زيارة الرئيس المصري إلى السودان   
الأربعاء 1429/11/15 هـ - الموافق 12/11/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:01 (مكة المكرمة)، 12:01 (غرينتش)

- أسباب الزيارة وأهميتها للطرفين
- حدود الدور المصري في السودان

خديجة بن قنة
الطيب زين العابدين
هاني رسلان
خديجة بن قنة:
مشاهدينا أهلا وسهلا بكم. نحاول في هذه الحلقة التعرف على ما وراء زيارة الرئيس المصري حسني مبارك إلى السودان حيث بحث مع قادة الخرطوم والجنوب عدة ملفات أهمها أزمة دارفور ووحدة السودان، وسط تقديرات بأن هواجس القاهرة تجاه هذه القضايا باتت تتعاظم في ضوء تطورات دارفور وقرب استحقاقات اتفاق نيفاشا بشأن مصير الجنوب. وفي حلقتنا محوران اثنان، ما هي الأجندة التي حملها الرئيس مبارك إلى الخرطوم وجوبا، وما هي هواجس القاهرة تجاه مشكلة السودان؟ وما مصير الدور المصري في السودان في ضوء أزمة دارفور ومخاطر انفصال جنوب السودان؟... في حديثه للصحفيين لم يخف الرئيس مبارك الحيز الذي شغلته أزمة دارفور في مباحثاته مع الرئيس السوداني عمر البشير، تلك القضية التي ما زالت تتفاعل يوما بعد يوم وتسجل منعطفات جديدة من حين لآخر لا سيما بعد دخول محكمة الجنايات الدولية على خط الأزمة وهو ما زاد المسألة تعقيدا وأيقظ مخاوف مصر من تبعاتها.

[شريط مسجل]

حسني مبارك/ الرئيس المصري: تكلمنا على قضية دارفور وبحثناها بحثا مطولا، اتكلمنا عن الموقف العام في القضية الفلسطينية والعالم العربي وبرضه خرج كلام كبير. في مشكلة دارفور نحن منتكلم مع الرئيس هي مشكلة فيها نوع من التعقيدات لكن نحن منحاول والرئيس بيحاول..

[نهاية الشريط المسجل]

خديجة بن قنة: وفي موازاة دارفور شغلت قضية جنوب السودان في أجندة مبارك شغلت حيزا مماثلا أو ربما أكبر، فبعدما بحثها مع البشير طار إلى جوبا مقر حكومة الجنوب، حيث التقى قادتها مسجلا أول زيارة لرئيس مصري منذ خمسة عقود إلى هذه المنطقة التي قد تجد مصر نفسها مضطرة للتعامل معها دولة مستقلة إذا ما قررت الانفصال عن السودان عام 2011.

[شريط مسجل]

حسني مبارك/ الرئيس المصري: تكلمنا على العلاقة مع الجنوب، أنا رايح الجنوب النهارده، برضه العلاقات طيبة جدا، في تعاون والرئيس البشير يعي كويس جدا وحدة أراضي السودان ومساعدة الجنوب.

[نهاية الشريط المسجل]

أسباب الزيارة وأهميتها للطرفين

خديجة بن قنة: ومعنا في هذه الحلقة من الخرطوم الطيب زين العابدين أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، ومن القاهرة هاني رسلان الباحث في الشؤون الأفريقية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أهلا بكما. أبدأ معك في الخرطوم الطيب زين العابدين، كيف تنظرون إلى هذه الزيارة التي يقوم بها الرئيس المصري إلى السودان، ما أهميتها بنظركم؟

الطيب زين العابدين: كانت الزيارة مفاجأة للكثيرين حتى المراقبين للساحة السياسية السودانية، وأيضا تُكتم عليها إعلاميا إلى حد كبير لذلك المفاجأة كانت أكبر. لكن كل السودانيين يرحبون بأن يكون لمصر دور أكبر في المشاكل الآنية التي يعاني منها السودان وخاصة مشكلة دارفور وأيضا مشكلة الوحدة بين الشمال والجنوب، لمدة افتقدنا الدور العربي عموما والدور المصري خاصة لكن نلاحظ أنه في الآونة الأخيرة هناك يعني مؤشرات إيجابية من تدخل الحكومة المصرية في الأزمات التي يمر بها السودان.

خديجة بن قنة: طيب أستاذ هاني رسلان، يعني مستقبل جنوب السودان أحد المحاور المهمة والمواضيع المهمة في هذه الزيارة، هل فجأة هكذا اكتشفت القاهرة أهمية مستقبل جنوب السودان؟ أليس هذا الاهتمام متأخرا شيئا ما برأيك؟

مصر تعي تماما أهمية جنوب السودان وكان لها موقف ثابت وواضح من قضية الحفاظ على وحدة السودان ولم تكن متحمسة لتوقيع حق اتفاق تقرير المصير ولكنها قبلت بالأمر الواقع طالما أن كل الفرقاء في السودان قد ارتضوه
هاني رسلان:
في الحقيقة هذا الانطباع غير صحيح، مصر تعي تماما أهمية جنوب السودان وكان لها موقف ثابت وواضح وراسخ من قضية الحفاظ على وحدة السودان ولم تكن متحمسة على الإطلاق لتوقيع حق اتفاق تقرير المصير ولكنها قبلت بالأمر الواقع طالما كل الفرقاء في السودان الشقيق قد ارتضوا هذا الأمر، ومن ثم تحولت مصر إلى إستراتيجية أخرى تقول بالعمل بكل جهد ممكن لدعم وحدة السودان والحفاظ على استقراره وسلامة أراضيه ومصر لها علاقات وثيقة وممتدة مع حكومة جنوب السودان، هي تعطي ثلاثمائة منحة تعليمية مجانا كل عام للطلاب الجنوبيين، ستفتتح فرعا لجامعة الإسكندرية في جوبا، هناك بعثة طبية مصرية موجودة في جوبا، هناك مزرعة إرشادية مع وزارة الزراعة، هناك تعاون مع الفضائية السودانية على القمر الصناعي المصري وتدريب للكوادر ولوكالة الأنباء وغير ذلك. فإذاً مصر تعطي دعما هائلا لحكومة جنوب السودان، وأريد أن أضيف أيضا أن الحكومة المصرية قد قامت بإنارة أربع مدن في جنوب السودان على نفقة مصر، فبالتالي الزيارة الحالية هي تتويج لهذه العلاقة التعاونية الوثيقة وإسهام من مصر في إعمار جنوب السودان وجعل الوحدة بين الطرفين جاذبة حينما يأتي حق تقرير المصير في عام 2011.

خديجة بن قنة: طيب مصر حريصة بالتأكيد على وحدة السودان لكن هناك مزاج عام في جنوب السودان يجنح إلى الانفصال وتحدث عنه صراحة باغان أموم، هل هذا يشكل خلفية لهذه الزيارة؟ هل هذا ما يحرك هذه الزيارة برأيك؟

هاني رسلان: في الحقيقة فكرة وجود مزاج انفصالي في جنوب السودان هذه صحيحة نسبيا لكن ليست بالطريقة التي تظهر بها في الإعلام خاصة أن جنوب السودان ليس كتلة واحدة أو كتلة صماء، هناك فسيفساء وتعدد هائل وطيف واسع من القبائل التي لها لغات وأديان وثقافات وأيضا علاقات صراعية وعلاقات تعاونية مع بعضها البعض، ومسألة البقاء في الوحدة والانفصال لا تتوقف على العامل الواحد فقط ولكن لها مجموعة من العوامل منها الموقف الدولي والأميركي بشكل خاص منها قدرة الحكومة الحالية على التحول إلى حزب سياسي والنجاح في التنمية منها قدرة هذه الحكومة أيضا على الحفاظ على الجنوب ككل متماسك واحتواء الصراعات أو التوترات القبلية الموجودة في الجنوب وهي توترات تاريخية وليست حديثة أو وليدة اللحظة، وبالتالي من المبكر الآن التنبؤ بمستقبل هذه القضية. ولكن مصر تعتمد إستراتيجية واضحة المعالم ومحددة ومبنية على أسس طويلة المدى ومن ثم هي تبذل جهدا متواصلا وإن لم يكن يظهر للإعلام كثيرا لأن مصر تركز في الحقيقة على تحقيق الأهداف الإستراتيجية بغض النظر عن الجانب الدعائي أو الجانب الإعلامي الذي قد تحرص عليه أطراف أخرى.

خديجة بن قنة: الطيب زين العابدين، أيضا في نفس هذه النقطة هل ترى أن أحد محركات هذه الزيارة هو مستقبل جنوب السودان وهذا المزاج العام نحو الانفصال لدى سكان الجنوب؟

الطيب زين العابدين: أظن أن السبب الرئيسي من الزيارة ليس هو جنوب السودان إنما هو ملف أزمة دارفور خاصة وأن الرئيس مبارك جاء من زيارة قريبة في فرنسا، وفرنسا تتولى الآن رئاسة الاتحاد الأوروبي ويهمها أن تحاول معالجة مشكلة دارفور في زمن رئاستها وسبق أن وضعت بعض الشروط للحكومة السودانية حتى تتعاون في القضايا الأخرى ومنها قضية المحكمة الجنائية الدولية، فمع هذا الملف المهم أظن الحكومة المصرية والرئيس حسني مبارك رأى أن أيضا أن يعمل مؤشرا قويا لامتداد العلاقات مع جنوب السودان، وما قاله الأستاذ هاني رسلان صحيح أن الحكومة المصرية في السنوات القليلة السابقة ساهمت في تنمية الجنوب وفي تركيب محطات كهرباء وفي إنشاء علاقات وبرنامج لتطور هذه العلاقات في المستقبل، في نفس الوقت أظن أن الأمر الذي أغرى بهذه الزيارة أن الاتجاه الانفصالي بدأ ينحسر بين القادة السياسيين في جنوب السودان فإذاً مثل هذه الزيارة قد تفيد التيار الوحدوي وتقوي العلاقات مع الشمال.

خديجة بن قنة: سنتحدث عن مصير الدور المصري في السودان في ضوء أزمة دارفور ومخاطر انفصال جنوب السودان ولكن بعد وقفة قصيرة فلا تذهبوا بعيدا.

[فاصل إعلاني]

حدود الدور المصري في السودان

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم من جديد، بين مصر والسودان صلات حيوية تبدأ بالتاريخ ولا تنتهي بجغرافيا متلاصقة تسري فيها مياه النيل، مياه طالما جمعت مصالح البلدين برباط وثيق لتجعل من أمنهما القومي هاجسا لم يغب عن القاهرة يوما، وإن أخذ عليها منتقدوها البطء في مواجهة أزمات تهدد مصالح البلدين على حد سواء.

[تقرير مسجل]

نبيل  الريحاني: على الخارطة تبدو هذه الساحة بعيدة نسبيا عن القاهرة لكنها بحسابات السياسة قريبة من المصالح الحيوية المصرية تؤثر فيها وتتأثر بها، هذا هو جنوب السودان حيث تكافح اتفاقات السلام لجلب الاستقرار إلى أرض عرفت أطول الحروب الأهلية في أفريقيا، وهؤلاء مقاتلون من الجيش الشعبي لتحرير السودان الذي وقّع قادته اتفاق نيفاشا مع الخرطوم، اتفاق أعادهم إلى الساحة السياسية من الباب العريض دون أن يضعوا البندقية جانبا. تراقب مصر عن كثب سودان ما بعد توقيع اتفاق نيفاشا الذي تقاسم فيه البشير وسيلفاكير السلطة في مرحلة انتقالية ستتوج بأحد قرارين تاريخيين إما بقاء الجنوب ضمن السودان الكبير أو الانفصال عنه، وهي تدرك أن تداعيات هذا المنعرج تنعكس عليها بطريقة أو بأخرى ليس فقط بالمقياس القومي أو بالنظر إلى العلاقات التاريخية المميزة بين البلدين وإنما للصلة الوثيقة بين الأمن القومي المصري والسودان كامتداد إستراتيجي داخل العمق الأفريقي وممر هو الأطول لمياه النيل الحيوية بالنسبة لمصر. شهدت العلاقة اهتزازات عنيفة في بواكير ثورة الإنقاذ عندما كانت فاقعة الأصولية إلا أنها عادت لترتب أوراقها من جديد وتقدم نفسها للعالم وللجوار الإقليمي في صورة أكثر اعتدالا، صورة دبت معها الحياة مجددا في تنسيق ثنائي كاد يتحول إلى عداء سافر ذات يوم. يقال إن زيارة الرئيس مبارك تأخرت شيئا ما فالسودان كان بحاجة دوما لدور مصري وعربي أكبر وأنشط، وهو اليوم على شفا الانفصال بحسب توقعات قيادات جنوبية، وحدته الترابية مرهونة باستفتاء سيحدد ملامح الجنوب ما بعد نيفاشا. لذلك كان لا بد في الزيارة من الخرطوم ومن جوبا أيضا في حساب احتمالات تشمل ما تحبه القاهرة وما تكره، واقع محتمل قد يتحول فيه الجنوب إلى دولة حديثة الميلاد يمر بها النيل وسياسات مصر في القارة السمراء.

[نهاية التقرير المسجل]

خديجة بن قنة: نتحدث الآن في هذا الجزء الثاني عن حدود الدور المصري. أستاذ هاني رسلان مصر كما قلت في بداية هذه الحلقة قدمت للجنوب، ماذا قدمت لدعم هذه الوحدة تفاديا للانقسام لتبقى هذه الوحدة متماسكة بين الشمال والجنوب؟ وما الذي يمكن أن تقدمه في المستقبل أيضا لجنوب السودان؟

هاني رسلان: في الحقيقة مصر كما ذكرت في بداية الحلقة قدمت إسهاما واسعا في البنية التحتية في التنمية في التعليم في العلاج والصحة في الإعلام عبر وكالة الأنباء والفضائية السودانية التي سوف تنطلق من القمر الصناعي المصري نايل سات وسوف يتم تدريب كوادرها في مصر وكذلك وكالة الأنباء. فبالتالي مصر حريصة على تقديم كل ما يمكن وكل التسهيلات وكل التعاون لجنوب السودان لكي تبقى الوحدة جاذبة ولكي لا يشعر جنوب السودان بالغربة في التعامل مع العالم العربي ومع مصر بالتحديد ويعتبر نفسه أفريقيا بالكامل لأن هناك ميل موجود للتعامل مع الدول الأفريقية، ويجب أن لا ننسى أن هناك وجودا إسرائيليا غير معلن ووجودا غربيا مهيمنا أو مسيطرا وبالتالي لا يجب أن تبقى هذه الساحة خالية لهؤلاء لكي يلعبوا فيها لأن هؤلاء قد لا يناصرون أو قد لا يكونون مناصرين للوحدة أو لمصر في المستقبل. ومن ثم الهدف الإستراتيجي المصري هو الحفاظ على وحدة السودان وعلى استقراره ودعم الوفاق الداخلي بين الفر قاء الداخليين، لذلك مصر لا تتدخل لمصلحة طرف ضد الأطراف الأخرى وإنما تسعى لبناء الوفاق وهذا هو ديدنها سواء في قضية الجنوب مع الشمال أو في قضية دارفور في الوقت الحالي أو شرق السودان أو غير ذلك من القضايا، باعتبار أن الهدف الإستراتيجي المصري هو الحفاظ على الوحدة وهذا يختلف عن أهداف الأجندات الأخرى الإقليمية والدولية التي تتدخل الآن في السودان وتؤدي إلى تعقيد الأزمات وليس إلى إيجاد الحلول لها، مصر تسعى دائما إلى تعديل المناخات السلبية غير المواتية التي تحيط بالأزمة السودانية وتحاول تقديم المشورة في إطار علاقات الأخوة وعلاقات الأشقاء بين مصر والسودان لدعم هذه المسيرة والخروج من المأزق الحالي خاصة المتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية التي تمثل تهديدا خطيرا وجديا لوحدة السودان في الوقت الحالي خاصة في ظل الاستقطاب الداخلي القائم وفي ظل وجود استحقاقات هائلة مثل حق تقرير المصير والانتخابات وغيرها.

خديجة بن قنة: الطيب زين العابدين هل كل ما قدمته مصر كاف؟ يعني أنتم كسودانيين كنتم تنتظرون أكثر من ذلك؟

مشاركة مصر في تعمير الجنوب وتنميته أمر مهم لأنها تعطي الوجه العربي الإيجابي للتعامل مع الجنوب، إضافة إلى  الحرص على الوفاق بين شريكي الحكم
الطيب زين العابدين:
مشاركة مصر في تعمير الجنوب وتنميته أمر مهم لأنها تعطي الوجه العربي الإيجابي للتعامل مع الجنوب، لكن أنا أظن أكثر أهمية من هذا الأمر هو الحرص على يعني الوفاق بين الشريكين اللي هم المؤتمر الوطني والحركة الشعبية هم الاثنان وقعوا اتفاقية نيفاشا وهي اتفاقية شاملة ومفصلة ومعقدة جدا وفي عدد من المرات ظهرت احتكاكات بين الشريكين، فالواحد يتوقع أن مصر يمكن أن تأتي في مثل هذه الاحتكاكات وتسارع.. أنا قد أتهم بأن مصر أحيانا تكون بطيئة تجاه هذه الأمور ربما لحساسية أنها متهمة بالانحياز إلى شمال السودان أو بالعنصر العربي الإسلامي في السودان لكن أظن هذا لا ينبغي أن يمنعها من التدخل السريع. أيضا هناك مشكلة أخرى..
خديجة بن قنة (مقاطعة): هل هذا يفسر تأخر هذه الزيارة برأيك؟

الطيب زين العابدين: نعم الزيارة أقول إنها جاءت متأخرة ولكن مع ذلك هي مفيدة وإيجابية ونحن نشجعها ونرحب بها كثيرا. يخيل لي أيضا المشكلة مع مصر أن أميركا متدخلة في الشأن السوداني تدخلا عميقا ولا أظن أن مصر تريد أن يظهر بينها وبين دولة حليفة عظمى كأميركا أي قدر من الاحتكاك في السياسة وفي الشأن السوداني.

خديجة بن قنة: طيب أستاذ هاني رسلان، يعني واضح من كلام الأستاذ طيب زين العابدين أن السودانيين كانوا ينتظرون بالتأكيد أكثر دورا أكبر من مصر في حل مشاكل السودان وربما الكثيرون يتسائلون عن سبب إهمال مصر لدورها في السودان يعني دارفور وصل الأمر إلى حد المطالبة برأس البشير في محكمة الجنايات الدولية، عندما نتكلم عن الجنوب وصلت الأمور إلى حافة الانفصال انفصال الجنوب عن الشمال وتكوين دولة في الجنوب، أين كانت مصر من كل هذا حتى تتفاقم الأمور إلى هذه الدرجة وهي الجارة الأقرب المعنية بأمر السودان؟

هاني رسلان: في الحقيقة أولا أريد أن أصحح معلومة، هذه هي الزيارة الثالثة للرئيس مبارك منذ أن تحسنت العلاقات بين مصر والسودان في خلال السنوات الأخيرة وليست الزيارة الأولى ومن ثم ليس هناك غياب مصري وليس هناك تأخير لأن الزيارة هي لها دلالات رمزية وسياسية عالية المستوى ولكن الجهد متواصل في كل  الأوقات من دون أن يظهر ذلك للإعلام كثيرا، في الحقيقة أيضا أريد أن أقول إنه فيما يتعلق بالاحتكاك بين الشريكين، مصر كانت أول طرف تدخل مباشرة حينما ظهرت أزمة انسحاب الحركة الشعبية من حكومة الوحدة الوطنية أو تجميد مشاركتها في هذه الحكومة، في اليوم الثاني مباشرة كان هناك وزير الخارجية المصري ورئيس جهاز الأمن القومي الوزير عمر سليمان ولكن المشكل السوداني نفسه أن الفرقاء في الداخل في الحقيقة الكثير منهم يتعامل بأجندات حزبية وليست أجندات تهتم بالمصالح الوطنية العليا للبلاد، ومن ثم مصر لا ترغب في التدخل أكثر مما يجب في إجبار بعض الأطراف أو إرغامها لأن هذا غير مسموح به في العلاقات المصرية السودانية لأنها قائمة على الأخوة وعلى التعاون بالأساس ومن ثم دور مصر هو محاولة بناء الوفاق وبالتالي تسعى إلى تقريب وجهات النظر بين الفرقاء. فيما يتعلق بدارفور، دارفور بها تدخلات إقليمية ودولية واسعة النطاق وأيضا من الفاعلين الجدد مثل الإعلام الدولي ومنظمات الإغاثة والمنظمات الصهيونية وإسرائيل بأشكال مباشرة وغير مباشرة، ومصر لعبت أدوارا كثيرة في التواصل مع الحركات في الحد من التأثيرات السلبية في الحضور في المؤتمرات الإقليمية ولكن المشكل نفسه تدفعه قوة من خارج السودان، والآن مصر كانت وراء القرار الذي أصدرته جامعة الدول العربية لإسناد السودان في أزمة المحكمة الجنائية الدولية والقرار بالفعل دخل كانت فيه مجموعة من الإجراءات دخلت حيز التنفيذ الآن والزيارة الحالية هي مواصلة لهذا الجهد لأن الملف في الداخل معقد والمسارات فيه تتطلب بعض الحذر في التعامل مع الأطراف المختلفة لأن الصراع السياسي في السودان في الحقيقة تحول إلى صراع اجتماعي ممتد وأصبح يتسم بصعوبة في تجاوز الخلافات بين الفرقاء لأنهم لا ينظرون إلى الأفق الأبعد، لا، ينظرون إلى قضايا محدودة..

خديجة بن قنة (مقاطعة): يعني تقول فعلا الملفات معقدة فعلا كما تقول أستاذ هاني رسلان، وهناك استحقاقات في سنة 2011 بعد أربع سنوات سيتم إجراء الاستفتاء حول الجنوب، وكما قلنا في البداية هناك مزاج عام يجنح نحو الانفصال، لو افترضنا أن الأمور آلت إلى دولة حديثة في جنوب السودان، كيف ستنظر القاهرة يعني مصر ستجد أمامها دولة في جنوب السودان، كيف ستنظر إلى هذا الأمر؟

هاني رسلان: في الحقيقة لو حدث واستقل جنوب السودان فإن مصر سوف تتعامل مع هذه الدولة المستقلة لأن هذا الانفصال سوف يكون تطبيقا لمبدأ متفق عليه بين الفرقاء السودانيين وقانوني ومشروع وفقا لاتفاقية نيفاشا، ولكن الخشية الأساسية هي أنه في حالة انفصال جنوب السودان فإن هذا لن يكون خاتمة المطاف لأن هناك منطقة التخوم الفاصلة بين الشمال والجنوب هذه المنطقة فيها احتقانات كثيرة وغير مستقرة وبعض قواها تريد الانضمام إلى الجنوب، هناك أيضا أزمة دارفور فبالتالي لا بديل للسودان إلا بناء وفاق داخلي بين القوى السياسية المختلفة لأن البديل الوحيد هو التحول إلى الفوضى أو التقسيم وهذه كلها سيناريوهات بالغة الخطورة سوف تحدث اختلالات هيكلية لكل هذه المنطقة وصولا إلى البحيرات العظمى وإلى منطقة القرن الأفريقي وبالتالي قد يكون السودان معرضا لا قدر الله لأن يكون على المسار العراقي.

خديجة بن قنة: شكرا جزيلا لك هاني رسلان الباحث في الشؤون الأفريقية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وشكرا أيضا للطيب زين العابدين أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم. بهذا نأتي مشاهدينا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، بإمكانكم كالعادة المساهمة في اختيار مواضيع الحلقات القادمة بإرسالها على عنواننا الإلكتروني indepth@aljazeera.net

غدا بحول الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد. أطيب المنى وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة