جوليان فايس.. سحر الشرق   
الثلاثاء 27/7/1429 هـ - الموافق 29/7/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:38 (مكة المكرمة)، 12:38 (غرينتش)

- عن الحياة في حلب
- الترحال في عالم الروحانيات والموسيقى
- إنشاء فرقة الكندي والتعمق في التراث الموسيقي الشرقي
- الموسيقى الصوفية والعلاقة بين الموسيقى والإسلام

عن الحياة في حلب

سامي كليب
 
جوليان فايس

سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة. الشرق سحر ضيفنا الفرنسي فاستقر فيه والإسلام دغدغ روحه فاعتنقه، أما تراثنا الموسيقي الشرقي والإسلامي فهو الذي طوره أبدع تطوير، يسعدني أن أستضيف الفنان الفرنسي الصوفي جوليان فايس وإن شئتم جلال الدين أو جوليان العربي.

جوليان فايس: أنا فنان موسيقي أنا أعزف القانون من ثلاثين سنوات، ثلاثين سنين.

سامي كليب: ثلاثين سنة.

جوليان فايس: ثلاثين سنة عفوا. أنا فنان فرنسي أعيش في حلب مقيم في حلب من 15 سنة، أنا أعزف قانون عندي فرقة فرقتي اسمها فرقة الكندي، أنا عندي بيت في حلب في منطقة اسمها باب قنسرين.

سامي كليب: باب قنسرين، وبيت جميل جدا.

جوليان فايس: هذا بيت مملوكي.

سامي كليب: من أيام المماليك.

جوليان فايس: ستمائة سنة.

سامي كليب: ستمائة سنة!

جوليان فايس: أيوه تقريبا. هون في روح كثير في.. كان هذا البيت لواحد ملك وبعدين هذا البيت لواحد شيخ واحد ديديه كان واحد ديديه مولوي سكن هناك قبل خمسمائة سنة.

سامي كليب: آه والله كمان، يعني في روح دينية.

جوليان فايس: أيوه كثير.

سامي كليب: طيب خلينا نعمل Interview بالعربي [كلمة أجنبية].

جوليان فايس: [كلمة أجنبية] ممكن، ممكن، بس ما حلو كثير، فهمت؟

سامي كليب: كنت أود أن نجري هذا الحوار باللغة العربية مع الفنان الفرنسي المعتنق الإسلام جوليان فايس، ولكن خلافا لتعمقه في تراثنا الفني والثقافي والفلسفي الإسلامي والعربي فإنه لم يتعمق كثيرا في أصول اللغة ومفرداتها إلا ما يستخدمه في حياته اليومية. والناس هنا في حلب يحبون جوليان فايس ويستقبلونه في محالهم وبيوتهم كواحد منهم وكانت مقدمة هذا الحوار حديثا عن سبب إقامته هنا في هذه المدينة السورية العريقة.

جوليان فايس: لقد أسست فرقة موسيقية منذ ثلاثين سنة فرقة الكندي وهو اسم فيلسوف عاش في دمشق وحلب وسكان حلب معروفون بتمكنهم من الموسيقى التقليدية وتعتبر حلب عاصمة مهمة للموسيقى العربية الأصيلة حيث كان أهلها يقومون بصناعة آلة القانون بدقة فائقة وهذا أمر فريد جدا في العالم العربي لذا جئت إلى هنا للمرة الأولى عام 1985 واشتريت هذا المنزل قبل 15 سنة للإقامة بجوار الموسيقيين الذين أعمل معهم.

سامي كليب: هل تناسبك الحياة في حلب؟ هل تحبها؟

جوليان فايس: طبعا أحب المنزل والمدينة، السكان لطفاء جدا، العيش هنا ممتع جدا. عندما أسافر في كل أرجاء العالم وأعود أستمتع بالهدوء ومنظر العصافير، الساحة.

سامي كليب: سيد جوليان فايس تعيش هنا في حلب ولك علاقات كثيرة وتقبلت هذه المدينة وعشقت أهلها وجزءا كبيرا من موسيقييها ومن أيضا الصوفيين ومن المؤذنين ومن مجودي القرآن الكريم، ولكن هل هم تقبلوك بسهولة في البداية يعني ولا كان الأمر صعبا حين وصلت؟

جوليان فايس: في الواقع كان الأمر صعبا جدا ولكنه جرى طوال سنوات عدة تدريجيا حتى أنني بدأت أدرس آلة القانون في دول مختلفة مثل مصر والعراق وسوريا ولبنان وتونس وتركيا وعندما أسست الفرقة الموسيقية الكندي عام 1983 عملت مع الموسيقيين العرب المقيمين في باريس ثم مع الموسيقيين الذين يسكنون في سوريا وتونس مثلا ثم في العالم العربي كله، جرى الأمر تدريجيا خطوة خطوة وطبعا في البداية سمعت التشكيك فهناك من قال إن هذا الفرنسي لن ينجح في عزف الموسيقى فهناك روح الطرب وما شابه، ومر الوقت وعوضا عن الشعور بالإحباط والقول إنني عاجز عن عزف هذه الموسيقى أردت المتابعة ورحت أعمل مع هذا وذاك، مع الأفضل، أفضل عازف ناي، مثل قدري دلال في حلب وعبد السلام صفاء الذي تُوفي في دمشق والذي كان برأيي أفضل عازف ناي في العالم العربي خاصة في التقاسيم، ومع العازفين الممتازين، محمد قدري دلال، عازف الناي وقائد الفرقة الموسيقية في تونس. تعلمت أفضل مما تعلمت في المدرسة بالعزف مع أشخاص رفيعي المستوى واخترت موسيقى متخصصة وبالتالي كونت تجربة تدريجيا ثم عملت في بغداد مع منير بشير كطالب درست المقام كان هو يعزف العود وأنا القانون وقد علمني.

سامي كليب: نحن أعزائي المشاهدين في حلب، جوليان فايس اختارها منذ 15 عاما مكانا لإقامته ومنها يسافر بين حين وآخر إلى اسطنبول ثم يجول على دول العالم. من هنا ينفض هذا الفنان الفرنسي الذي اعتنق الإسلام ينفض الغبار عن تراث موسيقي وثقافي لا بل وفلسفي أيضا ليقول للعالم إن العرب كانوا يوما ما ذوي فضل كبير على الموسيقى والفن والثقافة في هذا العالم. هنا في بيته المتربع وسط المدينة القديمة والذي وصلت إليه عبر ممرات تاريخية عريقة اكتسب جوليان فايس لقب جوليان العرب أو جلال الدين تيمنا بجلال الدين الرومي وهنا حول المكان إلى ملتقى للثقافة والفن والتراث والتصوف.

جوليان فايس: كونت مركزا ثقافيا خاصا خياليا ومجانيا قدمت الحفلات الموسيقية المنتظمة طوال 15 عاما، أجل وكانت عبارة عن تمارين مستمرة، الأفكار التي أضعها على سبيل المثال قصيدة الحب من أيام الصليبيين وهي مرادفة لكتابات أمين معلوف في الموسيقى، الموسيقى المسيحية أو الإسلامية باللغة العربية، كتبناها هنا ثم ذهبنا لنعرضها في كل مكان من العالم في الصين وأميركا وقد وضعنا كل فكرة هنا وأحيانا كنا نقوم بتسجيلها، غالبا ما كنا نسجلها في أوروبا وبالتالي كنا نستقبل الزوار من دون إنذار، الصحفيين الكبار من العالم كله، أمراء من الكويت، جاءت شقيقة ملك المغرب فجأة ووزير الداخلية الفرنسية يدق بابي ويتفاجأ بالأمور الغريبة، كنت أتلقى باستمرار زيارات غريبة من المؤلفين الكبار والفلاسفة الذين أقاموا لدي واستطعت أن أخلق حقلا ثقافيا وكان هذا مستحيلا في اسطنبول فاسطنبول تكتل سكاني يضم 15 مليون نسمة ونحن ضائعون في المحيط أما هنا فيمكن القول إن لدي مكانا مركزيا.

سامي كليب: ألم تتعرض لاتهامات بأنك جاسوس مثلا؟

جوليان فايس: طبعا هذا تقليد في الشرق الأوسط أن يكون الجواسيس في كل مكان وقلت لهم طبعا أنا جاسوس على الموشحات والقصائد ولاحقا اتُهمت بسرقة التراث العربي كوني أعزف الموسيقى العربية ولم أكترث فالناس يثرثرون كثيرا وتتغير الأخبار وتتبدل.


الترحال في عالم الروحانيات والموسيقى

سامي كليب: ولد جوليان فايس عام 1953 في سويسرا وأما أصول عائلته فتعود إلى منطقة الألزاس الفرنسية المحاذية لألمانيا، أمه سويسرية وأبوه فرنسي وهو ترعرع في باريس، وإذا ما بحثنا عن سر تلك العلاقة التي تربطه بالعرب فلربما وجدنا بعض البذور عند والده الذي خدم في الجزائر وكان يعرف بعضا من اللغة العربية.

جوليان فايس: كان جدي مهندسا معماريا مثل الكثير من سكان منطقة الألزاس من أيام المستعمرات وأعتذر على ذلك مرة أخرى ولا يمكننا الاعتذار على كل المستعمرات والأتراك أيضا وبالتالي كان هناك الكثير من الألزاس والموظفين والمهندسين في الجزائر.

سامي كليب: ماذا كان يعمل؟

جوليان فايس: كان يعمل في مجال توليد الكهرباء من الطاقة المائية كان يبني السدود في الجزائر وكان والدي بصحبته حتى اندلاع الحرب وقد تعلم اللغة العربية وهذا أمر مفاجئ ولعل الأمر جرى في المخيلة، أحب الكثير من الموظفين الفرنسيين العالم العربي واحترموه وتعلموا اللغة العربية مما أسفر عن ولادة الكثير من المستشرقين، لم تقتصر تلك العلاقة على الأمور السلبية فقط.

سامي كليب: يعني في العلاقة مع العالم العربي في علاقتك مع العالم العربي نلاحظ أنه بدأت أولا الموسيقى يعني نتحدث عن الجانب الموسيقي باكرا كان عمرك تقريبا 12 عاما حين بدأت بالعزف على الغيتار ثم ذهبت إلى الولايات المتحدة الأميركية وعدت إلى المغرب مراكش السويرة وما إلى ذلك، هناك بدأت تتعمق فعلا بمعرفة العالم العربي؟

جوليان فايس: حسنا، بالفعل كان المغرب اكتشافا ولكن مثل الكثير من الأوروبيين عشت جو المغرب الغريب عندما سكنت في مراكش في المدينة القديمة ولكنني كنت أحمل الغيتار وأستمع إلى بوب ديلان والجاز الروك أو الموسيقى الكلاسيكية بعيدا عن المحلية وكان التأثير غير مدرك وفي اللاوعي ولاحقا قررت أن أهتم بالموسيقى العربية ولكنه تأثير على الثقافة الحضارة الألوان والعطور، اكتشاف حضارة قوية جدا وطبعا هناك نقاط تشابه بين مراكش وفاس وحلب ودمشق المدن القديمة التاريخية المدن الإسلامية المسيحية أو الإسلامية ولكنها تملك التقليد العربي.

سامي كليب: ما هي ذكرياتك ما الذي علقك بهذه المدن المغربية؟

جوليان فايس: إنها الأسواق وروائح البهارات، الطرقات اللامتناهية حيث نضيع، السراديب غير المفهومة التي تبدو غير مترابطة ولكنها ليست كذلك. عند دراسة الأنثروبولوجيا نفهم أن لشبكة الأسواق المعقدة معنى وتفسيرا وهو مختلف عن الإمبراطورية الرومانية لأن البعض قالوا إن العرب متخلفون فقد كسروا الهندسة الجميلة المتوازية والمستقيمة في المدن الرومانية، وتلك فترة ماضية كانت تبرر حقبة الاستعمار وبالتالي كان يجب الحط من قدر العالم العربي وأدركوا لاحقا أن الأمر يتعلق بتطور الأنشطة المحترفة في السوق فلكل قسم مهامه وألوانه وأنسجته وبالتالي هذا ما يعطي ثروة الاختلاف في المدن القديمة.

سامي كليب: هناك وقعت في الغرام؟

جوليان فايس: نعم صحيح قبل أن ألتقي بزوجتي التقيت بفتاة أخرى كانت ابنة الرسام سوتو وهو رسام فنزويلي مشهور تُوفي وثمة شارع يحمل اسمه، كان مؤسس الفن الحركي أي الأمور التي تتحرك إنه من الرسامين النادرين المشهورين في حياتهم، عادة يصبح الرسام شهيرا بعد وفاته باستثناء بيكاسو، وكانت ابنته هاربة فوقعنا في حب بعضنا البعض وقالت لي ذات يوم وكان اسمي برنار آنذاك وهو يعني الدب الشجاع بالسويسرية الألمانية وأقول إنه اسم ثقيل أنه يفتقر إلى الدقة وقالت لي ستُسمى جوليان ووافقت واسم جوليان، يوليوس يشير إلى الإمبراطور وإلى القديس جوليان الفقير عند المسيحيين الأرثوذكس أو القديس جوليان المضياف، هناك سلسلة من الأمور وهناك الروزنامة المعروفة بجوليان إنه معنى أقوى. وعندما عملنا على الكندي والفارابي وابن سينا وصفي الدين الأموي بدأت أنخرط في الموسيقى والحضارة وبالتالي شاركت في الكثير من الأنشطة الثقافية لأظهر أهمية الموسيقى العربية في العالم الغربي.

سامي كليب: دائما تقول في مقابلاتك لا أحب الأساتذة أو المعلمين بشكل عام يعني بمعنى المعلم اللي عنده صفة ربما نوع من السلطة عليك وما إلى ذلك ولكن لا بد أنك تأثرت ببعض من هو موجود بعض من وجهك باتجاه هذه القراءات هل من أشخاص معينين مثلا وجهوك بهذا الاتجاه الإسلامي الفلسفي العلمي؟

جوليان فايس: هناك ناحيتان مختلفتان في العلوم جان كلود شابرييه وهو باحث موسيقي في المركز الوطني للأبحاث العلمية وقد كتب النصوص لموسيقى منير بشير حيث أظهر العلاقة الموجودة بين علم المقام وتاريخ العلم العربي وهناك فلاسفة كبار مثل ابن عربي والشيخ محيي الدين وكان اكتشافا كبيرا بالنسبة إلي.

سامي كليب: المدفون في دمشق طبعا.

جوليان فايس: أجل هو مدفون في دمشق. بالنسبة لي من المهم أن نربط الإسلام بالصوفية، هناك الإسلام التقليدي والكلاسيكي والتفسيري لممارسة الطقوس الصوفية أو لبعض معلمي الفلسفة المستقلين الذين لم يتبعوا الطقوس الصوفية وتعاليمها، وهناك فكرة التشبيه الروحانية والممارسات الجماعية والتعبير الموسيقي عن الفرح وحب الله من خلال الغناء والفن الموسيقي، هذا مهم.

سامي كليب: لا شك يعني لا أريد الدخول في السؤال الذي ربما طُرح عليك مئات المرات يعني ما هو الشيء الذي دفعك بلحظة معينة لاعتناق الإسلام، ولكن لا بد أنك ليس فقط كموسيقي وكباحث عن فلسفة معينة ولكن كشخص يعني كإنسان أنه بلحظة معينة ربما اعتقدت أنه يجب أن أبحث عن شيء جديد لروحي لكياني ربما وجدته في الإسلام، ما الذي دفعك بهذا الاتجاه يعني؟

هناك روحانية وتصوف قوي في الديانة الإسلامية وقد اختفى هذا من العالم الغربي وهذا ما جذبني لعالم الأساطير والخيال والشعر
جوليان فايس:
بالطبع كما شرحت لك منذ قليل يمكننا العيش ظاهريا جيدا من دون ديانة وهذا حال 80% من الفرنسيين خاصة بعد الثورة الفرنسية حيث صارت الديانة ديكورا لعدد كبير من الناس إنها مجرد لحظة لدفن الأموات وهذا يهم القليل من السكان ولم يعد الكثيرون يهتمون بذلك. هناك روحانية وتصوف قوي في الديانة الإسلامية وقد اختفى هذا من العالم الغربي وهذا ما جذبني عالم الأساطير الخيال والشعر.

سامي كليب: هل شعرت بشيء أفضل غداة اعتناقك الإسلام؟

جوليان فايس: طبعا طبعا، وأدركت فجأة أن العزف ليس كافيا وهو مرتبط بأمرين وقد نسيت أن أذكر أمرين، الأمر الأول الذي أثر في الفن الموسيقي العربي وأعتذر عن هذه الحرب الكلامية عديمة الجدوى التي تقول إن ترتيل القرآن والدعوة للصلاة هي موسيقى، لماذا؟ في اللغة العربية لغط حول معاني الكلمات، نحن نستعمل المقامات وهي نوتات أي موسيقى، أجمل تعبير في الفن الموسيقي العربي هو الذي قاله الشيخ عبد الباسط عبد الصمد الذي يرتل القرآن وهذا المقام وهو يرادف القصيدة الغنائية إنه الفن وهو تصاعدي، بسماع عبد الصمد يمكن اعتناق الإسلام لا حاجة للبحث ما وراء ذلك، هناك أمر تصاعدي وتاريخي نشعر بأن الأمر متصل بقوة وبعمق بقصة الحضارة.

سامي كليب: الشيخ عبد الباسط عبد الصمد يعتبر طبعا من أجمل الأصوات التي جودت القرآن الكريم ولكن أيضا تأثرت حضرتك وعملت مع من يقرأ القرآن أو من يجود القرآن هنا في حلب أو في دمشق أيضا.

جوليان فايس: من الناحية العلمية المصريون هم أفضل المرتلين بفضل مدرسة القاهرة المعهد اللاهوتي في القاهرة الجامع الأزهر، ولكن من جهة أخرى السوريون أفضل في القصيدة الدينية لأن هناك فنا موسيقيا معقدا محميا وبالتالي عملت مع منشدين دينيين مثل صبري مدلل الذي عمل هنا كمؤذن طوال خمسين سنة واقترحت عليه أن يرافقني في الجولات رغم تخطيه الثمانين سنة، أظن أنه كان أفضل منشد في سوريا كان الأكثر إلهاما والأكثر سخاء ونزاهة ولكن أحيانا كان نفسه ضعيفا بسبب تدخين السيجارة لمدة سبعين سنة ولم يكن بالأمر المفيد صحيا ولكنه عاش حتى بلغ الـ 95 وبالتالي طلب من مغن شاب عمر سرميني مشاركته في غناء أنشودة وكان يملك انتماء دينيا، في الصغر كانوا جميعا في الزوايا الصوفية وقد تعلموا الفن الموسيقي من خلال الأخويات الصوفية بالتالي دمجت هذين المنشدين وفجأة صار صبري مدلل شابا ونسي عمر الخامسة والثمانين والتسعين وأعطى أفضل ما لديه وهذا مذهل. عندما كان يذهب في الجولات الغنائية كان يردد الأغاني نفسها كانت مكررة وضعيفة وفجأة حدث شيء ما، صرت من يخلق الحركة والأمور الفريدة باستعمال الأمور القديمة التي تثير ملل المستمع وأعدت إنشاء شيء ما من خلال هذه المبادرة وبمساعدة المنشدين الصوفيين والدينيين كانت التجارب عديدة وكانت التجربة الأولى مع الشيخ حمزة شكور من دمشق وهو المنشد الكبير في جامع دمشق، آنذاك كان هناك اثنان غيره توفيق منجد الذي توفي في عمر 105 سنوات، وسليمان داود الذي مات قبل سنوات، لم يبق سوى حمزة شكور وهو مدرسة الغناء الديني الممتازة في دمشق لها تقليد موسيقي جميل ولكنها ليست مثل التراتيل القرآنية، ليسوا فاشلين ولكن المصريين أمر آخر مذهل.

سامي كليب: ما الذي قوى الآخر عندك هل الموسيقى هي التي دفعتك أكثر باتجاه الدين باتجاه الصوفية باتجاه يعني التعمق في الأشياء الروحانية أم العكس يعني الدين هو الذي دفعك للتعمق أكثر في البحث الموسيقي والفني؟

جوليان فايس: في البداية كانت الموسيقى لأن أذني كانت تسمع المقام والأنغام الصغيرة جدا تلك الألحان التي لا تعزف على آلة أوروبية وبالتالي ارتكزت كل أبحاثي العلمية على المقام وعند الصوفيين عند المنشدين الدينيين في الجوامع نجد أننا أقرب إلى الروحانية الموسيقية.


[فاصل إعلاني]

إنشاء فرقة الكندي والتعمق في التراث الموسيقي الشرقي

سامي كليب: في البحث عن تلك العلاقة الوطيدة بين الموسيقى والروح تعلم جوليان فايس سر المقامات الموسيقية العربية وعشق آلة العود مذ سمعها للمرة الأولى عند فاروق حسني وزير الثقافة المصري، سمعها في شريط للموسيقىر العراقي الراحل منير بشير وبعد العود اكتشف سر القانون وراح يبحث بين أوتاره عن كيفية تطويره وتطويعه ليصبح أكثر قدرة على التجاوب مع ذاك التراث الفني والفلسفي والروحي الذي كان يوما ما نبراسا عند العرب. من برنار إلى جوليان إلى جوليان العرب إلى جلال الدين تعددت أسماء جوليان فايس تماما كما تعددت رحلاته إلى العالم العربي وإلى قلب الإسلام، ومن يزور منزله الجميل الذي اشتراه هنا في حلب سيجد  الكثير من الأثاث والمقتنيات واللوحات والسجاد والقطع التي لها علاقة مباشرة بالتراثين العربي والإسلامي.

جوليان فايس: في الواقع أتحدر من عائلة حيث أمي من أتباع البروتستانت السويسريين ووالدي كاثوليكي من ألزاس ولكنهما ملحدان ومن الصعب أن نشرح في العالم العربي أن سكان أوروبا غير مؤمنين، الكنائس هي للكبار في السن وللحفلات الموسيقية.

سامي كليب: حتى أنت شخصيا كنت ملحدا يعني.

جوليان فايس: طبعا ولا يفهم الناس كيف نظهر الاحترام لبعضنا البعض بلا انتماء ديني، أردت إيضاح هذا الأمر يمكننا أن نحب بعضنا البعض وأن نحترم الناس من دون أن ننتمي إلى أي ديانة إنها أمور متطابقة ولكن الروحانية أمر مختلف وقد انغمست في الثقافة العربية الإسلامية من الناحية العلمية لأنني مهتم بقصة العلوم وتاريخها، كما اكتشفت الفلاسفة العرب الكندي والفارابي ويمكن القول إنني لم أكن مهتما بالمسلمين العلميين وانغمست فعليا بالروحانية مع الموسيقى.

سامي كليب: من مثل هذه الجلسات الصوفية يقتبس جوليان فايس أبعادا روحية لموسيقىه فهو سعى من خلال تطوير آلة القانون وتأسيس فرقة الكندي سعى لجعل الموسيقى جسرا لطيفا في مسالك الروح وراح يسلك في حلب الطرق الصوفية واحدة بعد الأخرى ويقدم للعالم منشدي أو مجودي القرآن الكريم عاكسا صورة عن الإسلام وعن الفن والتراث العربيين مخالفة للكثير مما يراد من تشويهات ألصقت بهما، عمل مع كبار الفنانين والمنشدين الذين نجد صورهم على حيطان منزله الجميل واستقر شأنه الآن مع المنشد السوري حمزة شكور.

جوليان فايس: بشكل خاص مع الشيخ حمزة شكور الذي سجلت معه ست أو سبع أو ثمان أسطوانات مع برامج مختلفة الموشحات الدينية المولوي والأمور المختلفة قدمنا الحفلات الموسيقية في مختلف أرجاء العالم، في كل مكان في لندن أميركا أوروبا طوال سنوات، بسبب العمل الذي قمت به مع حمزة على مجموعة الأغاني وهناك أديب الدايخ المسمى بأمير الغزل وكان صوته مدهشا لم يكن معروفا في أوروبا وكانت تجربة مذهلة مع هذا المغني الملهَم للغاية، كان فنا شعبيا ومعقدا في الوقت نفسه، ريفيا ولكنه يملك قوة مذهلة، ثم الشيخ أحمد حبوش رئيس الأخوية الصوفية القادرية في حلب وهو مذهل بالنسبة إلي إنه مغن رائع لديه خبرة عالية في الغناء وهو يغني كل يوم هو رائع فعلا، ومع عمر سرميني المتخصص في الموشحات وهو من حلب أيضا ومؤخرا بدأت العمل مع دوغان دغمان وهو مغن تركي من الأوركسترا الوطنية والراديو الوطني التركي في اسطنبول.

سامي كليب: حين تدغدغ أنامل جوليان فايس أوتار قانونه وحين يسرج حصان الروح في مسالك وطرق الصوفيين ويرافق باللحن المنشدين ومجودي القرآن الكريم إنما يريد القول إن لا تناقض بين الموسيقى والدين إذا ما كانت هذه الموسيقى تساعد في التعرف أكثر على الله وتقدم الروح على المادة.. طبعا من لا يعرف كثيرا بالموسيقى والموسيقيين يقول دائما إن أي فنان أجنبي أي موسيقي أجنبي أو غريب لا يشعر ليست هذه الموسيقى في روحه في داخله، هل تشعر هل تحس هذه الموسيقى هذا التراث العربي الإسلامي؟

جوليان فايس: مثلا حسب التجربة التي أعيشها أرافق مغنيا يغني القصيدة الارتجالية وبالتالي أنا أتبعه من مقام إلى آخر ولا أعرف ماذا سيحصل، إنها تجربة ثلاثين عاما من الخبرة لقد اكتسبت هذه الروح هذا الإحساس مع تطور اللغة الموسيقية، ولكنني أحافظ على تفردي ولا أقوم بما يطلبه مني الناس. من السهل جدا أن نقدم الحمص عندما يطلبونه وأن نقدم المتبل عندما يطلبونه أستمع إلى إيران تركيا وأذربيجان ولكنني أقدم لغتي الخاصة والشخصية فإذا سمعتم اللحن من دون رؤيتي تعرفون أن هذا العمل عملي وإلا يمكن الاستماع إلى أي عازف في أي مقهى من مقاهي بيروت من دون التمييز بيننا، أين المصلحة في هذا؟ لذا يجب أن نقدم عملا شخصيا وقد عملت على مقام بغداد والموسيقى مختلفة جدا هناك، السوريون أحب كثيرا الشيخ حبوش، ناصر غزلي وكل المغنين الكبار كمنجي إنهم يغنون بهذا الأسلوب ولكن بصورة عامة إنه أسلوب متفرد، المعلوف التونسي وما يقدمه مختلف جدا ليست الثقافة نفسها، ثم الموسيقى الإيرانية مختلفة جدا، ومن الغريب لأنه لا معنى للموسيقى العربية هناك موسيقى مختلفة في العالم العربي من السودان إلى المغرب ليست نفس الألحان.

سامي كليب: يعني بالضبط هذا ما تقوله مهم جدا لأنه حين انتقلت إلى اسطنبول للعيش هناك دائما تقول إنك وجدت كثيرا من القواسم المشتركة بين الموسيقى العثمانية والموسيقى العربية التركية والعربية الفارسية والعربية أيضا، ما هي هذه القواسم المشتركة؟

جوليان فايس: المشكلة الكبيرة أنه لمدة طويلة بسبب غياب الثقافة والتطور الثقافي لطلاب الموسيقى كانوا يهتمون بموسيقاهم الخاصة وأحيانا كانوا يهملونها كان يهملون موسيقاهم العربية لعزف البيانو، أما الآن فقد صار الشبان يهتمون بالموسيقى التركية وتجذبهم الأمور السهلة، ما يعزفه الأتراك في الكباريهات والفجر أو النور كما يسمونها ألحان باهرة جدا، ولكنهم لا يدركون أن جمال الموسيقى العثمانية بطيء وليست هذه المهارة بل هي موجودة في دقة اللحن في الكيف وليس في الكم.

سامي كليب: مثلا؟

جوليان فايس: مثلا المقام التركي، إنه مرهف جدا ونرى أنها موسيقى خاصة بالسلطان وليست موسيقى للريف أو للمقهى في المدينة.

سامي كليب: للعرش طبعا.

جوليان فايس: طبعا إنها موسيقى البلاط حيث الفاصلة الموسيقية دقيقة للغاية وهذا ما يجعل العازف التركي الذي يعزف هذه الموسيقى متعجرفا لسوء الحظ، وهذا أمر جمالي وقد أحدث ثورة لدى الأتراك. قلت لهم لمدة طويلة قمت بالفصل يجب أن يعزفوا القطعة التركية بأسلوب عربي، بالنسبة إلي هذا مستحيل فليس الجمال نفسه ولكن خطرت ببالي فكرة، اكتشفت بفضل أمير من القرن السابع عشر وهو الأمير تانتيمير وقد قام بنقل أربعمائة قطعة آلية ويعود البعض منها إلى القرن الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر وهي قطع فارسية أو عربية، لقد غزا الأتراك سوريا فماذا فعلوا؟ أخذوا أفضل العازفين الشعراء علماء الحساب ليعملوا عبيدا في طوكابي، في بغداد استولوا على المدينة وأخذوا الأفضل من العازفين الشعراء علماء الحساب وعلماء اللاهوت أخذوهم كعبيد أو كموسيقيي البلاط لدى السلطان وفعلوا الأمر نفسه في إيران وأماكن أخرى وبالتالي اضطروا إلى جمع كل المعرفة العلمية الموسيقية الضائعة في كل مكان.

سامي كليب: يعني في هذا السياق تذكر موسيقيا يهودي الأصل وكان عبدا عند السلطنة العثمانية وعلى ما يبدو أنه قدم الكثير للموسيقى أيضا العربية. أخبرنا عن قصته.

جوليان فايس: كان هناك تقليد لدى الأتراك في العالم الإسلامي بالقبض على المحاربين والسفر بهم إلى تاج لبيعهم كعبيد، وهناك الكثير من الموسيقيين المسيحيين الإيطاليين والبولنديين الذين قبضوا عليهم وباعوهم وإذا كانوا بارعين كانوا ينتهون في البلاط. وفي سنة 1650 كان هناك كاهن يهودي شاب اسمه بوبوفسكي كان يجيد خمس أو ست لغات مختلفة كاللاتينية والفرنسية وهذا مذهل، وكان موسيقيا يجيد كتابة الموسيقى الغربية واعتنق الإسلام وأصبح موسيقيا في فن المولوي من الدراويش في اسطنبول وكتب المئات من القطع الموسيقية وهو شخص مذهل ومثير للاهتمام بالنسبة لتاريخ الموسيقى.


الموسيقى الصوفية والعلاقة بين الموسيقى والإسلام

سامي كليب: هل بالنسبة لك يعني حين تغني وترافق طبعا خصوصا بموسيقىك حين ترافق هذه الموسيقى الصوفيين هنا الذين ينشدون الذين يجودون القرآن الدراويش أيضا، هل تعتبر أن هناك تناقضا بين الموسيقى والدين، تناقضا بين الموسيقى والإسلام كما يقول البعض؟

جوليان فايس: لقد عملت مع المؤلفين اللذين برروا إدخال الرقص والموسيقى في علم اللاهوت، هناك المؤيدون والمعارضون، يمكن المقارنة بالمسيحية حيث كان الرقص ممنوعا في الماضي وأحيانا نجد التفسير في علاقات المنافسة مع الديانات الأخرى التي تلجأ إلى هذه الموسيقى فيقومون بالعكس لإظهار الاختلاف وهذا ما يبرر الهوس الذي يشعر به بعض المسلمين ضد الموسيقى وقد يصل لدى البعض وهناك تدرج. كان السلاطين العثمانيون منفتحين جدا وكانوا يطورون العلم والثقافة وقد فتحوا قبر ابن عربي في سوريا لأن علماء اللاهوت قالوا إنه مجدف، فلم يفهموا معنى القصائد الدينية والصوفية وعظمة ابن عربي وبالتالي كانوا يوسخون قبره وهذا متناقض جدا، وبنى العثمانيون في سوريا مسجد ابن عربي بغية أن يجعلوا منه رمزا روحيا. استعمل المولويون الآلات الموسيقية لإنشاد الكلام الراقي أو التراتيل الدينية وكذلك في تقاليد أخرى ويقول البعض الآخر إن استعمال الآلات حرام باستثناء الناي والآلات الإيقاعية والبعض الآخر يقول إن استعمال الناي حرام وليست الآلات الإيقاعية وقد يقول البعض إن الآلات الإيقاعية حرام ولكن يمكن الغناء ويقول آخرون إن الغناء حرام لا يمكن الغناء، وهناك من يقول إننا لا يمكننا غناء القرآن بل يجب قراءته وترتيله. إذا تقاتل الناس من أجل هذا الأمر فسنعود إلى العصور الوسطى، أعرف أنه يجب القول إن احترمت الموسيقى التقاليد فهي تنقل الحب السماوي وتزكي العاطفة البشرية والتواصل وبالتالي يجب تقدير الفن الموسيقي في الثقافة العربية وفي الثقافة العربية الإسلامية وهذه المشكلة بين طالبان والخميني الذي أراد منع الموسيقى وأدرك أن ثقافة حضارة كاملة هي الموسيقى، وكلما أراد رجال راديكاليون حذف الموسيقى، نحن لا نعيش في سجن، يمكن أن نكون مسلمين ولكننا لسنا كهنة ولسنا مرغمين أن نكون أئمة، نحن بشر ونعيش حياة طبيعية. الموسيقى أساسية في الثقافة في كل أشكالها وبالتالي يجب أن نتحلى بشيء من التسامح.

سامي كليب: وأنت مثال جيد يعني من جهة تؤلف الموسيقى وتبحث عن الموسيقى القديمة والموسيقى الروحية والصوفية ومن جهة ثانية تطبق دينك يعني.

جوليان فايس: بالضبط. التقيت أشخاصا قالوا لي طوال ثلاثين سنة كنت سائق سيارة أجرة وكنت مغنيا ولكنهم قالوا إن هذا حرام فتوقفت، إذا كان يغني في مكان فاسق فأنا أفهم ذلك وقرر اعتناق الديانة بحذافيرها فأنا أفهم ذلك ولكنهم لا يطلبون من كل فرد أن يكون إماما، إذا لم يكن مفتي القسطنطينية ممارسا للموسيقى فليست مشكلة، ونرى أن الشيخ علي درويش كان متدينا وكان مؤلفا ويعزف الناي ونلاحظ أن هناك حربا كلامية قديمة وبالية حول هذه الأمور، خاصة في العصور الوسطى عندما يرفض الناس الفن الموسيقي، ولكنه أمر أساسي لنقل حب الله.

سامي كليب: لا شك أن هذا البرنامج هو برنامج طبعا Portrait إذاً تحدثنا كثيرا عنك وقليلا عن الموسيقى، ولكن وددت أن أسألك يعني ماذا اكتشفت في هذه الموسيقى التي تعمل عليها منذ ثلاثين عاما تقريبا هذه الموسيقى العربية الإسلامية وأيضا المسيحية تعمل بين تركيا وحلب وطبعا إيران أيضا الموسيقى الإيرانية درستها يعني وصولا إلى أفغانستان، ماذا اكتشفت في كل ذلك؟

جوليان فايس: حاولت أن أضع أسلوبي الخاص في كل الأمور التقليدية التي قدمتها، أحد المفاهيم الفريدة التي وقعت عليها كانت فكرة صالون الموسيقى في حلب هذا المنزل في المسرح في نيويورك أو في هونغ كونغ مع صبري مدلل وعمر سرميني، أنا أعزف على القانون، محمد قدري دلال على العود وهو مدير المعهد الموسيقي، زياد قادري على الناي وهو عازف في التلفزيون في دمشق، عادل شمس الدين المصري على الآلات الإيقاعية وأعدنا نشر جو راق أرستقراطي برجوازي لئلا نكون من أتباع النظرة الشعبية أي نستقبل أشخاصا راقين يحبون الاستماع إلى الموسيقى وهي ليست الأغاني نفسها المعروفة التي يسمعها الناس، القدود الحلبية نفسها بل القصيدة الجميلة التقسيم الطويل ويستمع الناس لها عوضا عن التحدث إلى الجيران. في الثقافة العربية كانت الأنغام عالية وتغطي على أصوات من يتكلمون، إنهم لا يستمعون إلى الموسيقى، ما أنشأته في هذا المنزل هو صالون الموسيقى، حين نستمع بصورة دينية وباحترام إلى الموسيقى وبحماسة نستمتع أحيانا بالرقص ولكننا نفكر بالحفل الموسيقي الديني وفعلت هذا في كل أرجاء العالم صالون الموسيقى في حلب فكرة قوية. ثم كانت هناك الليتورجيا في مسجد الأمويين الكبير في دمشق والدراويش المتنقلين، وإذا توغلنا في التحليل العلمي نجد أن الدراويش المتنقلين قد اختفوا، كان نظاما أرستقراطيا متصلا بالسلاطين واختفى الدراويش باختفاء السلاطين، منع أتاتورك الصوفية أول ما فعله سنة 1928 هو منع الصوفية في تركيا وهم يمارسون هذا النظام سرا في النوادي الرياضية وهذا غريب وهو مقبول في سوريا وهذا أغرب، ولكن هذا التقليد تركي فارسي والعروبة موجودة من خلال تقليد أقوى تقليد مسجد الأمويين الكبير مع حمزة شكور ومجموعته، وقد عملت على هذه المجموعة وأنا أحاول نشر مقطوعات غير معروفة، الكلام الراقي غير المعروف القصائد الأطول والتقاسيم الأكثر دقة لأطال جمهورا أوروبيا، وقد نجحت في أن أصبح مشهورا لدى الجمهور الأوروبي وقدمت لهم مقاربة من دون اللجوء إلى الحجام والنهاوند لأن هذه الأمور تذكر بالدو المؤلفة من صوتين أو السلم الثانوي المقامات الغريبة بالنسبة للأوروبيين ولكننا عرفناها برقي وتقسيمات تقليدية، هذه كانت الفكرة وراء النجاح في هذا المجال وقد لبت حاجة عند البعض. لماذا يحب الناس الموسيقى الهندية؟ فالرجل يملك الملايين ولكنه يجلس على أريكة ويعزف إنه نجم لا يرتدي البزة الرسمية ولا ربطة العنق إنه يظهر الأسلوب التقليدي، وعندما يعزف الروك أو الموسيقى المعاصرة سيكون هكذا، في إيران الأمر سيان شجريان أقرأ دوما عن صباح فخري لو ارتدى بزة مثل شجريان بزة تقليدية وأسلوبا تقليديا من بلاط الشاه وهو مرادف لما كان عليه الأمراء الأيوبيين لوصل إلى الجمهور الأوروبي ولكن جمهوره عربي إنه مميز، هذه كانت الفكرة من ناحية الديكور.

سامي كليب: على العكس نلاحظ أن بعض العرب وكأنهم يخجلون من تاريخهم من تراثهم حتى تراثهم الموسيقي.

جوليان فايس: نشعر أن العرب يخجلون من تاريخهم الموسيقي لاحظت ذلك عندما ذهبت إلى المعهد الموسيقي في دمشق، المشكلة أنهم يبالغون في تقدير خزانتهم السمفونية ولكن مع الفرقة الموسيقية السمفونية لا يمكن أن نعزف الموسيقى العربية جيدا، يجب القيام بالعمل التحضيري الذي قمت به حول دقة المقام في محاولة إيجاد الألحان العربية القديمة كما فعلنا مع الموسيقى الباروكية في أوروبا، ليس منذ مدة طويلة بل منذ سنة 1950 والموازاة التي قد نتوصل إليها من دون التسبب بالحرب الكلامية حتى سنة 1950 كانت الشوارع أفضل مكان لعزف الموسيقى الباروكية على البيانو القوي بتقنية عالية، وأدركوا أنه يمكن عزف الموسيقى الباروكية على قيثارة لها ألحان رقيقة وبالتالي كان الأمر جماليا لذا كان يجب العمل في البحث عن الموسيقى القديمة وألا نكتفي بدراسة ألحان الموشحات التي لا تؤدي إلى أية نتيجة لأنها عمل فقير جدا.

سامي كليب: يريد الفنان الفرنسي المعتنق الإسلام جوليان فايس لموسيقىنا العربية ولتراثنا أن يزهوا بنفسيهما ويستعيدا تلك العصور التي كان فيها العربي يفاخر بتراثه. وهو منذ تأسيسه فرقة الكندي قدم الكثير للعرب والمسلمين على مسارح الغرب فماذا قدموا هم له؟ لقد فهمت منه في ختام هذه الحلقة مثلا أن احتفالات كثيرة تقام في سوريا نفسها ولا يُدعى إليها، فهل سنعرف قيمته كالمعتاد حين يرحل عن ديارنا؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة