دومينيك بوديس.. العلاقة مع الشرق الأوسط   
الاثنين 1429/2/19 هـ - الموافق 25/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 11:06 (مكة المكرمة)، 8:06 (غرينتش)

- العلاقة مع الشرق الأوسط
- بعض نشاطات معهد العالم العربي

- مراسل في القاهرة وبيروت

- قضايا عربية في عمل دومينيك وفي رواياته

- الجهود لإنقاذ معهد العالم العربي

سامي كليب
دومينيك بوديس
سامي كليب
: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى باريس. أنا حاليا على سطح معهد العالم العربي المشرف كما تلاحظون على مناطق جميلة من العاصمة الفرنسية وعلى نهر السين، هذا المعهد كان حتى الأمس القريب مهددا بالإقفال بسبب الأزمات المالية التي ألمت به، على ما يبدو هذه الأزمات عادت تتحلحل شيئا فشيئا لأن العرب عادوا يدفعون، سنتحدث عن ذلك مع رئيس المعهد ولكن سنروي أيضا قصة هذا الرئيس الذي كانت له مع الشرق الأوسط علاقات واسعة بحيث كان مراسلا حربيا وجرح في الحرب اللبنانية، دومينيك بوديس رئيس معهد العالم العربي في زيارة خاصة.

دومينيك بوديس: حول المتوسط يقطن كلنا الحي ذاته، الفرنسيون والعرب جيران، كالعادة بين الجيران هناك مسائل جيدة أو سيئة، لحظات سعيدة وأخرى تعيسة لكن لا يمكننا أن لا يهتم بعضنا بالآخر. بالطبع يهمني كل ما يتعلق بالشرق الأوسط والعالم العربي كما يهمني كل ما يحصل مع سكان المنزل المجاور.

العلاقة مع الشرق الأوسط

سامي كليب: التعاون بين ضفتي المتوسط عاشه دومينيك بوديس منذ إطلالته الأولى على الصحافة والسياسة، فالصبي المولود في ربيع عام 1947 والذي ترعرع في كنف عائلة سياسية بفضل الوالد النائب في البرلمان الفرنسي استهل حياته الصحفية في لبنان حيث عمل في الإذاعة والتلفزة قبل أن يصبح نجما على شاشة بلاده، وفي لبنان جرح برصاص الحرب وبدلا من أن يعود بضمادات عاد إلى تاريخ المنطقة يكتب عنها وحولها تاريخا وحاضرا. فمتى بدأت علاقته بالشرق الأوسط والعالم العربي؟

دومينيك بوديس: اكتشفت العالم العربي مع لبنان في بداية السبعينيات، عشت فيه عدة أعوام.

سامي كليب: لماذا ذهبت إلى بيروت؟

دومينيك بوديس: ذهب إلى هناك كصحفي يؤدي الخدمة العسكرية في إطار التعاون، عملت في إذاعة لبنان وفي تلفزيون لبنان ثم بقيت هناك كمراسل للتلفزيون الفرنسي.

سامي كليب: هل كانت لديك فكرة عن العالم العربي قبل ذلك؟

دومينيك بوديس: فكرة بعيدة مثلما ينظر المرء إلى العالم العربي من فرنسا من دون زيارته. طبعا كانت هذه التجربة غنية بالنسبة لي لأنني لم أمض هناك بضع أسابيع أو أشهر ولكنني أمضيت عدت أعوام كصحفي، إذاً تعلمت مهنة الصحافة وتعلمت اكتشاف ومعرفة وتقدير هذه المنطقة التي تعلقت بها كثيرا.

سامي كليب: لماذا أحببته؟

دومينيك بوديس: لماذا؟ لأنها منطقة ينشأ منها كل شيء، ثقافتنا آتية من هناك نعيش في عالم متوسطي، أنا رجل من جنوب فرنسا من تولوز، قد نتكلم عنها لاحقا، عندما ينتمي المرء إلى منطقة المتوسط لا يمكنه إلا أن يتأثر بكل ما يجري في الشرق الأوسط لأنه منبع للأفضل وأحيانا للأسوأ أي النزاعات والحروب والخلافات وعدم الفهم وتصادم الحضارات كما يقال أحيانا، كل يقرر هناك، مستقبلنا كله يقرر هناك وماضينا موجود هناك وهو يتجمع حول البحر المتوسط الذي ابتكر حضارة لا مثيل لها.

سامي كليب: دومينيك بوديس القادم من نيابة ورئاسة بلدية تولوز ومن نجومية الشاشة الفرنسية الصغيرة إلى معهد العالم العربي رفع شعار التلاقي بين الحضارات والتقارب الأكثر مع العالم العربي والعمل على اللحمة الوطنية منذ وصوله إلى هذا الصرح العربي الهام في العاصمة الفرنسية، واللحمة ضرورية ذلك أن شبان الضواحي الفرنسية ذات الغالبية المغربية كانوا يحرقون سيارات رجال الشرطة تمردا حين كنا نصور هذه الحلقة مع دومينيك بوديس، وتقول إحصاءات المعهد إن 25 ألف طالب من أبناء الضواحي يزورون معهد العالم العربي كل عام.

دومينيك بوديس: بالضبط، وهذا جزء من بعثتنا وعندما أرى هؤلاء الشباب على أدراج وأروقة المعهد يخرجون من المتحف ومن زيارة المعرض، هؤلاء الشباب الذين هم مواطنون فرنسيون من أصل عربي يعبرون في نظراتهم أو كلماتهم عن الفخر باكتشاف غنى الحضارة التي ورثوها عن الآباء والأجداد الذين لم يخبروهم أحيانا عن ثقافة العالم العربي الغنية بسبب الانشغال بالعمل ومصاعب الحياة وتعدد أفراد العائلة، باختصار كل مشاكل الحياة اليومية التي تمنع الأهل أحيانا من تفسير ونقل كل هذا الإرث، هنا يمكنهم اكتشافه وتقديره والفخر به، وأظن أنه يساعدهم في بناء أنفسهم كمواطنين فرنسيين بالكامل وعرب بالكامل في آن واحد، يرون أنهم مواطنوا بلد هو فرنسا الذي يعتبر أن كل مواطنيه ليسوا جميعا بالضرورة خلفاء الغاليين وأن هناك في فرنسا تنوعا للأعراق وللإرث الثقافي، وهذه فرصة وميزة لبلدنا.

سامي كليب: ولكن سيدي الرئيس يعني حضرتك رئيس معهد العالم العربي وتعرف، كما تتفضل، أن أي مهاجر مغاربي حين يزور هنا أو عربي يزور المعهد يشعر كما تفضلت بفخر كبير ولكن بالمقابل هل أن الفرنسي يتقبل هذا الفخر، هذا الاعتزاز والمعهد بشكل عام؟ هل الفهم هو من جهة واحدة يعني فقط العربي أم الفرنسي أيضا يفهم هذا العربي بفضل هذا المعهد؟

"
يزور معهد العالم العربي مليون زائر سنويا، ما يجعله عاشر موقع في باريس يستقبل أكبر عدد من الزيارات
"
دومينيك بوديس:
من بين الشباب الذين يأتون إلى هنا النصف من أصل عربي والنصف الآخر شباب ليسوا من أصل عربي، هم شباب أهلهم أو أجدادهم أو أسلافهم فرنسيون أو هم شباب قادمون من مناطق أخرى في العالم، كما أن جمهورا كبيرا من الراشدين يأتي إلى هنا، يزور المعهد سنويا مليون زائر ما يجعله عاشر موقع يستقبل أكبر عدد من الزيارات في باريس من بين جميع المتاحف والمؤسسات الثقافية الكبيرة، إذاً يأتي إلى هنا أشخاص يريدون اكتشاف العالم العربي الذي لا يعرفونه، أو أشخاص يعرفون العالم العربي ويريدون البقاء على اتصال به، مثلا في المجتمع الفرنسي هناك عائلات مختلطة كثيرة وأزواج مختلطون، الزوج عربي والزوجة فرنسية أو العكس.

سامي كليب: بما فيهم عائلتك.

دومينيك بوديس: أجل، زوجتي جزائرية الأصل، والدها الراحل كان جزائريا وولدت زوجتي في الجزائر.

سامي كليب: وكتبت كتبا حتى حول السيدة أم كلثوم.

دومينيك بوديس: نعم أنا نصحتها بتأليف كتب عن أم كلثوم لأنني كنت في القاهرة يوم مأتمها وعندما التقيت بزوجتي أخبرتها عن تلك اللحظة الاستثنائية في القاهرة عندما نزل ملايين الناس إلى الشوارع وقد حملوا تابوت أم كلثوم، أعطيتها الصور التي كنت قد التقطتها في القاهرة ذاك النهار وقد أوحى لها ذلك بفكرة تأليف كتاب. إذاً هناك في فرنسا عائلات كثيرة تستوحي من الحضارتين وواحد من الزوجين وريث ثقافة وحضارة العالم العربي لذا تشعر العائلة كلها بأنها معنية وهذا يمثل جزء كبيرا من الشعب الفرنسي. إذاً يلعب هذا المعهد دورا بين البلدان العربية وفرنسا وأيضا في المجتمع الفرنسي كعامل التحام وطني، مهما كانت أصول أهالي وأجداد الفرنسيين خاصة الذين هم من العالم العربي وتحديدا من المغرب العربي يشعر هؤلاء بأن فرنسا هي دارهم لأنهم في بلد يقدرهم ويعترف بثقافتهم وحضارتهم، بالطبع هناك أيضا كما ذكرت عوامل انفعال ومواجهة وتشنج وكما هي الحال دوما في الحياة هناك قوتان تلعبان دورا إحداهما تميل إلى المواجهة والمصاعب والتشنجات والأخرى، وأنا معها، تسلك درب الحوار ومعرفة الغير والاحترام.

بعض نشاطات معهد العالم العربي


سامي كليب: معهد العالم العربي الذي يتولى دومينيك بوديس رئاسته حاليا هدد أكثر من مرة بالإغلاق بسبب المشاكل المالية التي عانى منها، وهو منذ إنشائه عام 1980 في عهد الرئيس الراحل فرانسوا ميتران عرف التزاما فرنسيا بدفع المستحقات وفوضى عربية كادت تغلق أبوابه بسبب العجز في الميزانية، هذا الصرح الثقافي الجميل الذي أشرف على هندسته المهندس الفنان جون لوفيل ومساعدوه، خدم العرب كثيرا وهم قلما خدموه ولم تستقر أوضاعه إلا قبل فترة ولكنها لا تزال مهددة، هو خدم العرب بالتعريف بثقافتهم وفنونهم وتراثهم والعلوم وأقام معارض كثيرة يحدثنا عن بعضها مدير المتحف والمعارض الدكتور بدر الدين عرودكي الذي عمره في المعهد من عمر المعهد.

بدر الدين عرودكي: أول معرض أقمناه وكان بمناسبة استعادة مصر لمقعدها في معهد العالم العربي كدولة مؤسسة في عام 1989 كان معرض "مصر عبر كل العصور" ولأول مرة في تاريخ المعارض في العالم تقدم مصر في تواريخها المختلفة، الفرعونية والقبطية والإسلامية، ثم بعد ذلك أقمنا معرضا عن "سوريا ذاكرة وحضارة" الذي لاقى كالمعرض الأول مصر نجاحا هائلا من قبل الجمهور. زار كلا من المعرضين حوالي 400 ألف زائر، ثم كان هناك أيضا معرض حول السودان، وكان أيضا معرضا يقدم لأول مرة في تاريخ  المعارض عن السودان، نحن نعرف مصر ولكننا لا نعرف شيئا عن حضارة السودان القديمة، ثم هذا المعرض كان قد قدم ليس فقط في معهد العالم العربي وإنما قام معهد العالم العربي بتجواله على ستة مدن أوروبية بما فيها باريس وكدنا أن نقدمه في الولايات المتحدة الأميركية لو لا الضربة على الخرطوم.

سامي كليب: حين تقول زار المعرض 400 ألف شخص مثلا معظمهم من الأجانب، من الفرنسيين والغربيين؟

بدر الدين عرودكي: الحقيقة أن هذه المعارض هي ولع للجمهور الفرنسي وللجمهور الأوروبي ولذلك أستطيع أن أقول بدون أي مبالغة أن 95% من زوار هذه المعارض هم من الفرنسيين أو من الأوروبيين.

سامي كليب: حضرتك طبعا عربي ورافقت هذا المعهد منذ تقريبا نشأته حتى اليوم، هل فهم العرب أهمية هذا المعهد برأيك؟

بدر الدين عرودكي: سأكون صريحا وسأقول إن فئة قليلة من المثقفين أدركوا هذا الدور الكبير والهام والاستثنائي لمعهد العالم العربي، لكنني لا أستطيع أن أقول إن هذا الفهم يمتد على مساحات واسعة من فئات المسؤولين أو من العاملين حتى في الحقل الثقافي، أهمية هذا المعهد لم تدرك بعد ولو أنها أدركت لما عانى المعهد من شتى المشكلات التي عانى منها خلال العشرين أو الثلاثين السنة الماضية.

مراسل في القاهرة وبيروت


سامي كليب: دومينيك بوديس رئيس معهد العالم العربي حاليا لم يأت إلى رئاسة هذا المعهد من عدم، فهذا الصحفي والسياسي المعتق يدرك حساسية العلاقة مع العالم العربي وشبان الضواحي أكثر من غيره، فهو عاش سنوات في الشرق الأوسط مراسلا صحفيا وغطى حرب عام 1973 وتعرف على قادة المنطقة وصادق بعضهم وعاد من هناك بصور كثيرة التقطتها كاميرته، حيث أن التصوير هو من بين هواياته، وهناك في شوارع القاهرة وبيروت أحب أغاني أم كلثوم.

دومينيك بوديس: كنت في بيروت وفي القاهرة في أكتوبر عام 1973 كان ملفتا في القاهرة الفخر الكبير عند الشعب المصري الذي احتفل بنجاح جيشه في عبور قناة السويس والتمركز على الضفة الشرقية للقناة في صحراء سيناء على الأرض المصرية وشعرنا بأن أول أيام حرب أكتوبر عام 1973 محت كل الإهانات التي تعرض لها المصريون في نزاعات أخرى خاصة في عام 1967.

سامي كليب: خصوصا في 1967.

دومينيك بوديس: في أكتوبر عام 1973 شعرت بهذا الفخر وقلت لنفسي إن هذا الإحساس الجديد بالفخر قد يسمح للرئيس المصري بفتح قنوات الحوار الذي أصبح ممكنا من جديد للتوصل إلى السلام.

سامي كليب: نعرف أن فرنسا، طبعا حضرتك كنت مراسلا ولا شك أنك كنت بشكل عام تحاول أن تبحث عن الموضوعية، ولكن فرنسا كأي مجتمع غربي كانت منقسمة، جزء قليل ربما مع العرب وجزء أكبر مع إسرائيل. أنت كيف كنت؟ يعني بأي ناحية، أقرب إلى إسرائيل أم أقرب إلى العرب حيث عشت؟

دومينيك بوديس: لا أؤمن بمصطلح الموضوعية الذي يستعمل أحيانا بشأن الصحفيين، على الصحفي أن يكون موضوعيا، لا يستطيع فعل ذلك لأنه ينظر إلى الأمور برؤيته، طبعا بما أنني عشت أزمة الشرق الأوسط، وكنت إما في بيروت أو دمشق أو القاهرة نظرت إلى أزمة الشرق الأوسط انطلاقا من البلدان العربية لذا لم أمتلك الموضوعية، لكن من يستطيع أن يكون موضوعيا؟ الذي كان مراسلا في إسرائيل نظر إلى الأزمة من وجهة نظر إسرائيل. ما يستطيع المرء فعله وما يتوجب عليه فعله هو أن يكون صادقا في نقل المعلومات وأن يقول ما يعرفه، وأن يظهر ما رآه وأن لا يخفي شيئا لأن هذا يتنافي مع الآراء والمشاعر الموجودة لدى البعض، وقد حاولت في تغطيتي أزمة الشرق الأوسط وفي تغطية الأحداث في لبنان، وكان ذلك صعبا جدا، حاولت أن أنقل ما رأيته ولاحظت عبر الصورة والتعليق وبأصدق طريقة ممكنة وتركت جانبا المشاعر التي قد تخالجني أحيانا.

سامي كليب: في لبنان عمل دومينيك بوديس حين أرسل للقيام بالخدمة العسكرية الإلزامية وفيه عرف براعم عمله الصحفي حيث كان مذيعا في الإذاعة والتلفزة اللبنانيتين باللغة الفرنسية، وبفضل ذلك العمل وسع إطار اهتماماته ليصبح مراسلا في الشرق الأوسط ثم مذيعا نجما في القناتين الثانية والثالثة الفرنسيتين، وحين اشتدت وطأة الحرب في لبنان كاد يقتل هناك لولا طول العمر.

دومينيك بوديس: حصل ذلك بطريقة طبيعية جدا، مثل كل الصحفيين الذين أصيبوا في لبنان في الحياة اليومية. قطنت شارع الحمراء إذاً في بيروت الغربية قرب صحيفة "لوريال جور" وقرب وزارة الإعلام وإذاعة لبنان.

سامي كليب: الشارع الرئيسي.

دومينيك بوديس: نعم، كان هناك من جهة مبنى الإذاعة والتلفزيون الفرنسيين ووكالة الصحافة الفرنسية، سكنت في المبنى المقابل، كان ذلك سهلا، كان يكفيني أن أقطع الشارع. في يوم ما وأثناء عبوري الشارع كانت هناك دورية مسلحة تطارد دورية مسلحة أخرى، لم يعتدوا علي شخصيا، حل الظلام ورأوا خيالا يمر وظنوا أنني من يبحثون عنه وأطلقوا علي النيران.

سامي كليب: جرحت أين في جسدك؟

دومينيك بوديس: أصبت في فخذي وكتفي، حالفني الحظ كثيرا حيث وقفت خلف شجرة وبما أنني أعرف ذلك الشارع بالضبط سرعان ما وجدت ملجأ أحتمي فيه ثم صرخت، أنا صحفي فرنسي وفقدت صوتي، من شدة صراخي أوقفوا إطلاق النار، عندها أدركوا أنهم أخطؤوا وأتوا ليأخذوني ولما وجدوني أنزف نقلوني إلى المستشفى.

سامي كليب: هل تخليت عن فكرة الاستمرار في تغطية الحرب أم استمريت، هل خفت؟

دومينيك بوديس: اقترح علي التلفزيون العودة إلى باريس لبضعة أسابيع كي استريح لكنني فضلت المتابعة، لم تكن إصابتي خطرة لذا استطعت التنقل. عندما يقع المرء من فوق الحصان يقال إنه لن يمتطي الحصان أبدا إذا لم يركبه على الفور، أردت متابعة العمل وتغطية الأحداث لأنني لو تركت العمل آنذاك لما تحليت بالشجاعة للاستمرار لاحقا لذا تابعت العمل فورا ثم توقفت عنه بعد ستة أو ثمانية أشهر.

سامي كليب: كبوة الحصان في بيروت لم تثن دومينيك بوديس عن متابعة مهنة المتاعب، وتعلم في الشرق الأوسط الكثير من التاريخ، نجد ما تعلمه اليوم في كتبه ورواياته العديدة فهو كتب عن التاريخ الصليبي وعن صلاح الدين والقدس وعن حملات نابليون على مصر ولكنه أراد أن يقول إن التاريخ كان جائرا وإن الاستعمار والانتداب ومصالح الآخرين ضربت البلد الصغير بقدر ما ضربه أهله.

دومينيك بوديس: سأخبرك بقصة، عندما كنت في لبنان خلال الأشهر الأولى من الحرب سكنت في قرية تقع قرب جونيه اسمها طبرجة، قرية يقطنها تقريبا مسيحيون موارنة بالكامل، كانت المعارك مدمرة في بيروت على مقربة من  هناك، حزب الكتائب قاتل فتح، كان هناك المرابطون مع فتح ضد ميليشيات مسيحية، دلني سكان القرية على آفاق المتوسط وسألوني متى تصل البوارج الفرنسية لإنقاذنا؟ كانوا يحقدون علي، كنت صحفيا لم أكن حاكما، حقدوا علي، سألوني لما لم تأت السفن الفرنسية لحمايتنا؟ كانوا يذكرون مرجعا تاريخيا وهو إنزال في عهد نابليون الثالث عام 1860 عندما أتى جنود فرنسيون لحماية مسيحيين موارنة بسبب المجازر التي وقعت بين الدروز والموارنة، كان الأمير عبد القادر في دمشق وقد حمى أيضا مسيحيي دمشق.

سامي كليب: حضرتك، طبعا في إحدى رواياتك قصة مقاربة ومشابهة حين وصل الفرنسيون إلى الشواطئ اللبنانية عبر التاريخ واستدعوا راهبا مسيحيا من آل يمنين، مارونيا، وسألوه ما الذي حصل؟ فقال لهم إن الفرنسيين تركونا وقد قام العثمانيون بمجازر ضدنا. لماذا لم تأتوا؟

دومينيك بوديس: المذهل في لبنان هو غنى هذا البلد الذي غالبا ما يشكل هذا التنوع نقطة ضعفه، لبنان ذو المساحة الصغيرة جدا يجمع 17 طائفة دينية مختلفة وما من بلد آخر في العالم يمتد على هذه المساحة الصغيرة يتعايش فيه مواطنون بهذا التنوع، صحيح أن هذه الطوائف بحثت أحيانا في التاريخ عن دعم وحماية بلد أجنبي لأنها كانت أو خشيت أن تكون ضحية اعتداءات طائفة أخرى. إذاً تقليديا كانت فرنسا تحمي الموارنة وبريطانيا الدروز ثم حمت اليونان وبعدها روسيا الأرثوذكس وكان لدى السنة والشيعة حماتهم أيضا، كانت لدى كل طائفة دينية قوى أجنبية تحميها، هذا مستمر بطريقة أخرى. هناك تأثيرات تلعب دورا، مثلا نعلم أن إيران وسوريا تطور علاقات قوية مع حزب الله، نعرف أنه غالبا ما يريد ساسة من الموارنة علاقة صداقة وتقارب مع فرنسا، ما زالت هناك تلك العلاقة التي تستطيع أي طائفة أن تطورها مع قوة سياسية أجنبية معينة. أتمنى بقوة أن لا يحتاج اللبنانيون ذات يوم إلى الاتكال على قوى أجنبية وأن يتمكنوا معا من تقبل تنوعهم وأن تغلب إرادة العيش المشترك على قوى التشرذم لأنه غالبا ما تساهم القوى الأجنبية أيضا في التحريض على الآخر.

[ فاصل إعلاني]

قضايا عربية في عمل دومينيك وفي رواياته


سامي كليب: التاريخ يكرر نفسه، وفي التاريخ الحديث تعرف دومينيك بوديس حين كان صحفيا في الشرق الأوسط على الرؤساء الراحلين أنور السادات وياسر عرفات وحافظ الأسد وغيرهم من قادة المنطقة وتبقى صور عرفات والسادات راسختين في المخيلة.

"
ياسر عرفات كرّس حياته كلها للقضية الفلسطينية، وأنور السادات وهب حياته كي يستعيد للشعب المصري كبرياءه وأرضه
"
دومينيك بوديس:
حالفني الحظ وشرفت بلقاء ياسر عرفات خمس أو ست مرات وأنور السادات أربع أو خمس مرات في غضون ثلاث أو أربع سنوات لذا استطعت أن أقيس من عام إلى آخر أو من فصل إلى آخر طريقة تطورهما وكيف كانا يعيدان توجيه الإستراتيجية، استطعت التحدث إليهما مطولا بعيدا عن المقابلة التلفزيونية، قبلها أو بعدها، وهما من أكثر الشخصيات التي تأثرت بها لما يتمتعان به من قناعة وشجاعة، فقد كرس ياسر عرفات حياته كلها للقضية الفلسطينية، كما وهب أنور السادات حياته في النهاية كي يستعيد للشعب المصري كبرياءه وأرضه وأيضا كي يتقدم صوب السلام.

سامي كليب: لا شك أن الشجاعة والقناعة اللتين تتحدث عنهما ذكرتهما مطولا في كتابك الذي لم أجده في الواقع للأسف في صيغته الحالية، "الموت بالكفية" أو الكوفية، ما الذي دفعك لكتابة هذا الكتاب الذي تتحدث فيه عن القضية الفلسطينية؟

دومينيك بوديس: ألفت هذا الكتاب بعد وفاة صديق اغتيل في باريس وكان ممثل منظمة التحرير الفلسطينية عز الدين قلق أو سفير منظمة التحرير الفلسطينية التي يتزعمها ياسر عرفات، قتل ممثل لفلسطين في باريس في مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية على يد فلسطينيين آخرين تابعين لجبهة الرفض وذلك استكمالا لعملية وقعت في السفارة العراقية قبل أيام..

سامي كليب: كان أبو نضال.

دومينيك بوديس (متابعا): مع فلسطينيين وتبادل ناري قتل خلاله شرطي فرنسي آنذاك كنت أقدم النشرة الإخبارية، خلال تلك الأيام الثلاثة أو الأربعة كانت العناوين الأساسية للنشرات الإخبارية المتلفزة تتناول تلك النزاعات.

سامي كليب: هل حضرتك الذي أذاع خبر وفاة أو مقتل صديقك عز الدين قلق؟

دومينيك بوديس: نعم، تماما، وكما علمنا بالخبر خلال النشرة الإخبارية، كنت أقدم النشرة الإخبارية وأحضروا لي برقية، لم أصدق ما رأيته، قرأت الخبر على الهواء وكنت مضطربا لأنه كان شابا يتسم بالشجاعة والحماسة لم تكن لديه حماية ولم يردها مع أنه عرف أنه معرض للخطر، لكنه لم يتصور من أي جهة سيأتي من يقتله. وبعد وفاته أردت توضيحا، قال لي العديدون لا نفهم كيف يقتل فلسطيني على يد فلسطينيين آخرين، ما معنى ذلك؟! إذا يعجز العرب عن التفاهم، أردت تفسير تاريخ الشعب الفلسطيني من خلال مصير عز الدين قلق والذين قتلوه، لماذا انتقل الشباب الفلسطينيون من النضال في منظمة التحرير الفلسطينية إلى جبهة الرفض؟ وكيف توصلوا تدريجيا إلى اعتبار أشقائهم الفلسطينيين في منظمة فتح كألدّ أعدائهم وقتلهم في النهاية؟ كان ذلك تضاربا غير معقول من خلال مسار هؤلاء الرجال الذين تعرفت إليهم عبر المحاكمات، حيث ألقي القبض عليهم وحوكموا في محكمة الجنايات، عندما تحول قضية ما إلى محكمة الجنايات يستغرق التحقيق وقتا طويلا جدا، كان هناك ملف يتناول طفولتهم وكيف انتسبوا إلى منظمة معينة وكيف تلقوا الأوامر بقتل عز الدين قلق ممثل منظمة التحرير الفلسطينية بباريس قبلها بثلاثة أيام، طبعا لم تكن عملية سهلة وواضحة لكنهم اضطروا إلى تنفيذها بسبب تلقي الأوامر والقسم على الطاعة، كل هذا معقد جدا ولديه أبعاد إنسانية قوية جدا، وأردت أن أخبر المصير المأسوي لهؤلاء الأجيال.

سامي كليب: هل قرأه عرفات؟

دومينيك بوديس: ما بعرف.

سامي كليب: في أثناء تصوير هذه الحلقة مع رئيس معهد العالم العربي دعانا دومينيك بوديس لمرافقته لمجلس الشيوخ لتسلم جائزة، وفي خلال المشوار الجميل في شوارع العاصمة الفرنسية بين ضفة نهر السين اليسرى التي يستلقي عليها المعهد العربي وضفته اليمنى التي يشمخ فوقها البرلمان العريق ذكريات لابن العائلة السياسية الذي كان يرافق والده إلى مجلس الشيوخ وهو في سن الثانية عشر, وفي خلال هذه الرحلة تعرفنا على زوجته الجزائرية الأصل وبعدها حكى لنا قصته مع قناة المنار التابعة لحزب الله، فهو الذي سمح ببث برامجها حين كان رئيسا للمجلس الفرنسي للإعلان وهو الذي منع البث، فأحدث ضجة ثم أزالها.

دومينيك بوديس: بثت قناة المنار برامجها في فرنسا وأوروبا والولايات المتحدة وفي العالم بأسره من دون أي اتفاق قانوني، إذاً كان بثا عن طريق القرصنة وغير مطابق للقانون، انصب دوري على تطبيق القانون، قلت لقناة المنار لا يمكنكم الاستمرار بالبث بهذه الطريقة أنتم بحاجة إلى اتفاق وتوقيع عقد مع سلطة تنظيم وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وقعت مع المسؤولين عن قناة المنار على اتفاق يعترف لهم رسميا ببث برامجهم، ونحن البلد الوحيد الذي وقع على اتفاق يعترف رسميا بحقوق بث قناة المنار، ويمكنك أن تتصور أنني وقعت ضحية لانتقادات كثيرة.

سامي كليب: أعطني بعض الأمثلة.

دومينيك بوديس: مثلا قال سياسيون وصحفيون إن دومينيك بوديس رئيس المجلس الأعلى لوسائل الإعلام المرئي والمسموع أعطى تأشيرة دخول لقناة حزب الله، وأجبت على ذلك قائلا هناك حرية الإعلام، وإذا احترمت وسيلة الإعلام اللوائح والحقوق لا يوجد سبب دون الاعتراف بوجودها وجعله رسميا، لكن هذا الاعتراف الرسمي بحق بث قناة تلفزيونية أكانت المنار أو غيرها يتضمن أيضا واجبات حيال هذه القناة، تدخل الحرية في إطار الأنظمة وأحد الشروط عدم الدعوة إلى العنف أو مدح للعنف أو الإرهاب، وقد تضمنت برامج المنار فقرات ونداءات وشعارات ومقابلات دعت بوضوع وبجلاء مشاهدي تلك البرامج إلى الإقدام على أعمال إرهابية. وقضائيا بصفتي رئيس لسلطة تنظيم وسائل الإعلام المرئي والمسموع لم نستطع القبول بذلك.

سامي كليب: تقول إنها تحث على أعمال أو تشجع على أعمال إرهابية، هل حزب الله أو قناة المنار تشجع على أعمال إرهابية أو على أعمال مقاومة في الواقع؟ هل لديك بعض الأمثلة المحسوسة؟

دومينيك بوديس: كانت أعمال لها علاقة بالإرهاب أكثر مما لها بالمقاومة، مثلا حث الشباب على اقتراف عمليات انتحارية ضد المدنيين، مثلا رأينا مقابلة مع شاب مغطى الوجه يقول فيها غدا سأموت في عملية انتحارية في تل أبيب أو حيفا، بما أنني سوف أموت غدا يجب أن يحل محلي شاب آخر للقيام بالعمل ذاته. بعد وقوع العملية الانتحارية كانوا يبثون المقابلة وقد قدموا المقابلة على أنها لقاء مع بطل شهيد مات في هذه العملية الانتحارية لكنه قتل أيضا نساء وأولادا من حوله، وظهر شاب آخر ليحل محله، وبنظر القانون ودور تطبيق القانون، بنظر القانون لم نستطع القبول ببث هذه البرامج في فرنسا. إذاً كنا أول بلد والبلد الوحيد الذي أعطى المنار إذنا رسميا لبث برامجها، وقد تلقيت لوما كبيرا، لكن القانون نص على منحها هذا الإذن شرط أن يتم احترام الأنظمة، لسوء الحظ في بعض البرامج لم تحترم المنار تلك الأنظمة فسحبت الأذن الذي منحته لها.

سامي كليب: طبعا سنتحدث عن معهد العالم العربي وليس عن هذه القضايا لأنها بحاجة إلى نقاش طويل، ولكن أود أن ترد على بعض الاتهامات بشأنك التي قرأت جزء منها في بعض مواقع الإنترنت في الواقع، بعضها يقول إنك كنت ممثلا لفريق تجاري تابع لجورج بوش وأسامة بن لادن وأنك عضو في لجنة الشرف لجمعية فرنسا إسرائيل، ما هي حقيقة ذلك؟

"
كوني أكنّ للبلدان العربية الاهتمام والعطف والصداقة لا يعني أنني عدو لإسرائيل
"
دومينيك بوديس:
لا علاقة لي بأسامة بن لادن أو جورج بوش، عندما تقول لي إنها مواقع موضوعية وذات معلومات دقيقة أشك في ذلك، فيما يتعلق بإسرائيل كنت على مدى زمن طويل أي 18 عاما عمدة لتولوز وهي مدينة تقع في جنوب فرنسا، هناك توأمة بين مدينة تولوز ومدينة تل أبيب وبصفتي عمدة تولوز سافرت عدة مرات إلى إسرائيل، وبصفتي أيضا عمدة تولوز زرت عمدة تل أبيب، لكني بصفتي عمدة تولوز سافرت أيضا إلى القاهرة وإنجامينا وأتلانتا وتشونكن في الصين، تقوم التوأمة مع مدن مختلفة من بلدان مختلفة، إنها تبادلات ثقافية واقتصادية وشبابية، كوني أكن للبلدان العربية الاهتمام والعطف والصداقة لا يرغمني على أن أكون عدوا لإسرائيل، هذا لا يمنعني من إصدار حكم على السياسة التي قد تمارسها حكومة معينة في بلد ما لكن كوني صديق العرب لا يرغمني ولم يرغمني يوما على قطع علاقاتي وحواري مع سلطات مدينة مثل تل أبيب التي كانت متوأمة مع تولوز، كوني صديق العرب لا يعني أنني عدو لليهود أو الإسرائيليين.

سامي كليب: إذا كانت قضية تلفزة المنار والعلاقة مع إسرائيل جعلت بعض السهام العربية تطلق على دومينيك بوديس فإن رئيس معهد العالم العربي سرعان ما أنسى الناس ذلك من خلال تجديده لعلاقاته العربية وزياراته المتكررة إلى المنطقة بغية إنقاذ العالم العربي، أو من خلال رواياته وكتبه التي حملت في حناياها جزء من التاريخ الصعب بين الغرب والعالم العربي.

دومينيك بوديس: عندما أنهيت الرواية التي تحمل عنوان "المؤامرة" والتي تنتهي باستيلاء صلاح الدين على القدس، كنت أتلو المعارك حول القدس، كان ذلك بعد بضعة أيام من الأحداث التي تسبب بها وصول آرييل شارون إلى ساحة المسجد الأقصى، على مدى أسابيع حصلت مواجهات عنيفة جدا حول القدس ورأينا على التلفزيون أسوار المدينة وتقاتل الناس حول أسوار القدس، وكنت أكتب عن استرداد صلاح الدين للقدس، وصفت الأسوار والأبراج، كانت في مخيلتي وفي الوقت ذاته رأيتها على التلفزيون فيما تابع الرجال القتال حول تلك الأسوار.

الجهود لإنقاذ معهد العالم العربي


سامي كليب: كان دومينيك بوديس رئيس معهد العالم العربي يروي كل تلك الصور التي حملتها رواياته وكتبه عن المنطقة حين تناهت إلى مسامعنا جلبة الناس في المعهد، قراء في المكتبات وزوار في المعارض والمتاحف وسياح أجانب وفرنسيون يريدون معرفة المزيد عن التاريخ العربي والإسلامي، وناشرون يمهدون لتوزيع كتبهم. تذكر دومينيك بوديس المهمة الصعبة الملقات على عاتقه،كيف يمكن إنقاذ المعهد من كبواته المالية؟ كيف يمكن إقناع العرب بأن هذا الصرح الثقافي مهم لهم، لأنه لا مثيل له في الغرب؟

دومينيك بوديس: هذا المعهد رائع، نحن نحتفل بالذكرى العشرين لمعهد العالم العربي، لدينا مليون زائر سنويا، نحن دار لثقافة العالم العربي، الثقافة بكل أشكالها، المتاحف المعارض المكتبة المسرح السينما الموسيقا، في الوقت ذاته إنها دار يرتادها الناس هي مليئة بالناس من أجيال ومن أصول مختلفة يأتون إلى هنا للتعرف أو لاكتشاف أو تعميق معلوماتهم عن ثقافة العالم العربي، هذه دار تلعب دورا مفيدا جدا في مجالين، العلاقة بين البلدان العربية وفرنسا وبين البلدان العربية وأوروبا وداخل المجتمع الفرنسي، هذه دار تعمل على خدمة التلاحم في المجتمع الفرنسي، إذاً أنا أؤمن كثيرا بمهمة المعهد رغم أن وضعه المالي والمادي كان سيئا.

سامي كليب: هل أعطيتني بعض الأمثلة لو سمحت؟

دومينيك بوديس: عشرون عاما من الوجود وعشرون عاما من العجز المتواصل، إن معهد العالم العربي موجود منذ عشرين عاما ولم تكن الميزانية كافية في إحداها.

سامي كليب: ماذا كان السبب؟

دومينيك بوديس: الوسائل لم تكن بمستوى نشاطاتنا، ما عادت بعض البلدان تدفع حصتها، كما غابت العلاقة مع عالم الاقتصاد وأيضا مع البلدان العربية. عندما يكون المرء مديرا لمعهد العالم العربي عليه أن يذهب إلى العالم العربي يجب أن لا ينتظر أن يأتي إليه العالم العربي في باريس، منذ بدأت أمارس مهمتي أسافر عدة مرات شهريا لحضور مؤتمرات أو لقاءات وزارية أو مهرجان أو حدث معين، أمضي نصف وقتي في البلدان العربية وهذا طبيعي، طبعا نحن معهد العالم العربي في فرنسا لكننا على علاقة بالبلدان العربية. عندما التقيت الأمين العام للجامعة العربية في القاهرة في بداية عهدي قال لي إن معهد العالم العربي دار جميلة وهو مهم في نظرنا لكنه بعيد لذا عليكم المجيء إلينا. لذا أقترح الآن على البلدان العربية أن ينظموا أحداثا لتقديم المعارض عن الفن المعاصر لفنانين عرب، هذا ما فعلناه في الجزائر العاصمة قبل أسابيع، معارض، أفلام، موسيقا، أشياء مختلفة وموجودة هنا ويمكننا عرضها في البلدان العربية.

سامي كليب: لنتحدث عن بعض الأمثلة المحسوسة، يعني مثلا ليبيا زرتها حضرتك مؤخرا وقابلت بعض المسؤولين الليبيين ونعرف أن ليبيا كانت توقفت عن الدفع لفترة طويلة بسبب الحصار المضروب عليها بسبب علاقتها السيئة مع فرنسا. طيب ليبيا العراق الصومال، طبعا لا نتحدث عن الصومال بسبب وضعه الكوارثي، ولكن هل هذه الدول بدأت تغير رأيها، بدأت تدفع الآن؟

دومينيك بوديس: نعم، تتغير الأمور، ما كان بوسعنا القبول بوضع غابت فيه العلاقات بين بلدان عربية مهمة ومعهد العالم العربي. عندما استلمت مسؤولياتي سافرت إلى ليبيا والتقيت المسؤولين في حقل الشؤون الخارجية والثقافة وأيضا التقيت العقيد القذافي في نهاية زيارتي، قلت لهم، لنعد بناء الصلة بين ليبيا ومعهد العالم العربي.

سامي كليب: مهم الأمر، حدثنا ما جرى بينك وبين العقيد، ماذا قال لك؟

دومينيك بوديس: تم إبلاغ القذافي بالحوارات التي أجريتها مع أعضاء حكومته وشجعني على تطوير نشاطات معهد العالم العربي كما لفظ بعض الكلمات اللطيفة عن طريقة إدارتي لهذه الدار، قال لي أرى إنك تريد إدخال الدينامية والنشاط إلى المعهد وتريد إعادة بناء علاقات إيجابية مع بلدنا، وأنا موافق على هذه المبادرة.

سامي كليب: هل صحيح أنك قلت له إنه بفضل أفكار كأفكارك قام معهد العالم العربي في فرنسا؟

دومينيك بوديس: إذا قرأت ذلك في وكالة أنباء ليبية فإن ذلك صحيح بالتأكيد.

سامي كليب: العلاقات مع ليبيا تحسنت ومع غير ليبيا أيضا، ذهب دومينيك بوديس إلى طرابلس وجاء العقيد معمر القذافي إلى فرنسا، وحين كنا نجري هذه المقابلة كان وفد ليبي يزور المعهد حيث تم الاتفاق على أن تدفع ليبيا نصف ديونها البالغة حوالي 15 مليون يورو ولكن الوفد رفض أن نصوره، وثمّ اتصالات أخرى مع العراق واليمن، هذه الدول كانت أرجأت دفع مستلزماتها لمعهد العالم العربي الذي ساهم في انتشار الكتاب والثقافة والفن والعلوم عند العرب، لا بل ساهم أيضا في التأثير إيجابا على بيع الكتاب العربي في باريس وفق ما يقول لنا هاشم معاوية صاحب مكتبة ابن سينا أشهر المكتبات العربية المجاورة لمعهد العالم العربي.

هاشم معاوية/ صاحب مكتبة ابن سينا: أنا بتصور معهد العالم العربي كمان لعب دور كثير أساسي هون بالميدان حتى توزيع الكتاب وكذا، بس معهد العالم العربي جاء في فترة متأخرة  عن مكتبة ابن سينا، يعني نحن موجودين من 1980 بـ 1987 جاء معهد العالم العربي، أعطى دفعا للمبيع للكتاب وأعطى حتى دفعا لمكتبة ابن سينا. هلق في ما يسمى تنافس موجود بس ولكن استفدنا أكثر بوجود معهد العالم العربي لأنه جلب كثيرا من الناس إلى الحي، يعني كثير ناس بدها تجي على معهد العالم العربي لأنه معلم سياسي، فكثير ناس بتمرق من قدام المكتبة، في ناس صارت تعرف المكتبة مثل كأنه صار نوع من الإعلان الزايد لمكتبة ابن سينا، وبعد افتتاح معهد العالم العربي نحن كمان لجأنا إلى افتتاح قسم آخر لمكتبة ابن سينا مخصص فقط للكتاب العربي، فإذاً عندنا مكتبة ابن سينا القسم الفرنسي وبعد افتتاح معهد العالم العربي لقوة الطلب على الكتاب العربي افتتحنا مكتبة أخرى خاصة بالكتاب العربي.

سامي كليب: المشاكل المالية هي التي يسعى دومينيك بوديس منذ وصوله إلى رئاسة معهد العالم العربي لتذليلها وهو سارع إلى إحداث تغييرات إدارية داخلية وانكب على توضيح صورة المصاريف وضبطها ويعمل على إقناع الشركات الفرنسية الكبيرة بمساعدة المعهد، وقد بدأت بوادر الانفراج تظهر في التصريحات والإحصاءات، والمعروف أن الإبقاء على المعهد هو قبل كل شيء قرار فرنسي وإلا لتوقفت فرنسا عن الدفع ولانهار المعهد، فهل أن الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي مهتم بثقافة العالم العربي كما اهتم قبله الرئيس جاك شيراك؟

دومينيك بوديس: عندما تنظر إلى جدول أعمال نيكولا ساركوزي رئيس الجمهورية منذ انتخابه في شهر مايو الماضي تلاحظ أن ثلثي الوقت الذي يكرسه للسياسة الخارجية خصص للعلاقات مع البلدان العربية، التقى تقريبا كل قادة العالم العربي من المغرب أو المشرق أو الخليج أو مصر إما في باريس وإما في بلدانهم، ما فاجأ العديدين الذين تصوروا أن نيكولا ساركوزي سيتجه حصريا صوب الولايات المتحدة وإسرائيل وأنه سينسى علاقة الصداقة التقليدية بين فرنسا والعالم العربي، لكن قطعا لا، إن ثلثي جدول أعماله الدبلوماسي مكرس للعالم العربي، إن مشروع الاتحاد المتوسطي مشروع عزيز على قلبه والعلاقة مع البلدان العربية بشكل عام، بلدان المتوسط والخليج في قلب أهداف الدبلوماسية الفرنسية، وأنا مقتنع بذلك، كما أن جدول أعماله وبرنامج زياراته يبرز ذلك.

سامي كليب: نيكولا ساركوزي مهتم بمعهد العالم العربي، وقبله وضع جاك شيراك المعهد في صلب اهتماماته وقبلهما وضع فرانسوا ميتران اللبنة الأولى لإنشاء المعهد، والفكرة جاءت أصلا في عهد الرئيس السابق فاليري جيسكار ديستان كلهم اهتموا بالمعهد وأنقذوه من موت محتم. فماذا عن العرب؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة