الوضع الاقتصادي الراهن للعراق   
الأربعاء 1433/3/30 هـ - الموافق 22/2/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:54 (مكة المكرمة)، 13:54 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

بهاء الميَّاح/ مستشار اقتصادي
فائق عبد الرسول/ خبير اقتصادي
مظهر محمد صالح/ خبير اقتصادي

تاريخ الحلقة:

12/06/2003

- تشخيص مشكلة وضع الديون العراقية والطريق إلى حلها
- الاعتماد على احتمال إلغاء الديون أو فوائدها عبر نادي باريس

- التعويضات المدفوعة من العراق وتأثيرها على الاقتصاد العراقي

- مدى إمكانية انتقال الاقتصاد العراقي إلى مرحلة حرة وجديدة

محمد كريشان: مشاهدينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله، أهلاً بكم مرة أخرى في موعدنا من بغداد في (العراق ما بعد الحرب).

حلقتنا اليوم نخصصها للوضع الاقتصادي الصعب في العراق سواء من حيث ارتفاع مستوى المديونية، أو موضوع التعويضات وكذلك الحديث الجاري حالياً في الأوساط العراقية عن آفاق الاقتصاد العراقي الجديد، وكيفية بناء اقتصاد يستفيد من كل النكبات السابقة.

ضيوفنا في هذه الحلقة هم ثلاثة من الخبراء الاقتصاديين المرموقين، معنا الدكتور بهاء الميَّاح وهو (مستشار اقتصادي في المؤتمر الوطني العراقي، وهو كذلك رجل أعمال) وأعد دراسة حول الاقتصاد العراقي في مرحلة بعد التحرير، المشاكل والحلول ورئيس هيئة التسيير في الاتحاد العام للتعاون في العراق وهي هيئة لجمعيات تعاونية عديدة.

ضيفنا الثاني هو الدكتور فائق علي عبد الرسول وقد شغل مناصب عديدة في السابق منها (رئيس الصندوق العراقي للتنمية الخارجية، وكيل وزارة المالية سابقا أيضاً)، عمل كذلك في البنك المركزي وكخبير لدى الأمم المتحدة في عديد من المسائل الاقتصادية.

وضيفنا الثالث هو الدكتور مظهر محمد صالح (رئيس الدائرة الاقتصادية في مجلس الوزراء سابقاً وخبير في المسائل الاقتصادية).

إذن عندما نتحدث عن الاقتصاد العراقي إنما نتحدث في الحقيقة عن اقتصاد يئن تحت أعباء مديونية ضخمة تقدر بحوالي تقريباً 130 مليار دولار تكدست على البلاد خلال سنوات الحروب الطويلة، وسنوات الحصار الطويلة كذلك، وقد أدى ذلك إلى تدهور الاقتصاد بشكل حاد، مما أثر سلباً بطبيعة الحال على المستوى المعيشي للمواطن العراقي.

ورغم أنه لا توجد أرقام رسمية دقيقة سواء من جهات وطنية داخلية أو دولية، إلا أن بعض الدراسات تشير إلى أن ربما أكثر من 50% من المواطنين العراقيين يعيشون الآن في حالة فقر، وأن الدخل الفردي في العراق ربما يقل عن دولار واحد يومياً وهو ما يعني أن العراق -وهو البلد النفطي الغني- أصبح للأسف يُصنَّف ضمن الدول الواقعة تحت خط الفقر.

ونظراً لأهمية الموضوع عُقِدت في بغداد مؤخراً ندوة حول القضايا الراهنة للاقتصاد العراقي، وقد ركز فيها المؤتمرون على بحث سبل معالجة أزمة الاقتصاد العراقي خاصة فيما يتعلق بالديون الخارجية والتعويضات المفروضة عليه، وكذلك كيفية توظيف العائدات النفطية في إنعاش الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة لدى المواطنين، وخلق اقتصاد جديد في البلاد.

تشخيص مشكلة وضع الديون العراقية والطريق إلى حلها

نبدأ النقاش مع ضيوفنا في هذه الحلقة، نبدأ بالدكتور بهاء الميِّاح، عندما نتكلم دكتور عن وضعية المديونية الصعبة في العراق، كيف يمكن برأيك أن نشخص هذا الداء؟ وكيف السبل لمواجهته؟

د. بهاء الميِّاح: بالنسبة للديون العراقية أولاً يجب أن نبحث لماذا كانت الديون العراقية؟ فيه أسباب كثيرة أدت إلى أن يرزح العراق تحت وطأة ديون كبيرة جداً، العراق كما هو معروف دولة نفطية غنية جداً، ويعتبر في الواقع من أغنى دول العالم في الثروة، الثروات الطبيعية وغيرها من الثروات الأخرى، بسبب تصرفات وسياسات النظام السابق وحروبه المستمرة ابتدأت الديون تتراكم على العراق، وأُثقِل كاهل الاقتصاد العراقي بديون لا طاقة له بها، فمنذ قيام الحرب العراقية الإيرانية وما أطلق عليه حرب الخليج الأولى ابتدأ العراق يستدين، يعني عندما بدأت الحرب كان هناك فائض الواقع في ميزان المدفوعات العراقي، ولكن بعد بداية الحرب استنفذ هذا الفائض، وابتدأ العراق يستدين، وكانت الدول الدائنة ابتداء من دول الخليج ومن ثم الدول الأخرى، هذه الديون تصنف في الواقع في شطرين، الديون العربية والديون الأجنبية، الديون العربية معظمها لدول خليجية، وكانت عبارة عن ديون تدفع للعراق لتمويل الحرب العراقية الإيرانية، أما بالنسبة للديون الأجنبية فكانت نوعين من الديون، كانت ديون عسكرية وديون مدنية، الديون العسكرية أيضاً كانت هي لتمويل ماكينة الحرب العراقية حتى تستمر الحرب ضد إيران، ونحن كنا من أول المعارضين لقيام هذه الحرب، لأنها حرب لا طائل من ورائها، وقد خسر العراق فيها كثيراً، إضافة للأموال البشر وهم أهم عملة في العراق، وبالنتيجة خسرنا الحرب رغم كل ما أطلق عليه، لأننا لم نصل إلى أي نتيجة من خلالها، في نهاية الحرب وجدنا الاقتصاد العراقي يرزح تحت ديون كبيرة للدول العربية والدول الأجنبية، أما كيف نحل مسألة هذه الديون في الوقت الحاضر؟

محمد كريشان [مقاطعاً]: هذه مسألة سنعود إليها لو سمحت يا دكتور حتى نشخص أكثر الوضع. دكتور فائق، كيف يمكن.. أشار الدكتور بهاء إلى تصنيف الديون كديون خارجية وديون عربية، لو نشخص أكثر المديونية العراقية وكيف تفاقمت مع مر السنين؟

د. فائق عبد الرسول: يعني العراق كان يملك قبل الحرب يعني بالذات في عام 1979 كان يملك من احتياطيات النقد الأجنبي بحدود 36 مليار دولار.

محمد كريشان: قبل دخول الحرب.

د. فائق عبد الرسول: قبل دخول الحرب، وكانت ما عدا الذهب طبعاً، وكانت هذه الإحتياطيات سائلة بشكل سائل ودايع تامة، حتى بالبنك المركزي أنا كنت عضو لجنة الاستثمار، كنا نطالب الحكومة آنذاك أن نذهب إلى استثمارات متوسطة وطويلة الأمد، إلا أن رأس النظام كان يرفض هذا.. هذا الشيء، فدخلنا الحرب مع هذا الاحتياطي الكبير في عام 83 بالذات في آذار 83 توقف تصدير النفط عبر سوريا، فانقطعت الإيرادات تماماً، آنذاك بدأنا بإعلان تجميد دفع سلف للشركات العاملة في العراق التي تنفذ مشاريع التنمية في العراق، وطلبنا منها أن تمول بقية.. تمول مطلوباتها المستحقة وغير المدفوعة وتكملة المشاريع، والتمويل.. بالتمويل الآجل.

محمد كريشان: ولكن إذا.. إذا أردنا أن نعرف ما هي الأحداث التي ساهمت أكثر من غيرها في تعميق أزمة الديون؟ هل هي فقط الحرب العراقية الإيرانية؟ سنوات الحصار؟ حرب الكويت؟ ما هي المحطة الأكثر إيذاء في موضوع المديونية؟

د. فائق عبد الرسول: بالنسبة للمديونية العراقية إذا قسمناها مديونية مصرفية حكومية والتزامات خارجية ناجمة عن الحرب مع إيران، الحرب مع الكويت، فالالتزامات الخارجية نتيجة الحرب، نتيجة غزو العراق للكويت هي أكبر من حجم.. من حيث حجم المديونية مقارنة بحربنا ثمان سنوات مع إيران، ولكن المديونية مع نتيجة الحرب مع إيران هي تختلف تماماً عن مطالبات التعويضات، يعني المديونية نتيجة الحرب مع إيران نحن بدأنا الحرب.

محمد كريشان: يعني هل هي أساساً ديون مترتبة على شراء أسلحة أساساً؟

د. فائق عبد الرسول: هي ديون مترتبة بشكل رئيسي بحدود 65%، من 50 إلى 65% ناجمة عن شراء أسلحة، بالإضافة إلى أن شراء الأسلحة كان يجري نقداً، يعني إيراداتنا أيضاً كانت يعني كل ديون الخليج بتروح للأسلحة، عدا هذا.. هذا الجزء الباقي المتبقي من الـ50 أو من الـ50 إلى 35% هو.. هي ديون ناجمة عن تنفيذ مشاريع سبق للعراق أن تعاقد عليها مع شركات عالمية خاصة أوروبية ويابانية قبل الحرب، فهذه.. هذه الديون نجمت عن استمرار هذه الشركات في تنفيذ هذه المشاريع، طبعاً خلال فترة الحرب ما صار عندنا في العراق أي مشروع تنموي عدا الـ(Pipe Lines) اللي أنابيب النفط التي بُنيت أو مُدت عبر تركيا الأنبوب الثاني وتقوية الأنبوب الأول، والأنبوب عبر السعودية.

محمد كريشان: نعم إذا أردنا أن نعرف الأرقام دكتور مظهر، هناك أرقام متفاوتة ربما الرقم الأكثر تداولاً عند الحديث عن الديون العراقية هو بين 120 و 130 مليار دولار، هل تعتقد بأن هذا الرقم فعلاً يعكس حقيقة الموقف؟

د. مظهر محمد صالح: هو لا يعكس حقيقة الموقف بقدر ما يعكس أنه ترتبت على هذه الديون فوائد ومستحقات، لكن هذه الفوائد في رأيي هي فرضها الظرف القاهر حقيقة، ظروف الحصار أنطت الراحة للجهات الدائنة تحدد ما تشتهي من.. من.. من معدلات فائدة تفرض على هذا على.. على أصل هذه الديون، وبالتالي تراكمت هذه الديون بها الشكل هذا، زائد أن هناك بعض الديون قُدِّمت على شكل مساعدات أو هبات أو هدايا تحت ظروف غامضة يعني..

محمد كريشان: ربما هذا بالنسبة لدول خليجية لكن بالنسبة لدول أخرى صعب أن يتم تقدير..

د. مظهر محمد صالح: خليجية نعم، صعب تقديرها أي نعم، لذلك إذا تدمجها كلها قد يرتفع الرقم إلى هذا المستوى نعم.

محمد كريشان: نعم برأيك هل هذا المبلغ الخاص بالديون مع كل ظروف العراق الخاصة، إذا وضعناه على مستوى مديونية الدول العربية بشكل عام أو مديونية دول العالم الثالث هل يعتبر رقم مفزع أم لا؟

د. مظهر محمد صالح: طبعاً كبير لأن مديونية العرب بالوقت الحاضر هي أقل من حدود 150 مليار للعرب، إذا ندخل المديونية العراقية يرتفع على هذا الرقم وبالتالي يكون العراق من أكبر بلدان مَدينة عربية يعني تدخل مع خانة المغرب وسوريا والجزائر والسودان إلى آخره وكذلك كل البلدان.

محمد كريشان: وأغلبية مديونية العراق هي مديونية خارجية يعني، هناك دول عربية لديها مديونية خارجية ومديونية داخلية.

د. مظهر محمد صالح: مديونية داخلية نعم.

محمد كريشان: لكن بالنسبة للعراق هي أساساً مديونية خارجية.

د. مظهر محمد صالح: مديونية خارجية، عندنا مديونية داخلية هذا حديث أخر الحقيقة لما أتحدث، يعني الداخلية والخارجية يعني.

محمد كريشان: نعم، مُعد البرنامج عبد السلام أبو مالك سأل بعض المختصين فيما يتعلق بديون العراق وسألهم فيما يتعلق بهذه الديون وحجمها، وما إذا كانت مجحفة أم لا؟ نتابع هذه اللقطات لبعض هؤلاء الخبراء.

د. علي الراوي (رئيس قسم الاقتصاد - جامعة بغداد): لا شك أن هنالك ديون مترتبة بذمة الاقتصاد العراقي، وهذه الديون على.. من مصادر مختلفة أولاً، ولأسباب مختفلة أيضاً، قسم منها يعترف بها العراق، وقسم منها ديون شخصية، وقسم منها ديون فُرضت في ظروف غير اعتيادية، وظروف مجحفة بحق الشعب العراقي على يعني حقيقة، أعتقد أن هنالك محاولات جادة من قبل المجتمع الدولي لتفهم موقف العراق والطبيعة والظروف التي فرضت فيها هذه الديون، وأعتقد أن هنالك إجماع أو شبه إجماع دولي على محاولة التخفيف عن كاهل الشعب العراقي الذي خرج من حرب طويلة أمدها ربما أكثر من 25 سنة، هذا التفاهم يتمثل في أولاً: جدولة بعض الديون، وثانياً: شطب بعض الديون اللي هي ديون لم يكن الشعب العراقي سبباً في إيجادها، والشيء الثالث: هنالك موقف لبعض المؤسسات الدولية، وبعض الحكومات من أجل شطب حتى بعض الديون التي يعترف بها، هنالك ربما اللجوء إلى نادي باريس، أعتقد أن هنالك جدولة أو على الأقل هنالك تأجيل لهذه الديون لعام 2007.

د. إكرام عبد العزيز وهاب (قسم الاقتصاد - جامعة بغداد): طبقاً لما أعلنته الولايات المتحدة الأميركية كقوة احتلال فإن أي قراءة مستقبلية يمكن أن يقدمها أي مفكر أو اقتصادي عراقي فيما يخص واقع ومستقبل الديون العراقية، التي حددت قيمتها بما يزيد عن 400 مليار دولار، والتي في واقع الأمر لا نعرف.. أو نعرف ما هي هيكليتها؟ يبدو محض فكرة قابلة للطرح فقط أما القرار فهو قرار أميركي، والذي نأمل أن يصب في تقدير حجم الضرر الذي لحق بالفرد العراقي والاقتصاد جراء الحرب حيث ستكون الحصة التي يمكن أن يتحملها الفرد من جراء ذلك ومن حجم الدين الكلي هي حصة فلكية، وعليه. فإن القرار المتعلق من معالجة مديونية العراق ينبغي أن ينطلق من تقدير حجم الضرر الذي لحق الاقتصاد والفرد العراقي، وهو ما نأمل أن يصب في شطب المديونية العراقية كلاً أو جزءً بعد أن يتم توضيح طبيعة هيكلة الديون.

محمد كريشان: دكتور بهاء، مثلما أشار المتدخل بأن هناك تقريباً شبه إجماع دولي على ضرورة تخفيف أعباء هذه الديون، هناك حديث عن.. بالطبع عن إيقاف تسديدها لفترة مثلما ورد في قرار مجلس الأمن الأخير، ولكن هناك من يطرح ضرورة أن.. أن تُحذف كل هذه الديون على أساس أنها كانت من مسؤولية النظام السابق، كيف يمكن برأيك أو بأحرى إلى أي مدى يمكن أن نعول على المجتمع الدولي في إلغاء هذه الديون؟

د. بهاء الميِّاح: أنا في اعتقادي موضوع الديون الأجنبية يجب أن نبحث ابتداءً موضوع شطب الديون وليس إعادة جدولتها وخاصة الديون العسكرية، لأن الديون العسكرية ذهبت لتمويل حرب، المجتمع العراقي والأحزاب السياسية العراقية بجب أن تطالب في الواقع الدول الدائنة بتعويضات لقاء تمويل ماكينة الحرب العراقية التي كانت تقوم بالحروب على.. في دول المنطقة، وأيضا استُخدم السلاح العراقي ضد أبناء الشعب العراقي، فبالنتيجة تم تمويل الحرب العراقية أو ماكينة الحرب العراقية ضد الشعب العراقي وأيضاً ضد دول المنطقة، فموضوع دفعها في اعتقادي هذه سابقة يجب أن لا تتم ويجب أن نحاول ونكثف جهودنا كعراقيين وكقوى سياسية عراقية، أن نحاول شطب هذه الديون وليس إعادة جدولتها، أما فيما يتعلق بالديون المدنية التي استخدمت لمعدات مدنية كمستشفيات أو مصانع، وهي قليلة في نظري، هذه يمكن جدولتها.. أو خصمها وشرائها بخصم، وممكن أيضاً بحث موضوع دفعها عن طريق.. ليس بالنفط الخام، ولكن بمنتجات عراقية أخرى يعني حتى لا نثقل ميزان المدفوعات العراقي، نحن نحتاج كل دولار يدخل الخزينة العراقية من صادرات البترول العراقي، لدينا صادرات أخرى ممكن أن ندفع بها هذه الديون، أما بالنسبة للديون العربية ففي اعتقادي الديون العربية معظمها دول الخليج، دول الخليج من مصلحتها أن ينمو الاقتصاد العراقي..

محمد كريشان [مقاطعاً]: هي لم تطالب بها على الأرجح يعني.

د. بهاء الميِّاح: لم تطالب ولكن إذا كانت هناك مطالبة، في اعتقادي أنه يجب النظر من خلال أنه دول الخليج سُئلت عن دفع مبالغ أيضاً في حرب الخليج الثانية التي كان سببها صدام حسين نفسه، فبالنتيجة هم مولوا حرب كانوا يعتقدون أنها كانت دفاعاً عنهم أيضاً مثلما كانت حرب الخليج الثانية، لذلك ممكن مناقشة الموضوع من وجهة النظر هذه، ووجهة النظر الأخرى أنه في اعتقادي من صالح الدول الدائنة في الخليج أن يتم مساعدة العراق والعراقيين ورفع كاهل الديون عنهم، حتى يستطيع الاقتصاد العراقي أن ينمو بشكل طبيعي، وأن يزدهر الاقتصاد العراقي، لأنه ازدهار الاقتصاد العراقي في مصلحة جميع دول المنطقة.

الاعتماد على احتمال إلغاء الديون أو فوائدها عبر نادي باريس

محمد كريشان: نعم، دكتور فائق، نادي باريس وهو الذي يضم أهم الدول الدائنة في العالم، هناك أنباء تتحدث الآن عن احتمال إلغاء ديون العراق أو إلغاء فوائدها أو إمكانية إلغاء الاثنين معاً، هل يمكن المراهنة على مثل هذا الاحتمال؟

د. فائق عبد الرسول: بالطبع يمكن المراهنة على ذلك، السبب هو نادي باريس عادة.. بالنسبة للدول الأقل فقراً الأكثر مديونية يعطي إعفاءات بموجب قمة بروكسيل، يعطي إعفاءات تصل إلى 88% من قيمة الدَّين فبالتالي من الممكن نادي باريس أن يذهب مع العراق لهذا الاتجاه، بس قبل أن يذهب مع العراق لإعطاء الإعفاء ينبغي أن يوضع برنامج بمساعدة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لتصحيح الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي..

محمد كريشان: هناك الآن بعض خبراء من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي موجودون في.. في العراق، ربما هذه..

د. فائق عبد الرسول: وهذه.. هذه.. هؤلاء الخبراء ينبغي أن.. قبل أن يضعوا يدهم عن.. على قاعدة المعلومات التي كانت تُنتج في العهد السابق، لأن هذه القاعدة مشوهة تماماً مشوهة، ينبغي أخذها كمادة أولية ولا يمكن الاعتماد عليها.. تصحيحها أو بناء قاعدة إحصائية وهذه أول فترة زمنية.

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني في الفترة السابقة لم تكن هناك معلومات صحيحة ومعلومات..

د. فائق عبد الرسول: إطلاقاً.. إطلاقاً.

محمد كريشان: للترويج يعني، هناك يعني..

د. فائق عبد الرسول: كل المعلومات..

محمد كريشان: المعطيات كلها مغلوطة يعني؟

د. فائق عبد الرسول: أو المعطيات، كل المعلومات تقريباً غير دقيقة، مشوهة، عن عمد بعضها مخفاة كثير منها، تدهور كفاءة الكادر الإحصائي في العراق يعني فبالتالي، حتى إنتاج أي.. قيمة أي متغير من الصعب الحصول عليه، فلهذا أنا أعتقد حتى نُقيِّم الاقتصاد العراقي، ينبغي أن نبدأ من الـ (scratch) من.. من الصفر، وهذه معناتها تتطلب فترة زمنية لا تقل عن سنة إلى سنتين، لبناء هذه القاعدة الإحصائية، والوصول إلى إحصائيات حقيقية لمستوى الاقتصاد العراقي (performance) مالته دخل الفرد.. كل المتغيرات الكلية والصغيرة على مستوى الوحدات نحتاج عمل شاق وطويل، وهذا يتطلب من البنك الدولي بشكل خاص وصندوق النقد الدولي تعاون وتكثيف ومعونات فنية لدعم الكوادر الإحصائية في العراق وإعادة تأهيل...

محمد كريشان [مقاطعاً]: ولكن.. ولكن مع ذلك -الدكتور بهاء- رئيس نادي باريس، وهنا أسأل الدكتور مظهر -رئيس نادي باريس اعتبر شهر تموز/يوليو المقبل هو موعد حاسم لتحديد موضوع المديونية العراقية وضرورة تحمل أعباء هذه المديونية من الدول الأعضاء، في ضوء ما تفضل به الدكتور بهاء هذه الفترة تبدو قصيرة جداً يعني.

د. مظهر محمد صالح: صعبة..، آني أتفق مع الأساتذة الأفاضل، من.. من قبيل الصدف يعني التقيت بأحد الخبراء الدوليين قبل أسبوع.. الأسبوع الماضي يعني حول المديونية نادي باريس، فكنت أقنعه إنه العراق يعني ظُلِم هذا البلد بها المديونية بها الديون (…) لغير لأغراض التنمية، هو بين لي إنه نادي باريس، مادام هناك نادي باريس ما أكو الحقيقة حذف للمديونية وإنما أكو (...) للمديونية، علاجها وتخفيفها.. تخفيف أعباء هذه..

محمد كريشان [مقاطعاً]: استعمل كلمة إطفاء أحياناً، ربما يعني تجميد الفوائد لفترة..

د. مظهر محمد صالح: إطفاء.. تجميد.. تجميد التسديد لفترة في.. إعادة نشرها وجدولتها مثلما يقول إلى فترات طويلة قد تمتد إلى 40 عام، هذه هي المساعدة، لكن هاي بنفس الوقت بينت لي إنه لما صارت حرب.. حرب الخليج الأولى، إحنا هاي صار بها.. أرقام ما نعرف، يقصد مال 91 الصناديق العربية الحقيقة اللي تعتبر هي من المديونية الرسمية أطفأت لمصر 6 مليارات زائداً إنه أُطفِئت هواي الديون على مصر، بسبب مشاركتها في الحرب.. حرب عام.. بسبب غزو الكويت عام 91.. فلماذا لا تطفئ ديون العراق؟ يعني بالوقت اللي العراق يعني تحرر وضعه تغير هسه وهذه الديون هي.. هي ديون عملياتية يسموها (..)opration ، وليست ديون تنمية، تعرف أستاذ محمد إنه الدكتور فائق عايشنا إياها تقريباً حيرة.. حيرة الاقتصاد لفترة طويلة، إنه معدل النمو الاقتصادي العراقي طيلة فترة الحرب العراقية- الإيرانية كان بين صفر وواحد بالمية في أحسن الأحوال وفي طيلة فترة الحصار هاي طبعاً، هو كل المعدلات في الـ (minus) كانت هذا، إذا نأخذ ديون، هي الديون عادة تأخذها الدول حتى تسوي تنمية، تعرف هاي.. لادخار حتى تسوي تراكم رأسمالي ويزيد إنتاجية الاقتصاد، وبالتالي يرتقي الاقتصاد، هاي أُخذت لتدمير الاقتصاد (...)، للدخول في حروب بالتالي، وبالتالي يعني يتحمل عبئها الاقتصادي، ماذا يطفيها في.. في فترة يجب أن يزدهر بها الاقتصاد، يعني التاريخ الاقتصادي، آخذ من وقتك دقيقة واحدة، اللورد (بيرفريدج) عام 1942 كلف حزب المحافظين يقدم تقرير الحكومة البريطانية عن مرحلة ما بعد الحرب، فقدم تقرير سماه (..)، دولة الرفاهية كان يعالج خمسة أشياء به، هي الفقر والمرض والجهل والبطالة والفساد الإداري إلى آخره، وفعلاً بُني المجتمع البريطاني على رفاهية هذا المجتمع، ما بُني على أساس إثقاله في ديون، إثقاله في مشاكل وإلى آخره، فإحنا في حاجة إلى.. إلى أن نرفه.. نعيد الرفاهية للمواطن العراقي اللي ظُلم يعني.. ظلم سنوات طويلة، وبالتالي تكبله بديون هسه لحروب وظلم سابق يعني، نراكم عليه الظلم الحقيقة وبالتالي يجب الأحزاب السياسية والوطنية العراقية، وأنا.. يعني كلها أحترمها وأحبها يعني، هاي الطيف العظيم هذا الكبير، أن يدافع بها الاتجاه كله، وأنا أؤيده طبعاً..

[فاصل إعلاني]

محمد كريشان: قبل أن نتناول موضوع التعويضات دكتور بهاء باختصار وكامل الضيوف كيف يمكن أن نخرج من مشكلة المديونية؟ موضوع الإلغاء هل هو قرار سياسي وقرار أميركي بالتحديد؟

د. بهاء الميِّاح: في اعتقادي موضوع شطب الديون هو قرار.. هو مطلب عراقي، ولكن حالياً أن نحن نعرف أن العراق تحت الاحتلال الأميركي، أميركا حالياً هي المسؤولة عن الاقتصاد العراقي، لذلك يجب أن تكون المبادرة من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا بالذات، لأن إطفاء الديون بشكلها الكبير اللي لا يمكن أن يتحمله الاقتصاد العراقي سوف يكون.. سوف يعيق التنمية الاقتصادية العراقية لسنوات طويلة، حتى لو أنتجنا يعني لو اليوم إنتاجنا للبترول، اليوم ننتج ثلاث ملايين برميل يومياً، سوف لن نتمكن من تنمية الاقتصاد العراقي وإصلاح البنية التحتية التي تهدمت في الحروب السابقة التي شهدها العراق لذلك فإن عملية إطفاء الديون سوف تنعكس إيجابياً على ازدهار الاقتصاد العراقي والتعجيل بالتنمية الاقتصادية، وحتى يشعر الشعب العراقي بما حصل سابقاً، وكيف الوضع الاقتصادي سيكون عليه في المستقبل، هناك نقطة أخرى مهمة في اعتقادي هي قضية شكل الاقتصاد العراقي سابقاً لم يكن الاقتصاد..

محمد كريشان [مقاطعاً]: موضوع.. موضوع الاقتصاد العراقي يعني سنتناوله كمحور ثالث، إلى أي مدى يمكن أن يتشكل اقتصاد عراقي من نمط جديد ولكن حتى نقفل ملف الديون باختصار دكتور فائق، هل يمكن أن ننتظر من المجتمع الدولي شطب لهذه الديون؟

د. فائق عبد الرسول: هو يعني تحت نادي باريس ما أكو شطب، وإنما أكو إعفاء أو تخفيف المديونية، وهذه التخفيف..

محمد كريشان [مقاطعاً]: بالنسبة للإعفاء، ما الفرق بين الإعفاء والشطب؟

د. فائق عبد الرسول: إعفاء هو إعفاء.. يعني تخفيف من حجم المديونية، يعني إذا كنت أنه مطلوب 100 مليون، فأدفع الـ 100 مليون، بس أدفعها على مدى 40 سنة بفوائد واطئة جداً، وبالتالي الإعفاء يكون بحدود 90% من قيمتها، هكذا يعمل نادي باريس، بس نادي باريس لا يعطي هكذا خصم..

محمد كريشان: لا يمكن أن يكون حتى موضوع العراق موضوع استثنائي في هذه الحالة؟

د. فائق عبد الرسول:آه، هو من الممكن أن ينطي.. يعتبر العراق موضوع استثنائي إذا اعتبرها من الدول الأقل فقراً، الأكثر مديونية، وبالتالي دا(definitely).. يُعامل كمعاملة موزمبيق مثلاً، موزمبيق أنطاها خصم 90% بهذا الشيء، فمن الممكن لما يُعطَى خصم 90%، معناتها المديونية كحجم مديونية لا شيء بالنسبة.. مقارنة بالنسبة للعراق، هكذا يعمل نادي باريس.

محمد كريشان: نعم، دكتور مظهر هل.. هل ترجح هذا الخيار في النهاية؟

د. مظهر محمد صالح: أنا أتصور هو قرار سياسي يعني بالنهاية، يعني هو دفع سياسي بأكثر مما هو منطق اقتصادي ومستقبل إلى آخره، لأن أحداث الخليج بمطلع 91 مع دور لمصر ودور (..) إلى آخره، بَيَّن إنه كان عامل سياسي يلعب.. يفعل فعله في إلغاء الديونيات..

التعويضات المدفوعة من العراق وتأثيرها على الاقتصاد العراقي

محمد كريشان [مقاطعاً]: إذا أردنا الآن أن نفتح موضوع التعويضات، قرار مجلس الأمن الأخير خفَّض هذا.. هذه النسبة التي كانت تخصص من عائدات النفط إلى التعويضات من 25% إلى 5% ، وهذا بالطبع سيخفف إلى حد ما من.. من أعباء هذه التعويضات ولكن برأيك هل ستظل هذه اللعنة لعنة التعويضات تلاحق الاقتصاد العراقي وبالتالي ستكبله حتى وإن كانت النسبة أقل؟

د. بهاء الميِّاح: هو أنا في اعتقادي موضوع التعويضات سابقة في حد ذاتها لأنه ألمانيا النازية عندما شنت حروبها في أوروبا لم تكبل بالتعويضات وإنما حدث العكس هناك خطة (مارشال) المعروفة اللي اجتهدت كل الدول اللي كانت تحارب ألمانيا في إعادة بناء الاقتصاد الألماني، وما نشهده اليوم الاقتصاد الألماني هو ثالث اقتصاد في العالم، ما حدث في العراق كان ظلم على الشعب العراقي، وكان عقاب للشعب العراقي وليس عقاب للنظام، موضوع 25% أو 5% هو بالتأكيد الـ 5% أحسن من الـ 25% ولكن هل من الحق والعدل أن يدفع الشعب العراقي 5% أو 1%؟ هذا الواقع غير.. غير عادل، وفي اعتقادي كان من الأفضل أن يتم إلغاء وشطب التعويضات بالكامل، لأنها غير عادلة، وحصلت في معزل عن الإرادة العراقية، ولم يُستَشر حتى في ضمن قرار مجلس الأمن الأخير لم تحصل استشارة للقوى السياسية العراقية، وصيغ القرار بمعزل عن القوى السياسية العراقية، أنا لا.. أرجو ألا يُفهم أنا أهاجم موقف معيَّن موقف سياسي معيَّن، ولكن هذا ما حصل فعلاً، هل كنا نقبل أن يكون أن يُصاغ القرار بمعزل عن الإرادة العراقية؟ طبعاً لأ، كنا نأمل أن يستشار على الأقل الجانب العراقي فيما يُعرض على مجلس الأمن، وهو يهم الاقتصاد العراقي، لكن حالياً لدينا قرار مجلس الأمن، وفي اعتقادي الـ 5% يجب أيضاً أن يعاد النظر فيها، لأنه من مصلحة كل الدول رغم أنه بعض الدول اعترضت على موضوع الـ 5% وتخفيضها يعني من 25 إلى 50[5]، لكن في اعتقادي هذا كان قصر نظر في الموضوع أن من مصلحة كل الدول خاصة المحيطة بالعراق أن يعود الاقتصاد العراقي إلى الازدهار، لأنه إذا ازدهر الاقتصاد العراقي سوف يكون بالتأكيد في صالح الشعب وفي صالح المنطقة، لذلك موضوع التعويضات، ونحن نعلم ما هي التعويضات وكيف حصلت، والشعب العراقي لم يكن له دور في موضوع الحروب أصلاً، لم يستشر الشعب العراقي في أي حرب مثلما حصل للشعب الألماني، لم يستشر الشعب الألماني عندما قام (هتلر) بشن حروبه.

موضوع التعويضات يجب حالياً أن يشطب ويستبدل بنظام جديد في الواقع يُدفع للشعب العراقي تعويضات من الدول التي سببت الحرب.

محمد كريشان: ولكن يعني دكتور فائق، موضوع التعويضات هذه وموضوع حتى تسديد الديون، كيف يمكن أن تخوض فيها القوى السياسية أو حتى الخبراء الاقتصاديون في العراق طالما أن عائدات النفط هي الآن ستوجه إلى صندوق معيَّن تُشرف عليه الولايات المتحدة، وحتى الإدارة التي ستبرز ستكون مجرد مستشارة لدى قوات الاحتلال، هل هذا يعيق القرار الاقتصادي كقرار مهني بحت؟

د. فائق عبد الرسول: كقرار مهني مسألة الـ 5% مسألة من الناحية الفنية هو اقتطاع من عوائد صادرات العراق، هل هذه العوائد تُودَّع لدى البنك المركزي ثم تُعطي الـ 5%، أم تودَّع لدى الأمم المتحدة في حساب خاص، ثم تأخذ الأمم المتحدة الـ5%، وتعطي للعراق 95%، هذا قرار لحد الآن ما.. ما تم الاتفاق عليه بهذا الخصوص، أما بالنسبة للـ 5% في الحقيقة، الـ5% إحنا من سنة العراق من سنة الـ 97 إلى سنة الـ2002 اقتُطع من العراق 21 مليار دولار، يعني إحنا في أَمَسِّ الحاجة لكل دولار، مع ذلك 21 مليار دولار دُفعت كتعويضات، أقرت.. أقر الصندوق -لحد 2001- 34 حوالي 35 مليار دولار، ينبغي إعادة النظر في هذه الـ 34 في المعايير التي تم تقييمها هذا شيء، لأن already إحنا مطلوبين بالنسبة للتعويضات بحدود يعني 14 مليار دولار لازم ندفع، الـ 5% تشكل حوالي مليار دولار من عوائد صادرات العراق، وإحنا بأَمَسِّ الحاجة لهذه الـ 5%، فأنا أعتقد مسألة التعويضات مسألة ينبغي أن يُعاد النظر فيها، خاصة وإن معظم هذه التعويضات تذهب لشركات ودول غنية.. غنية بشكل كبير، ولهذا ينبغي أن يُعاد النظر في هذه الـ 5%.

محمد كريشان: نعم، دكتور مظهر.

د. مظهر محمد صالح: أني ما أبتعد عن الأساتذة الكرام، لكن أقول هناك مبالغات في طلبات التعويضات والمبالغات كان هدفها ومضمونها هو إضرار النظام السابق وخلق نوع من الحصار يعني النفسي والاقتصادي عليه حتى (...)، أعتقد آن الأوان لإعادة النظر في ها الطلبات أو شوف واحدة من الطلبات أيش قد تأثرت البيئة الصحراوية (..) بلدي يعني؟ يعني.. يعني هيك إحنا وصلنا لها الحد بنخاف على البيئة الصحراوية تأثرت بحرب دامت بضعة أشهر، شيء من المبالغات تحملها الشعب العراقي ومو مستعد يدفعها، يعني أرجو أن تكون بالأجندة السياسية للأحزاب العراقية جميعاً هذا الموضوع، ويكون(..) رقم واحد يعني إنه هذه المبالغات تخف ومثل ما العراق انفتح وعاد إلى وضعه الطبيعي ترجع الأمور أيضاً الأخرى إلى وضعها الطبيعي.

محمد كريشان: هو من الصعب ربما ن تعود الأمور إلى وضعها الطبيعي دون أن نضع تصوُر معين لشكل الاقتصاد العراقي، خاصة وأن هذا الاقتصاد ظل لسنوات طويلة يُسيرَّ بطريقة مركزية من قِبَل الدولة، وكان الوضع وضع القطاع الخاص فيه وضع شبه مهَّمش.

نتابع هذه الآراء حول كيف يمكن بناء اقتصاد عراقي جديد؟

د. عماد عبد اللطيف سالم (خبير اقتصادي): جُلَّ ما أخشاه في الحقيقة هو أن يكون شكل النظام الاقتصادي في العراق مسألة محسومة، لأنني لا أجد في كل ألوان الطيف السياسي العراقي أي إشارة لبرنامج اقتصادي يحِّدد ملامح معينة لطبيعة هذا النظام مستقبلاً، وبالتالي فأنا لا أميل في الحقيقة إلى أن نطبق الليبرالية الاقتصادية، وأن نبقي على دور معين للدولة في الاقتصاد، نحن بحاجة إلى دولة قوية، وإلى قطاع خاص قوي، لسنا ضد الليبرالية، لسنا ضد عمل قوى السوق، ولكن لا يتوفر من هذه الشروط أي شرط، ولن تتوفر مثل هذه الشروط من الآن وحتى 5 سنوات على أقل تقدير، نحن نعاني من جهاز إنتاجي مدمَّر في الحقيقة، لا يوجد لدينا قطاع خاص حقيقي بالمعني العلمي للكلمة، لا يوجد الآن أي عمل سوى في قطاع العمل غير الرسمي، و90% من القوى العاملة عاطلة عن العمل خارج هذا القطاع، هذه كلها في الحقيقة لا تتيح أي إمكانية لأمل.. لعمل آلية السوق بكفاءة في العراق، نحن مجتمع تعودنا على رعاية طيلة 50 سنة من الآن، نصف قرن من رعاية الدولة لا يمكن التخلي عنها في سنة أو سنتين.

د. باسل الحسيني (مستشار في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي): فعندما نتكلم عن الوضع الاقتصادي نأخذ شيئين بنظر الاعتبار، أولاً: الموارد الاقتصادية اللي هي موارد مادية وموارد أيضاً بشرية، العراق كقُطر استثمر الكثير في موارده البشرية وخاصة بعد تأميم النفط في السبعينات، وهذا جعل العراق يتمتع بخزين كبير من.. من الرأس المال البشري اللي استطاع بموجب ها.. ها الخزين هذا أن يتجاوز الصعوبات التي فرضتها حالة الحصار خلال التسعينات، والآن الموارد المادية أيضاً لا يخلو البلد من.. من موارد مادية بسبب الموارد النفطية الموجودة، فإذن المستلزمات الأساسية للنهوض بالاقتصاد العراقي متوفرة، كل ما نحتاجه هو السياسة الرشيدة.. السياسة الاقتصادية الحكيمة التي تعتمد فعلاً بشكل عملي الناس كمصدر للتنمية، كمركز للتنمية هم الأداة وهم المستفيد النهائي منها.

مدى إمكانية انتقال الاقتصاد العراقي إلى مرحلة حرة وجديدة

محمد كريشان: دكتور بهاء، (نيكولا كرافت) وهو (خبير اقتصادي في البنك الدولي) ومعه ممثلون من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يريدون تحديد طبيعة الاقتصاد العراقي في هذه المرحلة، وكيفية النهوض به، يصرَّح مؤخرَّاً بأن 80% من الشعب العراقي هو تحت خط الفقر، بالتالي نسبة فظيعة، برأيك كيف يمكن في ظل الظروف الحالية السياسية والاقتصادية أن يجد الخبراء متسع من الوقت لتحديد طبيعة الاقتصاد العراقي في المرحلة المقبلة وكيف يجب أن يكون؟

د. بهاء الميِّاح: الاقتصاد العراقي في اعتقادي طبعاً الكل عارفين إنه اقتصاد العراق راح يكون اقتصاد سوق حرَّة، وليس كما كان في السابق، المرحلة السابقة كانت اقتصاد ما فيها ولم يكن اقتصاد أي اقتصاد من.. من أي نوع آخر، لأنه كان يتحكم فيه أشخاص معينين، وكل موارد الدولة كانوا يتحكمون فيها.

بالنسبة للمستقبل هي عملية انتقال خلينا نقول من اقتصاد مافيا إلى اقتصاد سوق حر، عملية التحُّول راح يكو إلها ثمن، هذا الثمن بالتأكيد راح يكون إله تبعات كثيرة، ولكن هل راح يكون الاقتصاد العراقي بوضع أسوأ، في اعتقادي راح يكون أفضل وليس باتجاه الأسوأ.

نحن نتوقع أن الاقتصاد العراقي والمخطط لزيادة صادرات النفط العراقية إضافة إلى الثروات الأخرى، السياحة الدينية اللي يُقدر لها أن تكون المورد الثاني بعد البترول العراقي، سوف تنعكس إيجابيا على الاقتصاد العراقي، ويتحول بالتدريج إلى اقتصاد سوق فاعل وكبير في المنطقة، لذلك أنا متفائل جداً فيما يتعلق بالاقتصاد العراقي لو أُحسِن اتخاذ القرار المناسب فيما يتعلق بالخطوات الواجب اتباعها للتحول من اقتصاد مافيا إلى اقتصاد سوق حر.

محمد كريشان: نعم، دكتور فائق، الوضع يمكن أن يكون أفضل أو أسوأ، برأيك بناءً على المعطيات السياسية التي سيكون العراق مرشح لها، أم أهل الاقتصاد والخبراء قادرون رغم ذلك على وضع استراتيجية اقتصادية معينة للمرحلة المقبلة؟

د. فائق عبد الرسول: هو في.. في الحقيقة ما يمكن أن يكون أسوأ مما كان (definitely)، ولهذا أنا متفائل كثير بالنسبة للاقتصاد العراقي، والتوجه نحو الخصخصة والقطاع الخاص (Free economy) السوق الحرة ينبغي أن يكون هذا التوجُّه وفق خطة مدروسة، بحيث ألا تؤثر، ألا تكون لها تكاليف اجتماعية كبيرة بهذا.. في هذا المجال، وهذا من الممكن، وأنا أعتقد المواطن العراقي والاقتصادي العراقي مستعد لتقبل هذه الأفكار باتجاه تحرير الاقتصاد من القيود وتجاه العمل وِفق آلية السوق.

محمد كريشان: مرحلة الانتقال أو النهوض يعني كم تراها تستغرق؟

د. فائق عبد الرسول: انتقاله يعني هي تستغرق نقدر نقول من ثلاثة إلى خمس سنوات على الأقل، بس بعد بناء القاعدة الإحصائية اللي ينبغي أن تُبنىَ قاعدة إحصائية، وفي ضوئها تُوضع الخطوط العريضة لمنهاج لتحول الاقتصاد من اقتصاد مركزي مدار، اقتصاد مافيا اقتصاد سوق سوداء، كثير فيه اقتصاد Gray economy، أيضاً جزء كبير منه، هذه الاقتصادات كلها تندمج في اقتصاد حر واضح على بياض إلى اقتصاد سوق ضمن هذا الإطار.

محمد كريشان: دكتور مظهر، هل ترى هذا الانتقال سَلِس، أم سيصطدم بكثير من العقبات؟

د. مظهر محمد صالح: العقبة الحقيقة اللي راح يصطدم بيها هي الدولة الراعية، يعني العراق عاش منذ العهد الملكي من عام 52، منذ مناصفة أرباح النفط، تعرف الاقتصاد العراقي اقتصاد ريعي.. يعني 85% من ميزانيتها تمول عن طريق النفط، 95% من موارد النقد الأجنبي هي نفط، تركيب الاقتصاد العراقي بالناتج القومي للنفط يتشكل به النسبة العظمى إلى آخره، هذا الاقتصاد خلق دولة راعية، وبالتالي حول الدولة إلى insurance company يعني كأنما شركة تأمين، هناك الناس كانت مستلقية في حضن الدولة في العهد الملكي، وفي زمن عبد الكريم قاسم رحمه الله، عبد الرحمن عارف رحمهم الله جميعاً حتى السبعينيات، الحقيقة كان.. هناك عدالة في توزيع هذه الثروة.. جزء من الثروة النفطية وجزء يذهب إلى التنمية، والقطاع الخاص كان يعمل هامش مع الدولة، اللي حدث مثل ما تحدث الأستاذ ميَّاح إن الاقتصاد تحول إلى اقتصاد مافيا، بسبب عسكرة الاقتصاد، هذه الـ insurance company، التوزيع مالها صار غير عادل، صار استقطاب طبقة تأخذ مفتوحة على كل شيء، وطبقة مسحوقة داخل هذه الشركة، شركة تأمين اللي أسميها يعني مجازاً بالحقيقة، الناس هسه في ظل ها الفقر وها البطالة لازالت ملتصقة بشركات تأمين، الشيء الصحيح هو إعادة معايير هذه الشركة أولاً..

محمد كريشان: أو حلها..

د. مظهر محمد صالح: حلها لأ، حلها بـ... هذا قاتل في الحقيقة.

محمد كريشان: حلها صعب.. حلها صعب.

د. مظهر محمد صالح: هذا أمر صعب، بأن 80% من سكان العراق دون خط الفقر، البطالة تصل معدلاتها 40 أو 50 % شيء مخيف هذا، مخيف للأمن مخيف للاستقرار بحق، فلذلك يجب أن تعيد هذه الشركة جذورها وأصولها لضمان الحد الأدنى لعيش الإنسان العراقي وحقوقه في نفط العراق وفي ثروات العراق، وثم الانتقال إلى القطاع الخاص، الـ(jump) إلى القطاع الخاص مرة واحدة أنا أخاف منه بالحقيقة ونروح نقع في أخطاء روسيا، روسيا صار بيها إغارة على ممتلكات الدولة والقطاع العام، إغارة كبيرة، وقدامى الشيوعيين اشتروا وصاروا هم الرأسمالية، فأنا أخشى هذا ها التحُّول السريع إنه الأثرياء القدامى يصبحون رأسماليين الوقت الحاضر كما حدث في روسيا.

محمد كريشان: نعم، نشكر ضيوفنا، كلمة أخيرة باختصار شديد.

د. بهاء الميِّاح: أنا أتفق فيما يتعلق مع الأستاذ في موضوع أن خوفنا على تحوُّل الاقتصاد العراقي إلى أناس معينين، لأنه في خلال فترة الحصار ظهرت طبقة جديدة غنية جداً، فبالنتيجة موضوع التحوُل يجب أن يكون مدروس جداً، ويجب أن يكون لا يُسمح لهذه الطبقة بشراء ممتلكات الدولة ومصانعها، وإنما يمكن تحويل هذه المصانع ومؤسسات الدولة إلى شركات مساهمة للعاملين فيها حتى لا يمكن لا.. لا نقع في الخطأ اللي وقعت فيه ورسيا مثلاً، وما شاهدنا من حتى من مافيات الإجرام والمافيات الاقتصادية، وكل أنواع المافيات، لذلك موضوع التحول من اقتصاد المافيا إلى اقتصاد السوق الحر يجب أن يكون مدروس، وفي اعتقادي نحن قادرون على أن يكون هذه.. هذا الاتجاه بالشكل الصحيح، ولا يمكن أن.. أن نسمح بما حصل في روسيا.

محمد كريشان: شكراً جزيلاً للدكتور بهاء الميَّاح، أيضاً شكراً للدكتور فائق علي عبد الرسول، وضيفنا أيضاً الدكتور مظهر محمد صالح.

في نهاية البرنامج، تحية طيبة، وفي أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة