الأسلحة الكيميائية والجرثومية   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

عمر العيساوي

ضيوف الحلقة:

ريموند زيلينسكاس: خبير في الأسلحة البيولوجية
جوناثان تاكر: رئيس مركز الحد من انتشار الأسلحة
وآخرون

تاريخ الحلقة:

04/11/1998

- الآثار القاتلة للأسلحة الكيميائية والبيولوجية على الإنسان
- أخطر الأسلحة الكيميائية المكتشفة حتى الآن

- تسابق الدول إلى إنتاج الأسلحة الكيميائية والبيولوجية

- سبل وقاية المدنيين من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية

- خطورة امتلاك إسرائيل للأسلحة البيولوجية والجرثومية على الشرق الأوسط

ريموند زيلينسكاس
جوناثان تاكر
عمر العيساوي
عمر العيساوي: شهد القرن العشرون نقطة تحول في التاريخ العسكري للبشرية، فقد كانت الحرب العالمية الأولى أول ميدان تستخدم فيه المواد الكيميائية كأسلحة فتك شامل.
ولكن التاريخ يزخر بأمثلة على لجوء حضارات الزمان الغابر للحرب الجرثومية كوسيلة لإخضاع الحضارات المعادية، فقد كان الرومان يلقون بالجثث في الآبار لتسميم المياه، وعام 1346 استخدم التتار المقاليع ليقذفوا بجثث مصابة بالطاعون إلى داخل بلدة (كافا) التي كانوا يحاصرونها وكانت ترفض الاستسلام، ويعزو العديد من المؤرخين انتشار الطاعون في أوروبا وفي العالم، ووفاة نحو 25 مليون شخص إلى هذه الحادثة.

والأسلحة الكيماوية والبيولوجية أو الجرثومية كما تسمى أيضاً، متشابهة في مفعولها النهائي، ولكنها تختلف عن بعضها البعض اختلافاً جوهرياً في الأداء وفي التصنيف.

هذه كانت بداية استخدام الأسلحة الجرثومية، وهي إن دلت على شيء فإنها تدل على قدرة الإنسان على الابتكار حتى في سبيل الدمار، ومنذ ذلك الحين قضى عشرات الآلاف من البشر نحبهم نتيجة استخدام أسلحة كيميائية أو جرثومية، بعضهم قتل في الميدان العسكري، وآخرون كانوا في قرى اعتقدوا أنها آمنة، فكان مصيرهم أن أصبحوا جثثاً هامدة، ما هي هذه الأسلحة؟ وهل هي مشروعة؟ أم أنه يحق تحريمها، هذا ما سنلقي الضوء عليه.

الآثار القاتلة للأسلحة الكيميائية والبيولوجية على الإنسان

الأسلحة الكيميائية تقتل أو تصيب الإنسان عن طريق تأثيرها السام والمباشر على الجسم البشري بأجهزته الحيوية المختلفة، والأسلحة الكيميائية تبقى في أماكن استخدامها لساعات أو أسابيع وبعد ذلك يخف مفعولها إلى أن تصبح عديمة التأثير.

أما الأسلحة البيولوجية فهي أنواع من البكتيريا أو الفيروسات أو الخمائر، مصممة للفتك بالإنسان أو الحيوان أو النبات، الأسلحة البيولوجية تصل إلى الإنسان عن طريق الهواء أو الطعام أو الماء أو الحقن، وبعد التعرض لها تكون هناك فترة حضانة تتكاثر خلالها الفيروسات أو البكتيريا داخل الجسد دون أن يشعر الإنسان بعوارضها وبعد ذلك يبدأ المرض القاتل، وعندئذ يمكن أن تنتشر العدوى.

ومن المنظار العسكري تفضل الجيوش استخدام الأسلحة الكيميائية، لأن مفعولها أسرع من مفعول الأسلحة الجرثومية، وللدلالة على ذلك خلصت الولايات المتحدة عام 69 إلى أن الفائدة في الميدان العسكري من الأسلحة البيولوجية قليل جداً فاتخذ الرئيس (ريتشارد نيكسون) قراراً بتفكيك برنامج الحرب الجرثومية الأميركي.

وسلبيات الأسلحة الكيميائية والجرثومية من وجهة نظر مستخدميها، هي أنها قد تخرج عن نطاق السيطرة فترتد على الحليف أو الصديق أو الجهة المستخدمة لها وفقاً لتقلبات الأحوال الجوية.

في الحرب العالمية الأولى استعمل غاز الخردل بشكل واسع النطاق ضد آلاف الجنود المحصنين في الخنادق التي كانت من السمات الأساسية لهذه الحرب، وكان غاز الخردل السلاح الكيميائي المفضل، فأدى إلى إزهاق أرواح آلاف الجنود، ومن لم يمت من جرائه، أصيب بالعمى أو بحروق حمل الكثير منهم ندباتها إلى آخر يوم من حياته، وتشير الإحصائيات إلى أن مليوناً من أصل عشرين مليون وفاة أو إصابة في الحرب العالمية الأولى تعزى إلى غاز الخردل.

فاق العالم على مخاطر هذه الأسلحة في أعقاب الحرب فتم توقيع أول اتفاقية تحظر استخدام المواد السامة عام 25، وعُرفت هذه الاتفاقية ببروتوكول جنيف، وعندما احتلت اليابان الصين في الفترة التي سبقت وتخللت الحرب العالمية الثانية، ضربت عرض الحائط بهذه الاتفاقية، فاستخدمت الحرب الجرثومية في محاولة للنيل من بلدٍ يتفوق عليها في تعداد السكان، وتفيد سجلات الجيش الياباني والسلطات الصينية أن أربعمائة من أصل ستمائة من سكان إحدى القرى الصينية قتلوا عام 42 من جراء استخدام الجيش الياباني لأسلحة جرثومية، وتتهم الصين اليابان باستخدام الغازات السامة 2900 مرة خلال فترة الاحتلال الياباني للصين مما أدى إلى مصرع ثمانين ألف مواطن صيني، وبينما فشل الجيش الياباني في إلحاق أي أذى يذكر بالقوات الصينية والسوفيتية لجأ إلى نشر الكوليرا والطاعون في أوساط المدنيين، كما حقن أسرى صينيين بجراثيم وبكتيريا تؤدي إلى الإصابة بالتيفوئيد والجُدري والتهاب السحايا والتسمم الجسدي العام.

ومع دخول العالم عصر القنبلة الذرية عقب الهجوم الأميركي على مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين، وضحت الحاجة إلى وسائل هجومية فتاكة، ولكنها في الوقت نفسه تكون أقل تكلفة ولا تؤدي إلى دمار بنياني هائل يتطلب إنفاق مبالغ طائلة لإعادة تأهيل البنى الأساسية، فانصرف علماء الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية إلى تطوير الأسلحة الكيميائية، والجرثومية، وقد كان العلماء يدركون خطورة هذه المواد فكانوا يختبرون فاعلية الملابس والأقنعة الواقية على رجال آليين قبل أن يرتدوها في تجاربهم.

بلغت هذه التجارب ذروتها إبان الحرب الباردة بين قطبي العالم السياسي آنذاك، الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، فكانت النتيجة أن خزنت واشنطن ما لا يقل عن ثلاثين ألف طن من الأسلحة الكيميائية، مقابل ما لا يقل عن أربعين ألف طن في الجانب السوفيتي، وهو أكبر مخزون في العالم على الإطلاق، أما بريطانيا التي دخلت هذا السباق أيضاً فقد أعلنت عام 60 أنها ستتخلص من أسلحتها.

ويذهب البعض إلى القول إلى أن الولايات المتحدة شنت حرباً كيميائية في فيتنام باستخدامها المادة المعروفة بـ(إيجل أورنج) لإزالة أوراق الأشجار التي كانت توفر غطاء لمقاتلي الفيتكُم.

ولأن الصغير أو الضعيف يحاول دوماً تقليد الكبير أو القوي، فقد فُتِحَ الباب على مصراعيه، واتجهت العديد من دول العالم الثالث إلى هذا المجال، وأبرز ما تمخضت عنه الحرب العراقية الإيرانية، ومن بعدها حرب تحرير الكويت النموذج العراقي، فسلطت أضواء العالم على بغداد التي اتُهمت بأنها خارجة على القانون الدولي وتسعى لامتلاك أضخم ترسانة من الأسلحة الكيميائية والجرثومية بين الدول النامية، إلا أن أحداً من منتقدي بغداد في أعقاب حرب الخليج الثانية لم يكن قد واجهها بجدية حقيقية، عندما استخدمت القوات العراقية إبان حربها مع إيران في الثمانينيات غاز الخردل ضد الموجات البشرية المتتالية من الجنود الإيرانيين، فقد كانت إيران في ذلك الحين تمثل الخطر الإقليمي الداهم في نظر الغرب ودول الخليج المجاورة على حدٍ سواء، واكتفى العالم بالانتقاد اللفظي والمحدود جداً أحياناً لاستخدام العراق للغازات السامة التي أزهقت أرواح المئات من الأكراد في بلدة (حلابشة) في نطاق الحرب العراقية الإيرانية، وقد نفى العراق أن يكون استهدف (حلابشة) ولكن واقع الأمر هو ما تلخصه هذه الحروب.

ومن ناحية أخرى كانت هناك اتهامات لم توثق لإيران بأنها هي أيضاً استخدمت الأسلحة الكيميائية ضد العراق.

حتى يومنا هذا عرف عن حيازة ثلاث دول فقط لأسلحة كيميائية أو جرثومية، وهي الولايات المتحدة وروسيا والعراق، إلا أن هناك شكوكاً قوية حول امتلاك أو سعي نحو عشرين دولة لامتلاك أسلحة كيميائية أو بيولوجية، ومنها كوريا الشمالية والصين وتايوان وكوبا والهند وباكستان وليبيا وإيران ومصر وسوريا وإسرائيل.

أخطر الأسلحة الكيميائية المكتشفة حتى الآن

ومن أهم الأسلحة الكيميائية والجرثومية الموجودة.

الأنثراكس.. الجمرة الخبيثة تتراوح فترة حضانته بين يومين وأسبوعين يفتك بثمانين في المائة من ضحاياه الذين يدخل أجسادهم عن طريق الفم أو الجهاز التنفسي، يعمّر طويلاً.

DX غازٌ يهاجم الجهاز العصبي فالجسد بأكمله، يدخل الجسد عن طريق الجلد رائحته كالسمك العفن يفتك خلال ساعات.

الطاعون (فليج) مرض لا يزال منتشراً في العالم يدخل، يدخل إنتاجه مخبرياً، يفتك بعشرة في المائة من المصابين به.

(بوتش لينل توكسين) تنتج عن (..) الحيوية وهي الجراثيم الفتاكة الموجودة في الطعام المتسمم، يدخل انتاج هذا السم مخبرياً، ويدخل الجسد عن طريق العين أو الرئتين أو الجهاز المعوي، يقتل بعد فترة تتراوح بين ثلاثة وثمانية أيام.

غاز السيانيد (cyanide gas) رائحته كرائحة اللوز أقل خطراً من غيره بسبب سرعة تبخره، يهاجم الجهاز العصبي، خطورته تكمن في عدم ظهور أعراضه إلا بعد أن تصبح الإصابة به قاتلة.

غاز السارين (sarin) يهاجم الجهاز العصبي، يدخل الجسد عن طريق الجهاز التنفسي أو في درجات الحرارة المرتفعة عن طريق الجلد، يقتل خلال دقائق أو ساعات.

غاز الخردل (mustard gas) يهاجم الجلد والجهاز التنفسي والأغشية المخاطية، يصيب بحروق وتقرُّحات ويؤدي إلى العمى، يبدأ بالفتك بعد نحو أربعٍ وعشرين ساعة من التعرض له.

(كروسترين برفيرجين) بكتيريا هي إحدى أسباب تسمم الطعام، تنتج بذيرات تعيش في التربة وتنتج غرغرينا الغاز الذي يتسرب إلى الجروح المفتوحة ويصيب بالأورام فالصدمة الجسدية فاليرقان فالوفاة.

(ساكيلوكوكن انتروتوكسين جي) ينتج عن البكتيريا العنقودية البرتقالية، عوارضه تشبه تسمم الطعام، فتاك إذا اقترن بجفاف الجسد.

(رايسين) سم يستخرج من بذور نبات الخروع، من أشد السموم الموجودة في الطبيعة، استخدم في اغتيال المعارض البلغاري (جونتي ماركوك) في لندن.

(أفلا تويكي) يهاجم جهاز المناعة في الحيوان، مسرطنٌ في الإنسان.

سمال بوكس (small pox) الجدري مرض قديم قدم الإنسان، يدخل إنتاجه مخبرياً فتاك خلال أيام إذا لم يتم علاجه بسرعة.

هناك اتفاقيتان دوليتان في مجال التسلح الكيميائي والبيولوجي، وهما معاهدة الأسلحة البيولوجية والسامة، وقد وقعها عام 72 الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وبريطانيا وأقرتها حتى الآن أكثر من مائة وثلاثين دولة، وتكمن مشكلتها في خلوها من أي بند يضع آلية لأسس اكتشاف وردع المخالفين.

معاهدة الأسلحة الكيميائية التي وقعت عام 93 من قِبَل مائة وثلاثين دولة، وتنص هذه الاتفاقية على حظر تطوير وإنتاج وحيازة ونقل وتكديس الأسلحة الكيميائية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وواقع الأمر هو أن تكديس هذه الأسلحة أو المواد الفتاكة لا يكفي كي تشكل خطر حقيقياً، فإيصالها إلى الهدف بشكل فعَّال هو المهم، ويعتبر خبراء في شؤون القوات الصاروخية أن الوسائل الرئيسية الثلاث لإيصال المواد الكيميائية أو الجرثومية الفتاكة إلى الهدف، هي الصواريخ والطائرات والطرق السرية أو الخفية، ولكن حيازة الصواريخ أو القذائف وحدها لا تكفي، إذ يجب أن تقترن بالتكنولوجيا.

خبير كيميائي1: العراقيون وضعوا الجمرة الخبيثة في رؤوس حربية وقنابل وصواريخ سكود، ولكن هذا أسلوباً غير فعال، لأن الانفجار يقتل المواد الفتاكة أو يأتي على معظمها، كما أنه لا يغطي إلا مساحة صغيرة، أكثر الطرق فاعلية هي الرَّش، كأن تقوم طائرة رش مبيدات برش هذه المواد.

عمر العيساوي: إذن ماذا لو حصلت دولة أو جماعة ما على طائرة رش مبيدات لاستخدامها في تنفيذ مآربها

خبير كيميائي1: يمكن لمنظمة إرهابية أن تحمل طائرة رش مبيدات بالجمرة الخبيثة وأن ترشها فوق مدينة كبيرة، ولكن المشاكل التقنية كبيرة جداً، فالمواد يجب أن تكون في شكل محلول ركب بطريقة دقيقة جداً وإلا تحول إلى كتل (...). والحصول على هذه المعلومات صعب لأنها في غاية السرية والمشكلة التالية تكمن في القياسات الصحيحة لفوهة الرش، أي أن المشاكل التقنية يصعب التغلب عليها.

عمر العيساوي: ويفسر خبير في شؤون القوات الصاروخية وهو أيضاً مفتش يعمل في فرق الأمم المتحدة المكلفة بنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية السبيل الأنجع لاستخدام الأسلحة الكيميائية أو الجرثومية في الميدان العسكري.

خبير في شؤون القوات الصاروخية: يمكن استخدام ذخائر ثانوية، أي قنابل صغيرة تحتوي على المواد ضمن القذيفة الأساسية لتنفجر فوق الهدف أو يمكن تخفيف سرعة الصاروخ باستخدام مظلة.

عمر العيساوي: ويضيف هذا الخبير: أن العراق لم يجر تجارب على تخفيف سرعة الصواريخ باستخدام المظلات، والعراق باعترافه امتلك العديد من هذه المواد الفتاكة ولكنه حصل على العديد منها من الأطراف نفسها التي تهاجمه اليوم، فمثلاً عام 86 قامت شركة أميركية بشحن الجمرة الخبيثة أنثراكس ونوعين من البكتيريا السامة التي يمكن استخدامها في إنتاج أسلحة جرثومية إلى جامعة بغداد، بعد الحصول على موافقة وزارة التجارة الأميركية، ولكن هناك من يخشى وقوع هذه المواد الكيميائية أو البيولوجية في أيدي أفراد أو جماعة تتمكن من استخدامها رغم المصاعب التقنية، والمثال الأقوى على ذلك، هو الهجوم الذي شنّته جماعة (أُومو شيبيكيو) اليابانية في إحدى محطات قطار الأنفاق في طوكيو عام 95 مستخدمة غاز الأعصاب (سارين)، أسفر هذا الهجوم عن مصرع اثني عشر شخصاً وإصابة نحو 5500، ولعل الأخطر هو ما تكشف لاحقاً عن قيام زعيم الجماعة بزيارة إلى زائير عام 92 تحت غطاء تقديم العون الإنساني لضحايا مرض الإيبولا، ولكن هدفه الحقيقي كان الحصول على عينات من فيروس الإيبولا الذي يقتل 90% من ضحاياه خلال أسبوع من إصابتهم به.

وهكذا فقد برهنت حادثة طوكيو أن الأسلحة الجرثومية أو الكيميائية خطيرة إذا ما وقعت في أيدي الأفراد أو الجماعات.

وأثار الحادث عدداً من سيناريوهات الرعب، يتمثل أحدها في تطعيم شخص ضد مرض الجدري وقيامه بركوب طائرة متجهة إلى نيويورك أو لندن مثلاً، وقيامه خلال الرحلة برش فيروس الجدري داخل الطائرة والتي عند وصولها يتحول ركابها إلى أسلحة بيولوجية، فينقلون الفيروس دون علمهم إلى أماكن شتى.

والحديث عن وسائط النقل الجماعي يستحضر إلى الأذهان اعتراف الجيش الأميركي عام 76 قيامه قبل ذلك بعشر سنوات بكسر مصباح كالنوع المستخدم في المنازل في أحد أنفاق قطار الأنفاق في نيويورك، وكان ذلك المصباح يحتوي على بكتيريا، وكان الهدف من التجربة مراقبة انتشار البكتيريا في الأنفاق.

ويتفق الخبراء على أن الدول هي الأقدر على تحويل برامج الأبحاث السلمية في المجالين الكيميائي والجرثومي إلى برامج تسلح حقيقية، وعلى أن إخفاء مختبرات برامج التسلح الجرثومي هو أسهل من إخفاء مختبرات الأسلحة الكيميائية.

خبير كيميائي 1: الأساليب المستخدمة في أبحاث الأسلحة الجرثومية يمكن استخدامها هي نفسها لأغراض سلمية، والفرق بين الاثنين هو النية.

خبير كيميائي 2: القدرات الكيميائية تتطلب كميات كبيرة من المواد، بينما العناصر مثل الجمرة الخبيثة -أنثراكس، تتكاثر داخل الجسد الذي يحتضنها، ولذا فهي تتطلب كميات أقل بكثير فعلى سبيل المقارنة مثلاً، عشرة كيلو جرامات من الجمرة الخبيثة توازي عشرات أو مئات الأطنان من غاز السارين، ومختبرات الأسلحة الكيميائية كبيرة وأوضح للعيان، بينما تكون المختبرات الجرثومية أصغر وإخفاؤها أسهل.

عمر العيساوي: وهنا تبرز ازدواجية الغرض، فالدول قد تكون لديها مختبرات تجري تجارب وأبحاث قانونية، ولكن ما يخفى قد يكون أعظم.

خبير كيميائي 2: تكنولوجيا صنع الأسلحة الجرثومية تشبه تلك المستخدمة لأغراض قانونية، والعراق لديه مشاكل تكمن في إصابة قطعان الماشية لديه بالجمرة الخبيثة، والحصول على المصل الواقي من هذا الداء يتطلب إنتاج المادة الفتاكة، وقد استخدم العراق مختبرات إنتاج الأمصال الوقائية كغطاء لبرنامجه، وأكبر المختبرات البيولوجية في العراق واسمه "الحكم" كان ينتج مواد هجومية.

تسابق الدول إلى إنتاج الأسلحة الكيميائية والبيولوجية

عمر العيساوي: وإلى يومنا هذا يكتنف الغموض الوضع الحقيقي لبرامج الأسلحة الكيميائية والجرثومية في روسيا، التي سبق وأشرنا تمتلك أكبر ترسانة من الأسلحة الكيميائية في العالم، وقد نجحت روسيا في وضع رؤوس حربية مملوءة بمزيج من الجدري والطاعون والجمرة الخبيثة على صواريخ عابرة للقارات، وزودت تلك الرؤوس الحربية بأجهزة تبريد تبقي الفيروسات حية خلال عودتها إلى غلاف الأرض الجوي، إلى أن تقترب من الهدف فتنطلق مظلات تخفف من سرعة الصاروخ الذي يتفكك بعدئذ مطلقاً قنابل صغيرة تنفتح بدورها مطلقة العنان للفيروسات، كما تمكن السوفييت عام 89 من إنتاج نموذج مُحسَّنٍ من فيروس الجمرة الخبيثة تبلغ فعاليته أربعة أضعاف فاعلية الفيروس العادي.

وقد نال الاتحاد السوفيتي نصيبه من المخاطر الملازمة لهذه الأبحاث، إذ توفى عام 79 أربعة وستون شخصاً في مدينة (سجاردلوك) إثر انفجار في معهد أبحاث بيولوجي، وما يثير مخاوف الغرب اليوم هو احتمال قيام بعض العلماء الروس ببيع خبراتهم لأطراف خارجية مقابل حفنة من الدولارات.

والدول العظمى لمساحاتها الشاسعة وجيوشها الجرارة وقدراتها النووية قد تكون -كما تقول واشنطن ولندن مثلاً- في غنى عن الخوض في برامج التسلح الكيميائية والجرثومية، وهي في نهاية المطاف تملك المواد والعناصر المستخدمة في الأسلحة الكيميائية والجرثومية.

فهذه القاعدة التي زارتها (الجزيرة) في ولاية ميريلاند تعد من أهم أماكن البحث في هذين المجالين، وفيها مقر قيادة جهاز الدفاع ضد الأسلحة الكيميائية والبيولوجية التابع للجيش الأميركي، وفيها أيضاً مركز رئيسي لتخزين غاز الخردل المحرم دولياً، وكما أبلغنا أحد مرافقينا العسكريين، فإن 80% من العاملين في هذه القاعدة لم يروا ما سجلته عدسات (الجزيرة) هناك.

وهذه البراميل التي يبلغ عددها ألفاً وثمانمائة وسبعة عشر برميلاً فيها أكثر من مليون وستمائة وخمسين ألف كيلو جرام من غاز الخردل.

وهذه الكميات الهائلة من غاز الخردل مخزنة هنا منذ الحرب العالمية الثانية ويتعين وفقاً للاتفاقيات الدولية إزالة إمكانتها العسكرية بحلول عام 2004، تقدر كلفة تفجيرها بنحو ثلاثة مليارات دولار، وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الأنظمة الأمنية في محيط مركز التخزين هذا هي إسرائيلية التصميم أما الطيران فهو ممنوع فوق هذه المنطقة وحتى إذا هوت طائرة ما على البراميل فإن تلك الفارغة في الصف العلوي قادرة على امتصاص أي صدمة حتى من سقوط طائرة من وزن البوينج 747، وللتحقق من عدم تلوث هذه المنطقة كانت جامعة (مونتانا) تجري تجارب على خلايا النحل في المنطقة، وبجوار رائحة خطر الموت التي يكاد المرء يشتمها هنا تبدو الحياة وكأنها تسير كالمعتاد.

وخلال هذه الجولة مررنا بمعهد أبحاث الدفاع الكيميائي التابع للجهاز الطبي في الجيش الأميركي، والأحرف الأولى على الجدران التي منع فريق (الجزيرة) من تصويرها فاضطر لالتقاطها أثناء السير هي ترمز إلى الأبحاث الجارية على المواد الفتاكة داخل جدران هذه المختبرات، BZ هو رمز العناصر المسببة للهلوسة، GX هو غاز الأعصاب الطويل المفعول الزمني، G يرمز إلى عائلة غازات الأعصاب المحدودة المفعول ومن بينها غاز التابون وغاز السارين، غاز (السنع)، (فيتش) هو غاز الخردل.

وفي هذه المنشآت تتم دراسة هذه السموم، وإيجاد أمصال لها وعذاب حيوان ليس بشيء هام في سبيل هذه الدراسة، وفي هذه التجربة نشاهد ثلاثة ماعز، الماعز إلى أقصى اليسار مزود بقناع واقٍ كامل التجهيز، وهذا في الوسط وُضِعَ عليه قناع تنقصه بعض أجهزة تنقية الهواء، وهذا الأخير بدون أي شكل من أشكال الوقاية ونترككم تشاهدون هذه التجربة، ولكن أحياناً تكون التجربة عارضة، ولم يتم التخطيط لها مسبقاً، ففي هذه المنطقة تعرض قطيع من الخراف إلى أحد الغازات السامة بعدما تحول مجرى الهواء من منطقة التجارب فحمل السم إلى الحيوانات التي لم تعش طويلاً بعد ذلك.

تحسباً للطوارئ انبثقت عن الجيوش فرق طوارئ تتدرب باستمرار على مواجهة أي اعتداء بالأسلحة الكيميائية أو الجرثومية، وفرق الإنقاذ هذه لا تقتصر على المؤسسات العسكرية بل تخطتها فأصبحت تشمل دوائر الإطفاء والإنقاذ الطبي وهي مزودة بالدراية والمعدات اللازمة لمواجهة أي كارثة محتملة.

نظرياً يعد الجيش الأميركي من أكثر جيوش العالم استعداداً لمواجهة هجوم بأسلحة كيميائية أو الجرثومية، وقد اعترف ضابط سابق أنه يفضل التعرض لهجوم بالأسلحة الكيميائية أو البيولوجية على التعرض لهجوم بالأسلحة التقليدية، فالأقنعة والملابس الواقية كفيلة بدرء خطر السموم والجراثيم، والمعدات الكاشفة لوجود مثل هذه المواد القاتلة تعطى لكل فرقة عسكرية قد تواجه هذا الخطر في الميدان الحربي، ولكن ما هو السبيل إلى الدفاع عن النفس في مواجهة هجوم تقليدي في القذائف أو الصواريخ التي تحمل المزيد من الشحنات المتفجرة.

نظرية هذا الضابط تبدو منطقية إلى حد ما، وقد مرت صناعة الأقنعة والملابس العسكرية بعدة مراحل تطور منذ بداياتها في الحرب العالمية الأولى، وقد أصبح استخدام هذه المعدات أسهل من ذي قبل وخف وزنها، بل إن الطيارين يتم تزويدهم بها، وتقوم فرق استكشاف خاصة لرصد مناطق العمليات المشتبه بتلوثها، فتأخذ عينات من الهواء والتربة وتحللها على متن عربات عسكرية، ويمكن أيضاً عن طريق الكمبيوتر إرسال النتائج إلى مختبرات رئيسية للتأكد منها.

سبل وقاية المدنيين من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية

عندما يتحدث المرء عن أسلحة الدمار الشامل، تختفي الكثير من ملامح الإنسانية، وربما البشرية، الإنسان المحظوظ قد يكون جندياً في مؤسسة عسكرية أو في جيش ما فيحظى بحماية من هذا النوع، ولكن ماذا عن المدنيين؟ الوقاية والحماية بالنسبة لهم هي أمر صعب المنال وهذه هي مأساة الحرب النووية والكيميائية والبيولوجية

حقاً ماذا يضمن سلامة وأمن المواطن أو الجندي في الدول النامية، لا شيء تقريباً، هناك في بعض الجيوش العربية مثل الجيش المصري والجيش السوري وحدات للحرب الكيميائية، ولكن أياً من الدول النامية لا تستطيع حماية معظم جنودها ومواطنيها الموجودين في مناطق إصابات، وتلجأ بعض الدول النامية إلى التسلح الكيميائي أو الجرثومي أو الاثنين معاً كخيار أقل تكلفة وأكثر سرية من السعي لامتلاك سلاح الدمار الشامل الأقوى، القنبلة النووية، فرصد الانفجار النووي سهل، بينما يمكن أن تبقى التجارب الكيميائية والجرثومية طي الكتمان ولأسابيع أو أشهر أو سنوات.

خطورة امتلاك إسرائيل للأسلحة البيولوجية والجرثومية على الشرق الأوسط

وإذا كانت المنطقة الجغرافية عرضة لتقلبات سياسية أو عسكرية تتميز بالعنف ازداد احتمال التسلح فيها، والشرق الوسط هو من أكثر مناطق العالم افتقاداً للاستقرار إن لم يكن أكثرها على الإطلاق.

خبير كيميائي 3: عوامل انتشار الأسلحة الكيميائية والجرثومية مرتبطة بالوضع الأمني في المنطقة، فإذا أردنا حل المشكلة، يتوجب علينا أن نجد حلاً لأسباب النزاع وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

عمر العيساوي: والمشكلة في نظر العربي هي إسرائيل طبعاً، فإسرائيل تمتلك المفاعل النووي، والقنابل النووية، رغم عدم اعترافها صراحة ورسمياً بذلك.

عام 92، طائرة من طراز بوينج 747 تابعة للخطوط الجوية الإسرائيلية العال، تتحطم إثر ارتطامها بمبان سكنية في مدينة أمستردام الهولندية، كانت الطائرة تقوم برحلة من هولندا إلى إسرائيل عندما وقع الحادث، وبعد الحادث بستة أعوام وبعد شكوى سكان منطقة الحادث بسنوات من مشاكل صحيَّة، كشف النقاب عن أهم ما كانت تحمله الطائرة، 190 متراً من مادة كيميائية تستخدم في إنتاج غاز الأعصاب السارين، وتكفي هذه الكمية لإنتاج مائتين وسبعين كيلو جراماً من السارين، جاءت هذه الحمولة من شركة أميركية تدعى (سوركاترونيك) للمواد الكيميائية ومقرها بلدة موريسفيل في ولاية بنسلفانيا، ومن بين العناصر الأربعة الرئيسية المستخدمة في إنتاج غاز الأعصاب السارين، كانت الطائرة تحمل ثلاثة منها، حمولة هذه الطائرة كانت متجهة إلى مكان قلَّما يتحدث عنه الإعلام الغربي، إنه معهد الأبحاث البيولوجية الإسرائيلي ومقره بلدة (نكستيونا) القريبة من تل أبيب، هذا المعهد مرتبط بمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أي أنه يتبع لسيطرة الموساد، ويعمل في المعهد ثلاثمائة شخص، مائة وعشرون منهم من العلماء.

هذا المكان الذي يكتنفه الغموض والذي قد يزيد الجهل بما يدور بين جدرانه عما يحصل في مفاعل ديمونة تأسس منذ عقود، وكانت محكمة إسرائيلية قد حكمت قبل ستة عشر عاماً على مساعد مدير المعهد (ماركس كلينبرج) بالسجن عشرين عاماً بعد إدانته بالتجسس لصالح الاتحاد السوفيتي، وقد تم الإفراج عن كلينبرج في شهر أيلول/ سبتمبر من عام 98 بعدما بلغ من العمر ثمانين عاماً، وأمرت بإبقائه قيد الإقامة الجبرية طيلة حياته.

ولكن لماذا تلجأ إسرائيل صاحبة التفوق النووي والجوي إلى أسلحة الدمار الشامل الأخرى؟

مداخل 1: إسرائيل وقعت معاهدة الحد من انتشار الأسلحة الكيميائية، ولكنها لم تقرها، لأن سوريا وإيران والعراق تملك قدرات كيميائية تشكل خطراً على إسرائيل وهي لا تريد الاعتماد على الخيار النووي فقط، إذا ما تعرضت لهجوم، لأن الرد النووي سيكون غير متوازن.

عمر العيساوي: إذن لماذا التركيز على العراق أساساً في هذه القضية في ظل وجود القدرات الإسرائيلية والمصرية مثلاً؟

مداخل 1: هناك اتجاه للتركيز من منظار ضيق على العراق، فهو اعتدى على جيرانه واستخدم الأسلحة الكيميائية، ولكن دولة مثل مصر لا ترى قدرتها الكيميائية كسلاح تكتيكي قابل للاستخدام، بل كوسيلة ردع وثقل موازن لما تراه كخطر نووي إسرائيلي.

عمر العيساوي: ها نحن نتحدث إذن عن موازين القوى العسكرية، وإحدى الدول التي يقترن اسمها بامتلاك الأسلحة الكيميائية هي سوريا، فسوريا هي الجبهة الأخيرة في مواجهة إسرائيل بعد الصلح الأردني، ومعاهدة كامب ديفيد، هذا طبعاً إذا استثنينا لبنان لقدراته المحدودة وجيشه الضئيل، وإذا افترضنا أن الظنون والشكوك هي في محلها، يطرح السؤال نفسه: لماذا تخاطر دمشق في إثارة الشبهات وامتلاك أسلحة كيميائية؟

مداخل 2: سوريا وإسرائيل لا تزالان في حالة حرب وتتخذان إجراءات معظمها دفاعية ضد بعضهم البعض وأعتقد أن سوريا اليوم تعتبر نفسها في وضع ليس جيداً من منظار الأسلحة التقليدية.

عمر العيساوي: ومن هنا نعود إلى نقطة أساسية وهي أن طرفاً قد يمتلك سلاحاً كيميائياً أو بيولوجياً ولكنه يفتقر إلى التطور الكافي لاستخدامه كسلاح فعَّال، فما هي أهميته؟

مداخل 2: في تقديري لن يكون نظام إيصال بدائي فاعلاً من الناحية العسكرية، ولنضرب مثلاً بالعراق، ولكن السؤال الهام هو هل سيكون له ثقلٌ هام من الناحيتين السياسية والاستراتيجية، أي أن دولة ما لديها سلاح على فرض، ماذا سيكون أثره؟

هل يشكل هذا عامل ردع مثلاً؟ وهذا أهم من التأثير العسكري لاستخدام السلاح.

عمر العيساوي: هذه هي النقطة الأساسية إذن، تصوروا لو أن العراق أو سوريا أو إيران أو حتى قطر مثلاً تصوروا لو أن إحدى هذه الدول أعلنت قدرتها على ضرب لندن بصواريخ تحمل رؤوسها الحربية أسلحة كيميائية أو جرثومية، قد تكون (الدراية اللازمة) نعم، وقد يدمر انفجار الصاروخ معظم السموم والجراثيم، ولكن الوَقْع النفسي على سكان لندن سيكون حالة من الرعب لمجرد التفكير بهذا الاحتمال.

إذن امتلاك أسلحة الدمار الشامل هو قوة نفسية إضافة إلى القوة العسكرية ونبحث عن إجابات، هل يمكن نزع السلاح الكيميائي والجرثومي؟ هل يمكن أن يصبح الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل؟ هل يعم السلام؟ هذا السلام الذي لم يعم أرجاء المعمورة منذ تكوين المجتمعات البشرية الحديثة.

مداخل 3: منع أي دولة من الخوض في برامج التسلح صعب للغاية وخاصة إذا كان هناك إحساس بخطر يتهدد أمن البلاد، إذن القضية في النهاية ليست منع التسلح بل إيجاد حل للوضع الأمني الذي يشكل حافزاً للحصول على هذه الأسلحة الهجومية.

عمر العيساوي: قوى نووية تواجه آخرين يسعون إلى حد أدنى من التوازن الاستراتيجي حتى من خلال أسلحة الدمار الشامل الوقائي، فهل هذا سعي مشروع؟ وماذا إذا فتك بأبرياء في سبيل الوصول إليه؟

هل هي قنبلة الفقير النووية كما تسمى؟

إنها بالتأكيد أسلحة رعب شامل، ويستمر شريط الذكريات الأليم المحفوظ في مكتباتٍ وفي ذاكرة البشر، وهنا نسميه تاريخ، عالمنا اليوم هو كعالم الأمس، موازين قوى وحروب ومفاوضات وقتلى وجرحى بينهم الكثير من الأبرياء، ظلمٌ وعداءٌ والبقاء للأقوى، والغاية في النهاية تبرر الوسيلة، أليس كذلك؟ ربما لا، ولكن هذا هو واقع الإنسان..

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة