عبد الله نوري.. الوضع السياسي في طاجيكستان   
السبت 1426/2/15 هـ - الموافق 26/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:42 (مكة المكرمة)، 10:42 (غرينتش)

- تقييم الوضع السياسي في طاجيكستان
- دواعي تأسيس الحزب الديمقراطي
- الحرب الأهلية وأحداث سبتمبر

بيبه ولد مهادي: مشاهدينا الكرام طابت أوقاتكم بكل خير أينما كنتم، في هذا اللقاء نستضيف السيد عبد الله نوري رئيس حزب النهضة الإسلامي وأحد أبرز الوجوه المعارضة في طاجكستان.

تقييم الوضع السياسي
في طاجيكستان

بيبه ولد مهادي: السيد عبد الله نوري سأبدأ معكم بسؤال عام عن تقييمكم للوضع السياسي في البلاد؟

عبد الله نوري: بسم الله الرحمن الرحيم، كما تعلمون جرت في طاجيكستان انتخابات برلمانية وهناك ستة أحزاب سياسية بينها حزب النهضة الإسلامي الذي ينشط في العمل السياسي، لم تواجهنا أي مشكلات قبل هذه الانتخابات وقد قدمنا خمسة وعشرين مرشحا شاركوا بفاعلية في الحملة الانتخابية.

بيبه ولد مهادي: حزبكم إذاً ذو توجه ديني وهذا بعد أربعة عشر عاما من انهيار الاتحاد السوفياتي، هل يمكن أن نقول اليوم بأن طاجيكستان مازالت بلداً شيوعياً أم أنها أصبحت بلداً متعدد التوجهات السياسية.. المشارب السياسية؟

عبد الله نوري: كانت سياسة طاجيكستان في العهد السوفياتي شيوعية لكن الشعب مسلم وكان الناس يؤدون شعائرهم سرا وفي العلن أحيانا، بعد سقوط النظام الشيوعي وقيام الجهاد والمصالحة في طاجيكستان أصبحت الحرية الدينية والحريات بشكل عام مُشِعة أكثر من ذي قبل وتنقسم الجماعات الدينية في طاجيكستان إلى أربعة أقسام، فهناك حزب النهضة الإسلامي الذي ينشط في المجال السياسي وهناك جماعة تُدعى جمعية العلماء وتعمل في المساجد بإشراف من الحكومة، كما أن هناك جماعة أخرى لا تنتمي للنهضة ولا تعمل مع الحكومة ويقوم أعضاؤها سرا بتعليم الخطباء وأئمة المساجد، هذا إلى جانب جماعات صوفية أغلبها على الطريقتين النقشبندية والقادرية. ويختلف التصوف في طاجيكستان عما هو معروف في بلدان أخرى، التصوف في طاجيكستان خال من الخرافة وقد خدمت جمعيات التصوف الإسلام في العهد السوفياتي أكثر من الجماعات الأخرى. وباستثناء حزب النهضة الإسلامي فإن الأحزاب الخمسة الأخرى متشابهة في نهجها السياسي وتهدف إلى تحقيق مكاسب دنيوية، هناك حزبان رئيسيان في طاجيكستان هما حزب الشعب الديمقراطي الحاكم وهو شيوعي وحزب النهضة الإسلامي الذي يرى المراقبون أنه الحزب الثاني من حيث الأهمية.

بيبه ولد مهادي: حزب النهضة الذي ترأسونه إلى أي التيارات هو أقرب؟ هل هو أقرب إلى الإخوان المسلمين؟ هل هو أقرب إلى السلفية؟ أم أنكم تتفقون مع هذا التيار أو ذلك في جوانب معينة وتختلفون معه في جوانب أخرى؟

"
حزب النهضة الإسلامي تأسس قبل 32 عاما في عهد كان يُمنع فيه الخروج من البلاد تحت الحكم السوفياتي، فأسست جماعة من الشبان هذا الحزب عام 1973 دون أي تأثير خارجي
"
عبد الله نوري: حزب النهضة الإسلامي تأسس قبل اثنين وثلاثين عاما في عهد كان يُمنع فيه الخروج من البلاد تحت الحكم السوفياتي ولم يكن يُسمح بالخروج إلا لعملاء جهاز الاستخبارات (K.G.B)، إذاً أسَّست جماعة من الشبان هذا الحزب عام 1973 دون أي تأثير خارجي، كنا نسعى إلى الاطلاع على أفكار الحركات الإسلامية وبما أن الكتب والمذكرات لم تكن متاحة فإننا كنا نتابع أخبار تلك الحركات وأفكارها عن طريق الإذاعة. والواقع أن فكر حزب النهضة الإسلامي مستوحىً من القرآن الكريم والحديث الشريف والفقه الحنفي وقد وُلِد هذا الحزب ردا على الضغوط الشيوعية ولإيجاد بديل عن الفكر الشيوعي، نحن نتماشى في أفكارنا وأهدافنا مع تنظيم الإخوان المسلمين وقد استفدنا من كتب حسن البنا وسيد قطب ومحمد قطب ومحمد الغزالي والمودودي ووجدنا ما كنا نريده في تلك الكتب والرسائل ونحن بصفتنا حركة مستقلة نستطيع التعامل مع جميع الحركات الإسلامية.

دواعي تأسيس الحزب الديمقراطي

بيبه ولد مهادي: التيار الإسلامي في طاجيكستان مُمَثَّل اليوم بحزبين معترف بهما حزب النهضة والحزب الديمقراطي، ما الذي دعا إلى تأسيس الحزب الديمقراطي الذي خرج مؤسسوه من حزبكم؟ هل هي خلافات سياسية خلافات فكرية أم أن حتى في.. إذا كانت هناك خلافات هذه أيضا ظاهرة صحية؟

عبد الله نوري: في عام 1992 فُرِضت علينا الحرب من الخارج وعندما بدأنا المقاومة كان حزب الشعب الديمقراطي منخرطا في المقاومة إلى جانب حزب النهضة وبسبب الحرب هاجرنا إلى أفغانستان وهناك عملنا على إعادة تنظيم حزب النهضة الذي انضم إليه كثير من أعضاء الأحزاب الأخرى وقادتها لأنهم لاحظوا أن تلك الأحزاب مفككة وتفتقر إلى الترابط والانسجام، كانت علاقة هؤلاء بحزب النهضة علاقة تنسيق فحسب ولم يكونوا أعضاء في الحزب وقد شكَّلنا مع هذه الشخصيات والأحزاب ائتلافا للمعارضة في المهجر وبما أنه لم يكن بوسع حزب النهضة مواجهة الحكومة وحده دعونا مختلف الأطراف المعارضة إلى العمل ضد الحكومة تحت قيادة حزب النهضة الإسلامية وعندما عُدنا إلى الوطن شق كل فريق لنفسه طريقا خاصا به حتى السيد توراه جانزاده الذي كان عضوا بارزا في النهضة الإسلامية انضم إلى الحكومة وانخرط في سلك القضاة.

بيبه ولد مهادي: أستاذ عبد الله نوري، سنواصل الحوار معك وسنتطرق إلى ما تسميه بالجهاد ويسميه آخرون بالحرب الأهلية التي دارت في طاجيكستان ما بين عامي 1992 و1997. مشاهدينا الكرام فاصل قصير نعود بعده لاستئناف الحوار مع السيد عبد الله نوري رئيس حزب النهضة الإسلامية في طاجيكستان فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

الحرب الأهلية وأحداث سبتمبر

بيبه ولد مهادي: مرحبا بكم من جديد، نواصل إذاً حديثنا مع السيد عبد الله نوري رئيس حزب النهضة الإسلامي في طاجيكستان، السيد نوري ما جرى في طاجيكستان بين عامي 1992 و1997 تسمونه بالجهاد يسميه آخرون بالحرب الأهلية، المهم أنه كان اقتتال بين الطاجيك، ما هو الدور الذي قمتم به في تلك الحرب وكذلك في المصالحة التي وضعت حدا للاقتتال الداخلي منذ حوالي ثماني سنوات؟

عبد الله نوري: إثر سقوط الاتحاد السوفياتي ظهرت بوادر الديمقراطية في الجمهوريات التي كان يتألف منها وأعلنت معظم تلك الجمهوريات استقلالها الواحدة تلو الأخرى وقد اغتنمت جمهوريات آسيا الوسطى الفرصة وورثت عن الاتحاد السوفيتي بعض الثروات بإعلان استقلالها مبكرا، أما طاجيكستان فلم تستوعب للأسف الشديد الوضع بسرعة وظلت تُصغي إلى القادة الشيوعيين وتنتظر الأوامر من موسكو إلى أن قامت انتفاضة شعبية تطالب بالاستقلال وقد استفاد حزب النهضة الإسلامي من مستوى التنظيم والانسجام في صفوفه وخرج إلى الساحة السياسية مُنخرطا في المقاومة ومُطالبا بالاستقلال، كانت الحكومة يومها غير راضية عن هذه المطالب وشكلت فيلقا لقمع الانتفاضة الشعبية وأسندت قيادته لمجرم أمر بقتل وتشريد المقاومين وقد دعوت حينها إلى الهدوء والمصالحة ووقف القتال وإلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات بحثا عن حل سلمي.

بيبه ولد مهادي: على ذِكر المصالحة، هل هي راسخة بما فيه الكفاية في طاجيكستان؟ هل هناك مخاوف من عودة البلاد إلى فترة عدم الاستقرار؟ وما تعليقكم على ما يقولون إن بعض المجاهدين كما تسمونهم أو بعض يعني الزعماء العسكريين في تلك الفترة مازالوا يحتفظون بأسلحتهم تحسبا لأي طارئ؟

عبد الله نوري: لم انته بعد من الإجابة عن السؤال السابق وأود أن أقول إننا لم نبدأ بالحرب ولم تكن لدينا القدرة على القتال، حتى أنه لم تكن لدينا بندقية واحدة أو سكين، لم نكن نهدف إلى القتال وإنما إلى الحل السلمي لكنهم بدؤوا بقتالنا وارتكبوا مجازر وشردوا أناسا كثيرين حتى غرق بعضهم في نهر جيحون وحتى عندما حُمِلنا على الهجرة كنا ندعو إلى الحل السلمي وفي عام 1993 جاءنا المبعوث الروسي بريماكوف في أفغانستان فجددنا له عدم رغبتنا في الاقتتال والتزامنا بالمطالبة بالحل السلمي، اتفقنا على مبدأ الهدنة إلا أن المفاوضات بشأنها استغرقت أربع سنوات، وجدنا إذاً طريقا إلى العودة وظلَّت الهدنة قائمة وكانت لدي الطرفين رغبة في إحلال السلام بخلاف دول في المنطقة وجِهات في داخل البلاد كانت تعمل من أجل تقويض تلك الهدنة، لكننا تداركنا الموقف وأصررنا على التمسك بها ومازالت تلك الهدنة قائمة، لقد تضرر الشعب الطاجيكي كثيرا من تلك الحرب وهو لا يريد العودة إلى عهد الاقتتال، لذلك ندعو كل الأطراف إلى تقديم مصلحة الوطن على المصالح الشخصية والحزبية.

بيبه ولد مهادي: بصفتكم زعيما ورئيسا لحزب النهضة الإسلامي وأحد أبرز وجوه المعارضة في طاجيكستان، كيف تنظرون إلى الوجود الأميركي.. لنَقُل الاهتمام الأميركي ببعض من جمهوريات أسيا الوسطي؟ وهل ترون أن على دوشامبي أن تمد يدها إلى هذا الاهتمام أم أن عليها أن تمسك العصا كما يقال من الوسط مراعية علاقاتها التقليدية مع روسيا؟

"
أميركا تسعى لإقامة الديمقراطية من وجهة نظرها، لكنها لا تستطيع فرض سياستها وأهدافها وثقافتها في طاجيكستان
"
عبد الله نوري: لقد أصبح العالم قرية واحدة بسبب التقنيات الجديدة ويحتاج كل شخص في هذه القرية إلى التعاون والتعامل مع الآخرين لكي يعيش وطاجيكستان مثل بقية الدول لا تستطيع أن تعيش في معزل عن الآخرين ويجب أن تكون لدينا دولة وحكومة سواء رضينا عن تلك القرية أو لم نرض عنها، نحن نرحب بوجود قوات أميركية وأوروبية في طاجكستان ولا تطرح المسألة أي إشكال بالنسبة إلينا، لكننا نرفض أن تأتي تلك القوات لتفرض علينا قيودا ثقافية أو سياسية، نحن ندرك أن أميركا تسعي إلى إقامة الديمقراطية من وجهة نظرها ولا أظن أنها تستطيع أن تفرض سياستها وأهدافها وثقافتها في طاجيكستان، شعب طاجيكستان يرحب بأي بلد لا يعارض مقدساتنا ومع أن طاجيكستان دولة صغيرة فإنها لا ترضى بأن يسيء أي كان إلى مقدساتنا الوطنية، الولايات المتحدة وأوروبا تسعى إلى بسط نفوذها في عدد من المواقع التي كانت روسيا تُهمين عليها وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر تعزز هذا التوجه وبدأت روسيا تترك مواقعها تدريجيا في طاجيكستان وعلى سبيل المثال فإن القوات الروسية أخلت مواقع لها على الحدود الجنوبية لطاجيكستان ونعلم أن حرس الحدود الذين سيحلّون محل القوات الروسية سيحصلون على دعم أميركي وسيتعزز الوجود الأميركي يوما بعد آخر ليحل الأميركيون محل الروس ومعلوم أن الشعب الطاجيكي تعايش مع روسيا فترة طويلة وهو يفضل التعامل معها على التعامل مع الولايات المتحدة الأميركية، كما أن حكومة طاجيكستان بدأت تتخذ مواقف جيدة تجاه روسيا وترغب في استمرار التعاون معها وتعطى الأولوية للعلاقات مع الروس، نلاحظ إذا أن طاجيكستان تعيش مرحلة تتعامل فيها مع كلا من روسيا والولايات المتحدة.

بيبه ولد مهادي: هجمات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية كانت لها تداعيات كبيرة على عدد من البلدان والمنظمات والجمعيات الإسلامية، فهل تضررتم في حزب النهضة الإسلامي من تلك التداعيات؟

عبد الله نوري: نعم، واجهتنا مشكلات يقولون أن القاعدة هي المسؤولة عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر لكن هناك أيضا من يقولون إن أميركا هي التي خططت لتلك الهجمات، لا يهمنا من المسؤول عن الحادي عشر من سبتمبر لكننا تضررنا بسببه لأن الولايات المتحدة أدرجت اسم النهضة الإسلامي على لائحة المنظمات التي تصفها بالإرهابية وقد كتب الأميركي روبرت باير في كتب له أنني قمت بدور الوسيط بين إيران وبن لادن والواقع أنني لم ألتق بن لادن قط، لقد وجهوا إلينا تلك الاتهامات ومارست علينا السلطات في طاجيكستان ضغوطا مكثفة بصفتنا حزبا دينيا وبلغ الأمر أن عددا من أعضاء حزب النهضة دعوا إلى الجهاد وطالب آخرون بأن نبحث الموضوع مع الحكومة وقد تمكنت قيادة الحزب من إقناع هؤلاء بالهدوء لتجنب الوقوع في المصيدة وخرجنا من الأزمة بسلام.

بيبه ولد مهادي: جوابكم هذا يقودني سيد عبد الله نوري إلى السؤال الأخير وأرجو أن تكون الإجابة عنه مختصرة من فضلكم، كيف تنظرون إلى ما يقع في مناطق مختلفة من العالم بدعوى محاربة ما يسمى بالإرهاب؟

عبد الله نوري: حسنا، أنا أقسِّم الموضوع إلى قسمين، قسم أوافق عليه وقسم لا أوافق عليه لأن تسميته يمكن أن تكون صادرة عن الأعداء، فلو نظرنا إلى فلسطين وما يقوم به الشبان الفلسطينيون دفاعا عن وطنهم وهويتهم وعزتهم نرى أنه نتيجة لما يتعرضون له من قتل وظلم وتشريد على أيدي الصهاينة، يُقتَل آباؤهم وأمهاتهم فيبقون وحيدين فيكون الموت أفضل بالنسبة لهم من الحياة وعندما يقوم هؤلاء بعمليات فدائية فيُسْتَشْهَدون لا نستطيع أن نعتبر ذلك إرهابا، الذين يقصفون الفلسطينيين من الجو والبر ويدمرون بيوتهم ومزارعهم بالجرافات أليسوا إرهابيين؟ الشعب الذي يدافع عن أرضه وهويته يوصف بالإرهاب، يجب التمييز بين هذا وذاك، في المقابل هناك إرهاب وإرهابيون نُدينهم، يمكن أن يكون هؤلاء الإرهابيون مسلمين أو نصارى أو يهودا، هناك إرهابيون في أميركا وأوروبا وهناك إرهابيون في البلدان الإسلامية ولا ندرى ما هي دوافعهم وهل لهم أهداف سياسية أم أنهم يهدفون إلى الحصول على المال وهل تقف ورائهم جهات أخرى، نحن ندين هذا الإرهاب وهؤلاء الإرهابيين.

بيبه ولد مهادي: أدركنا الوقت، شكرا جزيلا لكم السيد عبد الله نوري رئيس حزب النهضة الإسلامي وأحد أبرز المعارضين في طاجيكستان، مشاهدينا الكرام لم يبق لنا سوى أن نشكركم أنتم أيضا لكم تحياتنا جميعا والسلام عليكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة