علاقة المال والسلطة في إسرائيل   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

دان شيفتان: معهد الأمن القومي بجامعة حيفا- تل أبيب
أحمد الحملي: خبير في الشؤون الإسرائيلية - القاهرة

تاريخ الحلقة:

16/01/2003

- تداعيات فضيحة شارون المالية على الانتخابات الإسرائيلية
- مدى اختراق الفسادُ الحياةَ السياسية وموقف المجتمع الإسرائيلي منه

محمد كريشان: قد يغرق شارون وقد ينجو، لكن ملف الفساد يظل لاعباً أساسياً في حلبة الصراع السياسي الإسرائيلي. تساؤلات حول جدل السلطة والمال في إسرائيل.

السلام عليكم. قضية الفساد التي انفجرت في وجه شارون لم تكن جديدة، فالشرطة الإسرائيلية بدأت التحقيق فيها منذ أشهر وسط تعتيم إعلامي كبير، حتى لا تؤثر في الانتخابات المقبلة في الثامن والعشرين من هذا الشهر، لكن شاءت الظروف أو شاءت جهة ما -ربما- أن تندلع القضية الآن في عز الإعداد لهذه الانتخابات.

وإلى حد الآن لم يقدم شارون ردوداً مقنعة على الشبهات التي تحوم حوله وحول نجليه، خاصة أنها جاءت مباشرة بعد فضيحة شراء الأصوات في انتخابات الليكود لتحديد قائمة مرشحيه لانتخابات الكنيست، وأطاحت بنائبة وزير الاستيطان (نعومي بلومنتال)، وحيث إن التحقيق في فضيحة شارون لن ينتهي قبل الانتخابات المقبلة فستظل القضية تتداخل مع هذا الاستحقاق صعوداً ونزولاً في بورصة استطلاعات الرأي، جيفارا البديري تابعت هذا التدخل في التقرير التالي.

تداعيات فضيحة شارون المالية على الانتخابات الإسرائيلية

تقرير/جيفارا البديري: الفضيحة الجديدة تمركزت حول رئيس الوزراء الإسرائيلي (آرييل شارون) وولديه (جلعاد) و(عُمري) الذي عُرف اسمه من خلال مفاوضات سرية مع الفلسطينيين، لقيامهم بتلقي ضمانات مصرفية بقيمة مليون ونصف المليون دولار أميركي قبل أربع سنوات من صديق لشارون، الصديق يُدعى (سيريل كيرن) رجل أعمال يهودي من جنوب إفريقيا، رئيس الوزراء الإسرائيلي ادعى أن المبلغ كان دَيْناً سيستخدمه لتسديد أموال ترتبت عليه بعد تمويل غير مشروع لحملته الانتخابية الداخلية لحزب الليكود عام 99 ومن هنا يتضح حجم المخالفات المالية المسجلة باسم البلدوزر شارون، صحيفة "هاآرتس" كبرى الصحف الإسرائيلية فجرت القضية، لتنقلب الطاولة الانتخابية.

شارون الذي شعر أنه في مأزق كبير عقد مؤتمراً صحفياً لتقديم الأدلة على بطلان القضية واتهام حزب العمل بالوقوف وراءها.

آرييل شارون (رئيس الوزراء الإسرائيلي): هذا افتراء ضدي شخصياً، لذلك أنا هنا للرد على ما يتعلق بي أما ابني جلعاد فلم يحقق أحد معه، ومن يحاول الحكم عليه وحسم مصيره هو (متسناع) ومن يساعده، وأنا هنا للدفاع عن نفسي من فرية حقيرة ومنحطة.

جيفارا البديري: الخطاب لم يُسمح ببثه كاملاً بقرار من رئيس لجنة الانتخابات المركزية، بدعوى أن شارون استغل الوقت الممنوح له للقيام بدعاية انتخابية محظورة بموجب القانون، ولم يقدم أدلة على براءته من التهمة، أما الكثيرون فرأوا أن شارون استغل المؤتمر الصحفي للتهرب من الإجابة على أسئلة حول الفضيحة.

تداعيات فضيحة الأموال المنسوبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي وولديه، والتي وصلت إلى حد مطالبته بالاستقالة والاعتزال في مزرعته تتواصل، خاصة وأن السلطة الرابعة في إسرائيل لازالت تناضل من أجل فتح ملفات أخرى، ومع ذلك فإن فضيحة الأموال التي كُشف عنها النقاب الخميس الماضي، ستجعل من حجم المنافسة داخل أروقة السياسة الإسرائيلية تسارع الزمن مع بدء العد التنازلي ليوم الانتخابات العامة في إسرائيل.

قرار رئيس لجنة الانتخابات المركزية على ما يبدو أعاد لشارون وحزبه بعض الشعبية، فبعد يومين من نشر القضية في وسائل الإعلام فَقَدَ الليكود -حسب استطلاعات الرأي- عشرة مقاعد على الأقل في الكنيست، مع توجيه بعض كوادر الليكود أصابع الاتهام إلى الرجل الثاني (بنيامين نتنياهو) الأمر الذي رفضه الأخير وقَدَّم دلائل تنفي علاقته بالأمر، لكن مؤيدي الليكود شعروا أن القرار بقطع بث الخطاب هو تكميم للأفواه فماذا كانت النتيجة، تصدر حزب الليكود الأصوات، ليصل عدد المقاعد المتوقعة له إلى 33 مقعداً.

إيلي نيسان (صحافي مختص في شؤون البرلمان الإسرائيلي): صحيح أنه الشعب ما وافق مع رئيس الوزراء شارون والمعلومات التي أدلى بها، ولكن بسبب موقف القاضي (حيشن) الذي قام وقرر قطع البث الحي لرئيس الوزراء، الشعب في نهاية المطاف، رد بخطوة معاكسة على خطوة حيشن، وبعد 3، 4 أيام رأينا في الاستفتاء للرأي العام أن شعبية السيد شارون ارتفعت.

جيفارا البديري: ولكن ماذا حدث لحزب العمل أكبر الأحزاب اليسارية في إسرائيل، الذي توقع مؤيدوه أن تكون النكسة الجديدة لشارون هي الفوز المحقق لرئيس الحزب (عمرام متسناع) التوقعات لم تكن في الحسبان، حيث أكدت استطلاعات الرأي أن الحزب لن يحصل إلا على عشرين مقعداً، ولكن كيف كان رد حزب العمل على اتهامات حزب الليكود؟

البروفيسور شمعون شتريت (أحد قادة حزب العمل): التصريح الذي جاء أمس من قبل قيادات حزب العمل أنه لا.. لا ينضموا إلى حكومة وحدة وطنية برئاسة السيد شارون، كان الجواب على ذلك.

جيفارا البديري: على الاتهامات.

شمعون شتريت: على الاتهامات ضد حزب العمل، فالمبادرة هي مبادرة صحفية والمعلومات جاءت من الصحف، والخطوات التي اتخذت كانت من قبل سلطات رسمية.

جيفارا البديري: ومهما كانت نتائج الانتخابات، وعلى الرغم من إمكانية إعادة تفجير قضية شارون بعد يوم واحد من الانتخابات الإسرائيلية، فإن السؤال المطروح لدى الشارع الإسرائيلي هو: هل بالفعل شارون بريء من تهم الفساد والرشاوي وقادر على السير بهم إلى بر الأمان؟

محمد كريشان: شارون ليس الأول في فضائح الفساد في إسرائيل ولن يكون الأخير بالتأكيد، لكن لفضيحته هو بالذات طعم خاص، فالرجل كرَّس جل جهده في السنوات القليلة الماضية كي يبدو في نظر الرأي العام الداخلي في صورة الجد الحنون الحريض على مصلحة الدولة وهيبة مؤسساتها وعلوية القانون، غير أن هذه الصورة تعرضت الآن لخدوش ستترك ندوبها لا محالة.

لمناقشة القضية معنا من تل أبيب دان شيفتان (الباحث في علم الاجتماع السياسي بمعهد الأمن القومي في جامعة حيفا).

سيد شيفتان أولاً: كيف استطاع شارون أن يصمد إلى حد الآن أمام هذه الفضيحة؟

دان شيفتان: بالأساس إن الحكومة والسلطة الإسرائيلية لن تقبل بفكرة أن شارون يعاني من الفساد وأن هنالك مشكلة في الليكود وهذا يدعو إلى.. وهذا ما أدى إلى الانخفاض في الأصوات، ولكن بعد الفضيحة شهدنا الانخفاض ومن ثم عاد التصويت لصالح شارون، إذن فالمصوت والمنتخبين الإسرائيليين لا.. ليسوا مقتنعين بأن شارون هو الذي يعاني من الفساد، بل هنالك مشكلة في الحزب، وبالتالي عندما عادت هذه الصورة بالنسبة لشارون كانت القضية ليست مسألة فساد، بل كان هنالك قضايا أخرى مهمة، وهي أن شارون لم يخبر الحقيقة كاملة، لكن الشارع الإسرائيلي ليس راغباً الآن لاتهام شارون لأنه ليس معنياً الآن.

محمد كريشان: ولكن برأيك كيف استطاع أن.. أن يفرمل السقوط شارون؟

دان شيفتان: أعتقد أنه تمكن من وقف هذه.. هذا السقوط، لأنه لم يقف أمام الاتهامات.. اتهاماته بالفساد، بل فقد شيئاً آخر وهو أمر تعرض له شخصياً، لكن تعرض له لفترة قصيرة فقط ولم.. ولا أعتقد أنه سيؤثر على الانتخابات المقبلة.

محمد كريشان: نعم، ولكن المشكلة أن القضية ليست في شارون فقط وإنما هناك فضائح أخرى تتعلق بانتخابات الليكود وتتعلق أيضاً بمشروع سياحي لابنه جلعاد في اليونان وبأيضاً شركة أخرى في حراسة المعابر أيضاً تورط فيها ابنه، إذن هناك أكثر من قضية في نهاية المطاف.

دان شيفتان: مرة ثانية أعيد وأكرر ما مدى تأثير ذلك على الانتخابات، ما شهدناه في إسرائيل هو المشابه للديمقراطيات الغربية، وهو أنه عندما يكون هنالك فساد في البرلمان، فهذا لا ينعكس على حزب معين، فهذا ينعكس فقط على أن أداء الأحزاب كاملة ليس جيد، والناخب الآن لن ينقل صوته من ليكود لحزب العمل، بل هذا يعكس صورة كاملة للجميع، حزب العمل لم يكسب الأصوات، بل العلاقة هي بين فلسطينيين والعالم العربي هي التي تعني الناخبين والعلاقات مع الولايات المتحدة وليست الفساد فقط.

محمد كريشان: نعم.. سيد شيفتان، الشرطة بدأت التحقيق قبل أشهر في هذا الموضوع، والتحقيق لن ينتهي قبل موعد الانتخابات، ماذا يحدث لو أُدين شارون، وفي نفس الوقت انتخب كرئيس وزراء جديد لإسرائيل؟

دان شيفتان: لا يمكن أن يدان، فقبل الانتخابات هنالك وقت قصير جداً، وهذا لا يكفي لإكمال التحقيقات، وناهيك عن إدانته واستجوابه، فلا يمكن لأي أحد في الحكومة أو بالمعارضة لم يمكن أن نتوصل لاتهام وإدانة أي شخص قبل الانتخابات، سواء أكان سيحصل على منصبه كرئيس وزراء أو نائب أو أي شيء، فهذا غير ممكن فإذا كنا نتوقع أن يتحقق تغيير في الواقع السياسي في إسرائيل وتحقيقات الشرطة، فأعتقد أننا سنحظى بخيبة أمل، لأن هذا ليس ممكن الآن.

محمد كريشان: نعم، حاولت سيد شيفتان أن.. أن تدين في النهاية النظام الحزبي ككل في.. في إسرائيل من خلال هذه الفضيحة، ولكن الفضيحة في النهاية تظل شخصية، وهنا نسأل لماذا لم يبلغ شارون عن كل هذه العمليات قبل أن يتم التفطن إليه، وبالتالي نشر الغسيل الوسخ؟

دان شيفتان: إن الفضيحة الشخصية لشارون أثبت أن لها أثر خفيف جداً على الانتخابات، فأنا لست من الشرطة ولست قاضياً، ولا يسعني أن أحكم على ما يحدث، لكن بوسعي أن أحكم على الناتج السياسي، وهو أن الرأي العام الإسرائيلي يقول: إننا لا نعتقد أن هذا سيؤثر على ناتج الانتخابات، فإذا عمل شيء شارون، انتهك شيء من القوانين، فهذا لا أعتقد أنه سيؤثر على الانتخابات، والعنصر الهام هنا هو ما.. ليس ما يحدث لشارون، بل عندما تنخفض شعبية الليكود واثنا عشر شخص من الليكود ينسحبون من الكنيست فإن حزب العمل لن يحصل على هذه الأصوات، بل أن الشعب لا يعرف الآن لمن سيصوت، ومن سينتخب بعد هذه المشكلة، ليس الحسم هنا ليس الفساد أو عدم الفساد، بل هي العلاقات مع الفلسطينيين والأميركيين، فبالتالي الشعب الإسرائيلي لا يثق بأي أحد إن لم تكن هذه العلاقات قائمة وبشكل جيد، فالليكود إذا خسر هذا لا يعني أن حزب العمل سيفوز، وهذا لا يغير أي شيء بالنسبة للعلاقات الإسرائيلية، بالنسبة للعرب أو العلاقات الدولية.

محمد كريشان: يعني هل معنى ذلك بأن الرأي العام الإسرائيلي مستعد أن يقبل بشخصية سياسية حتى وإن كانت فاسدة شرط أن تكون شديدة في التعامل مع الفلسطينيين؟

دان شيفتان: أعتقد أننا إذا ما نظرنا إلى جميع الدول الديمقراطية في الغرب ستجدون أن كلما كان هنالك رئاسة وزراء ووزارات هنالك فساد، وهذا ما نجده في الولايات المتحدة وفي إسرائيل، وبالطبع لا نجده في العالم العربي، لأنه ليس لديكم انتخابات حقيقية في العالم العربي، ولا يمكن جمع التمويل لحملات انتخابية، لكن في الدول الديمقراطية عندما يأتي الأمر لانتخاب أفراد البرلمان وأعضاء البرلمان هذه المسألة.. مسألة الفساد تكون ممكنة ومتاحة وفرصتها جيدة، فأعتقد أن الليكود يعاني من هذه المشكلة، لكن حزب العمل أيضاً في الحملة الأولية كان يعاني من نفس المشكلات، هذا هو الإطار العام والتوجه العام في الشارع الإسرائيلي.

محمد كريشان: يعني بالطبع.. بالطبع الوضع.. بالطبع الوضع في العالم العربي مختلف لا أحد ينكر ذلك، ولكن في الغرب لو كانت الفضيحة لطار ربما في يومين أو في أسبوع.

دان شيفتان: في العالم العربي لا يوجد أي انتخابات، فليس داعي أن تقوم بجمع تمويل الانتخابية، فإذا قارننا الفساد في العالم الغربي والعالم العربي ستجدون أنه في الغرب الديمقراطيات الغربية، هناك كثير من حالات.. حالات فساد قليلة، لكن في العالم العربي هي أكثر، لكن كلما كان هناك بشر وناس، هناك فساد، وبالتالي احتمالية الفساد واردة في أي مكان، فالديمقراطية هي التي يمكن أن تكشف الفساد، والفساد في دول غير ديمقراطية يكون شكله آخر.

محمد كريشان: سيد دان شيفتان، شكراً جزيلاً لك.

المفارقة أن شارون بعدما بدا إثر الفضيحة كذئب جريح بدا الآن يسترجع بعض أنفاسه وجزءاً هاما من شعبية.

بعد الفاصل: نظرة في مدى اختراق الفسادُ الحياةَ السياسية في إسرائيل وموقف المجتمع الإسرائيلي منه.

[فاصل إعلاني]

مدى اختراق الفسادُ الحياةَ السياسية وموقف المجتمع الإسرائيلي منه

محمد كريشان: كتب أحد المعلقين الإسرائيليين في صحفية "معاريف" يقول: أن الانتخابات التي تدور حول الفساد في الحكم هي متعة في دول أخرى غير واقعة مثلنا في ظل خطر استراتيجي دائم أمنيا واجتماعياً واقتصادياً، قبل أن يضيف: أن القضايا الصعبة تختلف هنا، زياد بركات يستعرض بعض قضايا الفساد التي شابت العمل السياسي في إسرائيل.

تقرير/ زياد بركات: إنه موسم تنظيف الإسطبلات في إسرائيل عشية الانتخابات، وكما حدث في انتخابات عام1992 فإن روائح الفساد تحيط بشارون، وتطوِّق عنقه كحبل المشنقة، آنذاك مُني حزب الليكود بهزيمة غير متوقعة أمام حزب العمل الذي كان يقوده (إسحاق رابين)، أما السبب فشارون نفسه وزير الإسكان في حكومة (شامير)، ففساده في تلك الوزارة دفع الناخبين إلي الانقلاب على الليكود ورفع شعار: أيها الفاسدون، مللناكم لينتهي الأمر بفوز رابين.

وما أشبه اليوم بالبارحة، فالفساد وشراء الأصوات وتلقي الرشاوى تعود إلى الواجهة مجدداً دافعة شارون إلي حافة الهاوية، إلي درجة قال فيها أحد المعلقين الإسرائيليين: أن ثمة شيئاً متعفناً بشكل دائم في مزرعة شارون، غير أن الأمر ليس مقصوراً علي شارون وحسب فبنيامين نتنياهو ترك رئاسة الوزراء والفضائح تحيط به من كل جانب، فمن تلقي الأموال بطريقة غير مشروعة من أحد رجال الأعمال إلى الهدايا التي كانت تنهال عليه وعلى زوجته أموُر دفعت الناخب إلى ترجيح كفة باراك على نتنياهو، وقبل ذلك غادر (عيزرا وايزمان) مقر الرئاسة الإسرائيلية للسبب ذاته، فقد أدى الكشف عن تلقيه نحو نصف مليون دولار من رجل الأعمال الفرنسي (إدوارد ساروسي) إلى خروجه من الحياة السياسية مكللاً بالعار.

ولا يقتصر الأمر على هذا المستوى من رجالات إسرائيل وسياسييها، بل إنه يشمل أيضاً نواباً في الكنيست ورؤساء أحزاب صغيرة، بل وأعضاء في اللجان المركزية لهذه الأحزاب، ومنها أحزاب دينية، فـ (إيريه درعي) الزعيم السابق لحزب (شاس) المتدين، أُدين وسجن بعد الحكم عليه بتلقي الرشاوى وممارسة الاحتيال، ونهب مئات الآلاف من الدولارات خلال فترة خدمته كوزير للداخلية في مطلع التسعينيات، كما خضع أول وزير عربي في حكومة إسرائيلية، صالح طريف، للتحقيق بتهمة التوسط لمنح فلسطينيين من الضفة الغربية جواز سفر إسرائيلياً مقابل آلاف الدولارات، كل هذا وهو ليس إلا جزءاً من كل يؤكد رأي بعض المحللين الإسرائيليين بأن الفساد أصبح سمة عامة للعمل الحزبي في إسرائيل، وأن تنظيف الإسطبلات مجرد موسم ليس إلا تعود بعده الأمور إلى سابق عهدها.

محمد كريشان: إذاً الأمور قد تعود في إسرائيل إلي سابق عهدها، وكأن شيئاً لم يكن مما يدعو إلى التساؤل عن المدى الذي يمكن أن تذهب إليه فعلاً التحقيقات في فضيحة شارون الحالية، ومدى اعتبار ما جرى نقيصة أصلاً في ضوء سيطرة الهواجس الأمنية والمعيشية على الرأي العام الإسرائيلي، مما يحول ربما دون وضع قضايا الفساد على رأس أولويات رجل الشارع العادي.

معنا من القاهرة أحمد الحملي (الخبير في الشؤون الإسرائيلية). سيد حملي، تابعت معنا سيد دان شيفتان، وحاول أن ربما يسخف قليلاً ما بوضعية الفساد في إسرائيل، هل ترى الصورة بنفس الزاوية؟ سيد حملي.. إذن.. إذن نعتذر هناك إشكال في موضوع الصوت، وللأسف سؤالنا لن يجد جواباً فيما يتعلق بالسؤال، ربما نحاول مرة أخرى إذا كان السيد حملي يسمعني، سيد حملي، هل تسمعني الآن؟ سيد حملي، هل تسمعني. سيد حملي.

أحمد الحملي: أنا.. أنا سامعك كويس.

محمد كريشان: الحمد لله. إذن أعيد السؤال، هل ترى الأمور من نفس الزاوية التي رآها ضيفنا الإسرائيلي، الذي حاول أن يخفف من وطأة موضوع الفساد؟

أحمد الحملي: أنا الحقيقة عايز أقول حاجة، أنا هألخص القضية في ثلاث نقاط: النقطة الأولى: إنه نجل آرييل شارون جلعاد حصل على القرض دا بمليون و490 ألف دولار من صديق والده سيريل كيرن، الذي يعيش في (جوهانسبرغ) في جنوب أفريقيا، شارون قال في المؤتمر الصحفي إنه لم يكن يعرف، إنما علم لأول مرة من ما نشرته صحيفة "هاآرتس"، هذه نقطة، النقطة الثانية: عندما سُئل هل تم جلعاد إبلاغ الجهات المختصة المسؤولة عن ذلك لحصوله على هذا القرض؟

قال: أنا ليست لدَّي معلومات، دي نقطة، إذن هنا آرييل شارون مسؤول، لأنه ليس من المتوقع إنه مواطن عادي يحصل على هذا القرض مليون ونصف مليون دولار دون أن يكون والده رئيس لحكومة إسرائيل، لأنه شارون كان صديق سيريل كيرن منذ عام 48 عندما كانوا يخدمان سوياً في الفيلق البريطاني.

النقطة الثانية: إنه (عُمري شارون) خلال الانتخابات التمهيدية داخل الليكود قام بإضافة الآلاف من أصحاب السوابق إلى عضوية الليكود، وطبعاً دا عشان يعِّزر من شعبية والده آرييل شارون في الانتخابات على رئاسة الليكود، ثم الانتخابات التي جرت إلى جانب قائمة المرشحين لعضوية الكنيست من قبل الليكود، أضاف 800 صوت من أعضاء ما يسمى بأفراد جيش جنوب لبنان المنحل إلى عضوية الليكود، طبعاً دول لهم حق التصويب فقط في الانتخابات التمهيدية والانتخابات التي جرت على قائمة المرشحين، لكن ليس لهم الحق في انتخابات الكنيست، أيضاً أضاف أصوات من عرب القدس العربية، أضافهم إلى عضوية الليكود، إذن دي.. كل هذه النقاط بتشير إلى أنه عمري شارون استفاد.. استغل وجود أبوه على رئاسة الحكومة، وبدأ يعزر من أصواته داخل الليكود لزيادة شعبية آرييل شارون في المنافسة على رئاسة الليكود أمام بنيامين نتنياهو.

القضية إنه تم سداد هذا القرض في خلال 15 أشهر، ليس أكثر، والقضية إنه في البداية قالوا إنه هو الولد بلَّغ المليونير اليهودي في جنوب أفريقيا إنه مزرعة والده في حاجة إلى مشكلة بتواجه السيولة وإنه كمان السيولة إنه هو خد هذه المبالغ..

محمد كريشان: ولكن.. ولكن عفواً.. يعني عفواً.. عفواً سيد.. عفواً.. عفواً سيد حملي، يعني بغض النظر عن التفاصيل الدقيقة، و.. وبعضها ربما يكون معقد، أحد المعلقين في صحيفة "معاريف" علَّق على الأزمة كلها بالقول: ما يبدوا اليوم أمراً خطيراً سيبدو غداً أمراً تافهاً، هل تعتقد بأن المجتمع الإسرائيلي لديه قدرة على تجاوز هذه القضايا الفساد، مثلما تجاوز موضوع نتنياهو، في حين أننا نرى مؤشرات أخرى، مثلاً بالنسبة لإيريه درعي، قُضي على مستقبله السياسي، لماذا التعامل يتفاوت من قضية إلى أخرى؟

أحمد الحملي: لأ، لابد أن يراعى في هذا النقطة إنه آرييل شارون ما حصلش على رشاوي، دي.. دي قضية فساد، وقضية الفساد دي قد تستمر لفترة زمنية طويلة جداً، وتنتهي بغلق الملف، لأنه إيريه درعي بيختلف، لأن إيريه درعي كان وزيراً للداخلية، و.. واستغل وظيفته، وخد جزء من أموال وزارة الداخلية، و.. و.. وقدمها منح ومساعدات إلى الأحزاب الدينية المختلفة، الوضع مختلف تماماً.

النقطة الأخرى إنه كانت هذه القضية قضية الفساد كانت مجرد مانشيتات في الصحافة الإسرائيلية لمدة 48 ساعة، ليس أكثر، لأنه لا ينبغي أن نعلِّق كثيراً، أو نعوِّل على أن هذه القضايا أو نشر هذه القضايا سيؤدي إلى سقوط آرييل شارون وفوز حزب العمل، آرييل شارون بينافس (عمرام متسناع)، عمرام متسناع ليس له ماضي سياسي، ولم.. ولم يتولى قيادة الجيش الإسرائيلي على عكس (إيهود باراك) إيهود باراك دخل انتخابات 99 وهو كان.. وكان لديه الخبرة في المجال السياسي والمجال العسكري، شغل قيادة الجيش، كان رئيس لجهاز المخابرات العسكرية، تولى منصب وزارة الداخلية، منصب وزارة الخارجية، إذن عمرام متسناع لم يتولى منصب، أخر منصب تولاه كان قائد.. قائد القيادة الوسطى في الجيش الإسرائيلي..

محمد كريشان [مقاطعاً]: ولكن يعني.. يعني على.. على ذكر متسناع.. على ذكر متسناع سيد حملي..

أحمد الحملي [مستأنفاً]: علاقته مع (...) منقطع.. مافيش واحد رئيس حكومة..

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني على ذكر متسناع، هو أيضاً طالته تهم بالفساد على أساس أنه سمح ببعض التسهيلات في مشاريع البناء مقابل بعض الأموال لصندوق مدينة حيفا من قبل أشخاص تحوم حولهم شبهات فيما يتعلق بتبييض الأموال، هل الفساد أصبح سلاح يمكن أن يستعمل في المعركة الانتخابية بغض النظر عن موضوعية التهم؟

أحمد الحملي: لأ اللي أنا عايز أقوله إنه.. إنه قضية الفساد دي.. دا شيء.. سمة من سمات المجتمع الإسرائيلي، ليس جديدة.. ليست هذه القضايا جديدة في المجتمع الإسرائيلي، منذ قيام دولة إسرائيل 48 حتى يومنا هذا ونحن نتابع قضايا الفساد يعني من حين لآخر، وإنه ما فيش مسؤول في إسرائيل النهارده دا إلا متورط في قضايا الفساد. نذكر قضية -في منتصف السبعينات- قضية (إسحاق رابين) عندما تم العثور إن له حساب خاص بالعملة الأجنبية في.. في الولايات المتحدة الأميركية، واستقال من رئاسة الحكومة لتصحيح أوضاعه، ولكن دا كان مؤشر إن هناك قضايا فساد أخرى، هناك جمعيات بتتولى تقديم التبرعات لأقطاب الأحزاب أملاً في الحصول على خدمات في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية، دا على غرار ما يحدث في كل دول الغرب بالنسبة للمعركة الانتخابية، لكن يعنينا بالدرجة الأولى هل آرييل شارون سيتأثر بهذا؟ فيه.. تم إجراء استطلاع في أعقاب المؤتمر الصحفي الذي عقده آرييل شارون دا أشارت إلى نسبة 85% من الجمهور الإسرائيلي لا يصدقون آرييل شارون في أنه لم يكن لديه معلومات عن تصرفات نجليه جلعاد وعمري، إذن بالتالي آرييل شارون يعلم جيداً إن هو متورط هذه القضايا لا.. ويعلم جيداً أيضاً أن القضية ستستمر إلى ما بعد الانتخابات، وإنه شعبية شارون في التصاعد نتيجة أن المنافسة ضعيفة بينه وبين عمرام متسناع.

محمد كريشان: نعم. سيد حملي، في.. في النهاية وباختصار شديد لو سمحت، فيه استطلاع رأي أجرته جامعة حيفا أشار إلى تدهور سمعة رجال السياسة في.. في إسرائيل، إلى جانب رجال البنك وأعضاء الكنيست، هل ترى هذا مرتبط بقضايا فساد، وبالتالي انحدار السمعة؟

أحمد الحملي: لأ.. إحنا لو حكمنا على هذه القضية في إطار جو الفساد العام الذي يسود المجتمع الإسرائيلي نصل إلى قناعة أن هذه القضايا ليس لها تأثير على سير المعركة الانتخابية، وأن من يقول غير ذلك هو تقديراته خاطئة 100%، ولابد أن يؤخذ بعين الاعتبار إنه نجاح آرييل شارون يرتبط أيضاً بإنه المنافسة بينه وبين متسناع ضعيفة، وليس هناك توازن في هذه المنافسة.

أيضاً النقطة الثانية والبالغة الأهمية أن آرييل شارون استطاع أن يقيم.. يقيم شبكة علاقات قوية مع الإدارة الأميركية برئاسة (جورج بوش) والنهارده نجح في أنه يحرِّك مطالب إسرائيل في الحصول على قروض وعلى مساعدات اقتصادية.. مساعدات عسكرية بـ4 مليار، وضمانات أميركية تتراوح ما بين 18 مليار دولار، إذاً آرييل شارون النهارده نجح في أن يثير انتباه الرأي العام لقدرته على إدارة شؤون إسرائيل، على الرغم أنه قد يسقط في أي لحظة، لأنه هو النهارده بيشكل بتصرفاته ضد الشعب الفلسطيني كارثة على غرار الكارثة اللي ارتكبتها (جولدا مائير) في 73 وانتهت في حرب أكتوبر 73.

محمد كريشان: نعم.. نعم. شكراً.. شكراً.. شكراً لك.. شكراً لك.. شكراً لك سيد أحمد الحملي (الخبير في الشؤون الإسرائيلية).

وبهذا نصل إلى نهاية هذه الحلقة دمتم في رعاية الله، وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة