بداية الخلق ونظرية التطور   
الأربعاء 1/3/1430 هـ - الموافق 25/2/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:18 (مكة المكرمة)، 13:18 (غرينتش)

- البحث في بداية الخلق ونظرية داروين
- القيمة العلمية للنظرية وموقف العقائد منها
- أوجه التوافق والتعارض بين النظرية والقرآن الكريم
- وجه الخطورة في نظرية التطور

 
عثمان عثمان
 يوسف القرضاوي
عثمان عثمان:
مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }[العنكبوت:19]، {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[العنكبوت:20]، ويقول الله سبحانه وتعالى أيضا {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}[ص:71، 72]، ظاهر آيات القرآن الكريم يفيد بأن الله تعالى خلق آدم من  تراب ونفخ فيه من روحه وخلق منه حواء من ضلعه أو من جنسه على اختلاف بين المفسرين، فكان آدم وذريته التي بدأت تدب على الأرض منذ آلاف السنين، لكن الفكر العلمي الحديث يرى نتيجة المكتشفات العلمية أن وجود الإنسان على الأرض استغرق ملايين السنين، وداروين على وجه التحديد يرى أن الخلق وجد من أصل واحد وأن الإنسان مر بأطوار مختلفة حتى وصل إلى صورته الحالية وأن الإنسان والقرد يتشابهان في بعض الصفات من دون باقي الكائنات وعليه افترض أنهما قد انحدرا من أصل واحد تفرع ذلك الأصل إلى فرعين، فرع امتد وأخذت تتطور أنواعه إلى أن وصلت إلى القردة العليا والفرع الثاني خرجت منه أنواع تطورت نوعا وراء نوع إلى أن كان الإنسان الحالي الإنسان البشر، أثارت هذه النظرية حين نشرت في القرن التاسع عشر جدلا كبيرا امتد إلى مجلة المنار وهي مجلة إصلاحية شهيرة ونشرت مقالات وتعليقات عليها بعضها يرفضها وبعضها يرى أن النظرية لا تتناقض مع القرآن إن ثبتت، لكن النظرية سادت وانتشرت وتطورت كثيرا حتى أدرجت ضمن مناهج العديد من مدارسنا ولم يتوقف الجدل حولها والآن بعد مرور 150عاما على ظهورها نعيد النقاش حولها للإجابة على التساؤلات التي تطرحها، إذاً بداية الخلق ونظرية التطور موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. مرحبا بك فضيلة الدكتور.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك يا أخ عثمان.

البحث في بداية الخلق ونظرية داروين

عثمان عثمان: يعني قبل الدخول في تفاصيل هذه الحلقة دكتور يعني هل في البحث عن بداية الخلق يعني جرأة على العقيدة الإسلامية؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فلا يوجد دين كالإسلام يحث المسلم على النظر والتفكر والتدبر في الكون كله وفي التاريخ كله وفي الحياة البشرية وغير البشرية كما قال تعالى {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ..}[الأعراف:185]، {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..}[يونس:101]، {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ}[ق:6]، وإلى آخر الآيات التي تأمر بالنظر والتفكير حتى قال الأستاذ عباس العقاد في كتاب له عنوانه التفكير فريضة إسلامية وهكذا كلام صحيح لأن القرآن يأمر بالتفكير ويحذر من عدم التفكير وينكر على الذين لا يستخدمون الأفكار، أفلا تعقلون، أفلا تتفكرون، إلى آخر هذه الآيات، والقرآن يقول كما ذكرت في المقدمة، قل انظروا، أولم ينظروا.. {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..} يعني انظروا بدايات الخلق، فهذا أمر لنا بأن، فليس هناك أي مانع في الإسلام أو في القرآن الكريم يمنعنا من البحث والتفكر، نحن لا..

عثمان عثمان (مقاطعا): حتى البحث في بداية الخلق؟

يوسف القرضاوي: حتى البحث في بداية الخلق، بس يكون في ذهننا أننا بنبحث عن الخلق يعني أن هناك خالقا، يعني حتى لو فرض أن في أنواع تطورت عن أنواع إنما هذا بإرادة الخالق حسب سنن الخالق، إنما إذا بحثنا ونحن في ذهننا أن ليس هناك خالق وليس هناك مدبر لهذا الكون وليس هناك إله لهذا الكون هو ده.. إنما أنا بقى بأبحث الله هو الذي خلق هذا الخلق وهذا الكون وخلقني من ضمن هذا الكون وأمرني أن أبحث وأن أتدبر و أن أنظر في كل شيء، ونحن المسلمين نقف على أرض صلبة ليس عندنا، ليس هناك قضية واحدة تتناقض مع نصوص القرآن أو النصوص القطعية في السنة النبوية ليس هناك، حتى لو ثبتت قضية، نظرية داروين، عندنا من الآيات ما يمكن أن يدخل فيها.

عثمان عثمان (مقاطعا): طبعا حول نظرية داروين سيكون النقاش حولها في صلب الحلقة ولكن عندما يتحدث القرآن الكريم فضيلة الدكتور عن بداية الخلق هل قدم حقائق علمية محددة أم أن الكلام في هذه القضية كان مجملا ومحتملا؟

يوسف القرضاوي: لا كلام مجمل طبعا ولكن يعني من غير شك أن هناك قضية أن الإنسان خلق قصدا ليكون خليفة الله في الأرض يعني هذه قضية واضحة من سياق القرآن الكريم، حينما أراد الله أن يخلق هذا المخلوق الذي ليس هو من صنف الملائكة وليس هو من صنف الأنعام والدواب ولكنه صنف متميز فيه غرائز الحيوان وفيه روحانية الملاك فهو طبيعة مزدوجة ولذلك خلقهم من طين ومن روح، فيه جزء أرضي وجزء سماوي وجزء إنساني وجزء رباني، ولذلك الأول من طين أو من تراب أو من صلصال أو يعني هذه المادة، الجانب المادي، العنصر المادي، في عنصر آخر اللي هو قال {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي..}[ص:72] فالظاهر من القرآن أن ربنا حينما أراد أن يخلق هذا شاور الملائكة استشارهم {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ..}[البقرة:30] وبعدين أمر الملائكة أن يسجدوا لهذا المخلوق لمجرد تسويته ونفخ الروح فيه بما يدل على أنه مخلوق مميز، فهو مخلوق قصدا، هذا ظاهر القرآن يعني من يقرأ القرآن بتفصيلاته يكون عنده يقين بأن هذا المخلوق خلقه الله قصدا لم يتطور عن نوع آخر أو شيء من هذا.

عثمان عثمان : طبعا فضيلة الدكتور يعني عندما نتحدث عن بداية الخلق نتحدث عن أمر غيبي، يعني هل هو أمر غيبي نسبي يخضع لنتائج العلم وما يتوصل إليه لاحقا؟

يوسف القرضاوي: لا هو غيب، شيء لم نحضره..

عثمان عثمان (مقاطعا): هو غيب مطلق أم غيب نسبي؟

يوسف القرضاوي: يعني {مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ..}[الكهف:51] لم نشهده فهو غيب بالنسبة إلينا، لا نعرف يعني كيف تم هذا وكيف، إنما نعرف من القرآن الكريم أن الله يعني هذه المادة الترابية الطينية الصلصالية إلى آخره وجدت وبعد مدة، ثم يعني سويته ونفخت فيه، ثم دي قد إيه؟ من يعرف؟ يعني مثلما قال في خلق الكون، في ستة أيام، الأيام دي 24 ساعة؟ لا، مش ممكن، لأن أيامنا هذه الدورة الشمسية لا كان شمس ولا كان قمر ولا خلقت هذه الأشياء فهي أطوار وعصور، الله أعلم، القرآن يقول {..وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}[الحج:47] وفي آية أخرى {..فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ..}[السجدة:5] أنه اليوم هو يعني المدة التي يحدث فيها شيء معين زي أيام العرب في الجاهلية يوم زي قار، يوم البسوس، يوم البسوس ده يعني حرب استمرت أربعين سنة واسمه يوم، سماها العرب يوما، فالأيام التي خلقت فيها الدنيا بستة أيام، مش أيام من أيامنا هذه، لا، ستة أطوار الله أعلم بها كم وإن شاء الله تكون ملايين السنين، لكن هذا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور اسمح لي أن أقرأ بعض ما كتبه الشيخ حسن الجسر وكان من كبار العلماء الإصلاحيين كما تعلمون، كتب في القرن التاسع عشر إن هذه المسألة لا تزال في طور النظرية ولكن إن تمت البرهنة عليها في المستقبل فإننا سنقوم آنذاك بتوفيقها مع الآيات القرآنية وكذلك لم ير عدد من الإصلاحيين الآخرين إشكالا في النظرية ثم جاء بعد ذلك من قدم تفسيرا إسلاميا لها، بالمقابل هناك من اعتبر النظرية نظرية إلحادية وكتبت الكثير من الردود عليها ثم جاء فتح الله كوالن فكتب من المستحيل التوفيق بين أفكار داروين ونظرية التطور مع الآيات القرآنية. اسمح لنا فضيلة الدكتور أن نأخذ تقريرا حول هذه النظرية ثم نعود إلى متابعة هذه الحلقة.

[تقرير مسجل]

وليد الشوبكي: يحتفلون في جامعة كامبريدج البريطانية بمرور مائتي عام على مولد صاحب هذا التمثال، طالب أخفق في دراسة الطب ودرس بدلا منه اللاهوت واسمه تشارلز داروين، قادت مشاهدات داروين التشريحية حول التشابهات التاريخية بين أنواع شتى من الكائنات الموجودة منها والبائدة إلى طرحه لأكثر النظريات إثارة للجدل في علم الأحياء وهي نظرية النشوء والارتقاء، عرض داروين نظريته في كتاب "أصل الأنواع" المنشور في عام 1859 وتتلخص النظرية في أن الكائنات بلا استثناء تنحدر من أصول مشتركة وأن تنوعها يعزى إلى ما أسماه الانتقاء الطبيعي تبعا لتكيفها مع البيئة المحيطة بها فالكائن الذي يتكيف يبقى ومن لا يتكيف ينقرض. لم يوضح داروين آلية الانتقاء الطبيعي ولم يشرح كيفية انتقال الصفات بين الأجيال غير أن الزمن أجاب على العديد من هذه الأسئلة عبر ما عرف بعد ذلك بعلم الجينات والذي أثبت أن المادة الناقلة للشفرة الوراثية متماثلة بين كل الكائنات تقريباً. النظرية لا تزال تثير جدلا بين علماء الأحياء وجدلا ليس أقل منه بين علماء الدين، بين من يرونها مجرد نظرية علمية وآخرون يعتبرونها منهجا فلسفيا وربما سياسيا، ورفض الكثيرون من منطلق الإيمان المسيحي والاعتقاد الإسلامي أن يكون الإنسان في البدء على هذه الشاكلة، وهذا بالمناسبة تمثال للقرد الذي قارنه داروين بالبشر في أبحاثه، يأتي هذا في الوقت الذي يطرح فيه آخرون أدلة دينية تؤكد ما ذهب إليه داروين، واليوم بعد 150 سنة على مولد تلك النظرية لا يزال تشارلز داروين وكتابه يحلقان وسط جدل دائم بين العلم والدين.

[نهاية التقرير المسجل]

القيمة العلمية للنظرية وموقف العقائد منها

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، القرآن ينص على أن مادة الخلق من الطين ونظرية النشوء تقول إن بداية الخلق من خلية واحدة هل هناك من تعارض؟

يوسف القرضاوي: يعني هو طبعا خلق آدم هو أبو البشر الذي ننسب إليه ويقال بني آدم ويخاطبنا القرآن يا بني آدم، باين بوضوح أنه خلق من هذين العنصرين، العنصر المادي والعنصر الروحي وبعد ذلك بدأ يتسلسل البشر وواضح أنه في خلاف بين النظريتين ولكن كما قلت ليس من الضروري يعني أنه هذا يدل على الإلحاد حتى هو داروين نفسه أنكر أنه ملحد، قال في بعض الأحيان أنا أؤمن بالإله وأستريح لوجود الإله وفي بعض الأحيان قال أنا لا أدري، يعني أنا.. من المتشككين الذين يسمونهم اللاأدرية، وبينما يعني زميله في النظرية اسمه والس، والس كان من المؤمنين جدا بالإله رغم أنه يقول بالنشوء والارتقاء هذا، فيؤمن بالإله فليس من ضرورة النظرية الإلحاد، إنما استغلها الملحدون، يعني النظرية في إيحاءاتها للعامة يستغلها الملحدون.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طبعا النقاش يدور حول هذه النظرية وتطابقها مع القرآن أم أن القرآن يرفضها بالكلية، دعنا نأخذ الدكتور هاني رزق أستاذ علم الجنين الجزئي في كلية العلوم جامعة دمشق، مرحبا بكم دكتور.

هاني رزق: أهلا بكم.

عثمان عثمان: دكتور نظرية داروين نفسها تطورت وأصبحت الآن الداروينية الحديثة، ما قيمة نظرية داروين العلمية الآن؟

هاني رزق: نعم، أولا أشكركم على هذا الاتصال وأود أن أشير بسرعة إلى ما يلي، تقوم الداروينية الأصل كما وردت في كتاب حول أصل الأنواع وكتابات داروين الأخرى على ثلاث ركائز أو دعائم، الأولى تفصيل شرح اشتقاق الأنواع من بعضها البعض والانتقاء الطبيعي، الركيزة الثانية التنافس من أجل البقاء وبقاء الأصلح، الركيزة الثالثة أصل الإنسان يعود إلى القردة، أتى أنصار الداروينية الأصل بنظرية الداروينية الحديثة التي تفسر اشتقاق الأنواع من بعضها البعض نتيجة تراكم الطفرات الجينية في النوع السلف حيث أن الجينات وطفراتها عرفت فقط بدءا من عام 1915 وأعادوا أصل القردة والإنسان هؤلاء الداروينيون الحديثون إلى جذع مشترك. فيما يتعلق بالركيزة الأولى اشتقاق الأنواع من بعضها البعض، وردت هذه الركيزة في كتابات كثيرين نذكر منهم على سبيل المثال الجاحظ وأخوان الصفا وابن خلدون. فيما يتعلق بالركيزة الثانية الانتقاء الطبيعي والتنافس من أجل البقاء وردت في كتابات توماس روبيرت مالفرد عالم الاقتصاد الإنجليزي الذي أتى قبل داروين، وكتابات ألفرد روسل والاس عالم الطبيعة الإنجليزي أيضا الذي عاصر داروين وأحد واضعي عقيدة الانتقاء الطبيعي. فيما يتعلق بالركيزة الثالثة القردة والإنسان من أصل واحد كما يرى الداروينيون المحدثون فإن سلسلة الجينوم البشري وسلسلة جينوم الإنسان لم تدعم هذا النمط من التفكير، إن الإنسان يتصف بأربع خصائص لا توجد في أي كائن حي آخر وهي انتصاب القامة وتحرر الطرفين العلويين، ثانيا تقابل إبهام اليد مع الأصابع الأخرى، الأمر الذي مكن الإنسان من القيام بحركات غاية في الدقة كالكتابة والرسم والعزف وهلم جرا، ثالثا الشكل الهندسي الفراغي للحنجرة ولحبالها الصوتية مما جعل باستطاعة الإنسان أن ينطق بالأحرف والكلمات ويستنبط اللغة أساس تطوره الاجتماعي، رابعا النمو غير العادي للقشرة الدماغية المستحدثة التي تتحكم بسلوكنا كبشر. إن داروين عالم فذ إن أعظم عمل علمي وفكري قام به في رأينا هو رحلته على ظهر سفينة البيغن إلى جزر غلاباغوس حيث درس المجموعات الحيوانية فيها ولكن مما يؤسف له وبغياب نظرية أخرى منافسة حيث تمت محاربة نظرية لامارك بتوارث الصفات المكتسبة محاربة غير موضوعية وعلى غير حق فإن أتباع الداروينية الحديثة حولوا أفكار داروين إلى عقيدة بحتة تخضع لها الملاحظات والمشاهدات فهنالك عدد من الحقائق لا تنسجم لا تتساوق مع الداروينية الحديثة وخلاصة القول أن الإنسان خلق خلقا ولم يأت من أصل مشترك في أي كائن حي آخر.

عثمان عثمان: الدكتور هاني رزق أستاذ علم الجنين الجزيئي في كلية العلوم جامعة دمشق أشكرك جزيل الشكر، فضيلة الدكتور أي تعليق حول هذا الكلام إن شاء الله نتابعه بعد أن نأخذ فاصلا قصيرا، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم إن شاء الله تعالى.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة مع فضلية شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور طبعا سمعنا ما قدمه الدكتور هاني من دمشق هل لكم من تعليق عليه؟

الإنسان خلق خلقا مباشرا ولم يتطور مثل أي نوع من الأنواع الأخرى، وهذا يتفق مع النظرية القرآنية ومع العقائد الدينية بصفة عامة
يوسف القرضاوي:
نعم، هو كلامه يعني حق وهو موافق معنا أن الإنسان خلق خلقا مباشرا ولم يتطور عن أي نوع من الأنواع الأخرى وهذا يتفق مع النظرية القرآنية ومع العقائد الدينية بصفة عامة، العقائد الدينية حتى المسيحية وحتى اليهودية كل هذه تقوم إن الإنسان خلق خلقا مقصودا ومستقلا ولذلك حينما ظهرت النظرية الداروينية رد عليه المسلمون ورد عليه المسيحيون ورد عليه يهود ورد عليه من طوائف الأديان المختلفة وحتى رد عليه أيضا من العلميين، من علماء الطبيعة وعلماء البيولوجيا والأحياء ردوا عليه.

عثمان عثمان: ولكن فضيلة الدكتور يعني حساب خلق البشر منذ آدم وحتى الآن يقدر بآلاف السنين بينما هناك حسابات العلماء يتحدثون عن بدايات البشر منذ ملايين السنين وهذا يعني هناك بشر قبل آدم عليه السلام لماذا لا يكون مثلا آدم له آباء له، من سبقه وهو كان صفوة هذه المخلوقات اصطفاه الله عز وجل؟

يوسف القرضاوي: لا نعرف متى خلق آدم، يعني في الإسلام هذه الأشياء غير معروفة، في التوراة عمر الدنيا كلها سبعة آلاف سنة يعني سبعين قرنا، إنما نحن عندنا ليس عندنا يعني بالعكس في بعض الأحاديث تقول إن آدم حينما خلق كان طوله ستين ذراعا يعني أضعاف الواحد منا وبعدين ظل يعني الخلق يتناقص، فعلشان الخلق يتناقص ده يحتاج إلى ملايين السنين، لا نعرف متى خلق آدم، ليس عندنا في الإسلام تحديد للسنين لا في البداية ولا في النهاية، الساعة قريبة إنما القرب ده أمر نسبي قد يكون آلاف السنين قد يكون عشرات آلاف السنين الله أعلم، نحن ليس عندنا إشكال في هذه الناحية وليس عندنا مانع من أن يكون هناك أوادم قبل آدم هكذا بعض المفسرين قالوا إنه في أوادم قبل آدم لأنهم أخذوا ذلك من إشارة الملائكة حينما قال الله لهم  {..إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء..}[البقرة:30] من أين عرفوا أن هذا المخلوق ممكن أن يعني يسفك الدماء ويفسد في الأرض؟ قالوا إنه كان في ناس مخاليق قبل هذا في الأرض، هل هم من الجن أم هم من الإنس؟ الله أعلم، ربما كانوا أناسي أو من الأخرى، يعني ليس هناك مانع من هذا، والبعض قال عرفوه من طبيعة خلق آدم أنه إنسان من طين ومن روح فالطين لا بد أن يكون له أثره فاستنتجوا استنباطا فليس عن معرفة سابقة، كل هذا ممكن.

أوجه التوافق والتعارض بين النظرية والقرآن الكريم

عثمان عثمان: نعم، طبعا فضيلة الدكتور فكرة التطور بحد ذاتها هل هناك في القرآن الكريم ما يعارضها أو ما يناقضها خاصة أن البعض يستدل بقوله عز وجل  {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}[نوح:14]،  {..فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}[التين:4]، {..خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}[الانفطار:7] يعني يرى من خلال هذه الآيات أن الإنسان تطور وتطور حتى ما وصل إلى..

يوسف القرضاوي: لا، هذه آيات يعني محتملة يعني عندما زي ما يقول الشيخ حسين الجسر حينما تصبح النظرية دي حقيقة واقعة ممكن نؤول يعني كما قال الشيخ عبد الوهاب النجار في كتابه قصص القرآن حينما تصبح القضية، نظرية داروين مثل السماء فوقنا والأرض تحتنا، يعني حقيقة قطعية، نضطر في الحالة دي نؤول آيات القرآن، إنما الآيات دي {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} فسروها بأنه يعني من نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم أنشأنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما يعني هذه الأطوار إنما إذا لو أن هذه القضية أصبحت حقيقة علمية فنستطيع ولكن هذه القضية حتى علماء البيولوجيا يعني نقضوها وقالوا إن داروين زور في بعض الأدلة التي ذكرها وبعض الرسوم عمل فيها وغير وبعض الناس أعطوا له بعض الأشياء أنه يستدل بها، زوروا فيها وبعض هؤلاء المزورين يعني اعترف بهذا وقال لست أنا أول من زور، هناك مئات زوروا فالقضية يعني ليست مسلمة.

عثمان عثمان: نعم وهناك من قال بأن هذه النظرية تستحق الدراسة إن ثبتت علميا. فضيلة الدكتور معي الأخ أحمد عزت يقول لقد ذكر القرآن الكريم إن الإنسان قد نسخه الله إلى قرد في قوله تعالى مخاطبا بني إسرائيل {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ}[البقرة:65] إلى آخر الآيات، أي أنه قد يحدث مسخ لكائن من مرتبة أعلى إلى أخرى أدنى منها ولكن لم يذكر القرآن أنه قد يتطور كائن من أدنى إلى أعلى فهل يعتبر هذا دليلا على بطلان نظرية التطور؟

يوسف القرضاوي: لا، لا، هذه القضية عقوبة لبني إسرائيل على ما فعلوا، أنه قيل له إن كان بعض العلماء يحاول أن يؤول ذلك يكون يعني كالقردة وليسوا، إنما حتى ولو قردة ولكن جاء في صحيح مسلم أن الممسوخ لا ينسل يعني لا يتوالد يعني ما حصلش من القرود ولد قرود وده.. وبعدين يعني ماتوا بعد ذلك وانقرضوا فليس لهم من أي نسل.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور البعض يرى أن مما يدعم فكرة التطور وأن لآدم كان هناك أوادم قبله قوله تعالى {..بَشَراً سَوِيّاً}[مريم:17]، {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي..}[ص:72]، وأنه يعني يستدلون من خلال ذلك أنه كان هناك بشر غير سويين قبل آدم عليه السلام.

يوسف القرضاوي: ما معنى {..بَشَراً سَوِيّاً}؟ كيف جاءت بشرا سويا؟ حينما بعث الله إلى مريم وهي اتخذت من أهلها حجابا {..فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً}[مريم:17]، يعني بشرا مكتملا، مش نصفه ملك ونصفه {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن}[مريم:18] خافت منه وفزعت فده معنى بشرا سويا، بشرا مكتملا، هذه علام تدل هذه؟

عثمان عثمان: ليس فيها دلالة على ما يستدل به الآخرون. فضيلة الدكتور يعني نجد أن هناك أسماء متعددة، هناك ناس هناك الإنس هناك البشر هناك أناسي هناك بني آدم، يعني كلها ألفاظ مترادفات في القرآن الكريم وطبعا ذكرها لم يأت عبثا والبعض أنكر الترادف في القرآن الكريم، كيف يعني يمكن شرح هذه الكلمات؟

يوسف القرضاوي: هذه الأشياء يسمونها مختلفة مفهوما متفقة ما صدقت عند المناطقة شيء يقول المفهوم والما صدق، المفهوم قد يكون مختلفا يعني ممكن تقول السيف، هو السيف شيء واحد، يعني يصدق على، ما صدق يعني ما يصدق عليه هو شيء واحد الذي يقاتل به ويقتل به، إنما قد يسمى الصارم، يعني إيه؟ الصارم يعني القاطع، وقد يسمى المهند، ويعني مهند أصله من الهند وقد يسمى الحسام لأنه يحسم ويقطع، يعني ممكن له عشرات الأسماء مفاهيمها تختلف ولكن الما صدق واحد ينطبق على شيء فهذه كلها هي عبارة عن هذا الإنسان هو آدمي لأنه ابن آدم وهو إنسي مقابل الجني لأنه في القرآن يقابل الإنس بالجن {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56] الجن هو الخلق الذي يستتر عن الإنسان، جن يعني استتر عن الإنسان والبشر ما يقابل الملائكة ولذلك كان دائما الناس حينما يأتي إليهم الرسول يستنكرون أنه بشر يقولون له {..قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَّسُولاً}[الإسراء:94]  {قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً}[الإسراء:95]، لما سيدنا يوسف يعني دخل قالت اخرج عليهن، النسوة فـ{..قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَراً إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}[يوسف:31]، فالبشر يقابل الملك، إنما هو البشر هو الإنسان نفسه، الرسول يقول {..إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ..}[الكهف:110]  {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ..}[إبراهيم:11] يصطفيهم بالوحي والنبوة، والأناسي يعني جمع أناس أو جمع إنسان، بعضهم يقول هو جمع إنسان وأصله أناسين وبعدين حذفت النون وصار إنس وبعضهم يقول جمع إنسي {..وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً}[الفرقان:49] هذه كلها شيء واحد.

عثمان عثمان: نعم دكتور اسمح لنا أن نأخذ الدكتور أسامة حسن أستاذ هندسة وإمام مسجد في لندن. مرحبا بك دكتور؟

أسامة حسن / لندن: السلام عليكم ورحمة الله.

عثمان عثمان: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. دكتور أنت كتبت في إحدى الصحف البريطانية قلت بأن نظرية داروين لا تتعارض مع القرآن الكريم وسقت لأجل ذلك أدلة عدة، كيف ذلك؟

أسامة حسن: نعم قلت إذا ثبت في العلم الحديث، علم البيولوجيا فهذا شيء ثابت لأن الجميع من الله القرآن من الله والعلم هذا علم البيولوجيا مثلا كذلك من عند الله فأقول إن الله خلق آدم عن طريق الارتقاء فلا يوجد اختلاف أو تصادم مع التعاليم الإنسانية وقد كتب في هذا مثله مثلا أخوان الصفا وابن مسكويه وابن خلدون الذين كتبوا عن خلق الله أنه يبدأ من عالم الجماد ثم عالم النبات وعالم الحيوان إلى عالم الإنسان وعالم الملائكة الذي تحدث عنه فضيلة الشيخ، وحتى ابن خلدون في المقدمة ذكر القردة بين الحيوانات والإنسان. نعم وأقول كذلك الذين لا يفهمون العلم الحديث عادة ينكرون هذا، فمثلا الإمام السيوطي في تفسير الجلالين رحمه الله هو عالم كبير ولكنه ذكر في تفسير الجلالين أن الأرض سطح وأنكر أن الأرض كرة، مستدلا بقوله تعالى {وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}[الغاشية:20] وكذلك الإمام ابن حجر رحمه الله في فتح الباري في كتاب الكسوف أنكر أن القمر يسبب في كسوف الشمس وخسوف القمر وقال كيف هذا والقمر أصغر من الشمس بكثير لأنه لم يفهم..

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور دعنا نتحدث في موضوع التطور في الذات يعني حتى لا نتشعب في الموضوع.

أسامة حسن: نعم، جزاكم الله خيرا. فأقول إذا ثبت من علم البيولوجيا نظرية الارتقاء فلا بد أن نجمع بينه وبين أدلة القرآن فنقول لما يقول الله تعالى أنه خلق آدم بيديه فمن معاني هذه الآية أنه خلقه بأسمائه الظاهر والباطن مثلا وإذا قال..

عثمان عثمان (مقاطعا): نعم، دكتور، دكتور (هاني رزق) أشكرك جزيل الشكر من بريطانيا، فضيلة الدكتور البعض يتحدث عن قدسية النص القرآني أن النص القرآن مقدس لا شك في ذلك ولكن لا يتحدث في المقابل عن قدسية التفاسير، يعني هذه التفاسير تختلف باختلاف فهوم البشر باختلاف التطور العلمي وربما ما أشار إليه الدكتور أسامة حسن الآن؟

يوسف القرضاوي: طبعا من يقول إن التفاسير مقدسة أو معصومة؟! كثير من المفسرين لهم خرافات لا نقبلها وهم يعني يفسرون بمنطق عصرهم وبثقافة عصرهم فكثيرا ما نجد في بعض التفاسير ما نرفضه نحن في عصرنا اليوم، الأشياء التي، كنت لم أسمعه جيدا يعني عن السيوطي أو غيره، ممكن..

عثمان عثمان (مقاطعا): لا هو كان يتحدث في هذا الموضوع أن هناك بعض النظريات العلمية تحدث بها بعض المفسرين كأن الأرض مسطحة ثم تبين علميا بأن الأرض كروية بمعنى آخر يعني أن العلم يتطور ويثبت حقائق علمية جديدة.

يوسف القرضاوي: هذا يعني علماء من هذا النوع قالوا إن الأرض مسطحة ولكن هناك علماء مثل ابن حزم مثل الفخر الرازي ذكروا أن الأرض كروية، ابن حزم في كتابه "الفصل في الملل والنحل" ذكر أن الأرض كروية ودلل عليها أدلة قوية جدا وكان هذا يدرس وبعض الكتب التي كانت تدرس في الأزهر قديما كان فيها أن الأرض كروية..

عثمان عثمان (مقاطعا): لا هو ربما أراد أن يدلل أن هناك تطورا في العلم.

يوسف القرضاوي: صحيح لم يصلوا في ذلك الوقت أنها كانت تدور حول الشمس أو كذا إنما وصلوا إلى الكروية فإذا كان هناك بعض علماء أنكروا، إذا كان نحن في عصرنا وجدنا من ينكر كروية الأرض ومن يقول إن الأرض مسطحة وينكر اللي بيعرفه التلميذ في الابتدائي اللي بيدرس الجغرافيا الفلكية أن الأرض كروية، بعض العلماء أنكروا هذا يعني فلا تستند على السيوطي أو غيره أن يقول مثل هذا.

عثمان عثمان: طبعا نحن كروية الأرض أو أنها مسطحة ربما ليست موضوعنا فضيلة الدكتور. بالعودة إلى موضوع التطور يعني هناك اعتقاد يقول بأن الخلق نشأ مستقلا وبشكل متوازن كل نوع على حدة ثم جاءت نظرية داروين وقالت بوحدة الخلق وأنه نشأ من أصل واحد ثم تطور وتنوع إلى أنواع وسلالات يعني هل في التصور الإسلامي ما يمنع ذلك؟ البعض يقول وحدة الخلق تدل على وحدة الخالق؟

يوسف القرضاوي: ما معنى وحدة الخلق؟ يعني هو وحدة الخلق أن الخلق جميعا يعني على طريقة واحدة يعني من الذرة إلى المجرة تجد تناسقا في هذا الكون إنما ليس معناه أنه هو من، الله تعالى حينما خلق الإنسان وخلق {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً..}[البقرة:29] فخلق الإنسان ليكون خليفة في الأرض وخلق في الأرض ما يحتاج إليه هذا الإنسان، فكيف يكون يعني هذا، مثل هذا، يعني هذا مخلوق قصدا وهذا مخلوق لخدمة هذا الشيء خلق لهذا،  {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ..}[الجاثية:13] فالمسخر والمسخر له ليسا شيئا واحدا فإنما وحدة الخلق تدل على، من ينظر في الذرة وهي أصغر المخلوقات وينظر في المجرة اللي هي هذا الشيء الكبير الذي يجمع المجموعات المختلفة مثل المجموعات الشمسية وغيرها وكذا يجد أنها تدل على أن الخالق واحد، دي تدور بنفس الطريقة التي تدور بها هذه، فهذا معنى وحدة الخلق هذا يدل على أن الخلق واحد كما قال أبو العتاهية

ألا إننا كلنا بائد             وأي بني آدم خالد؟

ولله في كل تحريكة      وفي كل تسكينة شاهد

وفي كل شيء له آية       تدل على أنه الواحد

فهو واحد، يعني هو الذي خلق الجميع هو الذي يدبر أمر الجميع هو الذي يرعى الجميع، هذه هي الوحدة المطلوبة.

وجه الخطورة في نظرية التطور

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني أحد الأوجه التي وجه بسببها الكلام إلى داروين بأنه إلحادي أن نظريته تؤدي في النهاية بالقول إلى أن هذا الكون ولد صدفة، يعني أن الكلام في تفاصيل الخلق والأنواع والتطور وما شابه ذلك هل يتعرض مع أن للكون خالقا واحدا؟

يوسف القرضاوي: ما فهمتش السؤال.

عثمان عثمان: يعني أقصد أن نظرية داروين اتهم بالإلحاد بسببها لأنه يعني ربما يخلص في نهايتها إلى أن الكون خلق صدفة، هل هذا يتنافى مع أن للكون خالقا واحدا؟

يوسف القرضاوي: طبعا إذا كان صدفة يتنافى مع الخلق، الخلق معناها أنه في قصد، ونحن نعتقد أن كل شيء في الكون خلق قصدا ليحقق هدفا ويؤدي خدمة معينة كل شيء من يعني الصغير إلى الكبير، الصدفة مرفوضة دينيا ومرفوضة علميا يعني البعض..

عثمان عثمان: الدخول في تفاصيل عملية التطور هل يتعارض مع أن للكون خالقا واحدا، الدخول في تفاصيل هذه النظرية؟

يوسف القرضاوي: ليس من الضروري، ليس ضرورة أنه يتعارض مع أن هناك خالقا وكان والس وهو زميل بتاع، مؤمن بالله ومن أقوى الناس إيمانا وهو يقول بالتطور وتطور الأنواع فهذا ليس بالضرورة أنه يفيد الإلحاد إنما إيحاء النظرية، النظرية لها مضمون منطوق ولها إيحاء، إيحاؤها يعني يوحي بأنه كأن الكون ده ما فيش، هو كلامه أنه نشأت بتطور لوحدها مش بفعل فاعل فهذا هو الخطر في النظرية، إيحاء النظرية. وإيحاء النظرية مش بس في التطور في الحيوان وفي تطور الأحياء، حتى في التطور بالمعاني الأخرى هناك أناس قالوا بالتطور الاجتماعي مثل دوركهايم والتطور الأخلاقي مثل سبنسر وكارل ماركس، ليس هناك شيء ثابت ليس هناك عقائد ثابتة ليس هناك قيم ثابتة ليس هناك أخلاق ثابتة، كل شيء يتطور ممكن اللي كان فضيلة بالأمس يكون رذيلة اليوم أو بالعكس اللي كان حقا بالأمس يكون باطلا اليوم واللي يكون النهارده باطلا يكون حقا غدا فليس هناك شيء ثابت، هذا هو ما نرفضه، هل الأصل أن كل شيء ممكن أن يتطور إلى شيء آخر ولا في أشياء ثابتة؟ الله ثابت  {فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ..}[يونس:32] ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، العقائد الدينية ثابتة، القيم الأخلاقية أصول القيم الأخلاقية ثابتة إنما الأشياء الفرعية هي اللي ممكن تتغير، يعني ممكن اللباس ده محمود في وقت من الأوقات ومذموم في وقت من الأوقات، الأشياء الجزئيات، التفاصيل، الفرعيات، إنما أصول الدين أصول القيم أصول الأخلاق هذه هي الثابتة.

عثمان عثمان: يعني هناك خوف من أن تنتقل نظرية التطور من الأمور الطبيعية البديهية إلى أمور محظور عليها أن يعني يتم الحديث فيها؟

يوسف القرضاوي: نعم هو هذا الذي يخشى وجعل الكثير من الدينيين يقفون في وجه النظرية الدينية لما توحي به.

عثمان عثمان: نعم. الأخ سفيان يقول لو افترضنا أن نظرية داروين صحيحة فلماذا تميز الإنسان بالعقل من بين كل المخلوقات والتي حسب النظرية هي مشتقات من أصل واحد؟ أيضا الأخ عبد العظيم فهمي المراغي، ما رأي فضيلة الشيخ في كتاب الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين "أبي آدم" الذي يوضح فيه أن نبينا آدم ليس أول البشر بل نبي مصطفى؟ وهل خلقت أمنا حواء بنفس طريقة خلق نبينا آدم؟

يوسف القرضاوي: أولا أنا لم أر كتاب الدكتور أخونا وصديقنا الدكتور عبد الصبور شاهين للأسف ولكني أخالف في هذا، آدم هو أول البشر، آدم أبو البشر ولذلك نخاطب، يا بني آدم، كل البشر يا بني آدم هذا زي يا أيها الناس، يا بني آدم، كلنا أبناء آدم، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم كلكم لآدم وآدم من تراب. فالأسرة إحنا بنستدل على أن وحدة البشرية بأن ربها واحد وأباها واحد ينتسبون من جهة النسب إلى أب واحد ومن جهة الخلق إلى رب واحد، فآدم أبو البشر قطعا. وبعدين قلت إيه في الآخر أيضا آخر سؤال؟

عثمان عثمان: يعني هذا موضوع يتعلق في أنه هل خلقت حواء كما خلق آدم عليه السلام، بنفس الطريقة.

يوسف القرضاوي: آه طبعا هناك كثير من المفسرين يقولوا خلقت من ضلع آدم وهذا موجود في التوراة، في سفر التكوين أن آدم خلقت حواء من ضلعه وبعضهم بيستدل على هذا بقوله {..خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا..}[النساء:1] ولكن كلمة منها ليس معناها أنه منها من الجزئية، كما قال الله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا..}[الروم:21] خلق لكم من أنفسكم أزواجا، خلق منها، يعني {..وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ..}[النحل:72] فمنها أي من جنسها، لتألفه ويألفها لتأنس إليه ويأنس إليها، ليسكن إليها كما قال الله تعالى.

عثمان عثمان: نعم في الختام فضيلة الدكتور العلامة يوسف القرضاوي لا يسعنا إلا أن نشكركم على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة