يوسف صديق.. المثابرة العلمية والمكابرة الوجدانية ج1   
الخميس 29/10/1426 هـ - الموافق 1/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 18:01 (مكة المكرمة)، 15:01 (غرينتش)

- الهوية الثقافية والبحث في الجذور
- حزيران وإعادة رؤية العالم

الهوية الثقافية والبحث في الجذور

مالك التريكي: لولا الإعراض عن عرائس بحر الشعر التي ملكت عليه أمره زمن الصبا والشباب ليُلبِّي داعي الاجتهاد المعرفي المُحَلِّق في آفاق التلاقي بين المدى الحضاري الإسلامي والمدى الحضاري اليوناني لولا ذلك لحُقَّ أن تُعد كتابات الفيلسوف والباحث الأنثروبولوجي الدكتور يوسف صديق من جنس الإبداع الأدبي ولصحَّ فيها حكم الصدق الفني، إذ إن البحث المعرفي لدى هذا المُفكر المتفرد ليس مجرد عمل أكاديمي يُبدأ فيه ويُفرغ منه بل إنه عمر متصل من المثابرة العلمية والمكابدة الوجدانية والترحال المضني في طلب الحكمة، لهذا فإن الدكتور صديق المعروف في الأوساط الفكرية والإعلامية في فرنسا والذي يَحٍزُّ في نفسه أن لم تتثنى له سبل التواصل مع من يسميهم أهله من جمهور القرّاء العرب قد أضفى على مساره الفكري مغزى الوفاء للأهل والإخلاص للأمة عندما قرر في أعقاب هزيمة 1967 العدول عن الاستمرار في دراسة الفلسفة الغربية في جامعة السربون ووطَّن النفس على تعهد النصوص التأسيسية في الحضارة الإسلامية برعاية القراءة الفاحصة والفهم التجاوزي وقد كان من شغفه بهذه النصوص أن أنجز ترجمات عديدة إلى الفرنسية شملت الأحاديث النبوية الشريفة ونهج البلاغة ومُوَطّأَ الإمام مالك ورسائل بن سيناء إضافة إلى ترجمة ذات صبغة فكرية لمعاني القرآن الكريم، ذلك أن يوسف صديق الذي يعد الإسلام موطنه الروحي لا يفتأ منذ أربعة عقود يُكَرس جهده البحثي لفهم آليات عمل ما يسميه بالقول القرآني وذلك في محاولة لاستحضار ما يدعوه بعصر الأنوار العربي أي عهد الوحي والنبوة وبهذا تتضافر في مسعاه العلمي المعاني الحضارية المتعلقة بالاعتزاز بالذات والوفاء للأهل مع المعاني الشخصية المتعلقة بِبِرِّ البنوة بالأبوة حيث أنه يدين بالفضل كله بدءاً بحفظ القرآن الكريم لوالده الذي نَشَّأهُ على عشق المعرفة الواهبة للحرية.

يوسف صديق: نشأتي كانت قبل كل شيء وتحديداً في رحاب مكتبة والدي التي كانت في سوق الكُتُبِيَة في تونس اسمها المكتبة العصرية وكان والدي عصامي وشاعر ومناضل سُجِنَ كثيراً سنوات كثيرة من طرف الاستعمار الفرنسي سُجِنَ في وهران وفي كلمبشار بالجزائر وفي تبسا وفي تونس وفي سجون تونس ولما أسس المكتبة صرنا على أبواب الاستقلال وكانت له هذه المكتبة يأتيها المفكرون والشيوخ أمثال الشيخ الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير وابنه الفاضل بن عاشور الذي كان مفتي الديار التونسية ومدرس في جامعة الزيتونة كان يأتيها الشعراء أمثال مصطفى خُريف وروائيين أمثال بشير خُريف أخوه والشعراء الفطاحل وقتها مثل منور سمادح شادي خزنادار وكنت أشارك هؤلاء المشايخ أشاركهم بعض الشيء أولاً بالاستماع أسمعهم يتحدثون عن طه حسين وعن ما فعله وعن ما قاله وعن الشعر الجاهلي والأدب الجاهلي وأسمعهم يتحدثون عن السياسية وعن مصر وعن ثورة 1952 وكذا إلى آخره وفي بعض الأحيان يسألونني عن بيت من الشعر فيرون أني أحفظه من المتنبي أو المعري أو شوقي أو كذا ويسألوني عن آية من آيات القرآن فيروا أن والدي حفَّظني القرآن وأنا في سن الحادي عشر من عمري حفّظني القرآن على ظهر قلب لأنه هذه كانت عادة القرى الجنوبية في تونس..

مالك التريكي [مقاطعاً]: لأنك أصيل جنوب تونس أصيل توزر..

"
نشأتي كانت قريبة جداً من التراث العربي العميق المتمثل بالجاحظ والتوحيدي وطبعاً القرآن والحديث والأشعار القديمة والشعر الجاهلي
"
يوسف صديق [متابعاً]: أصيل توزر وهي واحة كأنها واحة فرعونية ويقال أيضاً إن توزر هي يمكن تنتسب إلى (
T) يعني الحرف اللي يعني المدينة أوزوريس ترخيم أوزوريس يقال من أحد المؤرخين أو أحد الأركولوجيين أتى بهذه وعندنا حتى أغاني لتتغنى الصبايا بفرعون.. يا فرعون طوِّل شعري.. إلى آخره لذلك أُحِس بانتماء كبير لمصر كأنها بلدي بنخلها وبغيطانها إلى آخره ولذلك هذه هي نشأتي، نشأتي كانت إذاً قريبة جداً من التراث العربي الصحيح العميق من الجاحظ والتوحيدي وطبعاً القرآن والحديث والأشعار القديمة والشعر الجاهلي فمثلاً الوالد حفّظني المعلقات السبعة وبعدين قال لي لا يُقال إنها عشرة فاحفظ الثلاثة الآخرين، على كل حال أنت لا تخسر إن تحفظ.. وَدِّع هريرة إن الركب مُرْتَحِلُ.. التي يقال أنها لا تنتمي للسبعة وهذا في سن صغير جداً وكان رحمه الله يأخذني بالباص الذي يدور على العاصمة بدون انقطاع وتدفع تذكرة واحدة ونبقى يوم كامل ويُفسر لي قصص في القرآن مثلاً..

مالك التريكي [مقاطعاً]: على متن الحافلة..

يوسف صديق [متابعاً]: على متن هذه الحافلة نبقى فيها يوم كامل وننزل إلى العشاء مِن الصبح وهو يفسر لي يقول لي مثلاً لماذا يا يوسف.. وأنا عمري سبع سنوات.. لماذا يا يوسف نزع الشدة مِن {لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ} حَطَمَ فأنت تقول حَطَّمَ في العادة لماذا بلاغة القرآن وإعجازه نزع الشدة؟ لأن النملة ضعيفة ولا يمكن أن أعطيها الطاقة التي تحتم حَطَّم حتى أُحَطِّمُها يكفي أن يكون حَطَمَ لأجل أنها نملة وإلى آخره وهذا أذكر هذه الحادثة وأنا عمري ستة أو سبع سنوات.

مالك التريكي: هل كان هذا التفسير لهذه الآية من القرآن طبعاً التي تحكي عن جنود سليمان عندما مروا بقرية النمل وقالت النملة لبقية النمل {ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وجُنُودُهُ} هل كان هذا تفسيره هو الشخصي أم يستقيه من مصادر عديدة؟

يوسف صديق: والله أعتقد أنه كان قارئ عجيب كان يقرأ الكتب بتاعه وعندما تعجبه هذه الكتب وأنا عندي منها يسحبها من تجارته ويكتب عليها هذا الكتاب هدية إلى أولادي الأعزاء وأنا أعرف أنه لما أتصفح هذا الكتاب أجد.. قف.. في الهامش أو.. قف وتمعن.. ولا.. قف يا ولدي.. فكان في كتبه التي يسحبها من تجارته لا يعطينا الكتاب فقط لا يورثنا الكتاب فقط وإنما يورثنا أيضاً قراءاته واهتماماته.

مالك التريكي: يبرز المجالات التي يراها؟

يوسف صديق: يبرز.. قف وتمعن.. أجد في الوحدة.. قف وتمعن.. وأجد أن تلك الفقرة هي فقرة فعلاً تستحق التمعن.

مالك التريكي: إذاً كان يحرم نفسه من مصدر رزق افتراضي لأن مهنته كانت بيع الكتب لكي يورث أبناءه مادة علمية مع إشارات توجيهية لِما يمكن أن يُستفاد منه أولاده.

يوسف صديق: فعلاً وهذا مع أنه علمني العروض ولم أصبح شاعراً وكنت أعرف أن هذا البيت فيه زحافة أو في وكنت حتى أفزلك في المدرسة بأن أقوم بالقصائد لأتهكم على هذا الصديق أو على هذا الصديق ولكن لم أختر الشعر لأني أعتقد أن النثر أكثر إيصال أكثر فائدة.

مالك التريكي: ولكن طبعاً لست أوافقك في هذا الرأي أستاذ يوسف صديق لا أوافقك أنك لست شاعراً لأن النفس الشعري في كتاباتك سواء بالفرنسية وأنت أكثر كتاباتك باللغة الفرنسية أو بالعربية نفس شاعري لا جدال فيه ولكنه طبعاً ملتزم بالوضوح المنهجي الذي يقتضيه النثر سوف نأتي إلى ذلك بعد..

يوسف صديق [مقاطعاً]: العفو هذا من حسن أخلاقك..

مالك التريكي [متابعاً]: في سياق النقاش. الجو السياسي في السنوات الأخيرة من الفترة الاستعمارية في تونس حتى عام 1956 ممكن واضح للجمهور لكن كيف كان الجو الثقافي في ذلك الوقت كان طبعاً كنت فيما يسمى بالمدرسة الفرانكو عربية هذا النظام الصادقي الذي يؤكد على ضرورة إتقان اللغتين والتبحر في أدبي اللغتين الآداب الفرنسية والآداب العربية لكن كيف كان الجو العام الجو الثقافي؟

يوسف صديق: كنا نستقي أكثر الأشياء من الكتب وكنا ننظر إلى الأفق الشرقي في تونس مثلاً حتى أتابع وصف تجارة كتب أبي كنا ننتظر بفارغ الصبر مرتين في السنة أن تأتينا جحافل من العربات يقودها الحصان وتأتي من مصر من دار المعارف أو من دار كذا من سوريا أو من لبنان دار الجيل أو دار العودة وتأتي الصناديق ونفتحها في الشارع ونقول إنه ثمانية نسخ من الشعر الجاهلي ثمانية نسخ من الكتاب الفلاني أو أجزاء من الطبري طبعة جديدة إلى آخره فكان بالنسبة لنا عيدين كأنه رحلة الشتاء والصيف عيدين كانوا عندنا واحد في الربيع وواحد في آخر الخريف تأتينا الكتب هذه، لذلك كنا نستقي كان الاستعمار جفف العمق والزخم الثقافي الموجود في تونس جففه وحتى أنه ليس لنا نوادي عربية عندنا ما يسمى تحت السور فيها كتّاب مثل الدعاجي مثل بشير خريف مثل كان عندنا أفراد مثل الشابي أو ناس كنا نعرف أنهم أفراد موجودين في بقعة فلانية ودواوينهم تنشر إما في لبنان على طريق مجلة أبللو أو تنشر في دار المعارف في مصر ولا نعرف عنها نحن شيء ولا نلتقي حتى نتنعَّم بالإنشاد بالافتخار بها، لذلك كان أفقنا أفق الشرق العربي أفق العراق والجزيرة ومصر خاصة مصر كنا نعتقد أننا فعلاً مرتبطين ثقافياً بهذا الوطن الثقافي الأم.

مالك التريكي: بأرض الكنانة.

يوسف صديق: أرض الكنانة.

مالك التريكي: هو هذه النقطة مهمة لأن في الخمسينيات عندما نشر المرحوم الأستاذ محمود المسعدي رواية السَّد والتي يقال لها في تونس السُّد عادة عندما نشرها وبعث بها إلى المرحوم طه حسين وقدّم لها طه حسين في النشرة الأولى ذكر طه حسين أن هذا نص أدبي يأتينا من بلاد عربية نكاد لا نعرف عنها شيء فالاستعمار نجح في ذلك الوقت في إحداث قطيعة فعلية بين جناحي الوطن العربي المغرب والمشرق ولكن الاتصال الروحي في المغرب العربي بالمشرق لم ينتهي عن طريق الأدب وعن طريق الفن أيضاً.

يوسف صديق: عن طريق الفن خاصة عن طريق الفن وأنا أذكر أن والدي كان يجازيني كل أسبوع عندما أقدم له أبيات شعرية كان يجازيني على كل بيت جزاء الطفولة يعني..

مالك التريكي [مقاطعاً]: مالياً يعني؟

يوسف صديق: مالياً، فكنت أتحايل بعض الشيء كنت أحفظ الأشعار العربية القحة من خلال الأغاني فآتي وأقول له عندي سبعة قصائد.. سبع أبيات يقول لي تفضل أقول له.. علموه كيف يجفوا فجفا ظالم لاقيت منه ما كفى.. وهي أغنية عبد الوهاب حفظتها على طريق الغناء أو أقول له مثلاً..

مالك التريكي [مقاطعاً]: مضناك جفاه..

يوسف صديق [متابعاً]: مضناك جفاه مرقده.. أو نفتش على أغنية من أغاني أم كلثوم أسمهان.. هل تَيَّم البان فؤاد الحمام.. إلى آخره ويعرف هو لكن لا يستطيع أن يمنعني من الجزاء لأنها أبيات شعرية إما قالها شوقي أو الأخطل الصغير أو إلى آخره، إذاً الفن أيضاً كان من آفاق التواصل والهروب ومجاهدة محاولة قطع التوانسة عن البعد العربي والبعد الإسلامي والبعد الثقافي وفعلاً أنا أعتقد لحد الآن وفرحان كثير حتى أولادي أيضاً يدللوا على هذا فرحان بأنه لم ينجح الاستعمار في بتر البعد الثقافي اللي عندنا.


[فاصل إعلاني]

حزيران وإعادة رؤية العالم

مالك التريكي: هنالك شعور أن إذا قارنا البلدان العربية التي تعرضت للاستعمار البريطاني والبلدان العربية التي تعرضت للاستعمار الفرنسي هنالك نوع من الوضوح في اختلاف التعامل مع اللغة العربية من ناحية والتعامل مع اللغة الأجنبية من ناحية أخرى، هل توافق على الرأي القائل بأن الثقافة الفرنسية كانت أقوى ليست بالضرورة أقوى كما هي قائمة لكن أقوى في محاولتها لنزع الثقافة الوطنية ولذلك كانت ردة الفعل العروبية عند أهل المغرب العربي أقوى منها في غيرها من البلدان العربية؟

يوسف صديق: التحليل صحيح جداً ويمكن عنده بعد تاريخي الاستعمار الفرنسي كان في نفس الوقت ساذج ويطالب أراضي المستعمرة بأكثر مما تتحمل يطالبها بأن تصبح بأن تغير تماماً هويتها، الإنجليزي لا يطلب أن تغير هويتها يطلب أنه تعطيه مد استراتيجي مد تكتيكي مكان معين طبعاً ثروات يستغلها ولا يطلب أبداً أن يعلمك شيء بالنسبة للفرنسي بما أنه هدفه أن يغير لك الهوية وتصير فرنسي أنا لطالما ذهبت إلى المنصة في القسم وقلت كان أجدادي غوليين وكنت آخذ عشرة على عشرة في الابتدائي لأني تفوهت بهذه الحقيقة بين ضفرين بالنسبة للمعلم الفرنسي الذي كان موجود والذي يعتقد أني سأصير يوماً فرنسي وأُتْلِف تماماً هويتي العربية، لذلك كانوا أولاً يعلموننا تعليماً صحيحاً ثقافتهم كنا نعرف.. أنا أدين للمعلم الفرنسي أو حتى الأستاذ في الثانوية والتوجيهية في التوجيهية والثانوية أدين له بأنه علمني لامرتين وعلمني فيكتور هوغو وفرانسوا فيو كما يعلمها الآن لأهله وبنفس الهوى وبنفس المثابرة على أن يرسخ هذا العلم في ذهني، في نفس الوقت يعتقد أن ثقافتنا بالية وأن المتنبي ليس له معني وأن شوقي ليس له معني لذلك لا يمنعنا من الإقبال عليهم وفي اعتقاده أن ثقافته التي ثقافة فيها الرسم وفيها الموسيقى فيها ديبوسيه فيها دولاكروا فيها إضافة للشعراء الكبار أنها ستقتل هذه الثقافة الإثنية هذه الثقافة القبلية الصغيرة كأنها ثقافات الأدغال يعني القبائل الصغيرة الأدغال لذلك كان لا يهتم بمنع إقبالي على المتنبي أو إقبالي على شوقي أو إقبالي على القرآن خاصة وأنه كان يعتقد أن الدين بالعلمانيته كان يعتقد أن الدين لا يدخل في معادلة الاستعمار، تستطيع فرنسا تحتضن الوثنيين والمسيحيين واليهوديين والمسلمين لذلك لا أمنعهم من أن يُقبلوا على القرآن وعلى الحديث إلى آخره لذلك أعتقد أنه تحليلك صحيح أن الثقافة الفرنسية كانت في نفس الوقت ساذجة وكانت تنظر إلى طلب المستحيل فوجدت نفسها مع الاستقلالات وجدت نفسها أمام هذا المستحيل الذي طلبته فتحررنا وبقينا مع ثقافتنا وربحنا ما أراده المعلمون الفرنسيون من زخم ثقيل كبير مبارك عندي أنا للثقافة الأجنبية ثقافة أوروبا مثلاً.

مالك التريكي: فكان ما تحدث عنه الكاتب الجزائري، كاتب ياسين عندما قال إن اللغة الفرنسية أصبحت غنيمة حرب بالنسبة إلينا إنه غنمناها كمغنم ثقافي دون أن تمس ثوابت الهوية الوطنية الثقافية لأن اللغة موجودة ولأن القرآن موجود؟

يوسف صديق: فعلاً هذا ما أعتقد، أنا أعتقد أني غنمت ولم أخسر شيء.

مالك التريكي: نعم.. مزوداً بهاتين الثقافتين المتصارعتين في النفس الواحدة لابد أن كان هناك تمزق بينهما مزوَّداً بذلك قررتَ مواصلة الدراسة في فرنسا وتخصصت في الفلسفة، لماذا كانت الفلسفة وليس أي ميدان آخر؟

يوسف صديق: والله سؤال صعب الفلسفة كانت بالنسبة لي أنا حتى قبل ما يسمى بالأقسام النهائية أنت تعلم أنه على الأقل في البرامج المغربية بمعني المغاربي هناك قسم يسمى القسم النهائي أي القسم الذي يحضر البكالوريا تختار فيه إما أن تكون من ذوي الرياضيات أو من ذوي العلوم الطبيعية أو من ذوي العلوم الأدبية والعلوم الأدبية تركز تطرح الفرنسية كأدب وتركز على الفلسفة فاعتقدت أن مزاجي واهتماماتي ثم الآفاق التي أريد أن أصل إليها أو أن أتقرب إليها كانت كلها تصب في هذا العلم يقول أرسطو ملكة العلوم اللي هي الفلسفة طبعاً الآن صارت مش ملكة العلوم لأنه تقسمت العلوم الإنسانية إلى آخره لكن الفلسفة كانت بالنسبة لي دقة المفاهيم ونفاذ المفاهيم وقدرة المفاهيم على تغيير الخطاب لهذا اخترتها واخترتها كفلسفة عامة يعني فلسفة تنطلق من هذا النهر الكبير الذي ينطلق مما قبل السقراطيين بارمنيدس وديمقريطس وهيراقليطس وأنبادوقلس إلى آخره وتصل إلى سارتر وتصل إلى جيل دولوز الآن إلى آخره هذا النهر الكبير يداور عن الفلسفة العربية لا يهتم بالفلسفة العربية والآن صار تقريب يتحسس بن رشد والفارابي والكِندي بحُكم وجود الثقافة العربية التي صارت تفرض نفسها في أوروبا لكن في عهدي أنا كانت الفلسفة تتجاهل تماماً العطاء العربي الذي كان عطاء ثرياً كبيراً من وقت المعتزلة إلى أن جاء مد الليل الذي طغى على العالم الإسلامي من وقت هولاكو إلى عصرنا هذا في الفلسفة، لكن وأكمل هنا عام 1967 كنت على مشارف الانتهاء من الدراسة يعني أصبح أستاذ وأنا باشرت الأستاذية هنا في فرنسا عام 1969 ثم في تونس من عام 1971 إلى عام 1977 باشرتها أنا مُشرف على الانتهاء يعني في آخر الشهادات وقمتُ بمجاوزة الامتحان الأخير الشفاهي يوم 6 حزيران يعني يوم النكسة وكان لنا أستاذ معروف بأنه أستاذ استعماري وأنه ممكن يُتهم.. مات الآن ولذلك لا أريد أن أغرق في سبِّه اسمه جان بورييه.. فلما رآني أرتدي قميص الطلبة الفقراء قميص الكاكي نشتريه من الألبسة القديمة وهو كان قميص الجيش أصفر داكن فصار يتهكم ويقول.. أيوم الهزيمة تأتيني بهذا الرداء؟! فلم أكن في بالي أبداً أن ثمة علاقة بما أرتديه اللي هو بحكم ظروفي واليوم هذا النكسة اللي هو زلزل كل مشاعر العرب في وقتها هذا فلما خرجت طبعاً جاوبت الجواب اللي سئلته وأخذت الشهادة خرجت إلى قهوة في ساحة السربون أمامها أوغست كونت الفيلسوف الشهير وبقيت في هذه القهوة اللي كانت قهوة التلميذ (L,escholier) قهوة التلميذ بالمعنى الفرنسية القديمة، فكرت قلت هل أنا فيلسوف؟ أعرف ديكارت جيداً أعرف سبينوزا أعرف لايبنتس، هل أستطيع أن أكون أحسن من الألماني لايبنتس؟ هل أستطيع أن أكون أحسن من الفرنسي ديكارت؟ لا.. لذلك لابد لي أن أجد لي اهتماماً فلسفياً طبعاً في موروثي أنا فيما أستطيع أن أتقدم بشيء جديد فيه أو بشيء أنا محق في اعتمادي له وفيه لأن ينتمي إليَّ وأنتمي إليه وأنه من ملكي، سؤال لدي طبعاً لم أجب عليه في يوم النكسة بقيتُ سنوات ودرَّستُ في تونس درَّست بالشهادات التي عندي قبل أن آخذ دكتوراه الدولة..

مالك التريكي [مقاطعاً]: درَّست مادة الفلسفة..

يوسف صديق [متابعاً]: درَّست مادة الفلسفة في كثير من المدن التونسية منزل بورقيبة قيروان زغوان ابن شرف تونس العاصمة إلى آخره وانتهيت إلى هذه الفكرة، انتهيت أن هناك مساحة لم يسلط عليها التفكير الفلسفي والذي هو أداة رهيبة في الدقة وفي التعمق في أي شيء، هذه المساحة اللي هي كونت الثقافة العربية وهي العماد الأول للثقافة العربية هي النص القرآني وبقيت أيضاً مُصِرّ على أن لا أعتمد الرجوع العودة إلى الفلسفة إلا من خلال اهتمامي بنص القرآن.

مالك التريكي: طبعاً هزَّ في نفسك ما قاله ذلك الأستاذ يوم هزيمة 6 حزيران وكان ذلك دافعاً لك لتُراجِع اختياراتك الأكاديمية هذا هو الإطار.

يوسف صديق: هذا هو الإطار ولحد الآن أنا معتز بأني قمت بهذا..

مالك التريكي [مقاطعاً]: بأنك منعطف أخذت منعطف..

يوسف صديق: قمت بهذا المنعطف.

مالك التريكي: لكن هذا لم ترجع إلى النص القرآني مأتى السؤال هو هذا لأنه عادة الاهتمام بالنص القرآني في إطار العلوم الإسلامية يكون عن طريق الفلسفة العربية القديمة فكان سؤالي هل أنك دخلت إلى النص القرآني عن طريق الفلسفة العربية القديمة وليس بالضرورة عن طريق الأسماء لكن الفلسفة العربية القديمة قلت لا لأنك أتيتها مأتى آخر؟

يوسف صديق: السؤال سؤال كثير مهم أنا أعتقد أنه النص قبل كل شيء يجب أن يكون لك مجهود في أن تجعله يتحدث بذاته كل نص وبالأحرى نص عظيم كما النص القرآني.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة