صنع الله إبراهيم.. بين السجن والجائزة ج1   
الثلاثاء 1427/10/16 هـ - الموافق 7/11/2006 م (آخر تحديث) الساعة 17:03 (مكة المكرمة)، 14:03 (غرينتش)

- الرؤية الآنية للواقع السياسي المصري
- الأسرة وبذور الوعي الفكري

- مرحلة التكوين والممارسة الأدبية والسياسية

- تجربة السجن والنضج السياسي والأدبي



سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة، حين كتب ضيفنا أولى رواياته قبل أربعين عاما تقريبا كان قد تعرض للقمع والمنع والسجن وحين منح جائزة قبل فترة رفضها فأثار ضجة كبيرة، بين السجن والجائزة رحلة عمر مع ضيفنا الكاتب المصري صنع الله إبراهيم.

الرؤية الآنية للواقع السياسي المصري

صنع الله إبراهيم - أديب مصري: الجيل الجديد اليوم عايش إزاي؟ عايش في بلد مستعمر إحنا مصر مستعمرة.

سامي كليب: كيف؟

صنع الله إبراهيم: مستعمرة فيه مجموعة من أهلها مستعمرينها بالإضافة إلى أن سيناء ما رجعتش لينا زي ما الدعاية بتاعتنا بتقول سيناء مازالت محتلة فمصر دلوقت بلد مستعمرة وواقعة تحت النفوذ الأميركي وده منعكس في إنك أنت ما عندكش أي ما عادش عندك النهارده إنتاج مصري في أي حاجة إحنا كل الأشياء اللي نستخدمها مصنوعة في الخارج وبعدين فيه عملية غسيل مخ تتم بشكل مستمر من خلال الصراعات اللي بتتم في التلفزيون أو في الإذاعة أو حاجة زي كده فيه عملية نهب متواصلة من ناس يعني ناس من خلال مثلا شركات التليفون سواء إذا كانت يعني التليفون الأرضي أو التليفون المحمول إنه يجبرك أنت شاب بسيط معلوماتك في الحياة بسيطة فيقول لك فيه ثلاث أسئلة مَن رئيس جمهورية مصر النهارده؟ حسني مبارك ولا حسنين عبد الله ولا خليل فهمي؟ فتقول له حسني مبارك تكسب عشرة آلاف جنيه طبعا الناس كلها ملايين يلاقوا المسألة سهلة فيقعدوا يضربوا تليفونات وكل ده بس هذه كل القصة يعني.

سامي كليب: صنع الله إبراهيم الذي كان والده في الستين من عمره حين أنجبه ناقم على كل شيء تقريبا ويعبر عن نقمته بكتاباته أو بمشاركته في بعض التظاهرات أو برفضه جوائز رسمية وكلما كتب أثار ضجة أو مشكلة لأنه ينتقد السلطة من زاوية المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والتبعية وحين زرته في منزله المتواضع في أحد أحياء القاهرة وجدت على بابه هذين الشعارين أولهما ضد العولمة والثاني معبر عن انتماء صنع الله إبراهيم إلى حركة كفاية التي كلما اشتدت الأزمات في مصر كلما ازدادت شعبيتها في الشارع المصري.

"
الشعب المصري خرج على كل الحدود والقيود والإرهاب الذي مورس ضده، وأبدع حركة غير تنظيمية هي حركة كفاية
"
صنع الله إبراهيم: أنا طبعا عضو في كفاية يعني من أوائل الناس اللي اشتركوا في تأسيسها وأعتبر إن دي يعني أنا أتصور إنه الشكل يعني الشعب المصري يبدع حاجة كل مثلا خمسين سنة أو كل عشرين سنة أو بتاع فده إبداع مصري يعني إنه يخرج على كل الحدود اللي موضوعة له فيه قيود موضوعة على حركته فيه إرهاب وفيه قمع وفيه الصحف القومية بتقول له أكاذيب وفيه غسيل مخ من التلفزيون وكل ده وفيه أحزاب مشتركة في اللعبة دي الأحزاب اللي موجودة فيقوم يخرج على كل الهيصة دي كلها ويبدع حركة ما هياش تنظيم بحيث إنه يمكن يبقى مثلا لاحظوا أو يحاكموها على أساس هو تنظيم ما هواش تنظيم..

سامي كليب [مقاطعاً]: ولا يسكت..

صنع الله إبراهيم [متابعاً]: وما هواش وليس خاضع لأي تيار سياسي معين فيه إخوان مسلمين فيه إخوان من حزب الوسط فيه ناصريين فيه شيوعيين فيه ناس مستقلين ومن كل الاتجاهات ومن كل الأديان لدرجة إن الرئيس بتاع الحركة جورج إسحاق..

سامي كليب: صحيح قبطي..

صنع الله إبراهيم: قبطي ولم يسئ والشيء الجميل إن هذا إنه كون إن هو قبطي هذا لم يثر أي حاجة أي عداء أو أي ملاحظة أو أي تلقيحة أو أي إشارة في وسط الناس المتصلة بالحركة أو في وسط حركة الشارع قُبِل بشكل بسيط جدا زي ما كان مكرم عبيد باشا زمان مقبول إنه كان زعيم الوفد زعيم..

سامي كليب: اسمح لي أستاذ صنع الله يعني لن أجادل كثيرا في هذا الموضوع يعني حركة كفاية موجودة حضرتك عضو فيها حركة معارضة لما هو قائم مدافعة عن الكثير من الأمور التي تهم شؤون الناس ولكن بالمقابل يعني ثمة مَن يقول إنه مجرد أن السلطة تسمح لهذه الأصوات بأن تعبر عن نفسها إن كان في على الشاشات المحلية أو الشاشات العربية بشكل عام أليس أيضا دليل عافية على جزء من ممارسات السلطة؟

صنع الله إبراهيم: لا بالتأكيد لا طبعا لأنه ده إفلاس دليل إفلاس إنها وصلت لدرجة من الإفلاس إنها تتعلق بأي شيء وتحاول إنها تلبس اللباس الديمقراطي بشكل تسمح بحركة غير منظمة والحقيقة فرضت عليها هي لقيت يعني هي فرض عليها هذا الشكل إن فجأة بقى في عشر أشخاص واقفين في الشارع ويقولوا لا ضد مبارك وضد التوريث وبعدين العشرة دول بقوا عشرين وبعدين بقوا خمسين وبعدين بقوا عدة مئات يعني..

سامي كليب: بس كان يمكن أن تمنعهم لو شاءت؟

صنع الله إبراهيم: يعني هي يبقى فيه حسابات لها إنه في اللحظة دي هي ممكن السماح بحاجة تموت لوحدها كانوا يعني المقاومة دي يعني مضاربين على إنها ممكن أهي حاجة من الحاجات اللي تطلع وبتاعت المثقفين اللي تطلع وتنتهي بعد شوية الحمد لله هي لم تنته ولا حاجة بالعكس تأخذ زخم أكثر كل شوية.

سامي كليب: صنع الله إبراهيم المتمرد في كتاباته خلافاً لحياته الهادئة البعيدة نسبيا عن الأضواء والضوضاء عرف السياسة والأدب منذ تفتحه على الحياة أصدر جرائد حائط يسارية وهو على مقاعد الدراسة واعتقل وهو صغير السن ولكن كما يقول لم يدع السجن ينتصر عليه وحين قرأت رواياته اعتقدت أنها ستكون ممنوعة في مصر ولكني وجدتها في غير مكتبة ومكان ففي مصر يبدو أن الممنوعات لم تعد لغة النظام الحالي خصوصا في مجال الكتب والنشر وقد زرنا بعض المكتبات المصرية لمعرفة واقع كتب صنع الله إبراهيم.

[شريط مسجل]

مشارك أول - موظف في إحدى المكتبات: كتبه يعني نمسك الخشب أي طبعة من الطبعات أي رواية من الروايات تنزل يعني بتلاقي بترحاب من القراء بشكل غير عادي يعني هو طبعا له هو كتاباته هو يمتاز بكتاباته إن لها فيها آخذ فيها الناحية الاجتماعية يعني فيه رواية زي وردة بيتكلم فيها عن عُمَان رؤية ذات فهي نقد برضه لينا هنا في مصر يعني روايته واخده الجانب اللي الناس تحبه.

مشارك ثاني - موظف في إحدى المكتبات: أولا نتكلم عن صنع الله إبراهيم ولو سنتكلم عن صنع الله إبراهيم يبقى إحنا سنتكلم عن الرواية في مصر والرواية في مصر هي صنع الله إبراهيم وعلاء الأسواني وبعض الناس اللي موجودة في القاهرة ومعروفة طبعا إنما صنع الله إبراهيم هو القارئ رقم واحد والكاتب رقم واحد لشعب السودان ودي إحنا نختم بها 100% إن الشعب السوداني مافيش كتاب لصنع الله إبراهيم مش عنده، النقطة الثانية في جميع المعارض بتاعتنا إحنا نأخذ من كل كتاب خمسين نسخة لصنع الله إبراهيم لجميع المعارض الدولية ودي حاجة تشرف بالنسبة لبلدنا والحمد لله رب العالمين والكُتاب اللي موجودين عندنا في مصر صنع الله من الناس اللي هي بتعرف إزاي تكتب إزاي تدخلك الكلمة أزاي تروجك في القصة بتاعته وإزاي أن هو يقدر يوصلك لأشياء كثير أنت تحتاجها.

سامي كليب: صنع الله إبراهيم الذي تباع كتبه بشكل جيد في مصر والدول العربية رغم قلة القراء في عالمنا العربي تأثر بالشيوعية وأعجب بأفكار ماركس ولينين وانتظم حزبيا وسريا فيما كان يعتبر آنذاك جريمة تستحق العقاب والسجن في مصر أما اليوم فإنه يبدو غير مناهض للموجة الجديدة التي تتغلغل في المجتمع المصري أي موجة الإخوان المسلمين الذين وصلوا إلى البرلمان أفلا يخيفه هذا النزوع الإسلامي لجزء من السياسيين والمجتمع في مصر.

"
ضمير الشعب المصري تكوّن عبر مئات السنين من خلال العلاقة الوثيقة بين المسلمين والمسيحيين من جانب، ومن خلال التمسك بأهداف وطنية
"
صنع الله إبراهيم: لا الحقيقة ما أشعرش بالخوف لأنه أنا عندي ثقة في الضمير العام للشعب يعني الضمير العام للشعب يعني الضمير للشعب متكون عبر مئات السنين من خلال علاقة وثيقة ما بين مثلا المسلمين والمسيحيين من جانب ومن خلال أيضا التمسك بأهداف وطنية طول الوقت يعني كانت الحركة الوطنية فده كان يفرض على التجمعات أو الجماعات اللي ممكن يتكون لها اتجاه فيه تصعب أو حاجة من.. يفرض عليها إنها تخضع.. إنها تتراجع عن هذا الاتجاه، إذا الإخوان المسلمين وصلوا أو إذا الإخوان المسلمين أخذوا بجدية الحركة الشعبية الجماهيرية اللي بتمثلها كفاية وإلى آخره فده ممكن يكون ضمان أيضاً لأن هم يبقوا خاضعين للقواعد العامة للحركة السياسية بالإضافة إلى إنه فيه أشخاص متنورين في هذه الحركة يعني لا تتخيل يعني أنا عندي علاقة صحيح ما هياش علاقة قوية بس يعني تكلمت مرات مع الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح في مكتب الإرشاد شخص يعني يفكر بطريقة رائعة يعني ومتنور وأفقه واسع يعني ما..

سامي كليب: تقول إنه السجن علمك القهر والموت ولكن أيضا علمك..

صنع الله إبراهيم: والاستغناء..

سامي كليب: والاستغناء..

صنع الله إبراهيم: طبعا..

سامي كليب: ولكن أيضا الكثير من دواخل الإنسان ومن الأشياء النادرة عنده وأعتقد أنك قلت أيضا في إحدى المناسبات تعلمت الكثير عن عالمه الداخلي وحيواته المتنوعة الإنسان والسجن بالشكلين فعلا كانت تجربة السجن بالنسبة لك تجربة مغنية على الصعيد الشخصي وليس فقط الأدبي..

صنع الله إبراهيم: آه طبعا هي تجربة مغنية جدا هي طبعا تجربة مؤلمة وتركت آثار سلبية عديدة في التكوين النفسي لي وكل ده بس برضه من جانب ثاني كانت تجربة فعلا غنية يعني أنا أعتبر أن أنا تكونت جوه السجن يعني فتح فتحت يعني مداركي بشكل أوسع وتثقفت أكثر وعشت تجارب مهولة يعني من خلال تجارب الآخرين مثلا لم يقعدوا يحكوا لي مثلا لما واحد سواق يحكي لي مثلا إزاي هو يسوق بالليل وسواقين الترلات أو سواقين النقل الكبير على الطريق الزراعي مثلا اللي يسوق بالليل وهو نائم ويسوق يعني فيه حاجات من هذا النوع أنت تسمعها فده كأنك بتعيش نفس الحياة اللي كانت اللي تُحكى لك يعني..

سامي كليب: يعني كان يمكن أن تبدع ما أبدعت إذا تحدثنا عن الإبداع يعني لولا المرور بالسجن تعتقد؟

صنع الله إبراهيم: لا مش شرط يعني هو مش ضروري إنك أنت تعيش يعني تجربة مثل هذه عشان خاطر تبدع يعني لو أخذنا فيه ناس كثير يعني مثلا اللي ييجي على ذهني مثلا مندلسون الراجل الموسيقار الراجل يعني كان عايش في قصر وأمه قاعدة جنبه وفي حياة يعني ما فيش بعد كده ومع ذلك قدر يبدع ولأنه الإبداع ييجي من جرح معين ما تقدرش تعرف بالضبط أصله فين يعني..

سامي كليب: جرحك أصله فين؟

صنع الله إبراهيم: لا يعني جرحي طبعا يبدأ ممكن يبدأ من الطفولة مثلا ممكن يبدأ من فقداني لأمي مثلا وأنا صغير ممكن يبدأ من فترة المراهقة ممكن تخش فيه السجن وظروفه القاسية والأزمة أزمة كمان إنك أنت تبقى يعني مؤمن مثلا أو تؤيد السياسة مثلا بتاعت عبد الناصر ومدرك أن مستقبل مصر يتوقف على إنه الراجل ده يمشي في السياسة بتاعته ومع ذلك تلاقي نفسك في السجن يعني وتتعذب على أيدي رجاله يعني دي كانت محنة دي كانت محنة فظيعة يعني.

الأسرة وبذور الوعي الفكري

سامي كليب: الأب والأم وبذور الصحوة السياسية مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كلها صور التقطتها عينا الكاتب المصري صنع الله إبراهيم لتقولب أدبه المتمرد والملتصق تماما بهموم الناس العاديين الناس الفقراء أو الثائرين على أوضاعهم الحياتية والحالمين بمستقبل أفضل، كان والد صنع الله إبراهيم يعمل في وزارة الحربية كان مؤمنا ولكن متعلق أيضا بالشعوذة ومحب للأدب وواقعي إلى حد نصح ابنه صنع الله بألا يتبنى إلا ما يقبله عقله.

صنع الله إبراهيم: هو كان يقصد إنه من خلال المعرفة والثقافة والوعي المكثف ممكن عقلك يقدر يختار لك أو يقول لك إن ده ممكن ولا مش ممكن.

سامي كليب: يعني شجعك عملياً ليس على التشكيك بالدين وإنما على طرح بعض الأسئلة ألا تقتنع..

صنع الله إبراهيم: هو ما فيش تشكيك في الدين خالص في المسألة دي أنا ما عنديش القصة دية خالص قصة التشكيك إنما هي القصة طرح الأسئلة يعني أنا أقبل الدين كحاجة ضرورية وكرؤية معينة للحياة.

سامي كليب: تمارس الدين؟

صنع الله إبراهيم: لا عندما يعني دي مسألة مش شرط يعني في تقديري أنا يعني ما هواش شرط إنك أنت إنما النقطة الأساسية هي طرح الأسئلة التفكير في أي شيء هي دي النقطة المهمة.

سامي كليب: تفكيرك بالدين على مدى السنوات الكثيرة الماضية دفعك لليقين أكثر أم للشك؟

صنع الله إبراهيم: هي يعني الموضوع لا يطرح بالشكل ده لأنه أنت لما تيجي تفكر لو بتفكر بشكل حقيقي أنت لا تتوقف عند نقطة يقين أو شك أنت بتواصل التفكير طول الوقت فيعني ده عملية تبقى متواصلة.

سامي كليب: تشغلك مسألة الدين مسألة الموت مسألة الآخرة مثلاً؟

صنع الله إبراهيم: لا أنا يمكن مشغول أكثر بدلوقتي يعني مثلاً أنا لا أفكر أبداً إذا كان مثلاً حد سيقرأ لي مثلاً بعد ما أموت المسألة مش مهمة عندي خالص أو إنه أسيب حاجة مش عارف إيه يعني ما فيش ده خالص دلوقتي اللحظة اللي أنا موجود فيها دلوقتي وأظن إنك أنت ممكن تحس ده من الروايات بتاعتي إنه فيه تركيز على اللحظة بالضبط على المشاكل الآنية اللي موجودة.

سامي كليب: فهمت إنه الوالد أيضاً كان يحب الشعر والأدب؟

صنع الله إبراهيم: آه.

سامي كليب: شجعك في أي اتجاه؟

صنع الله إبراهيم: وكان يحاول يكتب شعر وكمان..

سامي كليب: كتب شيء؟

صنع الله إبراهيم: لا يحاول يبدأ يكتب بيتين بيت على يعني مثلاً هو كان في العيد مثلاً يقعد كده في البلكونة العيد الصغير مثلاً أو العيد الكبير ويكتب يقول لك عيد بأي حال عدت يا عيد ويقعد ساعة يحاول إنه يكمل على هذا النسق يعني..

سامي كليب: يضيف على البيت..

صنع الله إبراهيم: يمكن يعمل بيت ولا بيتين مش فاكر يعني..

سامي كليب: على ما يبدو إنه أولى الأفكار اللي اطلعت عليها كان عبر مجلة أسبوعية اسمها روايات الجيب والتي كانت تترجم معظم الروايات الأجنبية هذا اللي دخلك يعني هذه المجلة هي التي أدخلتك إلى عالم الأدب الأجنبي بشكل عام، تتذكر أول قصة قرأتها؟

صنع الله إبراهيم: نعم طبعاً مازلت فاكر كانت قصة اسمها فيه قصتين فيه واحدة حاولت اقرأها وخفت منها حاجة كان اسمها القبر الهندي ما أعرفش دي كانت إيه وبعدين فيه القصة اللي أنا قرأتها كاملة كانت اسمها اللغز الصيني دي كان مكتوب عليها.

سامي كليب: القبر الهندي اللغز الصيني يعني كل ده..

صنع الله إبراهيم: بطلها اللص الظريف آرسين لوبين أنا كنت طبعاً أعشقه في الوقت ده..

سامي كليب: ليه شو السبب؟

صنع الله إبراهيم: آرسين لوبين..

سامي كليب: زي كل الأطفال..

صنع الله إبراهيم: لا هو كان فيه آه لأن هو يستجيب يعني هو كان يستجيب لمجموعة الأفكار والطموحات اللي موجودة عندي في السن ده يعني إن هو لص ظريف ويسرق من الأغنياء عشان يعطي الفقراء بس خلاص.

سامي كليب: الغريب أستاذ صنع الله إبراهيم يعني دائماً من يقرأ ما كتبت مَن يسمعك مَن يستمع إلى مقابلات سابقة أو يقرأها يلاحظ هذا التعلق الدائم بالفقير يعني وعلاقة الغني بالفقير وما تتفضل به عن آرسين لوبين كمان أيضاً له دور في ذلك يعني إلى أي مدى يشغلك الفقير بشكل عام؟

صنع الله إبراهيم: لا هو فيه أصل أنت بتشوف يعني بتشوف إن فيه عدم عدالة في توزيع الثروات اللي الناس مشاركة في إنتاجها.

سامي كليب: عشت الفقر؟

صنع الله إبراهيم: آه طبعا أنا ولدت في بيئة فقيرة.

سامي كليب: عشته بأي أشكال يعني كنت تجوع مثلاً؟

صنع الله إبراهيم: لا لأنه كان والدي كان يفضل إنه ما يأكل وأنا آكل يعني كان عنده المسألة دي فما كانش ما شعرتش بجوع بالإضافة إلى إن أنا ما كانش يبقى عندي نفس للأكل.

سامي كليب: على ما يبدو بعد..

"
ولدت في وقت كان هناك شيء اسمه "العدو الثلاثي" وهو الحفاء والجهل والمرض
"
صنع الله إبراهيم: إنما طبعاً شوفت طبعاً يعني أنا ولدت في وقت كان فيه حاجة اسمها العدو الثلاثي اللي هو الحفاء والجهل والمرض الحفاء كانت الناس حافية الناس كانت تمشي في الشارع حافية يعني الناس دلوقتي أنت مش ممكن تلاقي واحد مصري ماشي حافي لابس حاجة من أيام عبد الناصر بدأت القصة دي.

سامي كليب: بس من ستين سنة إلى الوراء يعني كانت عادة عند الدول العربية إن الناس تمشي حفاة بشكل عام..

صنع الله إبراهيم: أتكلم على مصر.

سامي كليب: سأسألك أستاذ صنع الله إبراهيم عن بعض المعلومات أود أن تصححها لي إن كانت صح.. خطأ قرأت إنك فزت باكراً بالجائزة الثالثة لأول قصة قصيرة في مسابقة نظمها عزيز أرماني مؤلف خذني بعاري مقدارها كان ثلاث جنيهات.

صنع الله إبراهيم: أنا كان عندي 14 سنة.

سامي كليب: صحيح إنك فزت بثلاث جنيهات؟

صنع الله إبراهيم: ما أخذتهمش.

سامي كليب: ليش؟ أنت دائماً عندك مشاكل مع الجوائز..

صنع الله إبراهيم: هو هرب من إنه يديهم لي.

سامي كليب: ما هو اللي هرب بالمرة الأولى.

صنع الله إبراهيم: آه يعني هو كان عامل إعلان في المجلة كان مطلع مجلة كده فعامل مسابقة يعني وبتاع ومدي صندوق بريد فأنا فزت طيب والفلوس فبابا كان سعيد جداً إني أنا أتكسب بدأت أتكسب من اللي.. فنزل قعد يجري ويدور لغاية ما جاب العنوان بتاعه ورحت أنا البيت راح البيت بتاعه ما لقهوش وبعدين أنا رحت فقابلته هو ومراته فكان انزعج جداً إزاي أنت جيت وعرفت تجيب العنوان منين يعني طيب وبعدين أنا أبقى أدفع لك المهم ولا دفع ولا حاجة.

[فاصل إعلاني]

مرحلة التكوين والممارسة الأدبية والسياسية


سامي كليب: قصة الكاتب المصري صنع الله إبراهيم مع الجوائز لم تنته عند هذا الحد فهو وبعد مرور عقود طويلة على تلك الحادثة عاد وأحدث ضجة كبيرة برفضه جائزة في مصر وهو ما سنعود إليه لاحقا في خلال حديثنا معه ولكني وددت أن نبقى قليلا في الطفولة والشباب وكيف اعتقل للمرة الأولى وهو لا يزال في مقتبل العمر.

صنع الله إبراهيم: أول احتكاك مباشر يعني لما روحت الأسبوع اللي قبل حريق القاهرة رحت اجتماع كان دعا إليه أحمد حسين في الحزب الاشتراكي والبوليس حاصرنا ورحت بعد كده قسم السيدة زينب وبت فيه لغاية الصبح يعني دي أول مرة كان يحصل حاجة من هذا النوع يعني ده كان أول احتكاك يعني.

سامي كليب: دفعك هذا الاحتكاك والاعتقال لساعات إلى المزيد أو خفت وقررت إنه مثلا تنكفئ قليلا؟

صنع الله إبراهيم: لا أنا ما خفتش يعني أنا ما خفتش لأن كان المد كان قوي بالإضافة إلى إنه الحماس يعني كان أنت يعني وقتها وقت كان مختلف تماما يعني بمعنى إنه الشباب تمشي في الشارع تلاقي ناس ماسكة كتب طبعا ما كانش فيه بقى لا أغاني ولا الحواديت بتاعت النهارده دي وكان فيه حالة عامة في البلد فكان الواحد يعني وبعدين دي مرحلة أنت تبقى حاطت لنفسك مُثل يعني أو تبقى متأثر بالمثل العليا بالناس اللي يكافحوا والناس اللي يناضلوا النضال كقيمة بالحرية كقيمة بإخراج الإنجليز من دي بلدك المستعمر يعني فدي كلها كانت حاجات تبقى وقود للسن ده يعني.

سامي كليب: كنت ذكرت منذ قليل الحزب الاشتراكي وقلت إنك شاركت في إحدى جلساته واعتقلت في نفس الليلة أيضا فهمت إنه حينما كنت طالبا أصدرت جريدة حائط باسم الحزب الاشتراكي ولم يكن الحزب على علم بها.

صنع الله إبراهيم: آه طبعا وأنا اعتمدت نفسي لأنه ما فيش غيري في الكلية كنت في كلية الحقوق ما فيش غيري في الحزب الاشتراكي ما فيش اجتماعات ولا أي حاجة ولا ما فيش حزب أصلا هو كان مشكلة الحزب الاشتراكي هو ما كانش له تنظيم فاعتبرت نفسي أنا ممثل الحزب الاشتراكي روحت جايب ورقة معلقها على الحائط صوت الطالب الاشتراكي أو حاجة زي كده.

سامي كليب: تتذكر شو كتبت عليها؟

صنع الله إبراهيم: لا أنا فاكر بس حجمها لأن حجمها لأن كان كبير أنا كنت مغرم قوي بجرائد الحائط ومغرم بالصحافة كمهنة يعني وأتطلع إلى إن أنا أبقى صحفي بعد كده يعني.

سامي كليب: تتذكر لأنه كمان أصدرت إنه هذه الجامعة في نفس الفترة شو كانت المواضيع؟ سياسية؟

"
كنت في أيام الدراسة الجامعية مغرما بجرائد الحائط وبالصحافة كمهنة
"
صنع الله إبراهيم: لا هي مواضيع كانت عادة تبقى يا إما أولا فيه موضوعات أدبية وفنية وبعدين يبقى فيه مثلا ملاحظات حول الحياة الجامعية ويعني تبقى سياسية يبقى كان يعني الكلام ده كان سنة 1953 ما كانش ممكن تبقى فيه موضوعات سياسية يعني.

سامي كليب: أول تفكير بالراوية صحيح أنه كان حول شخصية تدعى خليل بيه؟

صنع الله إبراهيم: آه..

سامي كليب: شو كانت الفكرة؟

صنع الله إبراهيم: هي الفكرة أن هو يعني ده أبويا يعني فكنت شايف جوانب منه وعاوز أعبر عنها يعني..

سامي كليب: كيف مثلا؟

صنع الله إبراهيم: هو أنا كنت قبلها يعني الكلام ده في السجن بس قبل السجن بفترة كنت بدأت أكتب قصص قصيرة يعني سنة 1954 – 1955 وكتبت قصة تصور صراع ما بين أبويا ومرات البواب يعني حاجات طبعا كانت ده تأثير المدرسة الواقعية بتاعت يوسف إدريس وعبد الرحمن الشرقاوي وقتها كانوا يعني إحنا كنا نصحى الصبح نجري نجيب الجرنان أنا أقصد وزملائي يعني الطلبة يعني نجيب الجرنال عشان نقرأ قصة يوسف إدريس أو قصة عبد الرحمن الشرقاوي ونديها على طول مدلول سياسي في معارضة الحكم العسكري اللي هو بداية السنوات الأولى من نظام عبد الناصر.

سامي كليب: حين قامت ثورة يوليو أو انقلاب يوليو لا أدري كيف تسميه أو حركة يوليو بشكل عام شو كان شعورك الشخصي؟

صنع الله إبراهيم: لا طبعا كنا في حالة من السعادة لا يمكن تخيلها يعني كانت فيه هزة البلد كلها كانت هزت هزة خرافية فكان فيه سعادة جدا باللي يحصل ده طبعا..

سامي كليب: تتذكر وين كنت ليلتها؟

صنع الله إبراهيم: نعم..

سامي كليب: تتذكر وين كنت ليلة قيام الثورة؟

صنع الله إبراهيم: كنت في البيت إحنا كنا ساكنين في الدقي وراء عمارات الأوقاف اللي هي شارع اسمه شارع السبكي الشارع اللي جنبي كان ساكن فيه الدكتور أحمد أمين وسمعنا الخبر فطبعا ما كناش مش عارفين ننام يعني..

سامي كليب: كيف عشتم جو البيت ليلتها؟

صنع الله إبراهيم: أبويا طبعا كان في حالة من..

سامي كليب: الفرح..

صنع الله إبراهيم: الفرح الشديد جدا وأنا طبعا كنت بدأت يعني كان لي اهتماماتي بقى السياسية بقى وآرائي بقى السياسية قبلها بستة أشهر كنت سأعمل له أزمة قلبية لما قرأت خبر الحكم بإعدام أحمد حسين أو المطالبة بإعدام أحمد حسين عشان حريق القاهرة فصرخت فهو افتكر أن أنا حصل حاجة وجرى عليا.. قال لي يلعن أبوك على أبو أحمد حسين..

سامي كليب: يعني غريب إنه وعيك السياسي كان باكرا جدا إنه أربعة عشر خمسة عشر سنة ما تتحدث عنه..

صنع الله إبراهيم: الجو العام في البلد كان كده وزاد أن أبويا نفسه كان مسؤول عن جانب من هذا النوع يعني كان له اهتماماته السياسية وكان يحكي دائما عن أيام ثورة 1919 ومش عارف إيه..

سامي كليب: قرأت مكسيم غوركي على ما يبدو تأثرت به جدا؟

صنع الله إبراهيم: الفترة دي طبعا الفترة دي يعني كان بدأت القراءات مكسيم غوركي وشتاينبيك وتشيكوف.

سامي كليب: العام 1959 تاريخ مهم في سيرة الكاتب المصري صنع الله إبراهيم فهو يؤرخ لأول المراحل الطويلة من حياته خلف قضبان السجن اتهم آنذاك بالانتماء إلى تنظيم شيوعي سري يدعى حديتو الذي كان بالفعل قد انتمى إليه قبل اعتقاله بخمس سنوات وذلك في عز ارتفاع بعض الأصوات المطالبة قادة ثورة يوليو بإعادة العسكر إلى الثكنات وترك السياسة للمدنيين من رجال السياسة.

"
تولد لدى الناس في أوائل الخمسينات إحساس بضرورة انتهاء الحكم العسكري والحاجة إلى حرية التعبير
"
صنع الله إبراهيم: اللي كان في أول الخمسينات في 1954 في 1955 كان فيه إحساس عند ناس كثير وعندي أنا مثلاً إنه الحكم العسكري ده لازم ينتهي لأن إحنا محتاجين لعملية تعبير مفتوحة صريحة الناس تعبر عن نفسها من خلال تنظيمات سياسية وحركة شعبية إلى آخره.

سامي كليب: يعني أيدت فكرة محمد نجيب إنه إنهاء الحكم العسكري والعودة إلى السياسيين؟

صنع الله إبراهيم: آه.

سامي كليب: الكثير آن ذاك من الأفكار طرح في الواقع ليس في مصر وحدها ولكن أيضاً في العديد من الدول العربية أفكار البعث أفكار الإخوان المسلمين التيار الاشتراكي وأيضاً الشيوعية يعني اللي جذبك للشيوعية هي الطرح الأيديولوجي بشكل عام أو تأثير الرفاق يعني هل قرأت مثلاً عن شيوعية قبل ذلك؟

صنع الله إبراهيم: أنا ما أعتقدش إنه التكوين الفكري بتاعي وقتها يعني كان من القوة كان هو عامل فعال في هذا الاختيار يعني لأنه لاحظ السن ولاحظ الحماس ولاحظ الحركة بتاعت الشارع والاتصالات والبتاع فكل ده كان من العوامل المؤثرة إنك أنت بتلاقي الناس أصدقاءك ومعارفك وبعدين فيه تاريخ موجود حي للمجموعة دي إلى حديتو 1946 مظاهرات بتاعت 1946 وبعدين مكافحة الكوليرا في 1947 يعني فيه ارتباط بحاجة ملموسة وواقعية قدامك.

سامي كليب: طيب بس شخص مثلك يعني شاب في مقتبل العمر كان وفق ما فهمت لا أدري إذا كان الأمر صحيحاً يضع المصحف أو التحويطة في جيبه مؤمن بالله بالدين بكذا ويتوجه إلى توجه شيوعي طيب ما كان عندك ما خلق لك نوع من التناقض يعني بين تربيتك بين تقاليدك؟

صنع الله إبراهيم: لا ما أعتقدش كثير لسبب لأن هو التركيز كان أساساً مش على الجوانب الفلسفية أو جوانب الدين أو مناقشة الدين طبعاً كنا نسمع أصوات يعني بعض الناس تقول الدين ده كلام فارغ وبتاع يعني بس دي ما كانتش قضية مطروحة يعني ما كانتش القضية المطروحة قدامنا إنما هو كان فيه بحكم السن أيضاً وبحكم الفترة فكانت الحركة حركة الشارع يعني حركة الإنسان الحركة يعني مش القراءة أنا ما بدأتش أقرأ إلا بعد كده.

سامي كليب: يعني كان فيه كفاح اجتماعي واقتصادي وسياسي أكثر مما هو على الواقع.

صنع الله إبراهيم: بالضبط أنا ما بدأتش أقرأ بقى يعني فعلاً في الماركسية وبتاع وحاجة زي كده إلا في السجن بقى.

تجربة السجن والنضج السياسي والأدبي


سامي كليب: وين اعتقلت أين كنت ليلة الاعتقال عام 1959؟

صنع الله إبراهيم: ليلة الاعتقال كانت ليلة رأس السنة وأنا كنت سهران مع مجموعة من الأصدقاء في وسط البلد كنا عمالين نلف في الشوارع وحاجات من هذا النوع ورجعت حوالي الساعة يمكن اثنين الصبح أو ثلاثة الصبح وفوجئت على طول اعتقلت بعدها.

سامي كليب: كان اعتقال صعب صار فيه ضرب صار فيه أشياء؟

صنع الله إبراهيم: لا الضرب حصل بعدين يعني لا اعتقلت أنا عادي وواضح إنه ما كانوش عارفين بالضبط يعملوا إيه أو يتصرفوا إزاي يعني.

سامي كليب: التهمة الوحيدة كانت إنه الانتماء للتنظيم السري الشيوعي؟

صنع الله إبراهيم: آه.

سامي كليب: وفي خلال التحقيقات نوع الأسئلة اللي سئلت حول التنظيم فقط؟

"
اتهمت بأني أسعى لقلب نظام الحكم ومعارضة الوحدة العربية
"
صنع الله إبراهيم: آه يعني أنت متهم بأنك أنت عايز تقلب نظام الحكم وتسيد طبقة على طبقة والكلمتين اللي هم كانوا يستخدموا وقتها وبعدين كان يضاف إليها إنه كنت بتعارض الوحدة العربية وبتعارض وحدة الـ يعني كان فيه نغمة الإعلام يستخدمها معارضة الوحدة العربية إلى آخره.

سامي كليب: في كلامك عن فترة السجن في الواقع تتحدث عن معاملة صعبة وقاسية ومذلة لكم بدأت مباشرة بعد اعتقالكم هذه المعاملة.

صنع الله إبراهيم: لا هي مع تطور الأحداث يعني هو بتطور الأحداث ودخول تأثيرات عناصر عينة يعني الموضوع كان مش بالبساطة اللي ممكن تبان يعني بمعنى آخر يعني إنه ما تصورتش يعني إنه إن جمال عبد الناصر أو بقية السلطة يعني كان يقصدوا منذ أول لحظة تصفية الحركة الشيوعية..

سامي كليب: طيب بالسجن تروي مثلا إن كانوا يطلبون منكم أن يعني الواحد يتصرف على أساس أنه امرأة على أساس أنه أنثى أنه كانوا حتى ينادونكم بامرأة..

صنع الله إبراهيم: لا ما كانش يطلب منك إنك تتصرف كامرأة أنت جبت منين القصة دي؟

سامي كليب: والله قرأتها في مكان معين..

صنع الله إبراهيم: لا.. لا كان يعني يقول لك يوجه إليك السباب، السباب يعني بكلمة امرأة يعني قول أنا امرأة يعني إنه إيه بعقلية إنه يكسر الرجولة المتخيلة بتاعتك بأنك أنت تقول أنا امرأة يعني دي كانت تستخدم للإهانة في الشارع يعني أو في البتاع..

سامي كليب: كنت تقولها؟

صنع الله إبراهيم: لا أنا ما طلبتش مني بالصدفة يعني إنما كان وكان فيه ناس بتجاوب إجابات جميلة جدا يعني أنا فاكر مثلا واحد أستاذ جامعة كان يقول والله أنا لو في موقف مختلف أنا ممكن أقول أنا امرأة يعني المرأة إنسان كائن عظيم وله مكانه وأنا أمي امرأة وأحترمها وبأقدرها ولا يعيبني أبداً كرجل إن أنا أقول إن أنا امرأة بس أنا ما أقولهاش في الموقف ده ما أقولهاش بالطريقة دي لأن هي الطريقة دي تعتمد على هو عاوز هو يقصد إيه يعني..

سامي كليب: أنت تعرضت للضرب؟

صنع الله إبراهيم: آه طبعا تعرضت للضرب طبعا..

سامي كليب: كانت قاسية ظروف السجن..

صنع الله إبراهيم: لا ظروف طبعا كانت صعبة جدا قوي وأنا يعني تعرضت للضرب في مرحلة وحسن الحظ لعب دور في إنه في لحظة معينة اللي هي قمة ما وصل إليه الضرب والتعذيب والحاجات اللي من نوع ده ومات شهدي عطية وقتل يعني..

سامي كليب: بعد رحلة عبد الناصر إلى يوغسلافيا الشهيرة..

صنع الله إبراهيم: آه في اللحظة دي فيه شيء يعني أنقذت من عملية العملية دي التعذيب دي بسبب يعني نوع من الصدفة لأنه فيه ثلاث زملاء لي كان لهم علاقة كان فيه توصيات شديدة قوي عليهم من خلال علاقاتهم العائلية يعني، يعني واحد منهم كان أخوه الضابط المرافق للواء اللي كان مشرف على التعذيب واحد ثاني كان مش عارف إيه يعني فيه ثلاثة كان فيه ظروف خاصة أنا أضفت إليهم ربما لأنه أنا مش عارف بالضبط إيه ربما لأنه أنا كان طبعا كنت أنحف من كده يعني زي ما أنت شايفني يعني وأصغر واحد وبالتالي فيعني ما أعرفش يعني..

سامي كليب: السجن كان كحد السيف في تجربة صنع الله إبراهيم فهو حرمه من الحرية لا شك ولكنه وسع آفاق قراءته وبات في مصر اليوم أحد أفضل وأهم الكتاب وفق ما يقول لنا أحد النقاد المصريين.

مشارك ثالث – ناقد أدبي: هو يعني أحد رواد الرواية الوثائقية في العالم العربي وربما يكون هو أبرز كتاب هذا النوع الأدبي والروائي اللي فتح به فتح جديد على الرواية العربية صنع الله إبراهيم ربما يعني الكلمات تكون قاصرة عن أن تعطيه حقه ولكن من خلال روايته وردة وأمريكانلي وشرف واللجنة وتلك الرائحة، عمل عالم متميز ومركب شديد الإنسانية وشديد التكثيف وشديد الرؤية هو أبرز كتاب الستينيات اللي استفاد منه واستفادت من الأجيال الجديدة بشكل كبير صنع الله هو كاتب موقف في الأساس..

سامي كليب: ولأنه كاتب موقف فهو سجن أكثر من مرة والسجن علم صنع الله إبراهيم الكثير ففي سجن مصر مثلا كانت هناك مكتبة ضخمة ما سمح له بالتعرف على جزء لا بأس به من الأدب العالمي ودفعه أكثر صوب الترجمات وفي الحديث عن السجن وذكرياته توقفنا عند تلك الرحلة المأساوية للسجين صنع الله إبراهيم ورفاقه عبر الواحات لمدة عشرين ساعة تقريبا دون مأكولا أو مشروب.

صنع الله إبراهيم: آه لا طبعا كانت الرحلة الأولى كانت رحلة بشعة جدا لأن إحنا كنا مقيدين جوه العربات وما كانش فيه آه ما كانش فيه طبعا ما كانش فيه أكل ولا شرب.

سامي كليب: بالسجن فهمت إنك قرأت أيضا الإنجيل والتوراة والقرآن؟

صنع الله إبراهيم: والقرآن قرأت..

سامي كليب: الأديان الثلاث عمليا..

صنع الله إبراهيم: أنا بالحقيقة يعني بصراحة لم أقرأهم يعني باختيار حر يعني هو ما كانش فيه في فترة من الفترات ما كانش فيه غيرهم ما كانش فيه إلا كتب يعني كانوا مانعين عنا الكتب خالص فبدأنا نتذمر فنطالب طب أعطونا الكتب الدينية واخد بالك فيضطروا يعطونا الكتب الدينية فنقرأها بقى..

سامي كليب: هذا بعد مرحلة ما أصبحت شيوعي يعني واحد كان شيوعي ورجع يقرأ التوراة والإنجيل والقرآن بالسجن؟!

صنع الله إبراهيم: أيوه بس كانت عملية جميلة جدا لأنك أنت اكتشفت إنه الأديان الثلاثة كلها مشتركة في يعني مبادئ جميلة مبادئ عامة من الشيوعيين يقولها يعني ويقولها يعني النقطة هي إزاي تنفذ بقى..

سامي كليب: على كل حال معروف عنك في كتاباتك في مواقفك الانفتاح على الآخر بشكل عام طبعا الآخر القابل للانفتاح.

صنع الله إبراهيم: أيوه أنا لسه مستني أقول لك لأن هم دوخونا هنا إحنا عندنا هنا فيه اسطوانة تعزف يوميا التسامح مع الآخر طب ما تخلوا الآخر ده يتسامح معنا..

سامي كليب: يتسامح معنا بالضبط طيب على ذكر الانفتاح فهمت إنه أيضا بشبابك سكنت عند عائلة يهودية على السطح.

صنع الله إبراهيم: لا ما كانش على السطح هي كانت بالصدفة يعني أدور على غرفة مفروشة في حي عابدين في إحدى الحواري كان فيه ناس قالت لي آه ده عند مدام روز مدام روز عندها غرفة، غرفة على السلم هي زوجها كان يشتغل في عمر أفندي وهي ما أعرفش كانت تشتغل إيه وعندها الغرفة بتاعتها داخل الشقة يعني اللي الغرفة اللي جنب السلم مباشرة اللي جنب باب الشقة يعنى..

سامي كليب: مدام روز وكانت يهودية..

صنع الله إبراهيم: آه..

سامي كليب: كنت تتحدث معها..

صنع الله إبراهيم: آه طبعا..

سامي كليب: عن اليهودية..

صنع الله إبراهيم: لا.. لا يعني مجرد ساكن في وبس وخلاص يعني..

سامي كليب: تتذكر لماذا طلعوك من الشقة؟ تحب نقول على التلفزيون ولا لا؟

صنع الله إبراهيم: لا أولا هم آه أنا افتكرت دلوقتي فيه واحد صديق لي كان له صديقة وجاؤوا يزوروني فإحنا يعني ما حصلش يعني ما انتبهناش إلى أنه هي صحيح مدام روز بس هي في عابدين يعني خاضعة للأوضاع السائدة في عابدين..

سامي كليب: وممنوع يطلع شاب وبنت على شقة..

صنع الله إبراهيم: بالضبط آه..

سامي كليب: وطلعوك..

صنع الله إبراهيم: لا يعني هم بعد كده أعتقد هم قالوا لنا قالوا لي إن هم سيهاجروا راحو إسرائيل أو حاجة زي كده يعني..

سامي كليب: في تجربة السجن طبعا أقمتم مزرعة لزراعة الخضار وما إلى ذلك وبدأت بكتابة بذور الحب على ما أعتقد شو صار فيها بعدين يعني هي نفسها كيف ما كتبت في الداخل خرجت ولا رجعت بعدين طورتها؟

صنع الله إبراهيم: لا.. لا ما طورتش أي حاجة ما زالت موجودة عندي يعني زي ما هي يعني..

سامي كليب: حسين عبد ربه أخرج الأوراق وأخته احتفظت بها وحين خرج وجد الجزء الأكبر منها ولكن ثمة جزء آخر ضاع وعلى غلاف هذا الكتاب يمكن أن نشاهد صورا لأوراق السجائر التي كان صنع الله إبراهيم يكتب عليها بواكير أدبه وهو في السجن كتب مجموعته القصصية الأولى وحين أفرج عنه بقي قيد الملاحقة لكنه ابتعد عن التنظيم الشيوعي السري حين قررت الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني حل نفسها والقبول بدعوة عبد الناصر للاندماج في الاتحاد الاشتراكي ابتعد رغم موافقته على مبدأ الدمج.

"
كنت مؤمنا بفكرة اندماج الشيوعيين ورجال جمال عبد الناصر في تنظيم واحد
"
صنع الله إبراهيم: كنت مؤمن بأن فكرة إن الاندماج آه ممكن قبول تنظيم واحد في البلد مؤلف من الشيوعيين ورجال جمال عبد الناصر ولكن كان عندي شكوك بسبب شوية أشياء حصلت من إنه هم ليسوا جادين في الوصول إلى هذا التنظيم وطبعا من الطبيعي طبعا أنت ما تكون أنت في السلطة وعندك التأييد الشعبي وطب وأنت تعمل ليه تجيب ناس معك ليه عشان إيه يعني..

سامي كليب: هذه الصورة لصنع الله إبراهيم تؤرخ أيضا لظهور روايته اللجنة وذلك حين فشل في امتحان الإخراج والسينما أمام لجنة روسية في موسكو كتب آنذاك ورقتين ثم استعادهما حين جاء مناحيم بيغن إلى القاهرة في عهد الرئيس أنور السادات وقال جملته الشهيرة ومفادها إن اليهود هم خلف معجزة الأهرام وفي اللجنة نجد بداية تعلق صنع الله إبراهيم بالأرشفة كجزء أساسي من الرواية ويبدو أنه منذ صباه كان يؤرشف خصوصا صور ممثلاث هوليوود فماذا عن الروايات الأكثر تمردا وشجبا للسياسة والسياسيين؟ هذا ما سوف نتوقف عنده في الحلقة المقبلة مع الكاتب المصري الملتزم صنع الله إبراهيم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة