انتفاضة الأقصى بعد عامين   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)
مقدم الحلقة: مالك التريكي
ضيوف الحلقة: -أمنون كبليوك: محلل سياسي - باريس
- د. محمد خالد الأزعر: خبير الشؤون الفلسطينية والعربية – القاهرة
تاريخ الحلقة: 26/09/2002


- التطورات على الساحة الفلسطينية بعد عامين من انتفاضة الأقصى
- انتفاضة الأقصى من المنظور الإسرائيلي
- مدى علاقة وسائل الانتفاضة بأهدافها

مالك التريكي: بعد عامين من انتفاضة الأقصى، تساؤلات حول العلاقة بين الوسائل والأهداف في المرحلة الحالية من حركة التحرر الوطني الفلسطيني.

أهلا بكم، بمثل ما يعتقد الرئيس (بوش) أن حملته القادمة ضد العراق إنما تمثل استكمالاً لحرب ناقصة هي حرب الخليج عام 91، فإن (شارون) يعتقد أن حملته المستمرة منذ سنتين ضد الفلسطينيين إنما تمثل استكمالاً لحرب ناقصة هي حرب عام 48، فإذا كانت الانتفاضة الثانية التي توشك أن تدخل عامها الثالث تمثل بالنسبة للفلسطينيين مرحلة في حرب التحرير، فإن الحملة الكولونيالية المستمرة التي تقمع الانتفاضة تمثل بالنسبة لشارون المرحلة الأخيرة فيما يسمى إسرائيلياً بحرب الاستقلال، هذه المرحلة التي ظل شارون ينتظرها أكثر من ثلاثة عقود، إذ في مثل هذا الشهر من عام 70 عاب شارون على الحكومة الإسرائيلية أنها لم تغتنم آنذاك الفرصة للإطاحة بالحكم الهاشمي وتحويل الأردن وطناً بديلاً للفلسطينيين، ولهذا فإنه قد أنشأ هذه الفرصة إنشاء عندما أخذ قبل عامين في تنفيذ خطة مدروسة بدأت بالزيارة الاستعراضية الاستفزازية التي رافقه فيها ألف من القوات الإسرائيلية إلى الحرم القدسي الشريف، وبفعل هذه الزيارة الاستفزازية التي سبقتها في نفس الشهر زيارة إلى نيويورك جُمعت فيها تبرعات سخية للمستوطنين نجح شارون في إشعال الانتفاضة التي استخدمها سياقاً تبريرياً للبدء في فض ما يسميه الإسرائيليون بالقنبلة الديموغرافية الموقوتة، وذلك بتوفير جميع الشروط اللازمة لتنفيذ خطته القديمة التي تعود إلى عام 67، أي خطة التهجير الجماعي (الترانسفير)، وتتمثل هذه الشروط فيما يشهده العالم منذ عامين -دون اكتراث- من نسف أبسط لوازم البقاء الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وإفراغ الحياة الفلسطينية من أي مقوم من مقومات الاقتصاد ولو كان معيشياً، وزلزلة أسس المجتمع الفلسطيني بكارثة اليتم السياسي أي بإفناء القيادة السياسية وتعمد اغتيال المقاومين للاحتلال وإيقاع أكبر عدد ممكن من الجرحى والمعاقين بين المدنيين، كل ذلك خدمة لهدف واضح ومحدد، هو تقطيع أوصال الأرض الفلسطينية وتمزيق شرايين المجتمع الفلسطيني بحيث يتحول الفلسطينيون إلى مجرد غبار أفراد، حسب العبارة الكولونيالية الشهيرة، قابلين للترحيل الجماعي أول ما تسنح الفرصة.

في مقابل هذا المخطط الذي يعمل على زرع شروط القابلية للترانسفير بعد أن تعذرت القابلية للاستعمار -حسب عبارة مالك بن نبي- تستمر الانتفاضة الثانية في تصميم أبيِّ، ولكن أيضاً وسط حيرة عامة حول ما إن كانت لا تزال تخدم الأهداف الوطنية الفلسطينية، أم أنها أصبحت تخدم المشروع الصهيوني الشاروني.

شيرين أبو عاقلة تستعرض تطورات عامين من انتفاضة الأقصى.

التطورات على الساحة الفلسطينية بعد عامين من انتفاضة الأقصى

تقرير/ شيرين أبو عاقلة: عندما تحدى (آرييل شارون) مشاعر الفلسطينيين والعرب بزيارته الشهيرة إلى المسجد الأقصى، لم يكن يخطر ببال أحد أن تلك الزيارة كان لتؤرخ لبداية انتفاضة ثانية ستمتد سنوات.

أحد الكتاب الفلسطينيين وصف الانتفاضة على أنها إبداع من إبداعات هذا الشعب، وكتلة تاريخية تطرق أبواب الحرية.

فالانتفاضة -برأي الكثيرين- كشفت أولاً عجز الاتفاقات الموقعة عن تحقيق الأهداف الفلسطينية.

د. مصطفى البرغوثي (مدير معهد الإعلام والسياسات الصحية – رام الله): الانتفاضة أعادت الشعب الفلسطيني والشعوب العربية إلى الواقع، لأن أوسلو لم يكن سلاماً، بل كان شيئاً زائفاً، حاولت إسرائيل أن تستخدمه لتفرض هيمنتها على العالم العربي بهدوء وبدون مقاومة.

شيرين أبو عاقلة: اتخذت الانتفاضة في الأشهر الأولى من ميلادها طابعاً شعبياً لم تسجل خلالها عمليات فدائية داخل إسرائيل، لكن القوات الإسرائيلية واجهت الفلسطينيين بقوة عسكرية مفرطة أوقعت ما يزيد عن 260 شهيداً في الشهرين الأول والثاني منها فقط، ودفعت في تصعيد المقاومة ودخول أشكال المقاومة المسلحة التي كانت أبرزها العمليات داخل إسرائيل.

إسماعيل هنية (عضو المكتب السياسي لحركة حماس): هذه العمليات هي التي أعطت هذا البعد الكبير لهذه الانتفاضة ولهذه المقاومة، هي التي أحدثت توازن الرعب مع العدو الصهيوني، نظرية الأمن الصهيوني ضُربت والوضع الاقتصادي كمان أيضاً ضُرب وهناك لا يوجد أي استقرار سياسي في المجتمع الصهيوني.

شيرين أبو عاقلة: لكن هذه العمليات ورغم رأي المدافعين عنها أدخلت المجتمع الفلسطيني في جدل واسع بين مؤيد رأى فيها رداً على شراسة العدوان الإسرائيلي، ومعارض اعتبر أن انعكاساتها، لاسيما بعد الحادي عشر من سبتمبر، جاءت في غير صالح القضية الفلسطينية ومن هنا بدأت العديد من القوى الفلسطينية تميل لإعادة الطابع الشعبي لها كما ظهر في الأيام الأخيرة.

د. مصطفى البرغوثي: نرى اليوم كيف أن تعزيز الطابع الشعبي الجماهيري لهذه الانتفاضة والتنوع العميق والواسع في أشكال النضال يؤدي إلى اكتساب الشعب الفلسطيني والنضال الفلسطيني للكثير من الشعبية والإسناد خاصة على الصعيد الدولي، وأنا أعتقد أن هذا منحى مهم جداً ورائع، لأنه أيضاً يحرم إسرائيل من إمكانية أن تنتصر على الانتفاضة، إسرائيل قد تستطيع أن تنتصر على فصيل أو على طرف، ولكنها لا تستطيع أن تنتصر على شعب بكامله.

شيرين أبو عاقلة: ولا يشك اثنان بأن الانتفاضة كقضية عادلة استطاعت أن تصل إلى عمق الضمير العالمي حتى إن حاولت إسرائيل وماشاها في بعض الأحيان الإعلام الغربي في تصوير المقاومة على أنها عنف أو إرهاب.

وقد دفع الفلسطينيون ثمناً كبيراً خلال عامين من الانتفاضة سواء على الصعيد السياسي، أو حجم الشهداء والجرحى والتضحيات، سياسياً: جردت إسرائيل السلطة الفلسطينية من كافة صلاحياتها، وأعادت عملية السلام سنوات إلى الوراء، فالمدن عادت تخضع للاحتلال والمفاوضات ابتعدت عن القضايا الجوهرية التي بحثت في مستقبل اللاجئين والقدس والحدود، وأصبحت تلف في حلقات الانسحاب التدريجي من المدن أو رفع الحصار، أو حتى السماح برفع حظر التجول عن المدن المحتلة.

كما دمرت إسرائيل البنية التحتية لمؤسسات السلطة، وكلفت الفلسطينيين مادياً وبشرياً ثمناً باهظاً، إذ يقدر عدد الشهداء حسب إحصاءات الهلال الأحمر بنحو 1800 شهيد، ويزيد عدد الجرحى عن 20 ألف، وحسب تقديرات معهد الإعلام والسياسات الصحية الفلسطينية فإن 85% من الشهداء والجرحى هم من المدنيين، وتركز 99% من الإصابات في الأماكن العلوية من الجسم وتركت 2500 فلسطيني مع إعاقات دائمة.

يحيى خلف (كاتب/ رئيس المجلس الأعلى للتربية والثقافة): هناك مثل يقول: إن المطرقة تكسر الزجاج ولكنها تُصَفِّحْ الحديد، وهذا ما حصل بالنسبة للشعب الفلسطيني، لذلك هذه التجربة الغنية والكبيرة أعتقد أنها ستفضي إلى تجربة فلسطينية جديدة باعتبار أن الانتفاضة دعوة إلى التغيير والتجديد وبأعتقد إنه خلال المرحلة القادمة سنشهد تطور في الحركة الوطنية الفلسطينية وولادة حياة سياسية جديدة.

شيرين أبو عاقلة: وبين حاضر صعب ومستقبل قد يحمل الأمل يرى الكثيرون أن الانتفاضة لازالت تحتاج إلى الكثير من الدراسة والتقييم لاستخلاص الدروس.

انتفاضة الأقصى من المنظور الإسرائيلي

مالك التريكي: قبل أيام طلع شارون بتفسير جديد لأسباب اندلاع الانتفاضة، حيث قال إن الفلسطينيين دأبوا على خرق اتفاقيات أوسلو منذ توقيعها عام 93، إذ بدءوا بالتحريض وبث العداء ضد اليهود في كتب التعليم ووسائل الإعلام، ثم أخذوا في مضاعفة أعداد قوات الشرطة وتهريب الأسلحة وبناء قاعدة للإرهاب، ثم توصل شارون إلى هذا الاستنتاج: بما أن إسرائيل لم تتعامل بالحزم اللازم مع هذه الانتهاكات الفظة -حسب تعبيره- فقد اندلعت الانتفاضة.

إذن لماذا لم ينجح ما يسميه شارون بالحزم اللازم أي حملة القمع والقتل والتدمير المستمرة منذ عامين؟ لماذا لم تنجح في وقف الانتفاضة؟

لبحث قضية الانتفاضة من المنظور الإسرائيلي معنا من باريس المحلل السياسي الإسرائيلي (أمنون كبليوك).

أستاذ كبليوك، من المعروف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق (إيهود باراك) سمح لشارون في سبتمبر من عام 2000 بزيارة الحرم القدسي الشريف في إطار مناورة سياسية كان يهدف منها إلى استمالة اليمين الاستيطاني بعد فشل قمة (كامب ديفيد)، هل هذا كل ما في الأمر أم أن هنالك تخطيطاً إسرائيلياً لتفجير الانتفاضة؟

أمنون كبليوك: هذا جزء من المخطط الذي بدأ في أوسلو، اليوم إحنا نعرف أكثر مما عرفنا في السابق عن.. عن كامب ديفيد، كامب ديفيد في نية إيهود باراك كانت لكي يعلن للعالم كله إن نوايا الطرف الثاني هي نوايا غير سلمية، لذلك طلب أن تحل أزمة ومشكلة كبيرة استمرت 100 سنة في غضون أسبوعين بدون تحضير، الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات قال لما دعوه لكامب ديفيد، قال: إنه لازم تحضير دقيق وعميق لكي تنجح القمة، قال إيهود باراك: لأ، إننا نجي لهناك ونحل الاثنين خصوصاً الرؤساء يحلوا المشكلة، هذا جاء وقت الحل من قبل الرؤساء أعلى السلطة، فطبعاً لما اقترح ما اقترح تبين –كما قالوا المفاوضين الفلسطينيين- اتضح بالنسبة لهم إنه هذه مؤامرة، وليست.. ليست محادثات قمة لكي تحل المشكلة، مثلاً لما اختار إنه القدس تكون أهم مسألة في القمة وهو قال إنه حسب الحل الإسرائيلي، القدس كلها هي موحدة تحت السيادة الإسرائيلية كان عليه أن ينتظر أن يرد الطرف الفلسطيني باللا، وهكذا كان، بعد ذلك قال اخترع قصة الاقتراحات السخية التي أعطت إسرائيل للفلسطينيين وهم رفضوا، ولكن بالفعل عندما نفحص كل نقطة نرى إنه الاقتراحات ما كانت سخية، ولكنها كانت ضئيلة جداً، لا يمكن لأي فلسطيني أن يقبلها، عندما.. مع جرأة كبيرة ياسر عرفات قال: لا.. ليس من الممكن أن نقبل هذا، وهذا كان أمام.. أمام أكبر دولة في العالم، (كلينتون) الذي ضغط، وكل الطاقم الأميركي..

مالك التريكي [مقاطعاً]: إذن.. إذن أستاذ كبليوك.. أستاذ كبليوك.. أستاذ كبليوك.. أستاذ كبليوك هل تسمعني؟

أمنون كبليوك: أيوه.

مالك التريكي: إذن هل تقصد أن (باراك) كان يتعمد -بتقديم تنازلات ضئيلة جداً لياسر عرفات- إشعال الانتفاضة؟

أمنون كبليوك: أولاً قبل إشعال الانتفاضة كان لازم أن قمة (كامب ديفيد) ستنهار، إشعال الانتفاضة كما بعد ذلك، ولكن الخطوة الأولى كانت في كامب ديفيد، لما هو نال الرأي العام الإسرائيلي، وجزء من الرأي العام العالمي بأنه الفلسطينيين هم الرافضين، انتقل إلى الخطوة الثانية، إلى الانتفاضة، ولكن فيه مؤشرات إنه ماكانش في نية باراك حقيقة أن يصل إلى حل سلمي، لأنه عندما اقترح ما اقترح بخصوص القدس والحدود، وإلى آخره، كان من المنتظر أن الطرف الفلسطيني لن يقبل هذا.. بعد..

مالك التريكي [مقاطعاً]: كيف دخل (شارون) على الخط في هذا الإطار؟ كيف دخل شارون على الخط؟

أمنون كبليوك: فبعد.. بعد.. بعد..، كمان جملة، بعد انهيار قمة كامب ديفيد بدأت السلطة الإسرائيلية.. الحكومة الإسرائيلية تقول إنه ياسر عرفات والسلطة الفلسطينية ليست.. ليس.. هم ليسوا شركاء في عملية السلام، وبعد ذلك جاء.. جاءت زيارة شارون.. زيارة شارون كانت –كما يقول الناس الذي تابعوا هذا- كانت نوع من المؤامرة، لأنه.. أذكرك إنه 4 سنوات بالضبط قبل زيارة شارون فتح (نتنياهو) بعد انتخابه كرئيس الوزراء، فتح نفق تحت البلدة القديمة، وانتقل الفلسطينيين إلى الشوارع، وبدءوا بالمظاهرات، والجيش والشرطة الإسرائيلية أطلقت النار، وكان العديد من القتلى والجرحى، ولكن عدة أيام بعد.. بعد ذلك...

مالك التريكي [مقاطعاً]: أستاذ كبليوك، لأن الوقت أدركنا، عذراً.. عذراً على المقاطعة، لأن الوقت أدركنا، لنفرض لو أن الانتفاضة اتخذت طابعاً سلمياً بحتاً، ولم تتم أي عمليات فدائية، هل كان ذلك سيجدي نفعاً مع نوعية الاحتلال الذي يفرضه شارون؟

أمنون كبليوك: كانت الانتفاضة الأولى كانت انتفاضة ليست سلمية، ولكن انتفاضة حجارة، فالشارع الإسرائيلي عاش حياة عادية مدة عدة سنوات مع الانتفاضة الأولى، المتظاهرين رموا الحجارة، ولكن استعمال النيران.. الأسلحة النارية كان نادراً، الانتفاضة الثانية بسبب بدء الانتفاضة بالقتل وجرح العديد من المتظاهرين أعطى –ممكن- الشرعية للفلسطينيين، هم أخذوا الأسلحة بعد عدة أيام، بعد.. كان فيه 3 أيام الأولى كان 28 قتيل و500 جريح، وكذلك.. نضيف إلى ذلك ما حدث عند عرب 48، فالانتفاضة انجرت.. و.. وإلى.. إلى عسكرة الانتفاضة يعني استعمال الأسلحة، بدون استعمال الأسلحة..

مالك التريكي [مقاطعاً]: أستاذ.. أستاذ.. أستاذ أمنون.. أمنون كبليوك (المحلل السياسي الإسرائيلي) من باريس لك جزيل الشكر.

إذا كان الاحتلال في حِلٍ من أي ضوابط أخلاقية، وفي حصانة ضد كل القوانين الدولية، فبأي وجه يحق للمجتمع الدولي أن يطالب المقاومة ضد الاحتلال بأن تكون أخلاقية ومتحضرة؟!

بعد الفاصل: نظرة في طبيعة الانتفاضة وعلاقتها بالكفاح المسلح.

[فاصل إعلاني]

مدى علاقة وسائل الانتفاضة بأهدافها

مالك التريكي: في البداية كانت الانتقادات ضد الانتفاضة تصدر عن الإدارة الأميركية وبعض الحكومات الغربية، خاصة بعد أن تماهت الانتفاضة مع العمليات الفدائية التي يدركها العالم الغربي، أو لا يدركها العالم الغربي إلا في صورة أعمال إرهابية يتضافر فيها الانتحار مع القتل، ولكن الجدل حول الانتفاضة سرعان ما تحول إلى جدل فلسطيني داخلي مقيم، ومن علامات هذا الجدل شيوع عبارة "عسكرة الانتفاضة" على ألسنة المنتقدين للعمليات الفدائية، فهل كان بإمكان الانتفاضة أن تستمر لولا هذه العمليات الفدائية؟

لبحث مدى علاقة وسائل الانتفاضة بأهدافها معنا من القاهرة الدكتور محمد خالد الأزعر (الكاتب السياسي وخبير الشؤون الفلسطينية والعربية).

دكتور محمد خالد الأزعر، الأصوات تتعالى منذ مدة بوجوب إعادة تقييم الانتفاضة، من موقع رصدك للتطورات، ما هو تقييمك لمدى تلاؤم الوسائل مع الأهداف في الانتفاضة؟

د. محمد خالد الأزعر: بداية أنا أود أن أشارك المتحدث السابق الأستاذ كبليوك بأن الانتفاضة جُرَّت إلى ميدان العسكرة، مثلاً ما الذي فعله عرب 48 غير التظاهر والاحتجاج في الشارع العام لكي يسقط منهم 13 شهيداً و1000 جريح –وليس 500 كما ذكر- خلال اليومين الأولين؟ وهناك 7 شهداء في اليوم الأول فقط في باحة الأقصى، ومن ثم كانت هناك نوايا لاستخدام العنف المكثف من الجانب الإسرائيلي، عسكرة الانتفاضة لا تأتي فقط رداً على كيان يعني يتبنى نهج العنف، قام به، ويعيش عليه، ويتمنى أن يظل في حماه لأجلٍ مستقبلي ممتد، حتى أنه فكر في السلاح النووي بعد أيام من إعلان الدولة اليهودية..، الانتفاضة الفلسطينية جرت إلى هذه.. إلى هذا الميدان العسكري، وما كان لها أن.. أن.. أن تمانع في ذلك، يعني كانت تحتاج إلى إرادة من حديد، وليس إرادة أناس يتطلعون إلى أبنائهم وإلى إخوتهم يسقطون برصاص الجيش الإسرائيلي، فيما هنالك أسلحة أصبحت متوفرة في الشارع الفلسطيني بشكل علني، وأصبح هناك قوات شرطة كانت تريد إسرائيل إذلالها بأن تقتل الناس، فيما ينظر هؤلاء حولهم ولا.. لا يصنعون شيئاً، هناك شيء آخر علينا أن نأخذه في الاعتبار...

مالك التريكي [مقاطعاً]: إذاً دكتور.. آسف على المقاطعة.. آسف على المقاطعة، إذاً إذا جرت الانتفاضة جراً إلى ما سميته بالعسكرة ولم تكن تريد ذلك منذ البداية، ألا يعني ذلك أنها تلعب اللعبة حسب القواعد التي وضعتها إسرائيل؟

د. محمد خالد الأزعر: لا ليس تماماً، ليس هذا ما أقصده من أنها جرت، كنت أود أن أستكمل بأن طبيعة الميدان نفسه اختلفت بحيث المقارنة بين الانتفاضة الأولى وهذه الانتفاضة لا تجوز بدون أخذ الوضع اللوجستي، وضع علاقة قوة الاحتلال وانتشار هذه القوة بعيداً عن متناول أيدي المتظاهرين، الذين يتحدثون عن النضال المدني مستلهمين الانتفاضة الأولى يتجاهلون أن الميدان اختلف، أصبحت القوات الإسرائيلية بعيدة عن متناول الحجارة الفلسطينية، بعيدة عن متناول المتظاهرين، وفي الوقت ذاته كثفت من استخدام العنف عن بعد بمعنى أنها تقصف في الناس بالطائرات وبالأباتشي وبالأسلحة الثقيلة وكأنها في ميدان معركة، وبالتالي كان لابد أن يحدث نوع من أنواع الردع الفلسطيني حتى في حدوده الدنيا، قد لا يكون لدى الجانب الفلسطيني قدرة على توازن القوى، لكن أصبح يتلمس الأسباب إلى شيء من الردع، شيء من.. من الإخافة للجانب الإسرائيلي، فكان استخدام السلاح بشكل أو بآخر، لأن هو الأداة التي يمكن أن تطال الجانب الإسرائيلي، أما فكرة التظاهر والاحتجاج والتجمع عند الحواجز، وبالمناسبة إسرائيل أيضاً لم تعفِ هذه الحواجز ولم تتعامل معها بشكل يعني حضاري، وإنما تعاملت معها بعنف شديد جداً مما جعل لدى الرأي العام نوع من أنواع النزوع إلى فكرة الانتقام، نحن نتحدث عن بشر، نتحدث عن..

مالك التريكي: دكتور.. دكتور، المنتقدون..

د. محمد خالد الأزعر: نعم.. نعم.

مالك التريكي: دكتور، المنتقدون للعمليات الفدائية من الفلسطينيين لأنك تعرف طبعاً ليس هناك إجماع حولها، المنتقدون لها يقولون..

د. محمد خالد الأزعر: صحيح.

مالك التريكي: إجمالاً.. إجمالاً العبرة بالنتائج، وربما.. وربما (عضو المجلس التشريعي الفلسطيني) زياد أبو عمرو لخص الموضوع في عبارة تقول: الانتفاضة كانت تريد التحرير واستكمال.. استكمال التحرير، لكن ما حصل هو إعادة الاحتلال.

د. محمد خالد الأزعر: لأ.. لأ، الانتفاضة –بصراحة- لا تستطيع أن تحرر فلسطين حتى في حدود 67، دعني أقولها بشكل صريح، الانتفاضة بدون.. في شروطها القائمة فلسطينياً وعربياً ودولياً من المستحيل عليها أن تحرر أراضي 67 بهذا الشكل وبهذه الحيثيات، تحتاج إلى إعادة تقييم شاملة، وليست العسكرة هي التي أدت إلى انتكاس الانتفاضة، الانتفاضة لم تنتكس، نحن لا نعرف إلى أين كان سيفضي العنف الإسرائيلي إذا لم يكن هناك رادع بشكل ما من خلال عمليات العسكرة المحدودة جداً الفلسطينية، ثم إن القوى الفلسطينية حتى أكثرها يعني انحيازاً لجانب العسكرة وهو العمليات الاستشهادية، قمة أنواع التضحية، هذه القوة عرضت على الجانب الإسرائيلي أن تتوقف هذه العمليات إذا ما ارعوى هذا الجانب وتوقف عن قصف المدنيين وانتهاك الحرمات الفلسطينية وحياة الفلسطينيين في.. في مخادعهم، بمعنى أننا أن.. أن الجانب الفلسطيني لم يتبنَّ الاستشهاديات أو العمليات الاستشهادية حركياً كاستراتيجية له، ولم يشيطن الجانب الإسرائيلي، إنما يقوم بنوع من أنواع الردع، هو تأمل ذلك، وعلينا أن نقيم في حدود ما أقوله وهو أننا لا نعرف إلى أين كان سيفضي العنف الإسرائيلي فيما لو لم يكن هناك وازع أو نوع من أنواع هذا الردع، هذا جانب لا.. لا نستطيع تقييمه.

مالك التريكي: دكتور محمد خالد الأزعر (المحلل السياسي وخبير الشؤون الفلسطينية والعربية من القاهرة) لك جزيل الشكر.

وبهذا -سيداتي سادتي- تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة