل كانت دائما تصور على أنها البقعة الآمنة والمستقرة، إذا اهتزت ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لحكومة الرئيس كرزاي؟

علي مهر: المطلعون على الأحداث في تاريخ المقاومات في أفغانستان يعرفون أن كابل هي دائما آمنة، لكن آخر الانتفاضة أو آخر مرحلة من الانتفاضة والمقاومة تصل إلى كابل وإلا في بقية المراحل الأولى دائما كابل آمنة مثل ما حدث في مواجهة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، فلا نستطيع أن نقول كابل آمنة لأن دور كابل دائما يأتي في نهاية المطاف.

محمد كريشان: بالطبع هناك متربصون بحكومة الرئيس كرزاي من بين الفرقاء الأفغان، هل تعتقد بأن هذه الأحداث ستشكل بالنسبة لهم سببا إضافيا يمكن استعماله كذخيرة ضد حكومة الرئيس كرزاي؟

"
البعد السياسي للأحداث في أفغانستان قد يكون في البداية تغيير الإدارة بكابل لأن الأحداث أظهرت الفشل الكامل للإدارة الحالية وعلى رأسها حامد كرزاي
"
       علي مهر

علي مهر: البعد السياسي لمثل هذه الأحداث قد يكون في البداية تغيير الإدارة في كابل لأن الأحداث أظهرت الفشل الكامل للإدارة الحالية وعلى رأسها حامد كرزاي نفسه، كما أن القوات الأميركية والساسة الأميركيون لابد أن يفكروا تغيير إدارة.. تغيير السياسية في إدارة كابل أو التحكم على الأجهزة في كابل وهذا لابد من أن الأميركيون يبحثون عن قوة مساعدة أخرى غير كرزاي وقد تكون ذلك التحالف الشمالي المعارض والمعادي التقليدي لحركة طالبان.

محمد كريشان: سيد مطيع الله تائب ما رأيك في مثل هذا الاحتمال بين تحالف الشمال وبديل آخر ربما عن كرزاي؟ هل وصلنا فعلا إلى هذه المرحلة؟

مطيع الله تائب: أنا لا أتفق مع السيد علي مهر في هذه النظرة بأن الأحداث قد تتسارع إلى هذه الدرجة بأن تقوم الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي بمثل هذه التغيرات المتسرعة، لكن لا شك أنها تحدث نوع من.. أو توجد أرضية جديدة للحوار بينها ونوع من المقايضات السياسية بين هذه القوات التي فعلا تشكل.. وعندها شعبية، عندها أرض وعندها خبرة أيضا قتالية في أن تأخذ حصة أكبر مما لديها الآن وفي مقابل بعض ما تقوم به من أدوار جديدة في المرحلة المقبلة، هذه الحادثة وحوادث أخرى وقد رأينا تغيرات أساسية في سياسية القوات الدولية مثلا إنشاء المليشيات المحلية كانت خطوة خطيرة جدا وتقريبا ستقول يعني القوات الدولية والخطة الدولية تقريبا تراجعت أو إلى الخطط القديمة.. كانت تجمع الأسلحة من المسلحين فبدأت توزعها، فيما يبدو أن هناك إعادة نظر في هذه السياسات وقد تشكل هذه أرضية جديدة كما قلت لمقايضات سياسية في العاصمة كابل.

محمد كريشان: سيد عمرو حمزاوي في نهاية هذه الحلقة هل ما جرى سيجعل واشنطن تعيد ترتيب حساباتها في أفغانستان؟

عمرو حمزاوي: إعادة ترتيب الحسابات في أفغانستان لن تتم قبل أن تنتهي فترة الإدارة الحالية، واشنطن تدرك أن أفغانستان في طريقها إلى أن تتحول إلى صومال أخرى، تتفكك الدولة، تتفكك مؤسسات المجتمع، الحديث عن أفغانستان باعتبارها دولة مخدرات، عن حكومة لا تسيطر سوى على أميال بسيطة من الأراضي الأفغانية، أفغانستان في طريقها إلى صومال ثانية، الإدارة لن تراجع موقفها بوضوح حتى تنتهي فترة حكمها، الإدارة القادمة هي التي ستقوم بهذه العملية، ربما سيكون الوقت.. سيتأخر كثيرا، ربما انتقلنا إلى مرة أخرى تجربة أميركية تشبه الصومال بانسحاب سريع وتترك أفغانستان كما تركت الصومال ونعلم ما الذي يحدث في الصومال من يومها، أنا أعتقد مرة أخرى التحدي الأكبر هو أمام الشعب الأفغاني، أمام قوى المجتمع الأفغاني، الحكومة الأفغانية هي حكومة بالفعل عاجزة وفاشلة، البحث عن بدائل سياسية ومشروعة.. أنا أتفق مع الزميل من باكستان ولكن كيف يتم هذا البحث وبأي طريقة وبأي صياغة في خلال عملية سياسة تدمج أطراف هي مازالت بعيدة؟ هذا هو التحدي الرئيسي.

محمد كريشان: شكرا لك دكتور عمرو حمزاوي كبير الباحثين في معهد كارنيغي للسلام العالمي.. حدثنا من واشنطن، شكرا أيضا لضيفنا هنا في الأستديو الكاتب الصحفي مطيع الله تائب وأيضا لضيفنا من إسلام أباد علي مهر وهو كاتب متابع للشؤون الأفغانية، بهذا نصل إلى نهاية الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، كالعادة نذكركم بإمكانية تقديم مقترحاتكم إلى هذا البرنامج عبر إرسالها على العنوان الإليكتروني indepth@aljazeera.net، غدا بإذن الله قراءة جديدة فيما وراء خبر جديد، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة