الاقتتال تحت عناوين دينية   
الأربعاء 1431/5/28 هـ - الموافق 12/5/2010 م (آخر تحديث) الساعة 12:28 (مكة المكرمة)، 9:28 (غرينتش)

- أسباب الصراع في الصومال وموقف الإسلام من الاقتتال
- عناوين الاقتتال بين المسلمين والرد الشرعي عليها

- المفاهيم المغلوطة والسبل الصحيحة لتطبيق الشريعة

- تيارات الخطاب الديني وسبل وقف الصراع

عثمان عثمان
عبدالرحمن بشير
عثمان عثمان:
مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا..}[الحجرات:9] وصف الله المتقاتلين بالمؤمنين فأثبت للجميع صفة الإيمان بالرغم مما وقع بينهما من تقاتل، لكن ذلك لم يعن أبدا تبرير الاقتتال بأي ذريعة كان ولذلك حمّل الجماعة مسؤولية محاصرته وإنها فتيله. والاقتتال يقع تحت ذرائع شتى لكنه كثيرا ما يحمل لافتات إسلامية ومقولات دينية يختلف فيها الصحيح بالسقيم والحق بالباطل، لذلك مشاهدينا الكرام رأينا في هذه الحلقة أن نوضح بعض المفاهيم التي تلتبس في الأذهان وتؤدي إلى الاقتتال أو تتخذ لافتات لتبرير المواقف والمعتقدات الشخصية الخاطئة. الاقتتال تحت عناوين دينية موضوح حلقتنا لهذا اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الداعية الشيخ عبد الرحمن بشير المستشار في المحكمة العليا في جيبوتي، أهلا وسهلا بكم فضيلة الشيخ.

عبد الرحمن بشير: أهلا وسهلا، جزاكم الله خيرا.

أسباب الصراع في الصومال وموقف الإسلام من الاقتتال

عثمان عثمان: يعني لعل الصراع في الصومال من أطول الصراعات في القرن الإفريقي حتى أن أحد الصوماليين كتب من باب النقد الذاتي فقال هل أصبحنا نحب قعقعة السلاح وسفك الدماء؟ يعني بداية لماذا وصل الحال في الصومال إلى ما وصل إليه؟

عبد الرحمن بشير: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد، فأشكر لقناة الجزيرة على استضافتي لهذا البرنامج وأقعدتموني مقعد فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله الذي تتلمذنا على كتبه وأفكاره إن شاء الله تعالى.

عثمان عثمان: مرحبا بكم.

عبد الرحمن بشير: الصومال منطقة وموقع مهم إستراتيجي بالنسبة للأمة العربية والإسلامية كما تعلمون والصراع الذي يدور بين الصوماليين مر بمراحل كثيرة جدا، بدأ يوم أن سقطت الحكومة أو النظام الصومالي السابق، وبقي الأمر إلى هذه اللحظة فهذه المراحل كان تأخذ صورا كثيرة جدا، من هذه الصور صورة قبلية كانت كل قبيلة تحارب الأخرى ثم تحولت المعركة من صورة قبلية إلى صورة اللوردات رجالات الحرب والسياسة والآن تحولت من هذه الصورة إلى صورة دينية وهي الأخطر، فهذه المراحل التي مرت بالصومال سببها هو الفراغ السياسي، غياب السلطة والدولة هذا غياب الدولة وغياب السلطة أدى إلى هذا الاقتتال الدائم بين الصوماليين ولذلك بعض الناس البعيدين عن الصومال يحسبون أن المعركة في الصومال دينية فقط، وليست كذلك، المعارك التي تدور في الصومال والحروب التي تدور رحاها في الأراضي الصومالية هي غالبها حروب قبلية حروب إثنية وليست حروبا دينية ولذلك لا يجب أن ننظر إليها بمنظار ديني شرعي فقط، يجب أن ننظر إليها كذلك بمنظار شرعي بمنظار واقعي بمنظار اجتماعي ومن هنا أنا حينما اقتربت إلى هذا الأمر كثيرا وكنت من الذين كانوا من المصالحين ما بين الصوماليين، عضو في المصالحة الصومالية، رأيت مما رأيت أن هؤلاء الذين يتقاتلون لا يتقاتلون غالبيتهم من أجل الدين وإنما يتقاتلون من أجل قضايا اجتماعية قضايا سياسية قضايا قبلية.

عثمان عثمان: يعني سندخل في تفاصيل هذا الوضع ولكن قبل ذلك يعني ما موقف الإسلام من الاقتتال بشكل عام يعني؟

عبد الرحمن بشير: تعلمون بأن الأصل في العلاقات بين المسلمين هي أن تكون علاقات سلمية علاقات تبنى على الإيمان، قال تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[الحجرات:10] "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا"، "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" كل هذه الأسس تتضافر على أن الأصل في العلاقة ما بين المسلمين هي أن تكون كالجسد الواحد كالبنيان المرصوص أن تكون علاقات سلمية، ولكن هناك ظاهرة بعيدة الغور في تاريخ الإنسانية كلها وفي التاريخ الإسلامي بوجه خاص وهي أن الاقتتال صاحب الإنسانية حتى في مهدها الأولى، تعلمون أن ابن آدم الأول اعتدى على أخيه ولذلك ربنا ذكر في سورة المادة هذه القصة المثيرة للحياة الإنسانية بأن أحد ابني آدم اختار العنف بينما الآخر اختار أن يكون العبد المقتول ولم يختر أن يكون العبد القاتل فهذا شرع للإنسانية كلها منهج الصبر وهذا شرع للإنسانية كلها منهج العنف، ولذلك قال رب العزة جلّ وعلا {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً..}[المائدة:32] إذاً هذه ظاهرة متجذرة في الذات الإنسانية -ظاهرة العنف- ليست ظاهرة خاصة بالأمة الإسلامية ولكن المشكلة التي يجب أن نفكر نحن الآن، هو أن الفكر السياسي الإسلامي لم ينضج بعد في بلورة مشروع التعايش ما بين طوائف الأمة ولذلك تجد هذا التقاتل موجود بين السنة والشيعة في العراق موجود في أفغانستان موجود في السودان موجود في نيجيريا موجود في الصومال موجود في كل العالم الإسلامي وهو كان موجودا في تاريخنا منذ نهاية الخلافة الراشدة كنا ننهي صراعاتنا بالسيف، فهذه إشكالية، ومن ثم ولذلك نحن نجد نصوصا كثيرة جدا ولكن الإشكالية هي هل نستطيع أن نصنع أن نوجد فكرا فقهيا إسلامياً يقبل الجميع التعايش تحت مظلته؟

عثمان عثمان: لعلنا ربما نجيب في سياق هذه الحلقة على هذا السؤال الكبير. ذكرتم فضيلة الشيخ أن هناك لافتات كثيرة إسلامية عرقية قبلية اجتماعية لما يجري في الصومال ولكن السؤال يعني كيف يبرر المسلمون لأنفسهم هذا التقاتل رغم الآيات الكثيرة والأحاديث النبوية أيضا الكثيرة التي تحذر من سفك الدماء بل تدعو إلى وحدة الصف وجمع الشمل والكلمة؟

عبد الرحمن بشير: شوف، تلاحظ معي الآيات القرآنية عندما يتحدث القرآن عن وحدة المسلمين فنذكر قوله تعالى {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ..}[آل عمران:103] ونذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" إذا تأملنا الآية، الله سبحانه وتعالى يذكر أمرين، الأمر الأول هو الاعتصام، بماذا؟ بالمنهج، منهج السماء الذي يوحد هذه الأمة بحيث تتوحد هذه الأمة قبلة، تتوحد هذه الأمة كذلك فكرا تتوحد هذه الأمة قيادة ومن تتوحد قاعدة، هذه {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً..} ثم ذكر {.. وَلاَ تَفَرَّقُواْ..} لم يقل القرآن ولا تختلفوا، الاختلاف سنة كونية، سنة طبيعية ولذلك يجري على الناس ولا يزالون مختلفين ولا يزالون.. ولذلك خلقهم، أي أن الاختلاف ظاهرة طبيعية ظاهرة صحية ظاهرة اجتماعية تصح لدى المسلمين وغير المسلمين ولكن كيف لا يتحول هذا الخلاف إلى تفرق؟ هنا الإشكالية ولذلك قال القرآن {..وَلاَ تَفَرَّقُواْ..} ومن ثم ذكر لهؤلاء الصحابة الذين كانوا بالأمس القريب متفرقين {..وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء..}[آل عمران:103]..

عثمان عثمان: في المرحلة الجاهلية.

عبد الرحمن بشير: في المرحلة الجاهلية. {..فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً..}[آل عمران:103] أي بنعمة المنهج، هذه نقطة. والنبي صلى الله عليه وسلم يذكر قراءة مستقبلة "لا ترجعوا بعدي كفارا" أي ما كنتم عليه من قبل "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" هذا الكفر ليس كفر ملة وإنما هو كفر نعمة، هذا يعني كفر عملي وليس كفرا عقديا، هذه نقطة إستراتيجية ويجب أن يفهمها المسلمون ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة أن التفرق يؤدي إلى الاقتتال وأن الاقتتال نتيجة التفرق ومن ثم هذا الاقتتال يضعف الصف داخل الأمة {..وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ..}[الأنفال:46] قوة الأمة في الوحدة وعدم التفرق وضعف الأمة في الاختلاف ومن ثم فالاقتتال وإلغاء كل واحد للآخر.

عثمان عثمان: ولكن فضيلة الشيخ يعني القضية ربما تأخذ أبعادا عندما يسقط في هذا القتال الدائر والصراع المتواصل مدنيون أبرياء لا ناقة لهم ربما ولا جمل، وذكرتم الحديث "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل، من يتحمل مسؤولية ما يجري الآن في الصومال؟

عبد الرحمن بشير: يتحمل الجميع أولا يتحمل الذين صنعوا هذا النوع من التدين المغشوش في داخل الأمة الإسلامية، هذا التدين الذي لا يصح علما ولا عملا لأن فكرة الإلغاء فكرة عدم قبول الآخر لم تكن فكرة إسلامية أصيلة، نحن درسنا في الفقه الإسلامي أن الشوافعة والحنابلة والمالكية وجميع المذاهب الأربعة كانوا متواجدين في الأمة الإسلامية ولم يحاول أحد أن يلغي الآخر، ولكن الذي ظهر في الآونة الأخيرة أو ما يسمى في بعض الأحيان بظاهرة ما بعد الصحوة الإسلامية هو احتكار الحق، أن طرفا ما يحتكر الحق والحقيقة ويقول أنا الحق وغيري لا يحمل أية حقيقة أو أية حق، الذين صنعوا هذا النوع من التدين يتحملون الوزر الأكبر من الذنب.

عثمان عثمان: من هم؟

عبد الرحمن بشير: بعض العلماء بعض المدارس بعض المناهج صنعت هذه الظاهرة أو ما يسمى هذا المناخ الديني، هذا مناخ ديني..

عثمان عثمان (مقاطعا): عدم قبول الآخر، عدم قبول الرأي الآخر.

عبد الرحمن بشير: الرأي الآخر، عدم قبول الفكر إذا لم يكن من منهجك من منطلقاتك، هذه النقطة الأولى ثم يتحمل الوزر المجتمع العربي الإسلامي الذي ترك الصوماليين لأنفسهم، أنفسهم لأنفسهم، هذا المجتمع العربي المجتمع الإسلامي الذي ترك المجتمع الصومالي يذهب بهذا المستقبل المظلم أيضا ليأخذ جزءا من المسؤولية، ثم هناك مجموعة العلماء الربانيين الذين حتى هذه اللحظة ليس لهم حضور، حتى الفتاوى الشرعية المركزة لم تصل إلى الصوماليين بأن هذا الاقتتال اقتتال عبثي ليس قتالا لأجل غايات شريفة.

عثمان عثمان: علما أن فضيلة العلامة الدكتور القرضاوي وجه أكثر من نداء من هذا المنبر إلى الصوماليين بحرمة الاقتتال بينهم.

عبد الرحمن بشير: نعم نعم، سمعنا ذلك ولكن المجتمع الصومالي يحتاج أن يسمع فتاوى العلماء المعتبرين الربانيين حتى  يتحرر من استعمار هؤلاء الذين يحملون هذا الفكر.

عثمان عثمان: ولكن فضيلة الشيخ يعني لنكن صريحين وواضحين، هناك حكومة تصف نفسها بالإسلامية، هناك معارضة تصف نفسها أيضا بالجهادية، ما يجري الآن في الصومال يأتي تحت لافتة الجهاد، هل ترون أن ما يجري فعلا هو جهاد شرعي؟

عبد الرحمن بشير: الجهاد كما تعلمون شوِّه على المستوى المنهج المعرفي وشوه كذلك على مستوى العمل التطبيقي في الصومال، حينما نقول شوه نحن نعرف أن الجهاد له مفهومان في الإسلام، المفهوم الأول هو الجهاد الذي يسمى جهاد الطلب، والجهاد الثاني يسمى جهاد الدفع، نحن حينما نكون داخل المجتمع الصومالي ما هو الجهاد الذي نمارسه؟ هل نمارس جهاد الطلب الذي يحتاج إلى إذن من ولي الأمر؟ ومن هو ولي أمرالمسلمين في الصومال؟ هل الآن نحن في داخل المجتمع الصومالي في داخل الأمة الصومالية هل نحن نمارس جهاد الدفع؟ هل هناك عدو؟ نعم قد يقول بعض الناس هناك كان عدو عندما دخلت القوات الإثيوبية، الآن عندما انسحبت القوات الإثيوبية ما هو العدو الذي يحارب؟ ليس هناك قوات، جهاد دفع إذاً، إذاً ما هو الجهاد الذي تمارسه هذه الجهات؟ هذه نقطة. النقطة الثانية هي أن الحكومة لا تصف بنفسها أنها حكومة إسلامية وإنما..

عثمان عثمان: ألم يقر البرلمان بتطبيق الشريعة؟

عبد الرحمن بشير: أقر البرلمان بتطبيق الشريعة الإسلامية وجميع الدول الإسلامية يقرون بدساتيرهم بأن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي أو المصدر الوحيد للتشريع الإسلامي،  لا تصف نفسها بحكومة إسلامية، هي حكومة ائتلافية، ما بين الحكومة السابقة والحكومة اللاحقة، ولكن نعرف أن رئيس الحكومة الصومالية الحالية ذو توجه إسلامي وكان من الدعاة وكان رئيس محكمة، المحاكم الإسلامية وكان يجاهد..

عثمان عثمان (مقاطعا): كانوا شركاء في الجهاد ضد القوات..

عبد الرحمن بشير: في الجهاد مع هؤلاء ضد القوات الإثيوبية ولكن عندما هو انصاع ربما إلى ما رأى أنه مصلحة، هؤلاء تركوه ومن حقهم أن يتركوه ومن حقهم أن يختلفوا ومن حقهم أن يقول كل واحد رأيه ولكن ليس من حق أي طرف أن يلغي الآخر أو أن يقاتل لأجل أن يكره فكره أو رأيه على الآخر.

عناوين الاقتتال بين المسلمين والرد الشرعي عليها

عثمان عثمان: ولكن ربما هم يبنون ما يقولون بأنه جهاد على أن هذه الحكومة الموجودة الآن هي حكومة مرتدة، ربما السؤال الأكبر هنا ما حقيقة الردة ومتى تتحقق؟

عبد الرحمن بشير: تعرفون أن هناك الردة في الأصل هي تنقسم إلى قسمين، هناك ردة جماعية وهناك ردة فردية، الردة نحن كمسلمين تعلمنا من الفقه أننا لا يجب أن نكفر أحدا من أهل القبلة أقر بالشهادتين وعمل بمقتضى الإسلام عملا مقبولا في الشريعة الإسلامية برأي أو كذلك بعمل يقوم بها دون أن يستحل هذا العمل لا نكفر هذا المسلم أبدا، التكفير عملية كبيرة جدا، نحن لا نحكم بالردة، الذي يحكم بالردة هم العلماء وكذلك المحكمة الشرعية هي التي تقول فلان ارتد عن الدين، لأن هناك ما يترتب على الردة، ولكن أن يقوم أحد من الناس أن يقول فلان مرتد وبالتالي دمه حلال وبالتالي زوجته مطلقة وأمواله مستباحة هذا لا يجوز شرعا في ديننا الإسلامي، ولذلك حين يقولون الحكومة الصومالية ارتدت لماذا؟ لأنها عندها علاقات مع دول الجوار علاقات مع إثيوبيا مع كينيا وهما دولتان غير مسلمتان في المنطقة أو يقولون عندها علاقة جيدة مع الغرب، ليست كل علاقة جيدة مع الغرب علاقات مشينة إسلاميا، النبي صلى الله عليه وسلم كان يراسل الآخرين بمراسلات دبلوماسية وكان يرسل بعثاته ويرسل رسله ويرسل سفراءه، يستقبل سفراء الآخرين، كان عنده علاقات دولية مع الآخرين، والإسلام هو الذي أنشأ ما يسمى بالقانون الدولي كما هو في السير الكبيرة معروف لدى الدارسين للقانون والفقه الإسلامي، ولذلك نحن حين نتعاون مع الآخرين في بناء دولة في بناء مجتمع في بناء علاقات عامة لا يجب أن نقول فلان ارتد لأن له علاقة جيدة أو طيبة أو مصلحية مع الآخرين، هذا ليس من الإسلام أبداً.

عثمان عثمان: إذاً طبعا يعني هذا أحد العناوين أيضا واللافتات الكبيرة التي تشن فيها الحرب ضد الحكومة، مسألة التخوين والعمالة والعلاقة مع الغرب، يعني لو أردنا فضيلة الشيخ أن نتحدث عن التخوين يعني ما حقيقة التخوين؟ ما هي حدوده أيضا؟ حتى نستطيع أن نقول بأن هذه الجهة خائنة أو غير خائنة، عميلة أو غير عميلة.

عبد الرحمن بشير: التخوين ليست في الأصل مسألة شرعية، هي مسألة مصطلح حديث جدا جاءت بعد ظهور المدارس غير الإسلامية وكان يستعمل أيام الثورات الوطنية والقومية خائن وطني هذه الألفاظ يعني، الإسلام له مصطلحاته الخاصة، كلمة عميل خائن هذه مصطلحات جديدة جدا ليست من الفقه الإسلامي، ولكن نحن نستطيع أن نقول فلان خان الأمانة، خان الشريعة عندما يفرط في ثوابت الأمة أو عندما يتعامل ويتعاطى مع أعداء حقيقيين للأمة نقول هذا خائن، ولكن لا نستطيع أن نقول فلان خائن لماذا؟ لأنه اختلف معك في الطريق أو اختلف معك في المنهج أو اختلف معك في الأسلوب أو اختلف معك في إدارة الحياة أو اختلف معك في الفكر فلا تستطيع أن تقول إنه خائن لمجرد ذلك، ولذلك نحن إذا عدنا مثلا إلى صلح الحديبية، ماذا صنع النبي صلى الله عليه وسلم حينما قام باتفاقية صلح الحديبية مع قريش؟ قالوا نحن لا نعترف بالبسملة المعهودة لدينا بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا نريد أن تكتب باسمك اللهم، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قالوا نحن لا نعترف أنك رسول، اكتب اسمك المجرد محمد ابن عبد الله، فقبل، هذا..

عثمان عثمان (مقاطعا): وكانت ردة فعل كبيرة لسيدنا عمر رضي الله عنه.

عبد الرحمن بشير: كبيرة جدا حتى لسيدنا عمر رضي الله عنه، لم يفهموا ما تؤدي هذه الاتفاقية للأمة الإسلامية من نصر عظيم ذكر في القرآن {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}[الفتح:1] هذا الفتح جاء بعد صلح الحديبية كان عدد الصحابة أقل من ألفين وعندما افتتحت مكة كانوا أكثر من عشرة آلاف، إذاً هذا هو النصر المبين، النصر الهائل للأمة، الإسلام يريد أن ينتشر في الأجواء السلمية في الأجواء الآمنة في الأجواء الخالية من كل توتر، الإسلام يحتاج إلى مناخات حرة مناخات سلمية، ومن هنا كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر بنور الوحي وبنور العقل وبنور الفطرة إلى هذه الأمور، النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك ثوابت الإسلام وإنما عنده بعض المرونة، نظر إلى المصلحة الحقيقية غير الوهمية لأمته لدعوته لفكرته لرسالته بل للإنسانية بل للعرب بل للجزيرة العربية أن تهدأ لحظة ما هذه الحروب التي أكلت الأخضر واليابس كما يقولون.

عثمان عثمان: يعني وقتها كان النبي عليه الصلاة والسلام الموحى إليه الذي لا ينطق عن الهوى هو من يحدد المصلحة الشرعية في مثل هذه القضايا والأمور، الآن من الذي يحدد هذه المصلحة؟

عبد الرحمن بشير: يحددها العلماء المعتبرون، لا يحددها المراهقون السياسيون، أنت عندما تنظر في بعض الأحيان إلى حملة السلاح مثلا في الصومال تجد أن أكثرهم أو غالبيتهم أقل من عشرين أو 25 سنة، أعمارهم تقل عن ذلك، ولذلك نحن نحتاج أن يحدد هذا العلماء المعتبرون في الفقه وفي الشريعة الإسلامية، هؤلاء هم الذين يحددون المصلحة والمصلحة لها شروط يعني، أن تكون مصلحة حقيقية ألا تكون مصلحة وهمية ألا تعارض قاعدة شرعية وألا كذلك ألا تكون مصلحة مضمونة وألا تكون مصلحة كذلك تتبع الهوى، كل ذلك موجود في ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية.

عثمان عثمان: يعني ذكرتم في سياق حديثهم فضيلة الشيخ أن التكفير ربما كذلك مسألة أساسية تدور حولها الحرب الدائرة في الصومال ربما البعض يذهب إلى التكفير في مسائل فقهية فرعية، ما حدود التكفير أيضا؟

عبد الرحمن بشير: التكفير لا يكون إلا ما يسمى في الشريعة الإسلامية المعلوم من الدين بالضرورة، وهذه مسائل قطعية معروفة لدى الفقهاء، الإنسان إذا رفض العقائد وحتى في العقائد هناك في العقائد أصول وفروع، اختلف الصحابة هل رأى الرسول ربه فذهب ابن مسعود على أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه، بينما رفضت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه، فهذه قضية عقدية ولكنها فرعية، لا يكفر أحد الآخر، فإذا ما رفض أحد الناس هذا الأمر وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه أو رأى ربه لا يكفر وهي مسألة عقدية، النبي صلى الله عليه وسلم حينما أسري إلى بيت المقدس هل أسري روحا وجسدا، القرآن واضح  {..بِعَبْدِهِ..}[الإسراء:1] كما ذكر ابن القيم.

عثمان عثمان: الروح والجسد.

عبد الرحمن بشير: والجسد، ولكن بعض العلماء يقولون بروحه فلو رفض أحد الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن هذا الإسراء روحا وجسدا وإنما كان روحا فقط لا يكفر، هكذا قال العلماء، ولذلك مسألة التكفير الصريح هذه عند المراهقين الفكريين والسياسيين والدينيين وليست عند العقلاء من هذه الأمة، إذاً نحن لا نكفر إلا من أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أن الصلاة واجبة أن الخمر محرم أن الخنزير محرم أن قبلة المسلمين هي الكعبة، هي مكة المكرمة، أن القرآن كلام الله تبارك وتعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم أوحي إليه بهذا الشرع وأمر بتبليغه، أن الآخرة أمر مقرر في الشريعة الإسلامية، وجود الملائكة وجود الجن وجود النار وجود الجنة لو رفض إنسان مثل هذه الأمور يكفر ولكن لا يكفر برأي ارتآه أو بمنهج أحبه أو بمصلحة ظهرت له فقال نحن نتبع هذا ولا نتبع هذا لا يكفر هذا، ولذلك الإسلام قبل أكثر من فرقة وليس من مذهب، الخوارج لم يكفر، لم يكفر الشيعة، أهل السنة، الصوفية كل هؤلاء كانوا متواجدين في داخل..

عثمان عثمان (مقاطعا): ربما البعض يذهب إلى التكفير بين هذه الفرق.

عبد الرحمن بشير: (متابعا): ويسموا أهل القبلة، يسمى هؤلاء أهل القبلة كما هو في كتبنا المقررة في الشريعة الإسلامية عند علمائنا الكبار.

عثمان عثمان: يعني في سياق حديثكم فضيلة الشيخ فتحتم ربما نوافذ على أسئلة عدة، ذكرتم بأن الحكومة الصومالية لا تصف نفسها بأنها إسلامية بل تقول بأن الإسلام هو مصدر التشريع كسائر الدول العربية والإسلامية، هناك من يرى وجوب العمل لتطبيق الشريعة وتحكيم القرآن الكريم، ماذا يعنون بتطبيق الشريعة؟

عبد الرحمن بشير: الأصل أن تطبيق الشريعة الإسلامية جزء من عقيدة المسلم، حين تقرأ الآية التي ذكرت في سورة يوسف {..إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ..}[يوسف:40] ما الذي نستنتج أو نستنبط من هذه الآية؟ أن الله يذكر أن هناك شيء اسمه الدين القيم، الدين القيم يساوي في الإسلام الحكم أي حكم الشريعة حكم الله في جميع المسائل زائد العبادة الصحيحة والسليمة من البدع والخرافات، هذا هو الدين القيم، نبي الله يوسف يقول لصاحبه في السجن {..إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ..} وهو يعرف أن حكم الفراعنة في مصر لغير الله {..أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}[يوسف:40] هذا هو أولا أهم شيء يجب أن يكون في حس الإنسان المسلم، ولكن السؤال ماذا نعني بتطبيق الشريعة الإسلامية؟ هل الشريعة الإسلامية هي الحدود؟ هي إقامة الحدود وخاصة إقامة الحدود في غياب السلطة السياسية الرسمية؟ هنا إشكالية كبيرة جدا تظهر، بعض الناس يقولون نحن نطبق الشريعة، أنا أرى أن تطبيق الشريعة في الصومال الآن أمر لا نستطيع إقامته لأن هناك ما يسمى بفقه الأولويات، من هذا  الفقه نرى أن إقامة الدولة هي من إقامة الشريعة الإسلامية في الصومال، ما هي الدولة؟ ماذا صنعت الدولة؟ الدولة عندنا في الفكر السياسي الإسلامي هي ماذا تصنع؟ هي نيابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، هي إقامة الشرع، إقامة الدين والدنيا باسم الشريعة الإسلامية، إذاً كيف نستطيع أن نقيم الشريعة الإسلامية كيف نستطيع أن نطبق الشريعة الإسلامية بغياب الدولة؟ يجب أن تسعى جميع الأطراف إلى إقامة الدولة في الصومال، ملء هذا الفراغ السياسي الموجود في الصومال هذا هو المطلب الأول للإسلاميين للدعاة للمفكريين للعقلاء للوجهاء للشيوخ لشيوخ العشائر للمجتمع المدني في الصومال هو إقامة الدولة الصومالية ومن ثم هذه الدولة هي التي تطبق الشريعة الإسلامية والشريعة الإسلامية ليست أمرا واحدا، تعلمون أن الله سبحانه وتعالى ذكر في قرآنه قال {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}[هود:1] أحكمت آياته، بعض العلماء يقولون أحكمت آياته في مكة ثم فصلت من لدن حكيم خبير في المدينة.

عثمان عثمان: بالتطبيق العملي.

عبد الرحمن بشير: بالتطبيق العملي، الآن نحن نستطيع أن نطبق الشريعة الإسلامية في الصومال، كيف نطبق الشريعة الإسلامية؟ إطعام الجائع، نطبق الشريعة الإسلامية أن نبني المجتمع الصومالي المتماسك نبني الجبهة الداخلية، هذا هو تطبيق الشريعة الإسلامية أما إقامة الحدود بغياب الدولة هذا يسمى في القانون النظام العام، والنظام العامة من اختصاص ولي أمر المسلمين وولي أمر المسلمين في الصومال كلها لا وجود له الآن، الحكومة الصومالية تحكم مقديشو فقط وهناك حكومة تحكم في بوتلاند وهناك جمهورية الصومال المنفصلة والتي أعلنت عن نفسها كأنها دولة مستقلة، هناك جمهوريات كثيرة جدا، ولكن الصومال الموحد لم يولد بعد، بغياب السلطة المركزية، السلطة المركزية هي التي سوف تطبق الشريعة الإسلامية أو ما يسمى بإقامة الحدود التي الآن تطبق في الصومال بصورة عبثية.

عثمان عثمان: إذاً تطبيق الشريعة الإسلامية لا يمكن أن يتم قبل قيام الدولة واستقرارها وانتظام حياة الناس، ولكن هذا التطبيق للشريعة الإسلامية هل يقبل التجزيء أم يجب أن يكون جملة واحدة ودفعة واحدة؟ أسمع الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

المفاهيم المغلوطة والسبل الصحيحة لتطبيق الشريعة

عثمان عثمان: أهلا ومرحبا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة وهي بعنوان الاقتتال تحت عناوين دينية مع فضيلة الشيخ الداعية عبد الرحمن بشير. فضيلة الشيخ يعني قبل الفاصل كان هناك سؤال هل تطبيق الشريعة يقبل التجزيء أم يجب أن يكون دفعة واحدة؟ ولكن قبل أن أسمع الإجابة ينضم إلينا فضيلة الشيخ الداعية الدكتور سلمان العودة المشرف على موقع الإسلام اليوم، مرحبا بكم فضيلة الشيخ؟

سلمان العودة/ داعية إسلامي: مرحبا بكم وبضيفكم الكريم وموضوعكم الحي والمهم.

عثمان عثمان: بارك الله فيكم، فضيلة الشيخ مرت يعني معنا عدة مفاهيم شرعية وإسلامية كيف تعلقون عليها؟

سلمان العودة: الحقيقة أنا أقول إن الاقتتال وأسباب الاقتتال من الاختلاف المفضي إلى الفرقة ومن التكفير ومن الاستخفاف في الدم كلها مفاهيم غريبة عن الإسلام وبعيدة عن الإسلام ومن الصعب بل من المحال أن يمتلك أحد القدرة على تسويغ هذه الأشياء من الناحية الشرعية البحتة.

عثمان عثمان: حتى وإن كانت تحت لافتات دينية.

سلمان العودة: حتى وإن كانت تحت لافتات دينية، هنا لافتات استثمرت بعض المفاهيم الدينية المغلوطة لمصالح سياسية سواء قصدت ذلك أو لم تقصده، لأنك لو بحثت مثلا في موضوع التكفير هنا سؤال هل الله سبحانه وتعالى أمرنا في القرآن أو في السنة الرسول عليه الصلاة والسلام يوجد نص يأمرنا بتكفير الناس؟ الذي أعرفه لا يوجد نص من هذا القبيل، بمعنى أن الأصل إجراء أحكام الناس على ظاهرهم وعدم الخوض في التفاصيل حتى لو فرض أنني أعلم بصفة شخصية عن شخص ما خلاف هذا الظاهر فهذا الأمر يلزمني لكن لا يلزم الناس، هو حكم خاص، ثم إن أحد الناس أو الجماعات أو القبائل أو الأحزاب لا يجوز لها أن تقوم بهذه المهمة -بالتكفير- لأن هذا يفضي إلى اختلاف عريض والعالم الإسلامي يوجد فيه أسباب كثيرة جدا للاختلاف، اختلاف مناطقي واختلاف إقليمي واختلاف مذهبي واختلاف قبلي واختلاف فكري فإذا ترك المجال لكل أحد أن يأخذ القانون بيده وأن يمضي أحكام التكفير وتوابعها من القتل واستحلال الدم والعرض والمال كما يجري فهذا شيء اسمه الفوضى، ولذلك أنا متأكد ومن باب الفأل بالله سبحانه وتعالى وحفظه لهذه الأمة أنه سوف يأتي يوم يعني نستغرب فيه مثل هذه المعاني ونستنكرها بل ننظر إليها بالتاريخ بقدر من الاستغراب أنه كيف وجدت هذه المفاهيم يوما من الأيام عند الناس؟! من هو الذي أذن لهؤلاء بأن يحكموا بالكفر؟

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ يعني لو كان هناك جماعة إسلامية ما سيطرت على بقعة جغرافية معينة وأصبحت تحت سيطرتها بالشكل الكامل، ألا يحق لها أن تطبق الشريعة، أن تقيم الحدود أن تنفذ حكم الله؟

سلمان العودة: ..غير مستقر، ولذلك من أعظم الأخطاء في فهم الشريعة أن يظن بأن الشريعة هي إقامة حدود، يعني ما الذي يجري في الصومال مثلا؟ أن يكون الناس في الشرق والغرب يرون بلدا مسحوقا والناس يتقاتلون فيه على التراب ليس هناك حتى ذهب يقتتل الناس عليه ثم يفضي الأمر إلى أن يكون فهم الناس لتطبيق الشريعة أن يروا أيد مقطوعة، يرون أناسا يلعبون القمار أو يلعبون الورق بأطراف كفوفهم حيث قطعت أيديهم تحت ذريعة الشريعة في بلد غير مستقر ولا يوجد فيه وحدة ولا يوجد فيه.. يعني ليست الشريعة هي فقط حدود تطبق، الحدود هي جزء من آخر ما يطبق في الشريعة، هناك عملية استقرار الناس وضبط الأمن والوحدة ومعان كثيرة جدا ينبغي أن تستقر ويعمل بها، وأيضا مسألة التنمية الأساسية وتحقيق مصالح الناس عمر رضي الله عنه أسقط الحد عام المجاعة وهذا مما أطبق عليه الفقهاء، ماذا يعني هذا؟ مع أنه أمير المؤمنين وخليفة راشدي وبإطباق الصحابة وموافقتهم..

عثمان عثمان: شكرا فضيلة الشيخ الدكتور سلمان العودة المشرف على موقف الإسلام اليوم كنت معنا من السعودية. فضيلة الشيخ يعني يبقى السؤال قائما، هل يقبل تطبيق الشريعة التجزيء أم لا؟

عبد الرحمن بشير: بسم الله الرحمن الرحيم، نحن نؤمن أن الإسلام كل لا يتجزأ وعندما نقوم بتطبيق الإسلام يجب أن ننزل الإسلام كما هو إلى أرض الواقع بقدر الإمكان، ولذلك المنهج الانتقائي أو ما يسمى بالمنهج الالتقاطي هذا مرفوض إسلاميا، قال تعالى {..أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ..}[البقرة:85] هذا المنهج مرفوض ولكن هناك شيء اسمه شمولية الإسلام لا تستدعي دائما شمولية التطبيق، شمولية الفكرة لا تستدعي دائما شمولية التطبيق لأننا لا نستطيع أن ننزل الشريعة الإسلامية جملة واحدة في أرض الواقع وإنما تتنزل شريعة الإسلام متدرجة كما نزلت، وإن البعض يقول قد اكتملت فكيف تتدرج مرة أخرى في التنزيل؟ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عندما ولي أمر المؤمنين وأصبح الخليفة الراشدي الخامس لهذه الأمة ماذا صنع؟ عندما قالوا له طبق الإسلام كما هو، هو رفض التطبيق الكلي مرة واحدة للإسلام وإنما دعا إلى أن ينزل الإسلام بقدر ما تحتاج إليه وبقدر المستطاع، ولذلك نحن نقول إن شمولية الإسلام لا تستدعي شمولية التطبيق.

عثمان عثمان: أيضا ينضم إلينا الدكتور نصر عارف أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، السلام عليكم دكتور.

نصر عارف/ أستاذ العلوم السياسية-جامعة القاهرة: وعليكم السلام ورحمة الله.

عثمان عثمان: السياسة -دكتور- مبناها على جلب المصالح ودفع المفاسد، كيف نفسر هذه القاعدة أو هذه الرؤية؟

نصر عارف: بسم الله الرحمن الرحيم هذه الرؤية تستلزم أن تؤخذ السياسة في سياقاتها الزمنية وليس بصورة مطلقة مع إسقاط الزمان، فحتى كثيرا ما نتكلم ونضرب أمثلة ونسترجع النماذج التاريخية وهذه النماذج لا علاقة لها بواقعنا، وسأضرب لك مثالين اثنين الأول أن السياسة في ذلك الزمان كانت تطبق من قبل الدولة الإسلامية التي كانت تمثل دولة عظمى أو الدولة العظمى الأولى في العالم التي تؤثر ولا تتأثر وتتحكم في الآخرين ولا يتحكم فيها أحد، الآن الواقع العكس تماما. الثانية، أن السياسة في ذلك الزمان كانت تطبق على مستوى الأمة، الآن تطبق على مستوى الدولة والدولة كيان قومي وكأنه قبيلة في ذلك الزمان. ومن ثم إذا أردنا أن نأخذ السياسة بمعناها جلب المصالح ودرء المفاسد أو أخذ الناس إلى الصلاح وإبعادهم عن الفساد لا بد أن نأخذها في سياق العصر، نعيد تحديد ما هي المصالح وما هي المفاسد في هذا الزمان ونحدد كيف نجلب المصالح وكيف ندرأ المفاسد، وهنا لا بد من وضع مجموعة قواعد أولها أن السياسة بحيث أنها من باب المصالح والمفاسد فلا يصلح أن نتعامل معها بمنطق الصح والخطأ، الصحيح والخطأ وإنما بمنطق الشيء الصالح وغير الصالح بمعنى أن هذا القرار لا يمكن أن يقال هذا قرار صحيح وهذا قرار خطأ وإنما هذا قرار صالح وهذا قرار غير صالح ومن ثم فكلاهما له اجتهاد وكلاهما له أجر وليس هناك شخص أو حزب أو جماعة صح مطلق والأخرى خطأ مطلق. الثانية أننا عندما نتعامل مع السياسة بمنظور المصالح والمفاسد لا بد أن نتعامل معها ضمن منظومة القيم وترتيب هذه المصالح والمفاسد، في هذا العصر سواء في الصومال في القرن الإفريقي في نيجيريا في باكستان في أفغانستان في العراق هناك سقوط لمنظومة القيم وخلل في ترتيب المصالح، إذا كان الفقه وأصول الفقه علمونا أن حفظ النفس مقدم على حفظ المال ويقدم على حفظ العقل فلا بد أن توضع مجموعة قيم تسير بصفة طبقا لها، أولها حرمة الدم الإنساني. الآن نحن نتحرك في ثقافة في درجة عالية من الميوعة لا قيم ولا أساس ولا قواعد لها، كل يفتي ويتخذ القرار طبقا لما يراه هو بتفكير غرائزي انتقامي ثم يعود إلى الدين لتبرير ما فعل وتسقط كل القيم تنتهك الدماء والأعراض تنتهك حرمات المساجد وكله تحت مبرر أنه في مصلحة سياسية أو أن هؤلاء أعداؤنا، وصلنا إلى درجة أكثر دنوا من الصراعات القبلية الدموية وتلصق بالإسلام. القضية الأخيرة التي أريد أن أركز عليها هي قضية إخراج السياسة من باب الفقه والتشريعات لا بالعقيدة وتحولت القرارات السياسية قرارات عقيدية على عكس كل تراث المسلمين الذي يتعامل مع السياسة على أنها جزء من مصالح الناس وليست مجالا للعقائد.

تيارات الخطاب الديني وسبل وقف الصراع

عثمان عثمان: شكرا الدكتور نصر عارف أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة كنت معنا أيضا من القاهرة. فضيلة الشيخ يعني ما يجري الآن في الصومال تحت عباءة الجهاد باسم الإسلام باسم الدين ما الأثر الذي يتركه على الخطاب الديني في القرن الإفريقي؟

عبد الرحمن بشير: هناك في الصومال الآن الخطاب الديني السائد هو هذا الخطاب المتشدد الذي يدعو إلى التكفير إلى التفسيق إلى التخوين كما رأينا، ولكن هناك فقه يقوم باستحياء ويريد أن يستعيد عافيته في داخل المنظومة الصومالية، هذا الفقه هو الفقه الوسطي الخطاب الوسطي الخطاب الذي لا يريد أن يقيم هذه المعارك العبثية وإنما يريد أن يبني الأمة أن يقيم تنمية اجتماعية متوازنة، تنمية شاملة تنمية في البنية التحتية التي الآن الأمة الصومالية بحاجة إليها، لا تحتاج الأمة الصومالية إلى إقامة الحدود كما ذكر فضيلة الأستاذ سلمان العودة، في إقامة الحدود والحدود هو آخر ما يطبق في الشريعة الإسلامية ولكن هناك ما هو يحتاج إليه المجتمع الصومالي وهو بناء الإنسان المدارس المساجد..

عثمان عثمان: المستشفيات.

عبد الرحمن بشير: الناس لا يجدون ماء صالحا للشرب، هذه المطالب الأساسية للأمة، ولذلك أنا كنت أتأمل الآيات التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة {أََرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ،وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}[الماعون:1-3] هذه الآيات تحدثت {فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد:13- 16] هذه الآيات التي تتحدث {..وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}[البلد:17] هذه الأمة التي تبنى من الداخل، هذه هي التنمية المطلوبة للأمة الصومالية هذا هو الخطاب الذي يجب أن يكون هو السائد في الساحة الصومالية وليس الخطاب الذي يدعو إلى القتال وإلى سفك الدماء وإلى الاقتتال ما بين الأمة الواحدة.

عثمان عثمان: يعني السؤال ربما يكون فيه بعض الحشرية يعني نسبة هذا الخطاب الوسطي فيما يجري في الصومال كم هي يعني؟

عبد الرحمن بشير: لا نستطيع أن نقول نسبته بالرقم ولكن نستطيع أن نقول إنه يتنامى وينمو في هذه الأيام ولكنه ينمو باستحياء وليس بقوة.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ يعني الآن ما يجري في الصومال وربما في أقطار عديدة إسلامية ما يجري بين بعض الجماعات الإسلامية والفرق الإسلامية من تقاتل وتكفير وغير ذلك، ربما العلاج هو المصالحة كما جاء في المنطق القرآني {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا..} كيف يمكن ترجمة هذا الخطاب القرآني في واقع الحال بشكل خاص في الصومال؟

عبد الرحمن بشير: أولا الإصلاح بين المسلمين الذين يقتتلون يحتاج إلى من يقوم بهذا الإصلاح، أنا أرى أن تكون هناك لجنة محايدة شرعية علمية غير صومالية تدخل هذا الموضوع، هذه اللجنة يجب أن تكون من كل العلماء من كل التيارات، العلماء المعتبرين من كل التيارات الإسلامية المعتبرة كذلك، هذه أولا. ثانيا لا بد من وجود إرادة من بين المتقاتلين، هذه الإرادة شرط، القرآن ذكر حينما نريد أن نصلح بين الزوجين لا بد من إرادة الزوجين {..إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا..}[النساء:35] إذا غابت الإرادة من طرف أو من الأطراف فلن تكون هناك مصالحة ولذلك كل المصالحات التي جرت في الصومال فشلت لماذا؟ لأنه غاب عنها عنصر مهم جدا في المصالحات وهو عنصر الإرادة. ثالثا نحن نحتاج أن تفهم الأطراف المتقاتلة في المجتمع الصومالي أهمية وحدة الصف الداخلي، الآن هم يقولون هناك تدخل خارجي للصومال، هناك دول إفريقية تتدخل، القوى الأجنبية تتدخل بحار الصومال صارت نهبا لكل من يريد، فكل هذه الأمور لماذا؟ لأن الصف الداخلي منهار ولذلك يجب أن يفهم هؤلاء المتقاتلون أن الصف الداخلي يجب أن يكون متماسكا وقويا. رابعا يجب أن يفهم الأطراف فهما جيدا للواقع الذي هم يعيشون فيه الواقع المحلي، نحن لسنا في قرية معزولة عن العالم لا نعيش في المريخ لا نعيش في جزيرة نائية نستطيع وحدنا أن نطبق الشريعة ونفعل ما نشاء، نحن في عالم متشابك مترابط في عالم معولم، إذاً إذا نحن نعيش في هذا العالم المعولم في عالم صارت العلاقات كالشبكة العنكبوتية لا تستطيع أن تعيش وحدك هنا ولا يؤثر فيك أحد ولا تؤثر على أحد هذا العالم في مخيلة بعض الناس وليس.. في الحقيقة يجب أن نفهم الصراع الإقليمي الموجود في المنطقة وكذلك يجب أن نفهم المعادلات الكونية، الأطراف الصومالية خاصة المتدينة التي تريد أن تنقذ المجتمع الصومالي يجب ألا تبتعد عن أن هناك قوى أجنبية كبرى لها مصالح كبيرة جدا في المنطقة، إذاً فيجب أن نتعلم كيف نتعامل مع هؤلاء بذكاء كيف نتعامل بمرونة دون أن نفرط في ثوابتنا أو في مبادئنا وعقائدنا وكل ما هو إسلامي يجب أن ندافع عنه ولكن يجب أن يكون عندنا مرونة في التعامل مع الآخرين، بهذه الأمور الخمسة نستطيع أن نقوم بمصالحة صومالية صومالية وبمصالحة خاصة بين التيار الإسلامي الذي هو الآن يتصارع في الحكم على الصومال.

عثمان عثمان: يعني هناك من يقول فضيلة الشيخ، ربما يكون السؤال الأخير في أقل من دقيقتين، ثمة مفهومان أساسيان يمكن أن يسهما في نزع فتيل الصراع بين المسلمين، الأول استعادة مفهوم الأخوة الإيمانية، الثاني إدراك أن العمل السياسي يتم تحت باب المصالح والمفاسد والموازنة بينهما وليس تحت باب العقائد، ما رأيكم؟

عبد الرحمن بشير: هذا صحيح، نحن إذا أردنا أن نعيد للصومال هيبته في المنطقة، وكل الأمة إسلامية ولكل مجتمع مسلم يحتاج إلى استقرار لا بد وأن تكون وحدته الداخلية قوية وأن يتآخى في سبيل الإسلام، هذا أولا ثم نحن حينما نحول المعارك السياسية إلى معارك عقائدية إلى معارك التكفير والتفسيق والتخوين وما إلى ذلك فهذه تدخل من باب المصالح إلى باب أخرى، نحن إذا أراد الإسلاميون أن يفقهوا في باب العلوم السياسية يجب أن ينزلوا ما يسمى بالقواعد الشرعية، المبادئ سهلة ولكن التطبيق يحتاج إلى -كما ذكر بعض العلماء عندنا- بعض القواعد الفقهية المهمة جدا في هذا الباب "ارتكاب أهون الشرين"، "أخف المفسدتين"، "الضرر يزال ولا يزال بمثله" الضرر يزال بقدر الإمكان ليس كما تريد، بقدر ما يمكن لك تزيل الضرر ويتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، كل هذه الأمور إذا نزلناها في الواقع وطبقناها نستطيع أن نفعل ما يسمى بالقواعد الفقهية التي تفتخر بها الأمة الإسلامية كثروة تشريعية عظمى.

عثمان عثمان: في ختام هذه الحلقة أشكركم فضيلة الشيخ عبد الرحمن بشير المستشار في المحكمة العليا في جيبوتي على حضوركم معنا في هذه الحلقة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة