المرأة المسلمة في الولايات المتحدة   
الاثنين 29/11/1425 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)
مقدم الحلقة: محمد كريشان
ضيوف الحلقة: عزيزة الهبري: أستاذة القانون بجامعة ريتشموند الأميركية
تاريخ الحلقة: 24/08/1999




عزيزة الهبري
محمد كريشان
محمد كريشان: دكتور عزيزة الهبري، أهلاًوسهلاً.

د. عزيزة الهبري: أهلاً بكم.

محمد كريشان: دكتورة، واضح من خلال دورك كأستاذة قانون وتشريع إسلامي بجامعة (ريتشموند) في (فرجينيا) في الولايات المتحدة، أو من خلال عملك في عديد المنظمات في المجتمع، اهتمام خاص بالمرأة المسلمة في الولايات المتحدة.. يعني هل يمكن الحديث عن المرأة المسلمة في الولايات المتحدة، يعني هل لديها خصوصية معينة تجعلها فعلاً حالة خاصة في المجتمع؟

د. عزيزة الهبري: بالحقيقة أنا ما كنت أعرف إن إلها خصوصيات وحالة خاصة تتطلب العناية، فنحن في الأساس عندما أسست جمعية "كرامة" للمحاميات المسلمات لحقوق الإنسان، كانت محاولة مني لاستعادة صوت المرأة المسلمة على المنابر الدولية فيما يتعلق بحقوق المرأة، لأن كنا نحنا منزعجين كتير إنه فيه وجود جمعيات علمانية غربية تحاول أن تتكلم، وهي تقول ما هي مشاكل المرأة المسلمة في العالم، وكان نظرتهم في الحقيقة –أعتقد- غير صائبة.

لذلك أسسنا جمعية (كرامة) إنما بعدما أسسناها وبعد ما ذهبنا إلى الصين والمنابر الأخرى أصبحت تصلنا اتصالات من المرأة المسلمة في أميركا تعرض علينا مشاكلها، وهاي كانت أول علم لي بالمشاكل للمجتمع الإسلامي في أميركا، ولذلك بدل أن نتجه إلى الخارج، بدأت الكثير من نشاطاتنا تنصب إلى الداخل، في محاولة لفهم مشاكل المرأة المسلمة في أميركا وحلِّها إن شاء الله.

محمد كريشان: إذا أردنا أن نعدد أبرز هذه المشاكل، ما الذي يمكن أن يقال؟

د. عزيزة الهبري: أنا في الوقت الحاضر –كقانونية- المشاكل التي تصلني هي تتعلق بالعلاقات الزوجية التي لا تنجح، وأما الناجحة فأنا لا أسمع عنها، لأن –الحمد الله- كلهم في بيوتهم، أما الأشياء التي تصل إلى القضاء هي التي تمثل مشاكل، أو الأشياء التي قد تصل إلى القضاء، لكن نحاول نتصرف فيها قبل أن تصل إليه.

المشكلة الأساسية -أعتقد- في محاكم الولايات المتحدة تتعلق بعقود الزواج الإسلامية، وما يحصل فيها في هذه المحاكم، أنت كما تعرف المحاكم الأميركية يجري عليها نظام فصل الدين عن الدولة، فعندما يأتي إليها عقد قران إسلامي كيف تتصرف فيه؟ قانون الأحوال الشخصية أو القانون العائلي في الولايات المتحدة ليس فيدرالي وهو قانون ولايات، يعني فيه حوالي 50 قانون يختلف من ولاية إلى ولاية، ولاية (نيويورك) وصلت إليها حالة تدعى عزيز.. (فيرسس عزيز) وفي هذه الحالة وصل إليها عقد قران إسلامي، وقررت أن..

محمد كريشان [مقاطعاً]: عفواً، عقد قران إسلامي من أين؟

د. عزيزة الهبري: يعني.. والله ما أعرف يمكن يكون باكستان، لا أذكر، لكن يعني..

محمد كريشان [مقاطعاً]: ليس.. لم يتم في الولايات المتحدة يعني، تمَّ في دولة إسلامية ثم أوتي به إلى..

د. عزيزة الهبري: ولكن ممكن أن يتم في الولايات المتحدة.

محمد كريشان: آه، ممكن أيضاً.

د. عزيزة الهبري: لأنه الجوامع في الولايات المتحدة تقوم بعقد إسلامي، وبنفس الوقت يسجل كعقد مدني مقبول من الحكومة، لكن أعتقد في تلك الحالة كان عقد في الخارج، المشكلة ماذا يفعل القاضي؟ في تلك القضية قضت المحكمة بأن المحكمة الأميركية لها الحق في النظر وفي العمل بعقد القران الإسلامي بالبنود التي لا تتعلق بالدين، يعني المهر، الشروط.. إلى آخره، يعني كل البنود تقريباً ليست دينية بحتة، ولذلك لها الحق الحكومة.. عفواً القاضي أن ينظر لها كبنود مدنية بحتة، ويحاول تطبيقها..

محمد كريشان [مقاطعاً]: وكانت سابقة في الولايات المتحدة.

د. عزيزة الهبري [مستأنفةً]: كانت سابقة، وأصبحت الكثير من المحاكم في الولايات المتحدة تتبع هذا النظام، لكن -للأسف- هناك مشاكل، والمشاكل تأتي -للأسف- من الطرف المسلم.. يعني في كثير من الأحيان إما الزوج أو الزوجة لا يريدان أن يثبتوا العقد الإسلامي في المحكمة، لأن العقد فيه مهر، ولذلك فإن المحكمة إذا ثبتته فينظر إله بما يسمى كمثلاً (Premarital–Agreement).. اتفاقية بين الطرفين يا اللي هي تسبق.. وتصبح هي الأساسية، والقانون الأميركي المدني لا يصبح الأساس.

فالفرق بين إن الامرأة -مثلاً- تأخذ من زوجها كمية كبيرة من المال، قد تبلغ النصف تحت القانون الأميركي أو تأخذ في مهر إسلامي عقد في الماضي في بلد آخر بسعر زهيد يا اللي هو خمسين مثلاً دولار.. إحدى السيدات التي أنا أعرفهم كان الخيار أمامها: إما أن تأخذ خمسين دولار مهرها متأخر -طبعاً فيه مقدم- إنما المتأخر خمسين دولار، وهي عاشت العمر كله مع زوجها، ثم تركها عندما كبرت، وتصبح مشردة، لأنه ليس هناك من كفالة اجتماعية، حتى ما تدفعه الحكومة للفقراء لا يكفي.

المجتمع الأميركي الإسلامي ليس في حالة -الآن- لاستيعاب هذه الحالات الاجتماعية، فتصبح على الطريق، هل هذا خيارها، أم خيارها مثلاً أن تترك العمل بالعقد الإسلامي وتطالب القاضي بإجراء القوانين المدنية عليها.

محمد كريشان: يعني عفواً، هل تشجعون النساء المسلمات على تسجيل العقود لدى الجهات المدنية، يعني إذا لم تسجله أصبح من الصعب تدارك هذا الأمر، إذا ما وصل الأمر إلى القضاء؟!

د. عزيزة الهبري: أولاً، أي عقد مسجل في دولة أخرى مقبول في الولايات المتحدة، العقود التي تجري قانونياً في الولايات المتحدة من طرف إمام، يكون مكلف من طرف الولاية بالعقد، ويصبح العقد تماماً مدني، يعني ما فيه مشكل.

محمد كريشان: إذن أين المشكلة؟ لماذا لا يكون المرجع دائماً القانون الأميركي؟

د. عزيزة الهبري: لأن تفسيرنا للعقد الإسلامي أن هذا يثبت العلاقات بين الطرفين، المادية وغيرها، ويصفي الحسابات بهذا الشكل، إذا مهرها خمسين دولار يفهم من –بعض الأطراف- إن هذا كل شيء تستحقه تحت القانون الإسلامي، وبما أنه (Premarital–Agreement) لا يجري العمل بالقانون المدني الأميركي (Premarital–Agreement) يعني لما يكون عندك شخص ثري جداً في أميركا، وعايز يتزوج، ولا يريد زوجته أن تأخذ -في حال إخفاق الزواج- أن تأخذ القسم الأكبر من ثروته، يتفق معها مسبقاً عن حقوقها إذا طلقها.

فهم ينظرون إلى عقد الزواج الإسلامي بنفس الطريقة، وبذلك لا يحق لها أكثر من ذلك، فأصبحت المرأة المسلمة أمام خيار صعب كتير في أميركا، وهو الخيار ما بين إمكانياتها في المعيشة المحترمة الاقتصادية، وبين أن تختار بالعمل بالقانون الإسلامي.

نحن نعتقد أن هذا الخيار خيار غير صحيح، لأنه من نظرتنا للإسلام الإسلام مبني على العدل، والعدل هو أساس كل القوانين في الإسلام، يعني هو الشارع اللي هو الله -عز وجل- شرَّع لمصلحة العباد، فإذاً إذا فيه شيء نتيجة غير صالحة أو غير عادلة يجب أن ندرسه من أسس شرعية صحيحة لنجد الحل الصحيح، وذلك ما نحاول فعله الآن.

محمد كريشان: يعني هل هذه بعض الوضعيات الشائكة، هل تعود إلى عنصر الجهل أم هناك -ربما أيضاً- عنصر التحايل لدى بعض الرجال في المجتمع الأميركي؟

د. عزيزة الهبري: الاثنين معاً، يعني أحياناً.. أولاً: علينا أن نعيد النظر في كل المفاهيم ندرسها من خلال التراث القديم.. يعني مفاهيم عقد الزواج ما هي؟ يعني نريد أن نفهم فقهياً ما هي الحقوق تماماً.. لحد الآن عندما أنظر في الكتب الحديثة لا أجد فيها ما يكفي، إنما العودة إذن إلى الأصول، وإلى القرآن، وإلى الحديث، وإلى الكتب الأساسية القديمة.

أحياناً يكون هناك تحايل، يعني -مثلاً- رجل يأتي إلى المحكمة، ويقول للقاضي: عليك ألا تطبق عقد القران الإسلامي، لأنه مش عاوز يدفع المهر، ويأتي بشهود يقولون أشياء -هم يكونوا مسلمين- يقولون بأشياء عن عقد الزواج الإسلامي تدفع القاضي إلى النفور منه، والقول بأنه سوف لا يعمل فيه في هذه الولاية لأنه يخالف المصلحة العامة.

فنحنا نريد أن نقطع الطريق أمام هذا النوع من التحايل على القضاء الأميركي بكتابة كتب أميركية مبنية على الفقه الإسلامي تشرح للقاضي هذه الأشياء إن شاء الله.

محمد كريشان: يعني هل هذه المشاكل منتشرة خاصة في الأوساط العربية المسلمة أو الأوساط الآسيوية خاصة من باكستانيين وهنود، أم أيضاً حتى داخل المجتمع الأميركي نفسه مثلاً الأميركان السود أو غيره؟!

د. عزيزة الهبري: في كل القطاعات، كل قطاع له مشكلة، مثلاً القطاع الباكستاني مشكلته إنه يخفف في المهر يعني دائماً يحاولوا أن يكون مهر المرأة –متأخرها- قليل، فهذا يخلق مشكلة.

المشاكل في المجتمع العربي.. أحياناً الرجل يتحايل على المرأة يعني أحياناً يقول للقاضي أنه أجبر على أن يمضي عقد الزواج، وهو لا يعرف ما معنى عقد الزواج ويتملص.. يحاول التملص، الأميركان السود عندهم أيضاً مشاكل، ومشاكلهم عديدة، تعرف أنت وضعهم في الولايات المتحدة، وبعض المشاكل تتعلق بقضية تعدد الزوجات، لأنه في أميركا هذا ليس معترف به، فعندما يتزوج أول واحدة تكون الزوجة الشرعية، فإذا تزوج واحدة تانية المرأة الثانية ليس لها مركز قانوني، أولادها ليس لهم اعتبار قانوني، وليس لها.. وإذا توفى عنها ليس لها إرث، يعني ليس لها أي حقوق، فنحنا نحاول أن نوعي المجتمع المسلم بالنسبة لهذه الأمور.

محمد كريشان: يعني ظاهرة تعدد الزوجات منتشرة لدى بعض الأوساط المسلمة في الولايات المتحدة؟

د. عزيزة الهبري: هناك بعض الأوساط التي تقوم بذلك، لا أستطيع أن أقول إنها منتشرة انتشار كبير، هي مخالفة للقانون الأميركي، ونحن نحاول أن نوعِّي الشعب في هذا الموضوع.

محمد كريشان: دكتورة، جمعية "كرامة" التي أشرت إليها في البداية وهي جمعية للمحاميات المسلمات تُعنى بحقوق الإنسان، يعني ما هو دورها بالتحديد، هل هو مجرد فقط انتداب محاميات للدفاع أم توعية، اتصال بالنساء في بيوتهن.. تعريف لهذا..

د. عزيزة الهبري [مقاطعةً]: لأ، دورنا في الوقت الحاضر محدود، لأن إمكانياتنا المادية محدودة، ونحن نرفض منذ سنوات أن نأخذ أي تبرعات من دول إسلامية من الخارج أو حتى من أشخاص مسلمين من الخارج، نحنا نريد أن تكون جمعية "كرامة" جمعية أميركية بحتة، ونريد أن نقنع المؤسسات الأميركية بتمويلها، كما تموِّل المنظمات غير الحكومية الأخرى، وإن شاء الله سننجح في ذلك.

في هذه الأثناء يعني نحنا مجموعات تعمل وليست متفرعة لقضية "كرامة"، يعني أنا أستاذة، ومعي تلاميذ، ومعي أشخاص تانيين غير متفرغين، لكن نعمل زيادة عن وقتنا لخدمة القضية، فماذا نعمل؟ أول شيء نعمل به هو الكتابة حول مواضيع المرأة في أميركا أو في أماكن أخرى من وجهة نظر إسلامية وتحليل الموقف.

يعني صديقتي باكستانية أميركية هي نائبة الرئيسة في "كرامة" كتبت مقال حول قوانين الاغتصاب في الباكستان، وانتقدتهم من وجهة نظر إسلامية تعتمد على الكتب القديمة، وتظهر عدم العدل في القوانين الحاضرة، ونشر مقالها ليس فقط في أميركا إنما في الباكستان من طرف مؤسسة إسلامية، وأعتقد أنه سينظر إله بعين الاعتبار من قبل -والله أعلم- بعض البرلمانيين، لكن أنا مثلاً جهودي انصبت على البحث في الحالات الأساسية حول وضع المرأة الفقهي، وإعادة النظر فيه من وجهة التراث، يعني أنا أعود إلى التراث، وأحاول أن أعود إلى الأصول، لأني أعتقد إنه في الوقت الحاضر لم نلتزم بالأصول القرآنية والحديث.. وإلى آخره، هذا من ناحية.

من ناحية تانية نحن نمثل أحد الوجوه للمرأة المسلمة في الولايات المتحدة، إن كان اجتماعياً، أو مع الدولة، أو في الأمم المتحدة، فهذا نشاط آخر نقوم به، عندنا أيضاً شبكة إعلامية خاصة، كل إنسان إما تلميذ في الحقوق، أو أستاذ في الحقوق، أو حقوقي ممارس -امرأة أو رجل- يستطيع الدخول في هذه الشبكة للكلام عن مشاكل المسلمين في أميركا، وبحث آراء الجميع حول الحقوق الفقهية.

يعني أقول لك مثلاً أحد الأمثال قبل أن آتي إلى هنا أثيرت مشكلة على الشبكة من قبل أحد المسلمين عن دعوة رُفعت على سائق تاكسي مسلم في أميركا، أقيمت الدعوة عليه من طرف سيدة ضريرة، وكان معها كلب يساعدها على النظر يعني، فحاولت أن تصعد إلى التاكسي مع كلبها، فهو اعترض على أساس إنه إسلامياً ذلك ضد ما هو يعتقد، فرفعت عليه قضية.

وجرت أبحاث جداً مشيقة على هذه الشبكة الإعلامية الخاصة -E. Mail يعني- بين المسلمين حول موقف التاكسي، وهل هو صحيح أو خطأ، فأشياء كثيرة نقوم بها، وقد نُرجعهم إلى بعض الأسماء -محاميات أو محامين- لكن لا نقوم بالدفاع، ولا نأخذ قضية.

محمد كريشان: يعني إشارتك -دكتورة- إلى رفض التمويل من دول إسلامية، يعني هل هذا خط يريد أن يبتعد بالجمعية عن عمليات تجاذب قد تكون موجودة في العالم الإسلامي بين الدول المختلفة؟

د. عزيزة الهبري [مقاطعةً]: لأ، في الحقيقة ما عندي –أنا عموماً- ما عندي مشكل، إذا شخص مسلم جادو.. بالمناسبة رجال مسلمين كثير من العالم حاولوا مساعدتنا، وأنا أحترم جداً محاولتهم لمساعدة المرأة، لكني أريد أن أثبت أن هناك جمعية أميركية إسلامية ممولة من المؤسسات الأميركية العادية، هذا حقنا، لأنهم يمولون المؤسسات.. الجمعيات الأخرى بالملايين، فنحن على الأقل أن يطلع لنا القليل مما نستطيع أن نقوم به، فنحن نحاول أن نثبت موقفنا على المستوى الأميركي، وإن شاء الله ننجح.

محمد كريشان: يعني ما هو مدى تجارب السلطات الإدارية الأميركية مع جمعية من هذا القبيل يعني هل..

د. عزيزة الهبري [مقاطعةً]: جداً جيد، أقدر أن أقول أن في عهد الرئيس (كلينتون) و(هيلاري كلينتون)،كان هناك تشجيع جيد جداً للمرأة المسلمة في أميركا، مثلاً زوجة الرئيس عندها مكتبها الخاص، في هذا المكتب -كما أعلم على الأقل- هناك امرأتين مسلمتين أميركان، من أول يوم يعني جاءت إلى الحكم مع زوجها، زوجها يحاول تعيين مسلمين في مناصب، وقد عيَّن أول سفير مسلم أميركي مؤخراً، وعيَّن امرأة مسلمة أميركية -صديقة لي- في لجنة مهمة للعمل حول الحرية الدينية العالمية، وبذلك يعطي المرأة المسلمة أدوار قيادية على الساحة الأميركية، يعني نحنا في أميركا ما عندنا سؤال هل تستطيع المرأة أن تقود أو لا تقود، لأن هذا واقع، يعني لما عيَّن هذه المرأة في مركزها دعت إلى اجتماع لكل القياديين المسلمين، وجاء الكثير منهم واستمعوا إليها ولم يثار هذا النقاش، بالعكس كان التركيز على كيفية خدمة المجتمع الإسلامي الأميركي ومصلحة الأمة.

محمد كريشان: هذا يا دكتورة على الصعيد الرسمي، على الصعيد الشعبي العام أحياناً ما يتردد بأن نظرة المجتمع الأميركي إلى العالم الإسلامي وإلى المسلمين فيها الكثير من التساؤلات، خاصة عندما ارتبط الإسلام بأسماء معينة وبحركات معينة في السنوات الأخيرة الماضية، ما هي نظرة المجتمع هناك للمرأة المسلمة وللمسلمين بشكل عام؟

د. عزيزة الهبري: يعني ما تقوله –من وجهة نظري- هو أخبار العام الفائت، هذا بنظري، لأنه أنا نشيطة جداً على مستوى أميركا القيادي، وليس بالضرورة السياسي إنما الاجتماعي، وداخلة في جمعيات كثيرة للحوار بين الأديان، والجمعيات القانونية على مستوى عال جداً من القيادات الأميركية، وأجد إنه في هذه القيادات وجودنا وكلامنا وحوارنا أعطى فكرة جيدة جداً عن المسلمين، وأن هناك تغير أساسي لكنه بطيء، لأنه هذه الأشياء لا تتغير بسرعة، بطيء لكنه مشجع حول فهم أفضل للدين الإسلامي، وبعدين أنا لاحظت إنه القيادات الأميركية غير المسلمة أصبحت تتطلع لتدخل الطرف الإسلامي في القيادات معها، حتى في المؤتمرات أو.. يعني المهمة جداً التي تأخذ قرارات بالنسبة للتوجهات في المجتمع الأميركي.

محمد كريشان: يعني هو في نفس البرنامج استضفنا مرة الدكتور زكي بدوي (عميد الكلية الإسلامية في لندن)، وتحدثنا حول واقع المسلمين في (بريطانيا)، وكان هناك كثير ربما من نقاط التقاطع والاشتراك بين ما ذكرتيه وبين واقع المسلمين في بريطانيا، هو ومجموعة من المفكرين أصدروا كتاب حول ظاهرة العداء للإسلام في بعض الأوساط البريطانية، ولا تقول في المجتمع البريطاني ككل، وسموه ب "الإسلاموفوبيا" هل هناك بعض هذا الإحساس في بعض القطاعات داخل المجتمع الأميركي، لاسيما مثلاً في الفترة الأخيرة كان هناك تصريح لقيادي في الحزب الجمهوري، تصريح معاد للإسلام وللمسلمين، إلى أي مدى هناك تفكير من هذا القبيل في بعض الأوساط الأميركية؟

د. عزيزة الهبري: شوف ستبقى هناك تصريحات من هذا النوع، ليس فقط بالنسبة للإسلام أو لليهودية أو حتى بين المسيحيين أنفسهم، هناك حرية رأي كبيرة في الولايات المتحدة، هناك مجموعات متطرفة إلى اليمين، تقول أشياء كثيرة لا تمثل بالضرورة وجهة نظر الشعب الأميركي، فالشعب الأميركي متسامح، الشعب الأميركي متدين، والشعب الأميركي يحب العدل، ولا يحب أن يأخذ أفكار متطرفة.

أنا أؤيدك إنه فيه كان بالماضي -ولا يزال- ميل كبير إلى تصوير الإسلام بطريقة أسميها (Striotipicar) اللي هي متأخرة، لكن وضعنا في أميركا أصبح بشكل أنه عندما تظهر هذه الأشياء المجتمع الإسلامي يأخذوا التليفون ويتصلوا بالمخرجين والمنتجين، ويقولون إن هذا خطأ وعليكم التصحيح، أصبح لنا صوت، أصبح لنا دور، لم نعد جالسين في الركنة، ومش عاوزين نتصرف في أميركا على أساس إنه لو أصبحنا أميركان هذا نوع من عدم الوفاء إلى الأماكن التي أتينا منها، بالعكس أصبحنا نعرف أن المصلحة العامة تتطلب أن نكون نشطين، ويكون لنا دور سياسي واجتماعي.. وغيره.

ولذلك السبب مثلاً لابد وأنك سمعت بفيلم (Prince of Egypt) هذا الفيلم مثلاً العديد من القياديين المسلمين دُعُوا لمشاهدته،أنا سافرت مرتين إلى (كاليفورنيا) من فرجينيا للنظر إليه حتى إذا كان وجدت أي شيء يمس بالمسلمين أعطي ملاحظاتي، بالرغم من إنه المنتج قال لي إنه لا يحاول أن يعطي القصة من طرف قرآني، أو حتى من طرف توراتي، إنما هو عمل فني، لكن لا يريد أي إنسان أن يكون مزعوج منه، فكل القيادات اليهودية والمسيحية والمسلمة ذهبت وشاهدت هذا الفيلم، هاي ظاهرة جديدة وجيدة، لأنه عندما نستطيع أن نعطي آراءنا قبل أن يظهر الفيلم، ويكون له تأثير سيئ.

محمد كريشان: يعني -دكتورة- إذا أردنا أن نعود إلى مشاكل المرأة المسلمة يعني هل فقط هي مشاكل محصورة فقط في الزواج والمهر -مثلما ذكرت- أم هناك قضايا أخرى؟ يعني لماذا تدورون في حلقة الزواج فقط أم لديكم اهتمامات أخرى أيضاً؟

د. عزيزة الهبري: كما قلت لك أنا، نحن ندور في الحلقات التي تصلنا اتصالات حولها، نحن لا ننتقي المشاكل، هي تنتقينا، هاي مشاكل أساسية، مشاكل أخرى يعني نعرف بها ولنا علاقة بها بعض الشيء، مشاكل مثلاً المرأة المسلمة المحجبة أو الرجل المسلم اللي له لحية عندما يذهبون للعمل ويقول لهم صاحب العمل إنه لا تستطيعون العمل هنا بهذا السبب، فماذا يحصل؟! عموماً لا تصل القضية للقضاء، لذلك أنا لم أخترها، لأن المجتمع الإسلامي الأميركي أصبح يتصل بأصحاب العمل ويقولون له إن هذا غير مقبول، وحتى أحياناً المجتمع الإسلامي يقول لن نتعامل معكم كتجار في المستقبل أو كشركة خدمات إذا لم تعدلون من موقفكم العدائي للإسلام، وهذا كان يأتي رجل العمل ويعيد المرأة أو الرجل إلى عمله، ويعتذر.

ففي هناك حالات أخرى يعني عندي صديقة كانت ميكانيكية في شركة طيران محجبة، ترَّكوها شغلها، رجعت الآن مع الاعتذار، وحتى الكونجرس دعاها للكلام عما حصل لها أمام الكونجرس، ففيه محاولة للعدل مع المسلمين.

محمد كريشان: يعني التصرفات مع المحجبات أو أصحاب اللحى، هل هي تصرفات إذن فردية نتيجة تصورات مسبقة عن المسلمين أم ربما لأسباب أخرى؟

د. عزيزة الهبري: لأ، لأ، تحصل عادة في القطاع الخاص وليس في القطاع العام، يعني أنا صديقتي محجبة عملت مع قاضي استئناف في كاليفورنيا، والآن هي تحضِّر دكتوراه في (هارفارد) ليس هناك من مشكل، القطاع الخاص تصرفاته لا تصل أحياناً إلى تلك الدرجة من التطور الذي نريده، فنحن نحاول تعليمه عن طريق الاتصال أو القضاء إذا لزم الأمر، لكن هذه المشاكل موجودة بوجوه أخرى مع الفئات الأخرى من المجتمع الأميركي، وعلينا فقط أن نعلمهم حول هذه الأمور.

محمد كريشان: هل هناك تفاهم -مثلاً- لموضوع الحجاب لدى بعض الأوساط، يعني هو بعض الدول العربية والإسلامية أصلاً غير متفهمة لقضية الحجاب، كيف يمكن أن نطالب المجتمع الأميركي أو غيره..؟

د. عزيزة الهبري: حتى في أساسه المجتمع الأميركي لم يكن يتفهم قضية الحجاب، وأنا أذكر إنه في سنة.. أول الثمانين – أعتقد- أعطيت محاضرة في هيئة نسائية، اجتماع نسائي كبير، وقلت لهم إن موضوع الحجاب اختياري، وقد يمثل اختيار جداً مهم بالنسبة للمرأة، يؤكد –مش فقط دينها- إنما حريتها ووطنيتها، وتكلمت –مثلاً- عن تجربة المرأة الجزائرية، وكيف حاول الفرنسيين أن يشيلوا حجابها عنها، حتى في السنوات القديمة بعض الحركات النسوية.. أنا هأقول لك قصة –قد تجدها غريبة- بعض الحركات النسوية في أميركا حاولت القيام بمظاهرة لمساندة شعب البوسنة، أول ما بدأت الحوادث في البوسنة، عندها أرادت بعض الحركات الإسلامية النسائية أن تشترك في المظاهرة في (واشنطن)، رفضت الحركات النسائية العلمانية أن تسمح للمسلمات بالاشتراك في المظاهرة، لأنهم محجبات، وهذا شيء يعني غير متحرر ورجعي، فحصل أخذ ورد في الموضوع، وكانت بداية لتثقيف هذه الجمعيات وبقية الشعب الأميركي أن الحجاب هو خيار.

ونحن في جمعية "كرامة" تكلمنا بصراحة مع وزارة الخارجية في إحدى الاجتماعات، وأثرنا قضية العداء تجاه الحجاب في تركيا، وأنه يخالف نظام حقوق الإنسان، والمرأة التي تستطيع بخيارها أن ترتدي الشورت لها الحق أيضاً بخيارها أن تتحجب، فلماذا نحن نسمح بالشورت ولا نسمح بالحجاب، وكان رد فعل لوزارة الخارجية جيد جداً، وأعتقد أنهم يساندونا في هذا الموقف.

محمد كريشان: يعني لا وجود لتلك النظرة مثلاً التي تسود أوساط فرنسية مثلاً، من أن الحجاب يظل مؤشر على انتماء سياسي إسلامي متطرف؟

د. عزيزة الهبري: لأ.

محمد كريشان: لا وجود لذلك.

د. عزيزة الهبري: لا وجود لذلك، وعندنا في أميركا احترام الآن لخيار المرأة أو الرجل بالنسبة لمظهرهم، لأن هذا جزء من الحقوق الدستورية المحفوظة في أميركا.

محمد كريشان: دكتورة، أنت الآن في جولة في عديد من الدول العربية والإسلامية، ما الهدف من هذه الجولة، ما مدى علاقة وضع المسلمين والمرأة المسلمة في الولايات المتحدة بمثل هذه الجولة، ما الذي تريدينه تحديداً؟

د. عزيزة الهبري: بالحقيقة الوضع اللي كلمتك عنه هو السبب في جولة إلى عشر دول إسلامية، وأحاول أن أقوم باستشارات مع رجال الدين والقضاة بوجهة نظرهم للحل الصحيح المؤصل الفقهي للمشاكل في أميركا، وبعد أن أنتهي من جولتي حأدرس كل الحلول والأفكار المقدمة، وأعود إلى الأبحاث القديمة والكتب القديمة –كما قلت- وبعدين أختار ما أجده أفضل، ولربما أعيد الجولة مرة أخرى لأقول لهم ما هي نتائج أفكاري، ليكون هناك تفهم من المجتمع الإسلامي العام لما يحصل في الولايات المتحدة، وليعرفوا أن الحلول التي نقدمها مدروسة مؤصلة وليست اعتباطية.

محمد كريشان: دكتورة، ربما من الصعب أن تجدي رؤية إسلامية واحدة لموضوع معين، يعني الفقه الإسلامي والاجتهاد الإسلامي متشعب بطريقة، يعني ربما تعودين مشوشة الذهن أكثر من انطلاقك من الولايات المتحدة أصلاً؟

د. عزيزة الهبري: لأ، على العكس، أنت نسيت إنه كمان أنا تدريبي في الأصل دكتوراه في الفلسفة، فتعودت على الأفكار الكثيرة، وأنا أرحب بالأفكار الكثيرة، وأجدها كفرصة، وليست كمشكلة، لأنها فرصة لعرض حلول كثيرة، وكل مجتمع يختار ما يناسبه منها، يعني تختلف الأحكام باختلاف الأماكن والأزمان، ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة، فأنا آخذ هذه الأشياء بجدية، وإن شاء الله أن تكون النتائج جيدة.

محمد كريشان: هل الجولة مثلاً مؤشر على أنه المجتمع المسلم في الولايات المتحدة لم يستطع أن يفرز بعض المفكرين الإسلاميين أو الفقهاء، يعني مثلاً هذا المشكل ربما غير مطروح مثلاً في لندن لوجود جالية عربية ومسلمة ربما حديثة ومتنوعة سياسياً وفقهياً؟

د. عزيزة الهبري: أنا بالحقيقة أشكرك على هذا السؤال، لأني أريد أن أعلمك أن في أميركا الآن نهضة إسلامية فكرية فقهية عظيمة، يعني نحنا نحس بكلية الحرية في التفكير، ما عندنا مشكل أن نعبر عن رأينا، لأن الحكومة لا تتدخل في هذه الأمور، وعندنا مفكرين فقهاء معروفين عالمياً، إنما مجرد الشورى لا ليس هو تعبير عن فقر فكري في أميركا، وإنما هو تعبير عن الأخذ بجدية بالقاعدة القرآنية عن الشورى.

نحن نؤمن بالشورى ونؤمن بما أسميه (الديمقراطية الإسلامية) فيه ناس لا يحبون كلمة ديمقراطية، اللي بتريد تسميه نحن نؤمن بذلك وأحد أسس الشورى، ونحن المسلمين لا نعمل بالشورى بما فيه الكفاية، أحياناً ننظر له كضعف، لأ بل بالعكس هو قوة بين المسلمين لحتى يكون هناك تفاهم أفضل بينتنا، وأنا أبشرك أن الولايات المتحدة فيها فكر إسلامي جيد جداً.

محمد كريشان: يعني هذا الفكر.. كيف يمكن أن تصفيه؟ هل هو مستنير، متوجه نحو التشدد أكثر.. أين تضعيه سواء فقهياً أو حتى سياسياً؟

د. عزيزة الهبري: تشكيلة، عندنا مفكرين من كل الاتجاهات ويتعاملوا مع بعض بالاحترام، وتنشر المجلات الإسلامية آراءهم، لكن أستطيع أن أقول أن هناك لربما فكر ما تسميه بالمستنير أي الفكر الذي يأخذ بعين الاعتبار المكان والزمان في تحليله، موجود بكثرة وإن شاء الله الجيل القادم جيل أيضاً أظهر إنه سيكون جدير بهذه الأمور إن شاء الله.

محمد كريشان: دكتورة، منذ البداية ونحن نتحدث عن جوانب اجتماعية فقهية قليلاً، ولكن لفت انتباهي بعض ما نشرتيه عن دورك كمحامية مسلمة في قانون الشركات التجارية، يعني مجتمع متشعب كالولايات المتحدة، وميدان الأعمال والمال.. يعني ما الذي يمكن أن يكون خصوصية لمحامية مسلمة في التعامل مع هذا العالم؟

د. عزيزة الهبري: بالحقيقة حضرتك سألتني عن المرأة المسلمة في أميركا، لكن أنا نشاطي الأميركي يتعدى فقط المرأة المسلمة، ويهتم بالإسلام بشكل عام، يعني فيه كثير من كتاباتي تتعلق بالقيم الإسلامية العامة والديمقراطية الغربية والمقارنة فيما بينهما، أو بنظرة الإسلام لحقوق الإنسان، أو بالدفاع عن المسلمين في أميركا بالنسبة لحقوقهم المدنية عامة، والمرأة إنما جزء واحد من اهتماماتي.

هذا المقال الذي أشرت إليه، أنا اختصاصي في القانون، اختصاص قانون الشركات، وعندما تخرجت من جامعتي ذهبت إلى أكبر شركة للمحاماة على أول شارع (وول ستريت) وعملت فيها، وانتقلت إلى شركة أخرى، ثم قررت أني أريد التعليم لأستطيع الالتفات لما أريد، طُلب مني أن أكتب تقييم لخبرتي علىوول ستريت وكتبتها من وجهه نظر دينية أن الإسلام والقيم الإسلامية -بطرق عديدة- تتنافى وبعض التصرفات التي نجدها على وول ستريت.

وبعد أن صدر هذا المقال، أريد أن أقول لك أنه صار له ردة فعل كبير جداً، حتى من رجال الدين غير المسلمين، ووافقوني على انتقاداتي، وتناقلوا المقال فيما بينهم، لأن المقال بالحقيقة هو عن كيف القيم الدينية.. يعني كيف نتعامل فيها على شارع وول ستريت الذي هو شارع ينظر للحياة بنظرة مادية بحتة، وقد لا ينظر إلى القيم الإنسانية الدينية.

محمد كريشان: ربما هذا التجاوب يعود أيضاً إلى أن القيم الدينية -عموماً- قيم مشتركة بين الديانات؟!

د. عزيزة الهبري: نعم، السماوية.

محمد كريشان: الجانب الأخلاقي والديانات السماوية يعني.

د. عزيزة الهبري: لكن أريد أن أقول لك إنه الآن أنا وزملائي القانونيين من الأديان المختلفة نقوم بنشاط جدي لمحاولة التغيير، التغيير الاجتماعي في وول ستريت والأماكن الأخرى عن طريق التركيز أن القيم الدينية يجب ألا تكون خارج تصرف المحامي، يعني أنا مثلاً هل معقول أن أكون مسلمة في بيتي، وعندما أصل إلى المكتب أنسى إسلامي وقيمي وأتصرف بشكل آخر؟! لأ، المفروض الإنسان أن يكون متكامل في حياته، فنحن نحاول أن نشير إلى المحامين، وقد عقدنا جلسات كثيرة معهم، وأعتقد إنه المستقبل يبشر ببعض التغييرات.

محمد كريشان: يعني عندما تصفين نفسك كمحامية مسلمة، هل هذا التصنيف له حالات أخرى، يعني هل هناك محاميات أخريات يعتبرن أنفسهن مسلمات بهذا الشكل؟ كتعريف هوية يعني؟

د. عزيزة الهبري: أنا أستطيع.. كتعريف هوية فيه كثير، يعني جمعية "كرامة" جذبت الكثيرين ممن يعرفون أنفسهم بهذا الشكل، وبعدين أريد أقول لك إنه في وول ستريت المحاميين يتركون أشغالهم، يستقيلون بكثرة، وبعد فترة قليلة من الزمن، بالرغم من المعاشات والإنتاج المالي الكبير، ليه؟ لما تسألهم يقولون لك ليست هذه الحياة التي نريد أن نعيشها، ففيه خطأ، فيه شيء خطأ على وول ستريت عم يتعب القانونيين والناس عامة، واللي يجب أن يعيدوا النظر إليه بشكل إنه الإنسان يكون مثلاً عنده حياة عائلية، يعني أنا لما اشتغلت في وول ستريت أحياناً 24 ساعة في المكتب، لا أستطيع الذهاب إلى بيتي، طب اللي عنده أولاد مش لازم يكون.. يروح ويقعد مع أولاده ويربيهم حتى يطلع الجيل الجديد عنده قيم، هذه بعض الأشياء التي انتقدناها.

محمد كريشان: دكتورة، المجتمع الأميركي كمجتمع أساساً متعدد كثيراً، ومجتمع مهاجرين، يعني هل هو أكثر أريحية في التعامل في المسائل التصنيفات الدينية، يعني مجموعات مسيحية، ومجموعات يهودية، ومجموعات.. يعني هل تشعرين بأن نمط المجتمع الأميركي يجعله أكثر تسامح في التعامل مع التعدد العرقي والديني والفكري؟

د. عزيزة الهبري: هو بالحقيقة يعني لم يكن دائماً المجتمع الأميركي مجتمع منفتح، برغم أن دستوره من الأساس كان على هذا الشكل، إنما ارتقى المجتمع الأميركي بسبب الدستور والأفكار الدستورية التي ثبتتها المحكمة العليا، ارتقى بشكل أفضل إلى هذه النظرة من التسامح، ومش فقط تسامح، يعني أصبحوا يجدون ثراءً في التعددية: ثراءً حضاري، ثراءً فكري.. إلى آخره، فنجد إنه الآن يبحثون عن التعددية لتكون شيء بناء، وليس شيء يخاف منها الأميركان.

محمد كريشان: دكتورة، أيضاً هذا التصور قادك إلى النظر إلى حقبة مهمة من التاريخ الأميركي من زاوية إسلامية.. يعني عنوان "الإسلام في تاريخ الولايات المتحدة" من بين الاهتمامات ومن بين المحاضرات التي ألقيتها، وطرحتي السؤال عما إذا كان الرئيس (جيفرسون) لديه تصور ما عن الإسلام، وهذا ربما لون حتى اهتماماته في الدستور الأميركي؟

د. عزيزة الهبري: هذا بالنسبة لي فتح باب جديد في مجال البحث في أميركا، يعني نحن عندنا فكرة عن أميركا أنها دولة غربية وإحنا شرقيين، ولنا عاداتنا ومختلفين تماماً، لكن عندما كتبت مقارنة ما بين الديمقراطية الدستورية الأميركية وبين القيم الإسلامية، وجدت هناك العديد من التناسب، وهذا جعلني أطلب من تلاميذي أن يكتبوا في الموضوع أكثر.

إحدى تلميذاتي جاءت إليَّ وهي تقول: "أنا نظرت إلى ميثاق المدينة ووجدت أشياء كثيرة تتناسب مع الدستور الأميركي"، وقالت لي: أنا لا أعتقد أن هذا صدفة، فلنبحث الموضوع ونشوف يعني هل كان هناك انفتاح على العالم الإسلامي في أيام تأسيس أميركا؟ فبدأنا فتحنا هذا باب جديد يعني لم يكتب فيه كثيرين، ولا أعتقد أحد حتى الآن.

وذهبنا إلى مكتبة الكونجرس، وإلى (مونت شيرلو) حيث عاش جيفرسون وإلى (ويليام وماري) حيث درس، ووجدنا أشياء كثيرة، منها مثلاً وجدنا إنه كان يقتني قرآناً، وإن قرآنه كان من جزأين: الجزء الأول هو تاريخ المسلمين في تلك الزمن في أول الحضارة الإسلامية، والجزء الثاني هو القرآن، وترجمة قرآنية كانت من أفضل التراجم الموجودة في ذلك الوقت في أوروبا، أخذها، كان عندهم دراسات عن الحضارة الإسلامية عديدة، حتى في الكلام حول الدستور ومحاولة تحديد صلاحيات رئيس الدولة الأميركي، جاء ذكر الدولة العثمانية وصلاحيات السلطان العثماني، وهل أميركا تريد مثل هذا النظام أو غيره، فكان فيه حديث أكثر مما توقعنا عن الدول الإسلامية منها الفارسية، ومنها غيرها، حتى كمان عن الإسلام بشكل خاص، نحن نسأل كم قرأ من المؤسسين القرآن، يعني عندما يقول جيفرسون أن (لا إكراه في الدين) لم يقلها بهذه الحرفية، ولكن قالها، هل أتت من عنده، وكان التناسب بين أفكاره والأفكار الإسلامية أم لا؟!

أنا أريد أن أعرف لأنه أعرف كمان أن جيفرسون قال: علينا بحفظ حرية الأديان يشكل أنه إذا إنسان أراد أن يضحي بشاة يحق له ذلك ما دام ليس هناك أي شيء مضر بالمصلحة العامة، فأنا أريد أن أعرف من أين جاء بعملية ذبيحة الشاة، وأنا أقول إنه كان لابد على اتصال ومعرفة بالعادات التي كانت تقوم بها ما يسمى (Slaves) أو العبيد الذين جاؤوا من أفريقيا بالقوة، ويقال حوالي 100 ألف منهم كانوا مسلمين، ومنهم القراء والحافظين والعلامة، ومنهم من كان رئيس قبيلته، هؤلاء ناس لم يأتوا من غير فهم أو من غير معرفة، فهل معقول أن يكونوا في البيت ولا يتكلمون مع بعض هؤلاء الناس، أو لا يشوفهم شخص مثل جيفرسون هذا ما نحاول أن نعيد اكتشافه إن شاء الله.

محمد كريشان: كامرأة مسلمة مع المجموعة التي تعملين معها، هل هذا ربما يرضي بعض حرصكم على نوع من التوازن النفسي والفكري بين الانتماء لمجتمع أميركي وبين جذور إسلامية هل أيضاً..؟

د. عزيزة الهبري: نحن نريد أن نُعرِّف العالم الأميركي والعالم الإسلامي أن الإسلام ليس جديد على أميركا، وأنا نحن لسنا مغتربين البارحة، أن الإسلام بنى أميركا، وقد يكون ذلك شيء غربي عليك، إنما هناك ذكر للمسلمين من القرن الثالث عشر أو الرابع عشر، وبعدين المسلمين الذين أتوا ك (Slaves) كعبيد إلى أميركا هم اللي بنوا الاقتصاد الأميركي في الجنوب، وبعدين بعد تحريرهم وذهاب جزء كبير منهم إلى الشمال، كمان هم اللي كانوا مشتركين في الحركة الصناعية الأميركية، نحن لم نكن ضيوف، ولم نكن مغتربين جديدين، نحن جزء من البنية الأساسية للولايات المتحدة، ويجب أن نأخذ مكاننا في هذا الموضوع.

محمد كريشان: يعني هذا التصور لا يجعل المرأة المسلمة مبدئياً وكأنها تعيش في (جيتو) في الولايات المتحدة؟

د. عزيزة الهبري: لا نريد ذلك.

محمد كريشان: يفترض أن تكون قادرة على المزج بين الانتماء وبين المجتمع، هل هذه المعادلة معادلة صعبة كما ترين من خلال احتكاكك؟

د. عزيزة الهبري: كما قلت لك، عندما أتوا المسلمين في الموجات الأخيرة إلى أميركا، كان هناك بعض رجال الدين في أميركا، يعني أئمة مساجد، أقول يعني لا أعرف مدى تمكنهم من الدين، كانوا يقولون إنه من الحرام أن يصوِّت المسلم الأميركي في الانتخابات الأميركية، وأن هذه دولة كافرة، وجعلوا أناس كتير يعني يجلون على جنب، في وقت اللي صوتنا المفروض يكون قوي ومسموع في الولايات المتحدة!!

الآن تخطينا هذه العقبة، ودخل مثلاً ناس كثيرين منَّا في القانون، يعني أنا كنت عندما دخلت القانون كنت من الأوائل، وأصبحت أخطب في أميركا، أطلب من الأهل أن يبعتوا أولادهم إلى القانون، من يحمي الحقوق الإسلامية المسلمة الأميركية إذا لم يكن هناك حقوقيين مسلمين؟! تغير الوضع الآن، حتى المرأة المحجبة لم تعد تتقوقع، وأصبحت تأخذ دورها مثلها مثل إخوانها، يعني تجد أحياناً نساء كتير في الحجاب والجينـز، هذا الوجه الأميركي الجديد.

محمد كريشان: في نهاية هذه الحلقة نشكر الدكتورة عزيزة الهبري (أستاذة القانون والتشريع الإسلامي في جامعة ريتشموند بفرجيينا بالولايات المتحدة)، شكراً جزيلاً.

د. عزيزة الهبري: شكراً لكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة