فكتور يوتشينكو.. أوكرانيا بعد الثورة البرتقالية   
الثلاثاء 1426/1/20 هـ - الموافق 1/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:28 (مكة المكرمة)، 14:28 (غرينتش)

- الثورة البرتقالية وقضية التمويل
- يوتشينكو.. الانتخابات وقضية التسميم

- العلاقات الروسية والانضمام لحلف الناتو

- أميركا ومستقبل القوات الأوكرانية في العراق



أكرم خزام: أعزائي المشاهدين أهلا وسهلا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج لقاء خاص والتي نجريها مع السيد فكتور يوشينكو رئيس جمهورية أوكرانيا، السيد الرئيس شكرا لكم على منح قناة الجزيرة هذا اللقاء في بيتكم، أريد أن أبدأ بالسؤال عن شخصكم تحديدا.. جمهورنا تعرَّف عليكم من خلال ميدان التحرير، مَن هو يوشينكو في حقيقة الأمر؟

الثورة البرتقالية وقضية التمويل

فكتور يوشينكو– الرئيس الأوكراني: أنا أعيش في هذا العالم منذ خمسين عاما وخلال حياتي ربما حققت كافة الطموحات التي كنت أصبو إليها، على سبيل المثال بصفتي رجل مال فقد كنت محافظا للمصرف المركزي وبالمناسبة انتُخبت لهذا المنصب مرتين لكن ذلك كان منذ زمن بعيد وإنني سعيد لكوني اجتزت هذا الدرب ونفذنا إصلاحات مالية هي الأفضل في أوروبا وسعيد لكوني شغلت منصب رئيس الوزراء لهذا البلد لأن أحدا لم يوافق طوعا في تلك السنوات على تقلد هذا المنصب فالكل كانوا يشعرون بخيبة أمل وإذا تحدثنا عن الوقت الراهن فإنني سعيد أن أكون رئيسا لهذا البلد وعندما أتحدث بصفتي رجلا عاديا اليوم فأقول الآتي.. إن لم نتمكن من تغيير النظام السياسي ونظام الإدارة في هذا البلد فإن أحدا في البلد لن تقوم له قائمة لذلك قبلت التحدي وقبله أعضاء فريقي وإنني على ثقة بأننا سنفعل كل شيء لكي يتمكن أبناء أمتي من الاعتزاز ببلدهم ولكي يعرف العالم بأسره هذا البلد وأن أناسا أحرارا ومرفهين يعيشون فيه، أناسا أوروبيين عصريين.

أكرم خزام: السيد الرئيس منذ نوفمبر العام الماضي والنقاش يدور.. ليس في روسيا فحسب وإنما في العالم أيضا حول ما سمي بالثورة البرتقالية، هل كانت فعلا ثورة أم أنها عرض مسرحي شاركت فيه الموسيقى ويوشينكو أمام ضعف واضح للسلطة؟

"
ثورة كييف كانت من أكثر الفعاليات جماهيرية، ولم تر أوروبا مثلها منذ انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي
"
فكتور يوشينكو: لعلمكم عندما نقوم بمقارنة مع ذلك الحدث الذي سمي بثورة أكتوبر على سبيل المثال فإن لينين في عام 1917 كان يرأس حزبا يضم خمسة وعشرين ألف عضو كما يبدو لي ولم يتمكن آنذاك من حشد أكثر من عشرين ألف شخص في أي مكان، لا في كييف ولا في موسكو ولا في بطرسبيرغ ولا أدري لماذا يطلق العالم بأسره على تلك التظاهرة اسم ثورة أكتوبر العظمى وعندما يتجمع في كييف بانتظام وبصورة يومية مائة ألف ومائتا ألف ومليون شخص على مدى ثلاثة أسابيع فإنها ثورة بلا شك ولكن الثورات مختلفة فعندما نتحدث عن ثورة كييف وعن الثورة البرتقالية يجب أن نحدد بعض ميزاتها.. فهي كانت واحدة من أكثر الفعاليات جماهيرية والتي لم ترى أوروبا مثلها منذ انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق وربما لم تشهد أوروبا مثل هذه الفعالية منذ خمسين أو مائة عام هذا أولا، أما ثانيا فإن هذه الثورة كانت جميلة وربما لهذا السبب تُطرح أسئلة كثيرة وهل ما حدث ثورة فعلا أم أنها تظاهرة جميلة؟ بالطبع إنها ثورة لأنها أدت إلى تغيير السلطة لكن ما يميزها أن هذا التغيير لم يكلف حتى قطرة دم واحدة، حتى قطرة دم واحدة ولعلكم تعرفون أن شرطيا واحدا لم يكن في الساحة، كان في الساحة مئات الآلاف من المواطنين ولم يكن هناك شرطي واحد وأعتقد بأن السلطة كانت تريد وقوع حوادث هناك، كانت تريد حدوث مأساة لأن ذلك كان سيسيء ويشوه ما نسميه بالثورة البرتقالية.

أكرم خزام: فعلا لم يراق الدم لكن كُتِب الكثير وخاصة في روسيا والغرب بأن أموالا هائلة أنفقت على الثورة البرتقالية وتحديدا من قبَّل جورج سورس الذي أنفق ملايين الدولارات على هذه الثورة.

فكتور يوشينكو: أرني هذه الملايين، أعذرني لا أستطيع تقبل هذه الأسئلة من دون سخرية ولا حتى الإجابة عنها، لعلمكم لدينا اختبار بسيط للتحقيق في هذا الأمر لقد فتحنا حسابا لمساعدة الثورة والمعتصمين في ميدان الاستقلال وفي اليوم الواحد كان يحوَّل إليه من عشرة إلى ستة عشرة ألف جرفنا وخلال بضعة أيام فقط جمعنا خمسة وعشرين مليون جرفنا في هذا الحساب، أما ما أنفقناه فقد بلغ خمسة ملايين جرفنا لأننا لم نكن نعرف على ماذا ننفق هذا المبلغ فالناس كانوا يأتون إلى الساحة مع غذائهم ويطعمون الآخرين، سكان المدينة كانوا يعرضون على الوافدين من المدن الأخرى أن يقيموا في بيوتهن وكانت عشرات المطاعم تعمل في الميدان مجانا كذلك عشرات المستشفيات الميدانية كانت تعمل هناك مجانا واليوم نواجه مشكلة.. طالما نتحدث في تمويل الثورة فقد جمعنا خمسة وعشرين مليون وأنفقنا من هذا المبلغ خمسة ملايين فقط أي تبقى عشرين مليون جرفنا، نحن اليوم لا نعرف كيف يمكن أن نتصرف بهذه الأموال وفق النظام الداخلي لمركزنا الانتخابي، بعبارة أخرى إذا تحدثنا بصورة تقريبية فإننا ربحنا من هذه الثورة ولدينا عشرين مليون في الحساب وبما أن الثورة انتهت ولم تعد هناك حاجة لإنفاق هذه الأموال فإننا لا نعرف كيف ننفق هذه الأموال وبخصوص المساعدات الأجنبية فما هي إلا أساطير، مع ذلك أعلم أن الأموال يمكن أن تُجلب إلى البلاد من الخارج لتمويل بعض الأعمال الاجتماعية لكنني أعتقد بأنه لا يمكن أن تشتري بالمال البريق في العيون فعيون الناس أيام الثورة كان فيها من البريق والفرح ما لا يمكن شرائه بالمال.

أكرم خزام: أنا لم أقل هذا الكلام، لقد شاهدت أفلام وثائقية عرضها التلفزيون الحكومي الرسمي تدعي أنه تم التحضير للثورة في واشنطن ثم في يوغسلافيا والمثال على ذلك حسب الفيلم ما حدث في جورجيا ومن بعدها أوكرانيا ثم قلديزيا وملدوفيا؟

فكتور يوشينكو: هذه التفسيرات يمكن أن تصدر عن أناس لا يفهمون شيء في أوكرانيا ويؤسفني وجود مثل هذه المواقف بما في ذلك في روسيا لكن ثقوا بأنها ليست مشكلة أوكرانيا، إنها مشكلة روسيا وأولئك الذين ينظرون بهذه الطريقة إلى المعارضة الأوكرانية وباعتقادي فإن أولئك الذين يعرفون أوكرانيا ويفهمون ما حدث فيها خلال شهري نوفمبر وديسمبر لا يمكن أن يخرجوا بمثل هذه الاستنتاجات أبدا.

يوتشينكو.. الانتخابات وقضية التسميم


أكرم خزام: أزور أوكرانيا بين الحين والآخر وتولد لدي شعور خلال هذه الزيارات بأن الناس يعولون عليك، إذا لم تستطع تحقيق ما وعدت به الناس خلال عام هل ستعلنون الاستقالة؟

"
قد نتمكن من إخراج الاقتصاد من الظل بنسبة 15-25%، وإذا فعلنا ذلك بالإضافة إلى الخصخصة الشفافة والإدراة الفعالة سنتمكن من تحقيق ميزانية تزيد على 10 مليارات أو 15 مليار دولار بحلول يونيو أو أغسطس المقبلين
"
فكتور يوتشينكو: لن أستقيل من منصب الرئيس لأنني سأوفي بكافة الوعود، لنتحدث في هذا الأمر بقدر من الجدية، لتحقيق بعض الرخاء لدى الناس هنا في أوكرانيا لابد من تغيير بعض الأمور وهذه الأمور تحتاج إلى وقت، المسألة الأولى أي المشكلة الأولى لهذا البلد هي الفساد الذي اخترق كافة شرائح الخدمة الحكومية وأجهزة الدولة وكافة البنى والمؤسسات والشرطة ومجلس الأمن الأوكراني ومصلحة الضرائب وكافة المؤسسات الأمنية بالدرجة الأولى وليس هذه المؤسسات فحسب وإنني أعرف أن هذه المشكلة موجودة في العالم العربي وفي أوروبا القديمة وفي أوروبا.. هذه كانت موجودة في يوم ما وستبقى لفترة ما ولكنها ستزول بمرور الوقت، أوكرانيا هي الأخرى ستجتاز هذه المشكلة ومدة عام واحد فقط كافية لتحقيق بعض النتائج، أما المشكلة الثانية فهي اقتصاد الظل فعلى مدى العقد السابق تقريبا عاش هذا البلد عمليا في ظروف اقتصاد الظل العميق الذي لم يعمل لصالح الإنسان، هناك أسباب عديدة لعمل الاقتصاد بهذه الصورة، الدولة تتحمل جزء من هذا الذنب ويوجد أيضا ذنب السعي الإجرامي المرخص من السلطات، مشكلة اقتصاد الظل أكثر تعقيدا وباعتقادي فإننا سنكون قادرين خلال عام واحد على إخراج الاقتصاد من الظل بنسبة 15% أو20% أو25% وإذا فعلنا ذلك بالإضافة للخصخصة الشفافة والإدارة الفعالة لاحتكارات الدولة التي كانت ترفد خزينة البلاد بالأموال فعلى ما أعتقد سنتمكن بفضل هذه العوامل الأربعة أن نحقق مع حلول يونيو أو أغسطس ميزانية تزيد على عشرة مليارات أو خمسة عشرة مليار، أما اليوم فإن عجز الميزانية يبلغ خمسة عشرة مليار أي أن المهمات الماثلة أمامنا معقدة للغاية.

أكرم خزام: معذرة.. القضية محرجة بالنسبة لي لكن أريد أن أسألكم عن قضية السُم التي تعرضتم لها، في رأيكم ما هو الهدف من تسميمكم وإلى أين وصل هذا الملف؟

فكتور يوشينكو: إذا عدنا إلى ذلك الوقت عندما وقع ذلك فإن الزمن يتحدث عن نفسه ولماذا فعل ذلك؟ بالطبع فإن التسميم كان ذا صلة بالانتخابات الرئاسية في هذا البلد وبالطبع فإن التسميم كان مرتبطا بعزلي عن الانتخابات بصفتي مرشح المعارضة لذلك كانت السلطة مطمئنة من أن يوشينكو لن يفوز في الانتخابات لأن يوشنيكو سيزول، السلطة أعلنت ذلك، أعلنت ذلك على الملأ ورغم أنني لم أشعر بالارتياح لسماع ذلك إلا أنني أشكر الأقدار لأنني كنت مؤمن بأننا سننتصر ومعي عشرات الملايين كانوا يؤمنون بالنصر وهناك بضعة مشاهد تبعث على الأسف، إنني أفهم أن ما جرى لي هو ثمن ما حل بأوكرانيا على مدى أربعة عشر عام، خلال السنوات الأربعة عشرة الأخيرة، انخفض عدد سكان أوكرانيا بمقدار خمسة ملايين نسمة، خمسة ملايين شخص اختفوا لأنهم لم يحصلوا على الدواء أو المعاشات التقاعدية أو قطعة خبز أما الثمن الذي دفعته أنا شخصيا فهو التسميم السياسي، إنهم لم يريدوا أن أفوز أنا كقائد وكذلك أولئك الذين ساروا معي على الدرب نفسه، من المؤسف أن هذه المأساة كانت مأساوية أيضا بالنسبة لأسرتي فوالدتي لم تتحمل هذه المأساة وقضت نحبها، كذلك بالنسبة لأسرتي زوجتي وأطفالي عانوا كثيرا بسبب ما جرى لي والمعاناة لا زالت مستمرة وليس بالنسبة لي فقط ومع ذلك فإنني متفائل والأهم أنني ما زلت حيا والأهم أنني لست معاقا والأهم أنه تم كشف القصة بكاملها فيما يتعلق بخصائص السُم وكيف أُحضر إلى أوكرانيا وكيف يمكن مقاومته.. لذلك فإنني سعيد في كل يوم من أيامي لأنه يوم للكفاح في سبيل مستقبل أوكرانيا وفي سبيل التغلب على مرضي وأقول دائما لمواطني أوكرانيا متى ما تعافت أوكرانيا سأبرأ من مرضي، هذان الأمران مرتبطان فيما بينهما أما اليوم فيجري تحقيق جنائي وأعتقد بأن النيابة العامة والمحققين حصلوا على معلومات كثيرة بخصوص هذا السُم والمختبرات التي ربما حُضِر فيها ويجري الآن تحليل المعلومات لمعرفة المختبرات والبلدان التي أحضر منها هذا السُم إلى أوكرانيا، بعبارة أخرى فإنه ليس من الصعب على النيابة العامة أن تحدد الجهة التي تقف وراء هذا العمل.

أكرم خزام: في وسائل الإعلام الأوكرانية المؤيدة لكم تتم الإشارة في قضية السُم إلى ضلوع موسكو ودورها، ما رأيكم؟

فكتور يوشينكو: أقول صراحة من الصعب علي أن أجيب عن هذا السؤال لأنني أفضل أن يجيب التحقيق عن هذا السؤال ويحدد مصدر السُم وكيف أحضر إلى أوكرانيا وغيرها من ملابسات استخدامه، أريد أن أقول شيئا واحدا فقط.. لم تكون استثناءات من وجهة نظر التحقيق، التحقيق سيجري وفق كافة المعطيات المتوفرة بالنسبة لمنشأ هذا السُم وإحضاره إلى أوكرانيا لذلك أفضِّل التعليق على هذا الموضوع بعد أن تستوضح النيابة العامة كافة ملابساته.

أكرم خزام: أعزائي المشاهدين وقفة إعلانية قصيرة نعود بعدها إلى الحوار مع السيد فكتور يوشينكو رئيس جمهورية أوكرانيا.

[فاصل إعلاني]

العلاقات الروسية والانضمام لحلف الناتو


أكرم خزام: السيد الرئيس طالما أن الكلام جرى عن موسكو أرجو الحديث بصدق، كيف هو حال العلاقة مع العاصمة الروسية؟ تقولون عن اتفاقات معينة وعن ضرورة تعميق العلاقة مع روسيا لكن الواضح أن توترا معينا يسود تلك العلاقة، ما رأيكم خاصة وأن موسكو تأمل بسوء الوضع في أوكرانيا ما يثبت صحة موقفها بعدم تأييدها ليوشينكو سابقا؟

فكتور يوشينكو: بصورة عامة العلاقات طبيعية.. هذا بصورة عامة، لعلمكم يجب أن تفهم بصورة جيدة موسكو وروسيا لتعرف ارتفاع السقف لإقامة العلاقة وثمن تلك العلاقة وربما شاءت الأقدار أن تربطنا علاقات عريقة مع روسيا لأن روسيا في واقع الأمر ذلك البلد الذي خرج من أحضان أوكرانيا تاريخيا.. وباحترامك لهذا البلد ولهذا الشعب ولتاريخه وتقاليده عليك أن تفهم أن العلاقة معه لن تكون سهلة ويستحيل أن ترقد على الأريكة وتنتظر أن تكون العلاقة طبيعية سنة أو سنتين، هذه العلاقة لها العديد من الصفحات الجيدة لكن هناك صفحات أخرى لا أود التطرق إليها أو التعليق عليها أو تركها طي التاريخ للعودة إليها فيما بعد لكنني أفهم أنني ورثت تلك العلاقات التي يعود جزء كبير منها إلى التاريخ ويتطلب التتابع والتواصل، أما الجزء الآخر فيكمن في تلك العلاقة التي أريد بناءها مع روسيا وهنا أستطيع أن أقول ما يعجبني وما لا يعجبني، لم يعجبني في السابق التسييس المفرط للعلاقات بيننا، فعندما لا يعمل مبدأ البرجماتية والضرورة الاقتصادية ويُستبدل ذلك بالعلاقات المسيسة فإن ذلك سيؤدي عاجلا أم آجلا إلى الشعور بخيبة الأمل لدى الناس، هذا لم يعجبني في السابق وأقول لم يعجبني بصفتي طرفا أوكرانيا ولم يعجبني أيضا أن هذه العلاقة تتخللها أحيانا انعدام الصراحة وانعدام التواصل أي ما يسمى بالنمط البيزنطي للسياسة.. عندما لا تلي الأقوال أفعال أو عندما يقال شيء ويُفَكر بشيء آخر ويُفعل شيء ثالث، هذا الأمر يتعلق بمختلف العلاقات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، هذا كان واقع لذلك عندما أتحدث بيسر وارتياح وعندما لا أضع أمام عيني أي إغراءات فإنني لدى التطرق إلى العلاقات مع روسيا سأصر على شيء واحد.. كل ما أتفوه به سيكون حقيقة وكل ما أقوله سأسعى إلى تحقيقه وتطبيقه في أرض الواقع ولن أنحرف إلى مجالات العلاقات التي لا تخدم مصالح بلدي وإلى أنصاف الحلول التي تضر بالعلاقات مع الأطراف الأخرى ومع الحلفاء.

أكرم خزام: لديكم سعي للانضمام إلى حلف الناتو ومعروف أن روسيا تقف ضد هذا السعي، هل من حل وسط في هذا المجال؟

"
أوكرانيا تريد امتلاك الناحية الأيديولوجية للعقيدتين الدفاعية والاقتصادية اللتين تميزان القارة الأوروبية والتي نحن جزء منها
"
فكتور يوشينكو: المثل يقول إن السمكة تبحث عن المكان الأعمق أما الإنسان فيبحث عن المكان الأفضل فعندما نتحدث عن المصالح القومية فإن أوكرانيا تقف أمام أمر صعب، لا أريد أن أقول أنها تقف أمام خيار صعب وإنما أمام دائرة مصالح سيتعين علينا تحديدها وتوضيحها سواء أكان في الشرق أو في الغرب وعندما نتحدث عن مصالحنا الاقتصادية فإن سعينا سيكون في اتجاه الاندماج مع الاتحاد الأوروبي ولكن هذا لا يعني أننا غير مهتمين بالشرق وبتنظيم الفضاء التجاري والاقتصادي والاستثماري لدول الاتحاد السوفيتي السابق.. فهذه السوق أي في الشرق استراتيجية بالنسبة لنا وسنعمل من أجل ابتكار نموذج للتكامل العميق في هذه السوق الشرقية، من جهة أخرى نحن نقول لأبناء شعبنا ولشركائنا السياسيين والعمليين أننا سنرتكب حماقة كبيرة إن لم نحدد لأوكرانيا سياسة من شأنها أن تُأمن ترجمة مصالحنا في الغرب، الاتحاد الأوروبي اليوم يملك حدود مشتركة مع أوكرانيا لذلك نحن نزعم اليوم أننا لسنا جيران أوروبا لأننا أوروبيون لكننا جيران الاتحاد الأوروبي، من هنا فإن سياسة الحوار مرحلة هامة من مراحل التعاون لذلك فإنني أرغب في استبدال هذه السياسة في أسرع وقت بسياسة التكامل العميق مع الاتحاد الأوروبي، هذا الجزء الاقتصادي من السؤال أما الآن فلنتحدث عن الجزء السياسي أي عن حلف الناتو السياسي، إنني واثق بأن الفلسفة الدفاعية للاتحاد الأوروبي هي حلف الناتو عينه.. فهذه المؤسسة ترسم الأيدلوجيا الجديدة للنظام الدفاعي الأوروبي بغض النظر عن مكان تواجدكم في غرب أو شرق أو في وسط أوروبا ومن وجهة النظر هذه يمكن فهم سعي أوكرانيا إلى أوروبا ليس من الناحية الاقتصادية فحسب وإنما من الناحية الدفاعية أيضا، نحن في أوكرانيا نريد امتلاك الناحية الأيدلوجية للعقيدتين الدفاعية والاقتصادية اللتين تميزان القارة الأوروبية والتي نحن جزء منها.

أميركا ومستقبل القوات الأوكرانية في العراق


أكرم خزام: كيف هو حال العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية؟ الجميع يعرف أن واشنطن دعمت حركتكم لكن ماذا تريدون بالضبط من الولايات المتحدة الأميركية؟

"
بعد أن تغيرت السلطة وتغيرت أمزجة الشعب، وجب إعادة النظر في سياسة العلاقات المتبادلة مع كافة الشركاء الإستراتيجيين بما في ذلك مع الولايات المتحدة
"
فكتور يوشينكو: إذا تحدثنا عن العلاقات الثنائية فلا أستطيع القول أنها الأفضل اليوم وربما أنها تعيد إلى الأذهان علاقاتنا في الفترة بين عامي 1993 و1995 أي فترة أو طور تشكلها وقد شاءت الظروف أن تلعب دورا في هذه المسألة، تلك الفضائح التي وقعت وتلك العلاقات المتباينة التي أدت إلى تراجع وتيرة العلاقات بين البلدين وإلى حد ما أتفق مع الرئيس كوتشما الذي قال أن أكبر إخفاق له في عام 2001 هو العلاقات المفقودة مع الولايات المتحدة الأميركية وحتى العام الماضي هذا السؤال ظل دون جواب ومنذ خريف عام 2004 ظهرت مؤشرات على صعيد الرأي العام لتكثيف هذه العلاقات وزيادة مردوديتها، أما العلاقات اليوم فتمر بمرحلة الترقب والانتظار، لماذا في مرحلة الترقب والانتظار؟ لأن ما جرى في بلادنا اليوم له أهمية كبيرة لإقامة علاقات جديدة، لقد تغيرت السلطة وتغيرت أمزجة الشعب، كل ذلك سيتطلب إعادة النظر في سياسة العلاقات المتبادلة مع كافة الشركاء الاستراتيجيين بما في ذلك مع الولايات المتحدة التي تتزعم العالم اليوم، لذلك سأقوم بعد بضعة أسابيع بأول زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة وباعتقادي فإننا سنرسم في سياق هذه الزيارة سياسة العلاقات الجديدة.

أكرم خزام: لنفترض جدلا أنكم ستنفذون قرار البرلمان الأوكراني القاضي بسحب القوات الأوكرانية من العراق، هل سيؤثر ذلك سلبيا على العلاقة مع العاصمة الأميركية؟

"
هناك شعور سائد في أوكرانيا بأن القوات الأوكرانية ليست العنصر الأمثل لرسم السياسة الأوكرانية في المنطقة، وهناك مطالب بانسحاب هذه القوات من العراق
"
فكتور يوشينكو: سأبدأ بالتالي.. عندما صادق البرلمان على القرار المتعلق بقواتنا في العراق انطلقت كتلتي البرلمانية من أن المشاركة في مشروع حفظ السلام والمهمة الإنسانية يتجاوب ومصالح العراق ومصالح أوكرانيا، أرجو أن تركزوا على هذه الجملة لأن كل ما سأقوله لاحقا سأبنيه على هذه الجملة، بهذا أريد أن أشدد على أن العراق واحدة من الدول بالإضافة إلى دول عربية أخرى التي ستحدد مستقبلا على مدى عقود من السنين تاريخ التنمية الاقتصادية قبل كل شيء في مجال إنتاج المشتقات النفطية وسوق الطاقة، ليس في أوروبا فقط وعلى الأرجح فإن من الطبيعي أن توجه عشرات الدول بما في ذلك أوكرانيا أنظارها إلى هذه المنطقة من العالم، إذاً هذا موقف طبيعي هذا أولا، أما ثانيا فقد مر متسع من الزمن منذ اتخاذ قرار البرلمان وقد تغير الكثير منذ ذلك الوقت وتغير الوضع لذا سأذكر أمرين جديدين يجب أن نتعامل معهما، أولا القرار السياسي لمجلس الأمن.. هذا القرار مفتاحا ومعادلة لتسوية النزاع، أما ثانيا فهو الحكومة الوطنية العراقية التي تشكلت والانتخابات التي جرت في العراق واليوم ثمة أمل بأن تشكل بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع حكومة على أساس نتائج الانتخابات وبالطبع فإن أوكرانيا تريد أن تسأل الحكومة الوطنية العراقية هل هناك ضرورة لتواجد القوات الأوكرانية في العراق؟ وهل هذه القوات تساعد الحكومة العراقية أم تعيقها؟ هذا أمر هام ومن المهم أيضا أن تكون بيننا علاقات تفاوضية وثمة أمر ثالث.. إذا نظرنا إلى الرأي العام الأوكراني خاصة بعد المأساة الأخيرة التي أودت بحياة سبعة من أبنائنا فورا ومن ثم توفي ثامن متأثرا بجراحه في المستشفي فإننا سنلاحظ تغيرا كبيرا في الرأي العام الذي كان أساسا يتغير باتجاه سحب القوات إلا أن المأساة التي وقعت أصبحت بمثابة المفجر للمشاعر المطالبة بانسحاب القوات الأوكرانية من العراق وانطلاقا من هذه المواقف الثلاثة نحن نعتقد بأن القوات الأوكرانية يجب أن تنسحب من العراق وبالمناسبة لقد قلنا ذلك قبل نصف عام وربما قبل عشرة أشهر ونحن نشعر بأن الوقت لذلك قد حان.. ومن الواضح اليوم أن القوات ليست العنصر الأمثل لرسم السياسة الأوكرانية في هذه المنطقة، أكرر ليست العنصر الأفضل لذلك أعتقد بضرورة مضاعفة العمل الدبلوماسي وربما يجب تعزيز التعاون العسكري وتشديد الدعم العسكري والفني للزملاء والأصدقاء في العراق.. هذا من خلال تدريب قوى الشرطة وأعداد الكوادر العسكرية، ربما هناك ضرورة لمشاريع إنسانية واقتصادية أخرى إلا أنني واثق بأن الجندي يجب أن يخلي الساحة اليوم للدبلوماسي والسياسي ورجل الأعمال، لعلمكم هذا سوف يخدم المصالح سواء المصالح الأوكرانية أو العراقية.

أكرم خزام: بعد انهيار الاتحاد السوفيتي فإن العلاقة بين أوكرانيا والبلدان العربية كانت على مستوى الصفر تقريبا، هل لديكم استراتيجية معينة بشأن تطوير العلاقة مع العالم العربي؟

فكتور يوشينكو: يبدو لي أن من السهل توضيح ذلك، أي لماذا وقعت هذه النزعة التنازلية في العلاقات؟ أولا إنها أي العلاقات كانت في رأيي مؤججة للغاية في زمن الاتحاد السوفيتي ولم يكن هناك معنى للاستمرار في هذا النمط من العلاقات، أما ثانيا فعندما بدأت تُرسم السياسات الوطنية سواء في أوكرانيا أو روسيا أو أسيا الوسطي في السنوات الثماني أو العشر الأخيرة كان يجب في المقام الأول الانتباه إلى المشاكل الداخلية لهذه الدول وباعتقادي فإن الوقت الآن قد حان لإقامة علاقات فعالة للغاية مع العالم العربي وهنا يسعنا أن نفكر ما هي مجالات المنفعة وما هي مجالات علاقاتنا مستقبلا.. من جهة وهذا في المقام الأول نحن معنيون بالمناطق والبلدان التي تملك احتياطات من موارد الطاقة ونحن نريد التوصل إلى الحل الوسط والبديل لتأمين بلدنا خاصة قدراتنا لنقل موارد الطاقة إلى أوروبا.. وإذا التفتنا إلى التاريخ باعتقادي أن علاقات رائعة كانت قائمة بيننا وبالأخص في مجال تقديم خدمات التنقيب عن النفط والغاز وغيرهما من الثروات المعدنية وفي مجال بناء الطرق والسكك الحديدية وأنابيب النفط والغاز والجسور والسدود إلى آخره.. وإذا أخذنا المجال العسكري فهنا بيع السلاح وإعداد الخبراء والكوادر العسكرية وإذ أننا نملك قاعدة جيدة في هذا المجال ويمكن القول أن الأفاق رحبة في هذا المجال وباعتقادي فإن ثمة أفاق جيدة وواعدة في مجال التعليم، أما بالنسبة لديناميكية التعاون في هذا المجال فإنها بدأت تزداد وتعود إلى مستوى العهود السابقة عندما كان يدرس في المعاهد الأوكرانية في كييف الكثير من أبناء البلدان العربية، اعتقد بأن ما ذكرته جزء صغير من مجالات التعاون ويجب أن نفهم بأن العالم صغير جدا وأن هذه المصالح يُنظر أليها اليوم بصورة أخرى لذلك وخلال زياراتي الخارجية التي سأقوم بها بعد بضعة أسابيع سأعرض اهتمامنا الكبير بالعالم العربي.

أكرم خزام: أعزائي المشاهدين إلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج لقاء خاص، ها هو أكرم خزام يحيكم من العاصمة الأوكرانية كييف ويتمني لكم أطيب المنى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة