المثقفون والسلطة في البلاد العربية   
الثلاثاء 1431/5/14 هـ - الموافق 27/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 12:33 (مكة المكرمة)، 9:33 (غرينتش)

- الواقع العربي وأزمة المثقف
- حرية التعبير والعلاقة بين المثقف والسلطة

- مسارات الثقافة العربية ومشكلاتها

- التيارات الفكرية المعاصرة والعلاقة بين المثقف والجمهور


غسان بن جدو
كمال عبد اللطيف
يحيى الجمل
علي برهانة

غسان بن جدو: مشاهدينا المحترمين سلام الله عليكم. يقال إن ربع العرب الثلاثمائة مليون أي 75 مليونا هم أميون، أميون بالمعنى الحرفي للكلمة أي لا يعرفون القراءة والكتابة فماذا عمن لا يعرفون كيف يقرؤون ومتى يكتبون؟ كيف يقرؤون الواقع بوضوح البصر وكيف يكتبون عن الواقع بتوضيح البصيرة، ماذا يقال عن هؤلاء يا ترى؟ يقال إن الثقافة أس بناء المجتمع قيميا وأس التعبير عن القيم تاريخيا وأس تشريح التاريخ إنسانيا وأس حماية الإنسان قانونيا وأس تأثير القانون مؤسسيا وأس تفعيل المؤسسة سياسيا وأس تحريك السياسة اجتماعيا فنعود إلى نقطة البداية في سيرورة تكاملية من الثقافة إلى القيم إلى القانون فالسياسة فالمجتمع، أي من الثقافة إلى السياسة إلى الإنسان. فماذا يقال عن حال الثقافة العربية وعن حال السياسة في البلاد العربية وبالتالي عن حال الإنسان المثقف في هذا الزمن العربي؟ ماذا يقال عنهم بصراحة وجرأة يا ترى؟ يقال إن المثقف، المثقف الخبير المثقف الفقيه المثقف السياسي وحتى المثقف الحاكم هو المثقف الشاهد على زمانه وعصره وتاريخه، فماذا يقال عن حامل صفة المثقف بلا خبرة العمل وعن المثقف بلا فقه الواقع وعن المثقف بلا سياسة الموقف والمثقف بلا الحاكم الحكيم ماذا يقال عنهم يا ترى؟ يقال إن معظم حكامنا يخشون مثقفي الجرأة وكلمة الحق أمام السلطان، سلطان جائر وحتى سلطان عادل، يقال إنهم يمنعون ثقافة النقد السياسي وكشف الحقيقة ولا يسمحون باستقلال الثقافة ورجالها فأين هي الشجاعة لدى مثقفي زمننا العربي الراهن، أم هي باتت عملة نادرة لدى مثقفين نادرين؟ يقال انتقادا إن ساحتنا العربية باتت تعج بالمثقفين الانتهازيين وطلاب الكراسي، لكن ما العيب في أن يكون المثقف في السلطة؟ بل ما العيب في أن يكون المثقف هو صانع القرار وصاحب القرار نفسه، أم مكتوب علينا ألا نحكم إلا بجهلة ونساس بأميين؟! نعود إذاً من حيث انطلقنا، الأميون. فمن هم الأميون الحقيقيون، أميو الجهل بالقراءة والكتابة أم أميو الجهل بالواقع والمصلحة؟ علاقة المثقف بالسلطة في بلادنا العربية أهي علاقة تكامل وبناء أم علاقة احتواء وتدجين؟ وهل لا يزال الجمهور يصدق مثقفيه فعليا؟ هو ملف بسيط لو نتصارح ولا نتكاذب، ملف محرج لو نتجامل ولا نتكاشف. اخترنا أن نناقش الملف في العاصمة الليبية طرابلس حيث نحن هنا في أجواء جائزة القذافي العالمية للآداب في دورتها الأولى والتي منحت للأديب المصري الدكتور جابر عصفور، يسعدنا أن نستضيف هنا الدكتور يحيى الجمل الأكاديمي الجامعي والكاتب السياسي المصري، والدكتور كمال عبد اللطيف المنسق العام للمجلس القومي للثقافة العربية في الرباط وهو جامعي وكاتب مغربي، وصاحب البيت الدكتور علي برهانة مدير المركز الوطني للمأثورات الشعبية في ليبيا، مرحبا بكم أيها السادة.

الواقع العربي وأزمة المثقف

غسان بن جدو: دكتور كمال عبد اللطيف هل واقع المثقف العربي الآن في أزمة بالفعل؟

كمال عبد اللطيف: واقع المثقف العربي بشكل عام يماثل واقع المجتمع العربي وواقع مختلف فئات المجتمع العربي، لا يمكن أن نتحدث عنه بإيجاب مطلق ولا بسلب مطلق وعندما تكون هناك أزمة إذا ما قبلنا هذا الافتراض فإن الأزمة خلاقة وعي جديد وأفق جديد، الأزمة ليست إلا علاقة عابرة في تاريخ طويل، يستطيع المثقفون في لحظات الأزمات أن يتداركوا الأخطاء وأن يفكروا في الواقع وفي مهامهم بطريقة أخرى.

غسان بن جدو: جميل، هذا عن الغد ولكن نتحدث الآن عن هذا الواقع، هل واقع المثقف الآن في أزمة هل أنت تقول إنه في أزمة لأن واقعنا العربي العام هو في أزمة؟

كمال عبد اللطيف: الواقع العربي بمختلف فئاته اليوم يواجه تحديات كبيرة لم يستطع مجابهتها بما يسعفه بتدارك تأخر تاريخي، المجتمع ككل والمثقفون لا ينفصلون عن مجتمعهم.

غسان بن جدو: نعم، دكتور يحيى الجمل هل الأزمة الآن.. أولا هل تقر بأن هناك أزمة مثقفين أو أزمة ثقافة عربية الآن؟

يحيى الجمل: يقينا هناك أزمة مثقفين وأنا متفق مع زميلي الكريم في أن الأزمة أزمة مجتمع والمثقف أو المثقفون عموما لا يمكن فصلهم عن مجتمعهم ومن ثم إذا كان المجتمع مأزوما فشيء طبيعي أن أزمة المجتمع تنعكس على المثقفين.

غسان بن جدو: لكن ألا يعني هذا تبرئة للمثقفين؟ يعني حينما تقولون إنها أزمة مجتمع يعني هل هذا يعني أن.. المثقفين؟ المثقف من هو؟ أليس هو الخبير أليس هو النخبة أليس هو القائد أليس هو الطليعة وبالتالي هو المضطر أن يعالج مشاكل المجتمع؟

يحيى الجمل:  يا أخي غسان أنا لا أصدر حكما تقييميا، أنا لا أدافع ولا أتهم إنما أنا أصف، أنا أصف واقعا عربيا مأزوما متأزما، أمة توشك أن تخرج من التاريخ والجغرافيا معا لأن وزنها هان بين الأمم، بصرف النظر عن كثير من المظاهر وما يكتب في الصفحات الأولى من الجرائد وما يذاع في الإذاعات إنما للأسف الشديد خذ المنطقة التي نعيش فيها، من العناصر الفاعلة فيها؟ تركيا وإيران وإسرائيل، ومن يقول لك غير هذا يحاول تحسين الحقائق الناصعة، نحن في أمة هان أمرها..

غسان بن جدو: لا يوجد شيء إيجابي ناصع واحد في الأمة العربية؟

يحيى الجمل: هناك، هناك أشياء إيجابية..

غسان بن جدو: ما هي تلك الإيجابيات؟

يحيى الجمل: الأشياء الإيجابية أن هناك نزوعا نحو الخروج من الأزمة، هناك رفض لما نحن فيه من تخلف هناك رفض لما نحن فيه من هوان وهناك أجيال جديدة صاعدة أنا أعتقد أنها تحاول جاهدة أن ترفض المجتمع المتأزم وأن تحاول أن تعيد هذه الأمة إلى سابق كيانها لأن العرب أمة حضارية والأمم الحضارية يصيبها الهوان أحيانا لكنها لا تموت ولذلك العرب أمة لن تموت.

غسان بن جدو: على كل حال سوف نتحدث عن كثير من النقاط ولكن بشكل تفصيلي ومباشر. دكتور علي الآن بكل صراحة يقال إن علاقة المثقف بالسلطة وعلاقة المثقف بالحاكم علاقة ملتبسة والسبب في هذه العلاقة هو الحاكم نفسه، نحن نتحدث في بلادنا العربية، الحاكم لديه نزوع نحو التسلط نحو القمع نحو القهر وبالتالي هو يخشى المثقفين إما أنه يحتويهم ويدجنهم أو يقتلهم، هل في هذا الكلام دقة أم مبالغة؟

علي برهانة: لا، ليس فيه الحقيقة مبالغة، هو إلى حد كبير يعني يصف المشكل لأن المسألة موقف المثقف من السلطة هو موقف يعاني شيئين يعني يعاني موقفين موقف السلطة منه ثم غياب المتلقي الذي يعني حتى لو أتيح للمثقف أن يتحدى السلطة وأن يتقدم يحاول أن يتجاوزها فإن مسألة تلقيه في المجتمع السلطة تكون بينه وبين التلقي بين الجمهور، وسائل الإعلام وسائل الثقافة هي في يد السلطة فهو لا يستطيع أن يصل إلى هذا المتلقي بالإضافة إلى أن المتلقي في حد ذاته هو مشغول بأمور يومية وأمور حياتية مادية ليس في وضع يؤهله لأن يقرأ ولأن يطلع ولأن يتواصل مع هذا المثقف فمن هنا أزمة المثقف إذاً ذات شقين، شق يتعلق بالسلطة وهذا طبعا يعني ليس 100% لأن هناك إلى حد ما يستطيع أن يتحدث وأن يتكلم حتى عبر الإنترنت وعبر يعني..

غسان بن جدو: يعني أنت في ليبيا الآن تستطيعون أن تتحدثوا تستطيعون أن تطلقوا آراءكم بشكل بحرية؟

علي برهانة: نستطيع..

غسان بن جدو: كيف ذلك؟

علي برهانة: نستطيع حتى إذا لم.. نكتب في الإنترنت نكتب في المجلات نكتب في الجرائد ثم بعد ذلك عندنا منبر نتكلم فيه هذا لا يستطيع أن.. وهو المؤتمرات الشعبية، في المؤتمر الشعبي لا يستطيع أحد أن يقول لك لا تقل هذا، تتكلم كيفما تشاء ويسمعك الناس، لكن هل الناس في مستوى أن يستوعبوا ما تقول أو هل هم همومهم اليومية هي التي تحول بينك..

غسان بن جدو (مقاطعا): عفوا يعني أنت الآن تتجه كمثقف نحو الناس بشكل رئيسي أم تتجه الآن كمثقف وأنت تنتقد تتجه به نحو الحاكم نحو السلطة؟

علي برهانة: إيه لكن الحاكم إذا كان يعني نحن هنا الحقيقة أزمة الحاكم في ليبيا غير موجودة تقريبا يعني..

غسان بن جدو: كيف غير موجودة؟

علي برهانة: لأن يعني الحاكم نحن الذين نضعه، إذا لم نشأ نزيله، في المؤتمرات الشعبية نستطيع أن نتكلم كيفما نشاء ونقول ما نشاء لكن هل الجمهور الذي هو المؤهل..

غسان بن جدو (مقاطعا): لكن هناك أطرافا أخرى تقول عكس ذلك دكتور علي، هناك أطراف أخرى تقول إن ما يحصل هنا في ليبيا هو مجرد ديكور..

علي برهانة: لا، ليس هذا..

غسان بن جدو: لا يوجد نقد حقيقي ولا يوجد انتقاد حقيقي ولا يوجد احتجاج حقيقي ولا توجد يعني كلمة حق تقال أمام السلطان بشكل دقيق، هناك أكثر من انتقاد حول..

علي برهانة: إذا اطلعت على وسائل الإعلام مثلا الموجودة عندنا في ليبيا وخاصة شبكة الإنترنت تجد فيها كل الأطياف ناس تتكلم في كل الموضوعات..

غسان بن جدو (مقاطعا): اسمع المعارضة الموجودة في الخارج ماذا تقول لك، اسمع المعارضة الليبية الموجودة في الخارج ماذا تقول لك، تقول لا يوجد حريات ولا نستطيع أن نتحدث ولا نستطيع أن نتكلم وكل شيء يساس بقرار واحد.

علي برهانة: المعارضة لها مشروعها طبعا لها مشروعها السياسي المناوئ والمضاد وهي لن تقول طبعا كلاما جيدا في السلطة التي هي تعارضها، هذا من طبيعة المعارضة حتى في كل العالم ليس في العالم العربي فقط، هذا وصف يعني ليس.. لكن أنت بإمكانك أن تدخل على شبكة الإنترنت لدينا هنا وتشوف المدونات التي تخرج يوميا تتكلم في كل الأمور من الألف إلى الياء.

غسان بن جدو: إذاً القول من هذا المنطلق إن المشكلة في الحاكم هي ليست بالضرورة دقيقة يعني أنت الآن تقول لنا إن هناك حكاما هناك سلطات تسمح للمثقفين بأن يتحدثوا ليست هناك أي مشكلة وهناك حريات وهناك تعددية وهناك تنوع، المشكلة في بعض المثقفين أو في بعض المتلقين، أليس هذا ما تريد أن تقوله؟

علي برهانة: تقريبا يعني..

غسان بن جدو: لا، ما في تقريبا، قل لي هل هذا أو..

علي برهانة: يعني المسألة نسبية وليست يعني قطعية 100% يعني يوجد قمع في السلطة ولكن أيضا حتى في حالة عدم وجود هذا القمع فإن المثقف لا يجد المتلقي الذي يتلقاه يعني أنت تتوجه بكتابتك للجمهور والجمهور يا إما فقير يا إما يعني أمي يا إما مشغول بأمور أخرى..

غسان بن جدو: أو مقهور.

علي برهانة: أو ربما.

حرية التعبير والعلاقة بين المثقف والسلطة

غسان بن جدو: أو مقهور. دكتور يحيى الجمل أنا أعرف وأنا شاكر جدا لأنك قبلت المشاركة معنا رغم العملية الأخيرة على عينيك. لكن في هذه النقطة إذا سمحت العلة أين؟ قل لي بصراحة لأنه أنت يعني قبل مدة وجهت رسالة مفتوحة للرئيس محمد حسني مبارك وتدعوه فيها بتهذيب ولكن تدعوه فيها إلى أن يتخلى وأن يتنحى عن الحكم وأن يترك لغيره وتقول أطال الله في عمرك ولكن ما الذي يمكن أن يحصل لو حصل لك ما حصل. طبعا أنا أتحدث عن الرئيس حسني مبارك لأنك مصري وسأتحدث مع الدكتور لأنه مغربي وهكذا، لن نتحدث عن بلاد أخرى تفاديا للتعميم.

يحيى الجمل: أنا أريد أن أقول، أنت ضربت مثلا بهذه الرسالة، هذه الرسالة أنا كتبتها وأنا تلقيت تعليقات عليها كما سمعت من الصحافة العربية المصرية أنه ما في مقال لقي من التعقيبات قدر ما لقي هذا المقال، وصلت التعقيبات عليه أكثر من ثلاثة آلاف تعقيب ومع ذلك أنا لم أتلق من السيد الرئيس أي تعليق أي تعقيب، يمكن تلقيت بعض الرسائل غير المباشرة..

غسان بن جدو: رسائل غير مباشرة إيجابية أم سلبية يعني؟

يحيى الجمل: يعني فيها كده وفيها كده ليست قاطعة إنما أنا لم أتلق من السيد الرئيس أي تعليق لا مكتوبا ولا مقروءا ولا مسموعا..

غسان بن جدو: هذا منذ سنتين.

يحيى الجمل: هذا منذ سنتين. الآن النظام في مصر يصم أذنيه عن كل أحد، لا يريد أن يستمع لأحد، يسمع نفسه ويسمع المحيطين به فقط دون غيرهم لكن باقي المثقفين يعني في في مصر النهارده حالة من حالات الإقصاء الكامل لكل أحد والاستئصال الكامل لكل شيء، النظام يريد أن يستأثر بكل شيء ويقصي الناس جميعا عن كل شيء لكن وبأمانة شديدة كم الحرية المتاح للكلمة المكتوبة في مصر النهارده أظنه لم يكن متاحا قط في نصف القرن الماضي.

غسان بن جدو: وهذه هبة من الحاكم؟

يحيى الجمل: هذا قد يكون، قد يكون وإن كنت أشك في موضوع الذكاء إنما قد يكون ذكاء من بعض الموجودين أن هذا منفذ..

غسان بن جدو: يا ساتر! ولماذا تشك في بعض الذكاء..

يحيى الجمل: يا سيدي لو كان هناك..

غسان بن جدو: يعني لماذا تريد أن يعني تحرم الحاكم..

يحيى الجمل: أنا لا أحرم..

غسان بن جدو: أو من هو قريب منه حتى من قليل من الذكاء؟

يحيى الجمل: أنا لا أحرم أحدا من شيء ولا أملك أن أحرم أحدا، لكن لو أن هناك ذكاء حقيقيا لتصرفنا تصرفات كثيرة مختلفة عما نتصرفه الآن، لو هناك ذكاء حقيقي كنا فتحنا باب تعديل دستوري يجنب مصر كثيرا من المخاطر لكن لو أن هناك ذكاء سياسيا كانت تصرفات مع كثير من النخب ليست كما هي تحدث، ده يمكن في الفترة الأخيرة أحيانا الإنسان يستعجب إزاي النظام بيتصرف كده مع محمد البرادعي، هذا نوع من الذكاء جديد على النظام عندنا، نوع من الذكاء في التصرف جديد ويقينا في مثلا شركة علاقات عامة أوروبية أجنبية أميركية.

غسان بن جدو: هل تعلم ماذا يعني كلامك هذا دكتور يحيى؟ هذا يعني بأنك..

يحيى الجمل (مقاطعا): أنا أعني ما أقول حرفا بحرف وأعلم ما يعني.

غسان بن جدو: اسمح لي أن أستنتج لأسمع منك التعليق، يعني هذا الكلام بحسب استنتاجي بأن الكرة ليست فقط في ملعب الحاكم وفي ملعب السلطة هناك في مصر ولكنها هي التي تدير كل شيء هي بنوع من الذكاء هي بنوع من الخيار هي بنوع من الإستراتيجية إذا أرادت أن تقفل هي التي تقفل إذا أرادت أن تفتح هي التي تفتح إذا أرادت أن تمنحكم هبة الحرية هي التي تقرر ذلك وهذا يعني بأنكم أنتم كمثقفين وجماعات سياسية ومعارضين وأحزاب تعيشون أزمة اللا فعل وأزمة اللا قرار وأزمة أنكم لا تستطيعون أن تفعلوا شيئا، بكلامك هذا سمحت للسلطة بأن تكون كل شيء وأنتم لا شيء.

يحيى الجمل: لا يا سيدي، فهمتني على غير ما أقصد، أنا قلت إن النظام يريد أن يستأثر بكل شيء ولكنه لا يستطيع أن يستأثر بكل شيء لأن الشارع ليس ملكا له، الشارع مشاع لنا جميعا.

غسان بن جدو: إذاً هذه الحرية ليست هبة منه، أنتم افتكتموها.

يحيى الجمل:لا، لا، قطعا ليست هبة منه، يا سيدي لا يوجد حاكم عربي يريد حرية حقيقية للناس لأنهم لا يستندون في بقائهم على رأي الناس، هم يستندون إلى قوى أخرى أساسا قوى الأمن وقوى القهر لكن لا يستندون على رأي الناس وإرادة الناس، إنما إرادة الناس موجودة الرأي العام يتنامى وأنا برضه يعني مع ما قيل أنا ضد تعميم الأحكام، يعني طبعا نحن نتكلم عن السلطة في الوطن العربي..

غسان بن جدو: نعم، نعم.

يحيى الجمل: لكن قامة كبيرة زي ديغول في فرنسا كان صديقه ماغور من كبار مثقفي فرنسا وكان وزير ثقافته.

غسان بن جدو: ميتيران نفسه كان مثقفا، مثقفا كبيرا.

يحيى الجمل: يعني هؤلاء الحكام..

غسان بن جدو: في إيران بالمناسبة كان محمد خاتمي مثقفا ومفكرا كبيرا.

يحيى الجمل: محمد خاتمي أنا جلست معه أكثر من مرة، محمد خاتمي إنسان مثقف يكتب.

غسان بن جدو: وزير خارجية تركيا الآن من كبار المثقفين والمفكرين الحقيقيين في تركيا.

يحيى الجمل: أنا أعرف التجربة لكن ما أعرفش الأشخاص في تركيا الحقيقة وبودي أن أعرفهم، لكن أنت الحكام عندك..

غسان بن جدو: لكن في الحقيقة دكتور كمال عبد اللطيف بعنوانك طريف جدا في كتابك هذا "العرب في مواجهة حرب الصور" تتحدث في عنوان عن حقك في الدفاع عن اليأس وهذا يعني حتى عنوان غريب ولكنك تقول كالتالي، طبعا فيما يناقض الدكتور يحيى الجمل الآن في القول إن يعني الذي افتك حريته وافتك الإنجازات هم الشعب هم المجتمع المدني هو هؤلاء، أنت تقول دكتور كمال "ما يضاعف تأخرنا السياسي عجز تنظيمات المجتمع المدني بدورها عن غرس القيم الديمقراطية في القواعد العريضة داخل المجتمع فقد مارست معارضتنا أنواعا من التسلط مماثلة للتسلط الذي تمارسه الأنظمة السياسية السائدة بل أصبحنا لا نرى فقط حكاما لا يبرحون مقاعدهم في السلطة إلا نحو المقابر، أصبحنا نرى قادة معارضين لا يتخلون عن الأمانة العامة للأحزاب إلا بالموت بعد الشيخوخة والخرف، ألا يحق لنا أن نعلن يأسنا؟!" ألهذه الدرجة دكتور كمال عبد اللطيف؟ تعلن يأسك!

كمال عبد اللطيف: في بقية الفقرة أعلن يأسي وأعلن أن يأسي من أجل غد خلاق..

غسان بن جدو: أنا أعرف ولكن أنت تعلن اليأس من هؤلاء المثقفين والمجتمع المدني.

كمال عبد اللطيف: اليأس من أحوالنا ومن أحوال سلطتنا، ألفنا أن ننتقد السلطة ومن حقنا ذلك ولم نستأنس بعد بمراجعة ذواتنا ومؤسساتنا والأخطاء التي نقع فيها ونحن نخوض معارك متعددة، ولكي لا ننداح في نقاشاتنا ونظل في موضوع المثقف أقول بعض الأسئلة تتجه إلى دور المؤسسات السياسية، أنا فهمت أن الموضوع سيتناول دور المثقفين والمؤسسات المدنية الثقافية، المعركة الثقافية في الوطن العربي معركة كبيرة جدا تلتقي بالمعركة السياسية في المجال التربوي والمجال الإعلامي والمجال الثقافي والمجال التعليمي، عندما يهتم المثقفون والباحثون والجامعيون بأداء أدوارهم في مجال البحث والتقييم والتحليل بصورة تساهم في تشريح الوضع الثقافي في المجتمعات العربية يمهدون بأساليبهم الخاصة ما يسعف الحركات السياسية والحركات الأخرى بأداء أدوارها بطريقة متميزة. لا نستطيع أن نضع المثقفين أمام السلطة، أمام السلط معارضات متعددة وفي المعارضات الثقافية والسياسية مشاكل متعددة، الحالة في المغرب..

غسان بن جدو (مقاطعا): لكن عفوا دكتور كمال المثقفون لا يعيشون في برج عاجي لوحدهم هكذا، المثقف تجده في الحزب المثقف تجده في السلطة المثقف تجده في الجامعة المثقف تجده في وسيلة الإعلام، هم هؤلاء هم المثقفون.

كمال عبد اللطيف: أتفق معك، نحن نسأل أحيانا ونضع السؤال حول قضايا معينة نقتطعها اقتطاعا على سبيل التحليل وليس على سبيل الجدل أو القطع، دور المثقفين في هذه البنيات في الجامعة في الحزب وفي المؤسسات الثقافية المدنية، عندنا مثل عندنا مؤسسات تعنى بالمشروع القومي في البيت العربي في بيروت وفي الرباط وفي أكثر من عاصمة عربية موضوعها هو العناية بالمشروع القومي بصورة تاريخية وتهيئة التربة السياسية والثقافية والفكرية لإنعاش التفكير القومي، لكن هذه المؤسسات تعاني من مشاكل متعددة، أولا في علاقتها بالأنظمة ثانيا في علاقتها بالمثقفين ثالثا في علاقتها بهياكلها وتنظيماتها الداخلية حيث تعرف هذه المؤسسات كثيرا من التكلف على المستوى الإداري والمستوى المؤسسي الصرف، هناك أعذار متعددة ومع ذلك لا تنفع هذه الأعذار، يلزمنا بالقدر الذي نجابه فيه السلطة من أجل مجتمع أفضل أن نجابه ذواتنا كمثقفين كفاعلين سياسيين حتى يكون النقد..

غسان بن جدو (مقاطعا): وهذا ما أريد أن أفهمه بالفعل.

كمال عبد اللطيف: يجب أن نتعلم أن نحاسب أنفسنا بنفس الروح التي نخاصم بها السلطة عندما لا تكون سلطة منسجمة مع مجتمعنا أو تمارس السلطة على هواها.

غسان بن جدو: جميل. لديك ملاحظة قبل الفاصل، تفضل دكتور يحيى.

يحيى الجمل: لدي حادثتان أرجو أن أرويهما لك وللمستمع، أولا عايز أقول إن التعميم خطأ، التعميم دائما أبدا خطأ..

غسان بن جدو: نعم، نعم، قلنا في البدء نحن لا نريد أن نعمم.

يحيى الجمل: عندما يكون الحاكم كبيرا يتصرف تصرفات كبيرة يعني مثلا أنا أذكر حادثة وكنت أرويها الآن، الحادثة مات أطرافها الأصليون لكن عليها شهود أحياء، بعد نكسة 67 أو بعد كارثة 67 الشاعر العظيم الشاعر العربي العظيم نزار قباني كتب قصيدته الشهيرة "هوامش على دفتر النكسة" وكانت قصيدة شديدة الوقع والإيلام وبالذات الحكام العرب وقال لهم فضوا السامر وتوكلوا على الله وروحوا غوروا ابعدوا عننا، ومنع من دخول مصر ولم يكن عبد الناصر يعلم ذلك، نزار لما منع من دخول مصر عز ذلك عليه كثيرا، اتصل بأم كلثوم وهو كان يعلم صلة أم كلثوم بعبد الناصر وأم كلثوم اتصلت بعبد الناصر وقالت له تصور أن نزار قباني ممنوع من دخول مصر، فبعث -الثلاثة دول توفوا إلى رحمة الله لكن الثانيين اللي حأقول لك عليهم عايشين- بعث جاب محمد فايق -الصديق العزيز محمد فايق كان أيامها وزير إعلام- قال له يا محمد صحيح نزار قباني ممنوع من دخول مصر؟ قال له يا افندم بعد اللي كتبه ده، قال له يا محمد ده إحنا الناس العاديين تمزقنا من داخلنا، عايز شاعر عظيم في حجم نزار قباني ما يتمزقش وما يقولش الكلام اللي قاله؟! نزار يرجع بكره ويكرم في مصر. لأن عبد الناصر كان كبيرا وتصرف هذا التصرف الكبير، وأنا بأقول الواقعة عليها شهود أحياء عدا سامي شرف وعدا محمد فايق وكثيرون عاصروا ده وأنا سعدت أنني قابلت نزار بعد ما رجع وتعشينا مع بعض في نادي السيارات في القاهرة. يعني هذه حادثة يعني حادثة أخرى أحكيها أنا طرف فيها، برضه الطرف الآخر توفي إلى رحمة الله لكن هناك أطرافا كثيرين أحياء، الملك حسين رحمة الله عليه ملك الأردن كان في منتدى الفكر العربي أول ما أنشئ وأنا كنت يعني من مؤسسي المنتدى مع الأمير حسن وكان الأمير حسن في ذلك الوقت ولي عهد وعملوا منسفا ما أعرفش عند الأمير حسن ولا في القصر الملكي مش فاكر، وإحنا قاعدين فأنا بأقول للملك حسين وبهذه البساطة بأقول له يا جلالة الملك أنتم سمعتم كثيرا ما تحبون أن تسمعوه، آن الأوان أن تسمعوا ما يجب أن تسمعوه. أشهد بالله، هو في دار الحق ونحن في دار الباطل، رد علي بغاية الأدب والكمال وقال ومنين نسمع ما يجب أن نسمعه إن ما سمعنهوش من أساتذتنا؟ وهذه الواقعة عليها شهود منهم الأمير حسن الذي كان وليا للعهد اللي هو أخو الملك.

غسان بن جدو: خير إن شاء الله أنت تتحدث عمن وصفتهم بالقادة الكبار، هكذا وصفك؟

يحيى الجمل: إيه طبعا.

غسان بن جدو: هكذا وصفك. مشاهدينا الكرام أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا وقفة نعود بعدها لاستكمال حوارنا المفتوح وسوف نتحدث عن المثقفين والقادة الكبار منهم والصغار.

[فاصل إعلاني]

مسارات الثقافة العربية ومشكلاتها

غسان بن جدو: أهلا بكم مشاهدينا الكرام. دكتور علي هل نحن أمام ثقافة عربية أم ثقافات عربية؟

علي برهانة: لا، نحن في الحقيقة أمام ثقافة عربية وليس ثقافات ولكن لها تنوعاتها هذه الثقافة يعني لها تنوعاتها الخاصة المحلية التي تصب جميعا في ثقافة واحدة. ولكن لدي يعني إذا سمحت تعليق على بعض ما جاء في حديث الأخوين، وهو أن..

غسان بن جدو: عندما يكون لديك تعقيب تدخل مباشرة دكتور علي لا تنتظر مني أن أعطيك الكلمة.

علي برهانة: أولا يعني المثقف لا يستطيع أن يغير يعني ليست لديه القدرة على التغيير وهو ليس أداة تغيير مباشرة، هو أداة تغيير غير مباشرة إذا صح هذا التعبير. النقطة الثانية أن السلطة إذا كانت يعني تسمع رأي المثقف هي ربما تسمع وربما تسمح له بأن يقول ما يشاء ولكنها في النهاية تفعل ما تشاء يعني ليس بالضرورة إذا نشر أو إذا كتب مقالا أو كتب بحثا أو تكلم في إذاعة ونشر على الإنترنت يعني ربما لا يعاقب ولكن لا يؤخذ بكلامه بالإضافة إلى هذا الانفصال الذي قلته في السابق وهو أن المتلقي المواطن العربي هو الآخر عاجز عن فعل التغيير إذاً من هنا تأتي عدم فاعلية الثقافة ولكن في جميع الأحوال تبقى الثقافة العربية ثقافة واحدة وليست ثقافات متعددة وإن كانت لها صورها المحلية.

غسان بن جدو: دعوني فقط أوضح نقطة، نحن حين نتحدث عن المثقف نحن لا نتحدث عن يعني المثقف بالمعنى الحرفي للكلمة الذي ينشط فقط في المجال الثقافي المحدود، نحن نتحدث عن المثقف كما أنا حاولت أن أوضحه يعني المثقف الخبير المثقف الفقيه ربما حتى المثقف السياسي، هذه هي الشريحة التي نتحدث عنها وبالتالي المثقف بهذه الطريقة أليس هو يعني رجل صنع التغيير المساهم في التغيير؟

علي برهانة: هو أداة المؤسسات مثلما قال الدكتور يعني هو مثلا أستاذ في الجامعة أو رئيس مؤسسة يعني معينة في هذه.. صحفية أو علمية أو شيء ربما سياسية ولكن نتيجة لتخلف الوضع هو ربما لا يستطيع أن يقدم ما يشاء أو رؤيته لا تجد محلا لتنفيذها نتيجة لتأخر الوضع بصفة عامة.

غسان بن جدو: طيب أنا عندما سألتك هل هناك ثقافة عربية أم ثقافات عربية أنت جزمت لي أنها ثقافة عربية.

علي برهانة: طبعا.

غسان بن جدو: طيب، أنا ما أفهمه بأنكم أنتم في المغرب العربي -وخصوصا في هذه الحلقة هناك ضيفان من المغرب العربي- أنا ما فهمته أنكم في المغرب العربي أنتم من الذين تنتقدون ما تسمونها بفجوة قائمة بينكم في المغرب العربي وبين المشرق العربي، طبعا هناك من حتى يحمل المسؤولية لمثقفي المشرق العربي بأنهم هم الذين يريدون أن يهيمنوا على الثقافة العربية يريدون أن يصبغوا الثقافة العربية باللون المشرقي وبالتالي نحن لسنا أمام ثقافة عربية واحدة نحن أمام ثقافات عربية بهذه الطريقة.

علي برهانة: لا، لا أظن ذلك، على كل هذا ليس رأيي على كل حال، صحيح ربما توجد مركزية وأطراف حتى على مستوى المغرب العربي يعني أنت لو جئت إلى الرباط وتونس غير موريتانيا وليبيا في الثقافة..

غسان بن جدو: المركز الرباط وتونس والأطراف ليبيا وموريتانيا؟

علي برهانة: ربما يعني..

غسان بن جدو: والجزائر أين هي؟ أبعدتها أقصيتها؟

علي برهانة: لم أقصها..

غسان بن جدو: أم يعني لأن عندك مغربي هنا تجامله، وين الجزائر يا رجل؟

علي برهانة: هناك وجود ثقافي كبير مثلا للمغاربة يعني هم مقروؤون حتى في المشرق العربي يعني هناك أسماء كبيرة في المغرب وكذلك إلى حد ما في تونس معروفة حتى على مستوى المشرق العربي، هناك يعني مصر لا يستطيع أحد أن يتجاوزها، أنت لما تقول أنا أديب من موريتانيا أو أديب من الكويت أو أديب من قطر ليس هناك مثلما تقول أنا أديب من مصر، معروفات الأسماء.. يعني هناك مجال ثقافي..

غسان بن جدو: والسبب؟

علي برهانة: السبب هو التراكم الثقافي الموجود في مصر يعني أي فنان عربي الآن يذهب إلى مصر يطلع، الفنانون العرب الكبار وهذا جزء من الثقافة إذا..

غسان بن جدو: إذا ذهب إلى لبنان يطلع أيضا.

علي برهانة: ليس مثل خروجه.. لا بد أن يعود إلى القاهرة كي يخرج.

غسان بن جدو: في هذه النقطة دكتور كمال يعني حدثنا عنها بكل صراحة، نحن أمام ثقافة عربية أم ثقافات عربية؟ وهل ما أنا أشرت إليها بالفجوة القائمة الآن -كما أسمعها بطبيعة الحال- هل أنا أبالغ؟

كمال عبد اللطيف: أنا مثل هذه التقسيمات بطريقة تفكيري لا أفهمها جيدا، تقسيمات مشرق مغرب هي تقسيمات إما تخضع لحسابات سياسية أو حسابات سيكولوجية، أنا مع الثقافة العربية بتنويعاتها المختلفة وهناك في تاريخ الثقافة العربية المعاصر كثير من اللمعان في ساحات ثقافية معينة وكثير من أشكال الهبوط في ساحات ثقافية أخرى لكن في العمق هناك تكامل. دعني أعد إلى جوهر الموضوع، الجبهة الثقافية العربية مليئة بالمشاكل فيها ما أسميه بالتصلب في دوائر التقليد، هناك ذهنيات متصلبة تعاني من آفة التقليد، السبب هو أن أدوار المثقفين المهتمين بتحليل الذهنيات ومراجعة التراث والاهتمام بالمستقبل وبالفكر التاريخي لم يساهموا بعد بالشكل الذي يعيد النظر في أسباب هيمنة التقليد في الثقافة العربية.

غسان بن جدو: تقليد من؟ تقليد ماذا؟

كمال عبد اللطيف: التقليد كآلية في التفكير الاستعانة دائما بالماضي الاستعانة دائما بالموروث على علاته الاستعانة دائما بآليات القياس الاستعانة دائما بعقول إلى نماذج، آن الأوان لنتخلص من نماذج جاهزة ونبني..

غسان بن جدو (مقاطعا): ومن يقدم هذه النماذج الجاهزة؟

كمال عبد اللطيف (متابعا): ونبني أساليب أخرى تستفيد من كل المكاسب العصرية في الثقافة وفي العلوم في بناء تطورات تسمح بالانخراط بشكل كاف في عصور حديثة وفي مكاسبها..

غسان بن جدو (مقاطعا): طيب عفوا من يقدم هذه النماذج الجاهزة من يقدمها؟

كمال عبد اللطيف: هناك فئات..

علي برهانة (مقاطعا): إذا سمحت لي يا دكتور، هذا ما أشرت إليه في حكاية المركز يعني أنت الآن..

غسان بن جدو (مقاطعا): أنا لا أعتقد أنه يقصد هذا، أعتقد أنه يقصد جماعات فكرية وسياسية ربما.

كمال عبد اللطيف: أنا أتحدث عن ظواهر جديدة نشأت في الثقافة العربية، أنا أشتغل منذ ثلاثين سنة وأكثر بالفكر العربي المعاصر وبالفكر النهضوي، عندما أقارن مكاسبنا في مطلع القرن العشرين مكاسب الفكر العربي في مصر وكانت رائدة، عندما أقرأ أحمد لطفي السيد وأقرأ طه حسين ثم أتأمل مسارات الفكر العربي المعاصر اليوم وأشكال العودة إلى النص وطرق التعامل مع التراث أجد أننا أمام نوع من التراجع للخلف بدل الانخراط في تعلم مكاسب..

غسان بن جدو (مقاطعا): لم تجبني، من فضلك من يقدمها، هل تقصد الإسلاميين على سبيل المثال؟

كمال عبد اللطيف: أقصد كل الفئات التي..

يحيى الجمل: السلفيين.

كمال عبد اللطيف: كل فئات المثقفين التي تعتبر أننا نملك نماذج مغلقة ومطلقة في الفكر، ومن ضمنهم السلفيون والتيارات الدينية المتطرفة وعددها يزداد كل يوم بسبب أشكال المآزق التي تعاني منها أمتنا ومجتمعاتنا مؤخرا لأننا في حاجة إلى فكر جديد إلى تنوير جديد يطور المدارس التنويرية التي كانت في القرن التاسع عشر وفي مطلع القرن، محمد عبده وكان من كبار الشيوخ وكان سلفيا ولكنه كان رجلا متنورا أصدر ثلاث فتاوى مجموعة من الفتاوى أشهرها فتوى اللباس وفتوى المطارف -إذا كنت أذكر جيدا- كلها تدل على نوع من التعاطي الجيد والإيجابي مع مكاسب العصر.

التيارات الفكرية المعاصرة والعلاقة بين المثقف والجمهور

غسان بن جدو: بكل صراحة دكتور كمال يعني هذا الكلام الذي أسمعه الآن هو يجعلني أنقل انتقادات لكم ليس لشخصكم فقط ولكن للشريحة التي تمثلها الذين تدعون إلى ما تسمونها بالحداثة وبالتنوير وبنبذ التقليد وبنبذ الفكر الماضي وإلى غير ذلك بأنكم أنتم أنفسكم أنت أيضا دكتور كمال عبد اللطيف الذي تنتقد بعض الجماعات بأنها يعني ربما تمارس الإقصاء أنتم أنفسكم تمارسون الإقصاء في حق هؤلاء، في حق هؤلاء الذين يوصفون بأنهم إسلاميون وتقولون لأنهم يقلدون ولأنهم يريدون أن يعودوا بنا إلى التراث والماضوية إلى غير ذلك.

كمال عبد اللطيف: أنا يبدو لي أنك لم تفهمني جيدا..

غسان بن جدو: لا، هذا هو موجود هذا..

كمال عبد اللطيف: أنا أتحدث عن طريقة في التفكير.

غسان بن جدو: أنا أعرف، يا دكتور أنا أعرف طريقة التفكير ولكن أنا أقول حتى أخصص الأمور بأنه حتى هؤلاء المثقفين جزء من المثقفين أنتم أنفسكم حين انتقدت دكتور كمال عبد اللطيف انتقدت بعض الجماعات وبعض المثقفين وبعض هؤلاء الذين كتبت عنهم، أنا أقول لك بأن هناك انتقادات تطالكم وتقول لكم أنتم أيضا تستبطنون فكرة الإقصاء بحجة عدم التقليد وبضرب الجماعات الماضوية وغير ذلك.

كمال عبد اللطيف: أنا أتحدث في المستوى النظري، من حق الآخرين أن ينتقدوني لكنني أقول أنا أدافع عن أساليب جديدة في التفكير لم نتعلمها، النسبية والفكر التاريخي، عندما أتحدث عن النموذج الحداثي أتحدث عن الحداثة كإبداع ليس كنموذج جاهز، على العرب أن يبدعوا حداثتهم ومن حقهم ذلك، صراعنا داخل المجتمع العربي والمغربي على الخصوص صراعنا مع بعضنا يمكننا مع بعضنا أن نجري التوافقات التي نشاء بالصورة التي نشاء وليس هناك من باب مغلق.

يحيى الجمل: يعني أنا عايز أقول السؤال الأساسي اللي أنت طرحته هل هناك ثقافة عربية واحدة؟ نعم هناك ثقافة عربية واحدة تكتب بلغة واحدة وعاؤها واحد لكن هذه الثقافة العربية ككل الثقافات الكبيرة في العالم فيها تيارات، فيها تيارات متعددة، الثقافة العربية المعاصرة فيها التيار السلفي لكن للأسف هذا التيار السلفي الرجعي غير المستنير كان المفروض أن يتراجع فإذا به في الفترة الأخيرة يتنامى نتيجة الضعف العام في المجتمع العربي ابتدأ هذا التيار المتخلف يفعل، لكن خذ الفترة اللي تكلم عنها الأستاذ كمال، العقاد، طه حسين، لطفي السيد، سلامة موسى وكان لا بد أن يذكر سلامة موسى، النهارده محمد عابد الجابري في المغرب، عبد الله بلقزيز في المغرب، في عندك نماذج مشرقة.

غسان بن جدو: لكن دكتور يعني تفضلت الآن وقلت هؤلاء من وصفتهم بأنهم رجعيون ومتطرفون ومتخلفون هم يصعدون لأن الأطراف الأخرى تتراجع، هناك من يقول القضية ليست هنا، القضية أن هذه الأطراف التي تصفها الآن بهذه الإشارات السلبية بأنها هي التي تواجه التحديات هي الموجودة على الأرض هي التي تقاوم هي التي تتحدى بينما أنتم استكنتم.

يحيى الجمل: ومن حقها أن تفعل ذلك لكن المعيار هو التنوير وتقدم المجتمع، انظر أين نحن الآن والمجتمعات الأخرى أين هي الآن.

غسان بن جدو: بسبب هؤلاء؟ هذا التراجع بسبب هؤلاء؟

يحيى الجمل: التراجع انبنى هنا بسبب أسباب كثيرة منها هؤلاء ومنها أنظمة الحكم، الاستبداد، شوف يا سيدي الاستبداد قرين التطرف قرين الانغلاق الفكري وكلها أقانيم واحدة وأشقاء وكلها عوامل من عوامل التخلف وكلها تشد هذه المنطقة إلى الخلف.

غسان بن جدو: لكن عفوا عندما تقول.. تفضل دكتور.

علي برهانة: هو ما وصفه الدكتور كمال عبد اللطيف وما تفضل به الدكتور يعني جيد على المستوى النظري ولكن في المستوى العملي ما تفضلت به أنت موجود أيضا يعني هناك الحقيقة شريحة من المثقفين ليسوا جميعا على مستوى فهم الدكتور كمال عبد اللطيف، هناك من يقصي فعلا هذه المجموعات ويراها غير جديرة بالمناقشة حتى يعني مع وجودها الفاعل ويبدو لي أنه الأفضل أن نتحاور معا لأننا نحن في سفينة واحدة يعني يجب أن..

يحيى الجمل (مقاطعا): بس في فئات رافضة للتحاور.

علي برهانة: نستطيع أن نجد يبدو لي قواسم مشتركة، صحيح في مجموعات لا يتحاور معها الإنسان ولا يستطيع أن.. ولكن هناك بعض الأسماء يعني التي..

غسان بن جدو (مقاطعا): يعني عفوا هي لو لم تقص من البدء هل كانت رفضت الحوارات؟ هي من الأساس مرفوضة هي من الأساس مهمشة..

علي برهانة: ربما لن ترفض، ربما نعم هذا ما أردت يعني ليس الناس كلهم على فهم الدكتور كمال بطرحه هذا.

كمال عبد اللطيف: لأوضح الآن، يبدو لي أن الموضوع ليس سهلا ومشكلة الثقافة العربية وتيارات الثقافة العربية يجب دائما أن لا نخلط فيها بين مبدأ المقاومة مبدأ النضال المستميت في المستوى السياسي والمستوى الثقافي وبين أن نكون على بينة من الثورات المعرفية الجديدة عندما نفكر في أنفسنا وفي حاضرنا وفي سلطتنا، لا يجب أن نخلط بين الأمور، التيارات بعض التيارات الدينية المقاومة قبلها كانت هناك تيارات وطنية وقومية أكثر استماتة ولا تزال، إذا كانت هناك اليوم بعض التيارات الدينية تمارس المقاومة والمعارضة نحن معها في المستوى السياسي ولكن في مستوى الذهنيات والتفكير بيننا وبينها خلافات كبيرة بحكم أننا نتشبث بضرورة التعلم من المكاسب العصرية في التفكير.

غسان بن جدو: نعم، لكن دكتور علي هناك أيضا.. لأنه في هذا المثال بالتحديد لأنه نحن نخاطب الآن الشعب العربي نحن نخاطب المواطن العربي، نحن لا نخاطب الآن بعض النخب الفكرية الثقافية الضيقة الآن، نحن نتحدث إلى الملايين الآن الذين نريد أن يفهمونا، طيب هؤلاء يقولون لكم سيدي في كثير من المراحل الجماعات المسماة بأنها تقدمية وتنويرية وحداثية هذه في لحظة من اللحظات تماهت بالسلطة وتحالفت معها واستخدمت الآليات ذاتها للسلطة القمعية والدكتاتورية والإرهابية بحجة ماذا؟ محاربة الجماعات الدينية المتخلفة، ما الذي فعلناه في نهاية الأمر؟ هذه الجماعات نفسها التي كانت تتحدث عن التقدمية وعن الحرية وعن الحداثة هي ذاتها مارست القمع والاستبداد بحجة ضرب الجماعات الظلامية.

يحيى الجمل: يا سيدي لأنك في مجتمع لا يؤمن بحق الاختلاف، لو أنك في مجتمع متحضر يؤمن بحق الاختلاف يعطي نفسه ما يعطيه لغيره إنما المجتمعات بتاعتنا لأنها مجتمعات متخلفة والداء الوبيل أنه يعتقد البعض أنه يملك الحقيقة وغيره لا يملك شيئا، أنا أملك الحقيقة كلها وغيري لا يملك الحقيقة، إذا بدأت من بداية خاطئة لا يمكن تقودك إلى شيء، إذا بدأت بأنه أنا ممكن أبقى زي ما قال الكاتب العربي القديم "رأيي هذا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، لكن نحن النهارده عندنا مجموعات هي تملك الحقيقة كاملة وغيرها لا يملك أي قدر من الحقيقة.

كمال عبد اللطيف: هناك أمر آخر، يجب أن نميز بين ثقافة التاريخ وثقافة النص، ثقافة التاريخ أكثر رحابة..

غسان بن جدو: هذا ربما يستحق جلسة فكرية نظرية أخرى. دكتور علي من فضلك، من فضلك سؤال إذا سمحت لأنه في نهاية الحلقة وتستطيع أن تعلق على ما تشاء، هل ما زال الجمهور يصدق مثقفيه أم يعتبرهم كالحكام؟

علي برهانة: لا، هو الحقيقة هناك أزمة بين المثقف وبين الجمهور يعني موجودة..

يحيى الجمل: والله الناس تميز بين الصادق وغير الصادق.

علي برهانة: إيه نعم، هناك النماذج التي أقصت التي تحدثت عنها ليست النماذج الأصيلة، هناك مجموعة انتهازية ربما يعني ارتبطت في وقت من الأوقات وأقصت غيرها..

غسان بن جدو: ولا تزال موجودة.

علي برهانة:  ولا تزال وأقصت غيرها ولكن المثقفين ذوي الأصالة لم يمارسوا الحقيقة هذا الإقصاء ولكن ربما لم يجدوا من.. يعني هناك أسماء تتكلم باسم الدين ولا تزال تتحاور مع أسماء تتكلم بالثقافة العلمانية لكن الجماعة اللي تفضل عنهم الدكتور اللي هم الذي يقول أنا أتكلم باسم الله، هذا ما عندك معه قاسم مشترك لا تستطيع أن تتحدث أنت وإياه..

يحيى الجمل: تكلمه إزاي ده؟ بيتكلم باسم ربنا حتقول له..

علي برهانة: فهو يقصيك على طول.

غسان بن جدو: تماما كمن يتحدث باسم السلطة وهيبة الدولة وباسم القانون.

علي برهانة: بالضبط هي مسألة الراديكالية في الطرح سواء من الطرف هذا أو الطرف هذا تقصي الجانب الآخر، ولكن توجد أسماء تحاول التحاور وهذه اللي نعول عليها.

يحيى الجمل: يا سيدي لا يوجد مطلق في هذه الدنيا، لا يوجد مطلق في هذه الدنيا، كل شيء نسبي، المطلق هو الحقيقة الوحيدة هو الله هذا هو المطلق الوحيد ما عدا ذلك..

غسان بن جدو (مقاطعا): نعم،ربما هذا ما قاله في البداية، النسبية وليس التعميم. دكتور يحيى الجمل، دكتور كمال عبد اللطيف، دكتور علي برهانة شكرا لكم، شكرا لكل من ساهم في إنجاز هذه الحلقة طوني عون، منصور الطلافيح، عبير العنيزي، إحسان حبال، والأخ عثمان لطيف هنا في ليبيا، طبعا شكرا أيضا للتلفزيون الليبي والقسم الفني جميعا بدون استثناء وشكرا لجائزة القذافي التي استضافتنا هنا، مع تقديري لكم من طرابلس ليبيا، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة