العقلانية الإسلامية   
الخميس 1430/11/25 هـ - الموافق 12/11/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:09 (مكة المكرمة)، 13:09 (غرينتش)

- معنى العقلانية الإسلامية ومقوماتها وأهميتها
- الميراث العقلي في الثقافة الإسلامية وجهود استعادته

- أهمية العقلانية والفرق بين العقل والرأي

- حدود العقل والعلاقة بينه وبين القلب والشرع

عثمان عثمان
محمد عمارة
عثمان عثمان:
السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {..إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}[الرعد:4] خطاب قرآني تكرر في مواضع عدة من القرآن الكريم فما مدلول العقل؟ وإلى أي عقلانية دعا الإصلاحيون الإسلاميون، ولماذا اتخذ البعض موقف العداء للعقلانية؟ العقلانية الإسلامية موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة والذي ينضم إلينا من القاهرة، مرحبا بكم دكتور؟

محمد عمارة: أهلا بكم أهلا وسهلا.

معنى العقلانية الإسلامية ومقوماتها وأهميتها

عثمان عثمان: دكتور بداية عندما نقول العقلانية الإسلامية ماذا نعني بها؟

محمد عمارة: بسم الله الرحمن الرحيم وصلاة وسلاما على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته أجمعين. عندما نقول العقلانية الإسلامية هي العقلانية المتميزة بعدد من الخصائص، فحيث الفكر المادي يرى أن العقل مادة تشع الفكر فإن العقلانية الإسلامية تعرف العقل وماهية العقل بأنه ملكة، غريزة نور في القلب، هذه واحدة، الثانية أن العقلانية الإسلامية نابعة من القرآن الكريم، 49 آية في القرآن الكريم تتحدث عن العقل باللفظ ومرادفات العقل وردت في آيات قرآنية تقرب من ثلاثمائة آية، الأمر الثالث أن هذه العقلانية الإسلامية لا تؤله العقل ولا يتمثل فيها الغرور العقلاني لأنها عقلانية تجمع بين العقل والنقل، تقرأ النقل بالعقل ثم تحكم العقل بالنقل لأن العقل على عظمته وأهميته هو ملكة من ملكات الإنسان وكل ملكات الإنسان نسبية الإدراك فهناك مساحات واسعة للعقل وخاصة في عالم الشاهدة أما في عالم الغيب وفي كنه الذات الإلهية وصفاتها صفات الجلال والكمال فهنا يقف العقل أمام سرادق عزة هذا العالم الغيبي الذي لا يدرك كنهه وحقيقته إلا الله سبحانه وتعالى، أيضا العقلانية الإسلامية تتفرد وتتميز بأنها ضرورة من الضرورات الخمس لمقاصد الشريعة الإسلامية، فمقاصد الشريعة الإسلامية الخمس منها الحفاظ على العقل أي أن العقل ليس ترفا وإنما هو معلم من معالم الإسلام من معالم المنهج الإسلامي في التفكير ومن هنا تتميز العقلانية الإسلامية عن الأنساق الفكرية الأخرى التي عرضت للعقل والتي تحدثت عن العقل.

عثمان عثمان: انطلاقا من هنا دكتور هل يمكن الحديث عن عقلانية إسلامية وعقلانية غير إسلامية؟

محمد عمارة: نعم، نحن تحدثنا عن بعض سمات العقلانية الإسلامية، هناك عقلانيات وضعية مادية لا دينية، خذ على سبيل المثال العقلانية الإغريقية واليونانية كان هناك عقل بلا نقل ومن هنا كانت براهين العقل لها السيادة وليس هناك سلطان على براهين العقل، أيضا العقلانية الأوروبية الحديثة التي ظهرت مع النهضة الأوروبية ظهرت كرد فعل للاهوت اللا عقلاني، كان هناك اللا هوت الكهنوتي في الكنيسة الكاثوليكية الذي يقول ويرفع شعارات اغمض عينيك واتبعني، عليك أن تؤمن بما يلقى إلى قلبك دون إعمال عقل فإن الإيمان لا يحتاج إلى إيمان عقل، اعتقد وأنت أعمى، القديس أوغسطين يقول أؤمن بهذا لأنه محال أو غير معقول، إذاً هناك عقلانية يونانية لا دينية لأنه لم يكن معها عقل ولا نقل ولا وحي وهناك عقلانية ظهرت رد فعل على اللاهوت اللا عقلاني فجاءت عقلانية علمانية وضعية لا دينية ومادية ومن هنا تتميز هذه العقلانيات غير المؤمنة عن العقلانية الإسلامية التي هي عقلانية مؤمنة تقيم الدليل العقلي على الإيمان بالله سبحانه وتعالى وبكتبه ورسله.

عثمان عثمان: هذه العقلانية الإسلامية دكتور متى تبلورت؟ متى ظهرت على الساحة الحياتية؟

محمد عمارة: العقلانية الإسلامية تبلورت كعلم في النصف الثاني من القرن الهجري الأول عندما تمت الفتوحات وواجه المسلمون في البلاد المفتوحة بمؤسسات لها طابع فلسفي ولها طابع ديني وبفرق غير إسلامية لها منظومات فكرية لم يكن سلاح قال الله وقال الرسول هو الأفعل في الحوار مع هذه المؤسسات ومع هذه الفرق والمذاهب والأنساق الفكرية فاحتاج المسلمون إلى بلورة العلم التوحيدي علم الكلام الذي هو فلسفة الإسلام انطلاقا من القرآن الكريم لكي يكون لدينا حجج عقلانية في الحوار مع هؤلاء الذين لا يؤمنون بقال الله وقال الرسول، نحن فيما بيننا يكفي أن نقول قال الله وقال الرسول لنحسم القضية أما أنت إذا سافرت إلى بلاد أخرى..

عثمان عثمان (مقاطعا): أما مع غير المسلم لا بد من أدلة عقلانية.

محمد عمارة: (متابعا): لا بد من عملة صعبة تصرف في كل البلاد وهذه هي العقلانية الإسلامية التي تبلورت كعلم، علم التوحيد، علم الكلام في النصف الثاني من القرن الهجري الأول.

عثمان عثمان: هل يمكن الحديث عن مقومات لهذه العقلانية الإسلامية؟

محمد عمارة: نعم، الفرق الإسلامية التي نشأت في ذلك التاريخ وخاصة يعني حلقة الحسن البصري في البصرة والفرق التي خرجت من تحت عباءة هذا العالم الجليل وخاصة المعتزلة كانوا هم رواد وفرسان هذه العقلانية الإسلامية بل إنهم هم الذين قاموا بالرد على الفرق غير الإسلامية، قاموا بالجدل جدل علم الكلام، قاموا بل بنشر الإسلام في الحواضر التي كان فيها فكر مركب وكان فيها أنساق فكرية وأنساق فلسفية كانوا هم الذين حاوروا الآخر في ذلك التاريخ سواء كان آخر ديني أو آخر فلسفي أو آخر وضعي مثل مذاهب السومانية الذين كانوا موجودين في اليمن وهو مذهب وضعي، مثل الفلسفة الوضعية الأوروبية الحديثة، إذاً كان هناك فرق إسلامية تنحو نحو المجادلة بالعقل والحجاج بالعقل دفاعا عن العقيدة الإسلامية ونشرا للإسلام في تلك البلاد بعد الفتوحات.

عثمان عثمان: ولكن ما الموقف من المعتزلة دكتور؟

محمد عمارة: شوف الموقف من المعتزلة موقف ملتبس لدى كثير من الناس، أولا حتى عندما تقرأ في ابن تيمية تجده يميز بين معتزلة البصرة ومعتزلة بغداد، معتزلة البصرة اللي هم ظهروا أولا كانوا هم أقرب إلى المنهج العقلاني القرآني، معتزلة بغداد فيما بعد تأثروا على نحو ما بالفكر اليوناني، أيضا الذي سوأ سمعة المعتزلة هو محنة خلق القرآن، يجب أن نعرف أن الذين قاموا بهذه المحنة كانوا قلة قليلة مرفوضة من جمهور المعتزلة يعني الذين وقفوا مع الدول العباسية مع المأمون ومع الواثق والمعتصم هؤلاء كانوا قلة مرفوضة من المعتزلة، بل لأن المعتزلة كان موقفهم ليس مع الدولة العباسية وإنما مع التيار العربي العلوي الذي كانوا بايعوه بالخلافة ولذلك هذه الشوائب التي علقت بالمعتزلة لم تكن منطبقة على جمهور المعتزلة. الأمر الثالث هو أن المعتزلة عندما غابوا من الحياة الإسلامية كفرقة المنهج العقلاني عندهم تسرب وشاع في فرق إسلامية أخرى، خذ على سبيل المثال الإمام أحمد والأشعري كل منهم كان رد فعل على الباطنية على التأويل المغالي على الفكر اليوناني، لكن العقلانية الاعتزالية تجدها تجد قصة منها عند السلفية في تطورها على يد ابن تيمية وعلى يد ابن القيم، تجد هذه العقلانية قد تسربت إلى الأشعرية في مرحلة تطور وتجدد الأشعرية في مرحلة الغزالي وإمام الحرمين وغيره من هؤلاء الأعلام، يبقى إذاً غيبة المعتزلة كفرقة مستقلة لم تعن غيبة العقلانية من الساحة الإسلامية.

عثمان عثمان: دكتور ربما يعني تطرقنا إلى هذا الموضوع لأنكم ذكرتم دور المعتزلة في موضوع العقلانية الإسلامية، دكتور تحدثتم عن فترة ازدهار لهذه العقلانية الإسلامية ولكن في عصر الانحطاط وجدنا تراجعا حادا وكبيرا لهذه العقلانية، يعني بم تفسرون ذلك، هل عدم العقلانية الإسلامية هي كانت سببا من أسباب الانحطاط الذي أصاب المسلمين يوما ما؟

محمد عمارة: شوف التراجع الحضاري كان تراجعا عاما يعني تراجعا في اللغة تراجعا في الأدب تراجعا في الشعر تراجعا في الإبداع تراجعا في الاجتهاد وأيضا كان تراجعا في العقلانية، لأن الحضارة ظاهرة مركبة، التراجع لا يتم في جزئية دون جزئية، وأنا أقول إن من أسباب التراجع الحضاري في التاريخ الإسلامي أن هناك شعوبا وأمما دخلت في الإطار الإسلامي دون أن تعاد صياغتها صياغة إسلامية كما حدث للعرب في عصر النبوة وفي عصر الخلافة الراشدة، إذاً دخلت إلى الساحة الإسلامية شوائب وعادات وتقاليد وأفكار غريبة عن المنهج العقلاني الإسلامي، الأمر الثاني أن المخاطر الخارجية والتمزقات الدولية جعلت الأمة تسلم قيادها للماليك للقوة للعضلات وليس للعقل ولذلك ارتبطت سيطرة المماليك بسيطرة الذين يقفون عند ظواهر النصوص وارتبطت باضطهاد المنهج العقلاني، إذاً التراجع للقلانية كان جزءا من التراجع العام للحضارة وطول الخطر الصليب والتتري جعل هذه القوة قوة المماليك تحكم بالعضلات خصوصا أن المماليك لم يكونوا عربا ولم تكن لهم مواهب الفقه للقرآن الكريم حيث هذا يستلزم البراعة في اللغة العربية، إذاً كان هناك عوامل متعددة أدت إلى تراجع العقلانية الإسلامية في مرحلة التراجع الحضاري كجزء من الظاهرة العامة وهي ظاهرة التراجع لهذه الحضارة الإسلامية.


الميراث العقلي في الثقافة الإسلامية وجهود استعادته

عثمان عثمان: ولكن هذا التراجع ربما انطلق منه بعض الإصلاحيين في القرن التاسع عشر لاستعادة أو لإحياء العقلانية الإسلامية في مواجهة التقليد والنزعة النصية، في القرن العشرين أيضا حاول بعض المفكرين الإسلاميين استعادة الميراث العقلي في الثقافة الإسلامية في زمن الانحطاط، هذه الجهود دكتور أين وصلت اليوم، إلام انتهت؟

محمد عمارة: شوف، يعني نحن الآن نعيش في مرحلة صراع بين مدرسة الإحياء والتجديد الديني التي تبلورت في القرن التاسع عشر على يد الطهطاوي وعلى يد الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وامتدادات هذه المدرسة عند مصطفى عبد الرازق وعند عبد المجيد سليم وعند الشيخ الغزالي وعند المراغي وكل هؤلاء الأعلام، أنا أقول الخير الكثير الذي تجده في مدرسة الإحياء والتجديد على نطاق العالم الإسلامي هو امتداد لهذه المدرسة التي تبلورت في القرن التاسع عشر يعني أنا أقول لك محمد عبده، هناك جمعية في أندونيسيا اسمها الجمعية المحمدية تسير على منهاج محمد عبده أعضاء هذه الجمعية في أندونيسيا 32 مليونا، الحركة الإصلاحية في المغرب عن علال الفاسي هم تلاميذ محمد عبده، الحركة الإصلاحية في الجزائر، جمعية العلماء، ابن باديس، وائل بشير الإبراهيمي تلاميذ محمد عبده، الشيخ ابن عاشور والابداعات التي حدثت في الفكر الإسلامي في تونس كل هذه آثار من آثار هذه المدرسة، طبعا على الضفة الأخرى هناك من يقفون عند ظواهر النصوص هناك من يتحسسون مسدساتهم إذا ذكرت كلمة العقل والعقلانية إذاً الواقع الحالي أن هناك آثارا لا تزال موجودة نحن امتداد متطور لمدرسة الإحياء والتجديد ولكن هناك من هم امتداد غير متطور للوقوف عند ظواهر النصوص وهو المنهج الذي ساد في عصر التراجع الحضاري.

عثمان عثمان: دكتور طبعا سمعنا وهناك في الكتب الكثير عن هجوم على الإمام الغزالي وعلى ابن تيمية رحمهما الله بأنهما ضد العقلانية وأن الإمام الغزالي دشن نهاية العقلانية من خلال كتابيه "تهافت الفلاسفة" و"إحياء علوم الدين"، ما صحة مثل هذا الكلام وهذا التصور؟

محمد عمارة: يعني هذه خرافة، يعني أنا أقول كثير من الذين يتحدثون عن الإمام الغزالي أو حجة الإسلام أبو حامد الغزالي وغيره من علماء الإسلام يتحدثون إما دون أن يقرؤوا أو كثمرة لقراءتهم لبعض المستشرقين، أبو حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" وهو موسوعة، هذه الموسوعة عقد فيها كتابا للعقل ومقام العقل وأنا عندما أصدرت كتابي "مقام العقل في الإسلام" جعلت القسم الأخير من الكتاب نصوصا لعدد من علماء الإسلام منهم أبو حامد الغزالي فنقلت ما كتبه عن العقل والعقلانية ومقام العقل في هذا الكتاب، أبو حامد الغزالي.. يعني شوف المعتزلة كانوا يقولون إن الأدلة أربعة الكتاب والسنة والإجماع والعقل، أبو حامد الغزالي يقول في كتابه "إحياء علوم الدين" الأصول أربعة الكتاب والسنة والإجماع والعقل وهذا دليل على أن هذه العقلانية هي جزء من العقلانية الإسلامية، أبو حامد الغزالي يشبه العقل بالبصر ويشبه الشرع والقرآن بالضياء ويقول من يملك عقلا أي بصرا دون شرع يبقى كأنه يسير في الظلام، ومن يملك شرعا وقرآنا أي ضياء لكن دون عقل كأنه مغمض العينين فهو شبيه بالعميان، ثم يقول فالعقل مع النقل نور على نور، أبو حامد الغزالي يعرف العقل بأنه نور في القلب به نعرف الله نعرف صفات الله نعرف صدق الرسالة وحجة الوحي ولذلك يعتبر أنه هو الثمرة التي بدونها لا يمكن أن يكون الإنسان فقيها لعقله ولدينه ولحياته.

عثمان عثمان: والإمام ابن تيمية رحمه الله.

محمد عمارة: ابن تيمية أيضا ظلم ظلما شديدا من الذين لم يستطيعوا أن يقرؤوه أو لم يفقهوه يعني أنا كتبت كتيبا صغيرا اسمه "رفع الملامة عن شيخ الإسلام" وأوردت فيه بعض نصوصه في العقل، أتعلم أن ابن تيمية يقول إن كل أئمة الأمة وفقهائها يحسنون ويقبحون بالعقل، الذين يتعصبون لابن تيمية يظلمونه ويتصورون أن هذه مقولة المعتزلة، لكن الرجل يقول إن عدم التحسين والتقبيح بالعقل بدعة دخلت على الإسلام لم يقل بها أئمة المسلمين وفقهاء المسلمين، ابن تيمية وضع كتابا اللي هو "درء تعارض صريح المعقول مع صحيح المنقول" يقول هناك استحالة أن يكون هناك تعارض بين صريح العقل وبين صحيح النقل وإذا حدث وتوهم الإسلامي أن هناك تعارضا يبقى نأخذ بالدليل القطعي سواء كان عقليا أو كان نقليا، إذاً نأخذ بالدليل العقلي لا لأنه عقلي ولا لأنه نقلي وإنما لأنه قطعي ويقول إنه تأمل كل المسائل الكبرى التي اختلف فيها المسلمون في علم الكلام فوجد أن كل النصوص السمعية التي تعارض صريح العقل إما أنها أحاديث موضوعة أو أنها دلالات فاسدة، وإذاً ابن تيمية له موقف ولذلك ليس غريبا أن تجد الإمام محمد عبده وهو إمام التجديد في العصر الحديث يقول عن ابن تيمية إنه أعظم مناصر للسنة ومدافع عن الدين وهو الذي أشار بطبع كتب ابن تيمية فطبع كتاب "درء تعارض صريح المعقول مع صحيح المنقول" وكتاب "منهاج السنة النبوية" في أوائل القرن العشرين بإشارة وإيعاز من الإمام محمد عبده، إذاً ابن تيمية ظلم ظلما شديدا في موقفه من العقل.

عثمان عثمان: ولكن السؤال يبقى مطروحا دكتور ماذا لو تعارض صريح العقل مع صحيح النقل أيهما نقدم؟

محمد عمارة: التعارض عادة يأتي بين صريح العقل وظاهر النقل وليس مع النقل يعني ليس مع الآية القرآنية إنما ظاهر الآية القرآنية وهنا تأتي قضية التأويل وللمسلمين مذاهب مختلفة في هذا التأويل، أنا أقول عندما يقول ابن تيمية إنه لا يمكن يتعارض القطعي مع القطعي هو هذا الذي يقول به ابن رشد، يعني الفيلسوف الكبير عندما يقول إن الحق لا يضاد الحق، لا يمكن الحق الذي جاء به النقل يتعارض مع الحق الذي جاء به العقل لأن العقل رسول من الله سبحانه وتعالى والنقل وحي من الله سبحانه وتعالى ولا يمكن أن تختلف وتتعارض رسالتان من مرسل واحد هو الله سبحانه وتعالى إلى الإنسان لهداية الإنسان. ابن تيمية أنا جمعت له في كتابي "مقام العقل في الإسلام" 26 صفحة من الحجم الكبير من كتاب درء التعارض ومن كتاب الرد على المنطقيين ومن كتب أخرى وإن شاء الله لي مشروع لكتاب عن مقام العقل عند ابن تيمية، وأنا أريد أن أقول لك عندما نشرت الكتيب الصغير اللي هو "رفع الملامة عن شيخ الإسلام" وأشرت إلى موقفه من العقلانية والتحسين والتقبيح بالعقل وموقفه من التأويل وموقفه ضد التكفير، هناك أناس من الذين يتعصبون لابن تيمية قالوا لي مشايخنا لم يقرؤوا ابن تيمية لم يفهموا ابن تيمية لم يفسروا ابن تيمية إذاً ظلم ابن تيمية كما ظلم أبو حامد الغزالي، ظلم شيخ الإسلام كما ظلم حجة الإسلام.

عثمان عثمان: إذاً دكتور عند التعارض الشكلي ربما كما ذكرتم نذهب إلى التأويل ولكن سؤالا يطرح، العقلانية المطلقة ألا ترون فيها خطرا على العلم؟

محمد عمارة: العقلانية المطلقة هذه بدعة التنوير الغربي المرفوضة من الإسلام، لماذا؟ الغربيون والتنويريون الغربيون يقولون لا سلطان على العقل إلا للعقل، وأنا أرى أنهم يناقضون أنفسهم لأنهم يتحدثون عن النسبي، أنت إذا أطلقت العنان للعقل وقلت إنه قادر على أن يدرك كل شيء فكأنك جعلت العقل مطلقا وليس نسبيا، نحن نقول مع هؤلاء الأئمة وبالذات مع الإمام محمد عبده إن العقل يدرك عوارض الأشياء أما كنه الأشياء جوهر الأشياء مآلات الأشياء وخصوصا إذا تعلقت بعالم الغيب وبالذات الإلهية وبصفات الذات الإلهية هنا يدرك العقل المثل التي ضربها الله لتقرب الصور إلى العقل كما يقول الإمام محمد عبده لأن العقل وحده لا يحقق السعادة للإنسان ولا بد أن يستعين بالدين لأن فوق العقل مساحة ومنطقة لا يدركها العقل وكما يقول أبو حامد الغزالي أيضا إن نور النبوة يدرك أشياء لا يدركها العقل، إذاً هناك إحساس وحس لدرجة في المعرفة والإدراك، هناك عقل فوق الإحساس ويصحح الإحساس وهناك دين فوق العقل فيه أشياء وبالذات في عالم الغيب لا يستطيع العقل أن يستقل بإدراكها ومن هنا لا بد له من الاستعانة بالوحي والدين ولذلك حتى جمال الدين الأفغاني يتحدث عن أن العقل له مملكة عظيمة في عالم الشهادة لكن هناك منطقة يقف العقل أمام سرادق عزتها لا يستطيع أن يتجاوز حدوده، إذاً نسبية العقل هو الموقف الإسلامي.

عثمان عثمان (مقاطعا): لماذا دكتور نحن بحاجة اليوم إلى إحياء العقلانية الإسلامية؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة فابقوا معنا مشاهدينا الكرام.


[فاصل إعلاني]

أهمية العقلانية والفرق بين العقل والرأي

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقتنا لهذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان العقلانية الإسلامية مع المفكر الإسلامي المعروف الدكتور محمد عمارة. دكتور ما مهمة العقلانية اليوم؟ ما مدى حاجتنا إلى إحياء هذه العقلانية الإسلامية؟

محمد عمارة: يعني أنا أقول إذا لم نحي العقلانية الإسلامية فسنموت، سنموت، سندفن، ستدفن هذه الأمة، أنا أقول لك إذا كنت عسكريا كيف تحارب وتدبر الخطط دون عقلانية؟ إذا كنت من رجال التنمية الزراعية أو الصناعية أو التجارية كيف تحدث تنمية دون استخدام العقل ودون عقلانية؟ إذا كنت من رجال التربية والتعليم كيف تضع المناهج التي تناسب العصر والواقع والتي تطور الحياة في مجالات التعليم وفي المدارس والجامعات دون أن يكون هناك عقل؟ إذا كنت أنا أقول حتى الذين يخاصمون العقل هم في حياتهم الخاصة يستخدمون العقل، يعني بيدور على المرتب بتاعه ويرتبه ويدبر ويعمل ويحوش ويستخدم منتهى العقلانية ولكن يجي بقى في الفكر والدين فلا يستخدم عقله، إذا كنت أمام معجزة القرآن الكريم وهي معجزة عقلية جاءت تستنفر العقل وتستحثه ولم تأت لتدهش العقل وتشل تفكيره كالمعجزات المادية التي كانت للرسالات السابقة، كيف نفهم القرآن دون أن يكون هناك عقل؟ ده الحارس المحاسبي من أئمة وأقطاب التصوفي القرن الثاني والثالث الهجري يعني في عصر التابعين وتابعي التابعين في خير القرون وضع كتابا اسمه "العقل وفهم القرآن" وأخذ هذا العنوان من حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث عن القرآن لأنه عقلاني ويتحدث عن الحكمة وهو إلى آخره، إذاً أنا أقول الحارس المحاسبي وغيره من أئمة الصوفية على عكس المنتسبين للتصوف وأيضا ابن تيمية على عكس الذين يتمسحون في كلمة السلفية وهي كلمة عظيمة وجليلة وكلنا ننتسب إليها، أنا أقول بدون العقلانية بدون إحياء العقلانية الإسلامية يا سيدي كيف تدعو للإسلام في أوروبا وفي أميركا وفي آسيا وكيف تدعو غير المسلمين ليدخلوا الإسلام دون أن يكون لديك منطق عقلاني وعقلانية منطقية؟ نحن الآن في موقف شبيه بمرحلة الفتوحات الإسلامية، عندما خرج المسلمون من الجزيرة العربية فوجدوا أناسا لهم أنساق فكرية وفلسفات وعقلانيات فاحتاجوا إلى العقلانية كعملة صعبة يتعاملون بها مع هذه الأنساق الفكرية، نحن الآن نذهب إلى أوروبا وهناك فلسفات المطلوب أن نناقشها ونرد عليها، تذهب إلى أميركا تذهب إلى كل هذه البلاد، كيف تنشر الإسلام وتدعو للإسلام وينتصر الإسلام دون أن تكون هناك عقلانية إسلامية؟ إذأ..

عثمان عثمان (مقاطعا): وصلت الصورة دكتور، تتحدثون عن أهمية العقل ولكن نجد في تراثنا ووعينا الإسلامي ربما محاربة للعقل، هناك من يذهب إلى تحقير هذا العقل على خلاف ما يقدمه القرآن الكريم، كيف نفسر هذا التناقض بين تقييم القرآن للعقل وبين من يحقر العقل ويجعله في زاوية الإهمال مثلا؟

محمد عمارة: شوف، أبو حامد الغزالي طرح هذا السؤال الذي تفضلت به، قال إن هناك بعض الصوفية يذمون العقل وعلل هذا الموقف السلبي بأنهم طلبوا الحقيقة من الألفاظ وقالوا الشرع يدرك بحق اليقين وبنور اليقين وبالإيمان وقال نور اليقين والإيمان هو هذا الذي نقصده بالعقل، شوف عبارة أبو حامد الغزالي يقول نحن إنما نريد بالعقل ما يريده هؤلاء بعين اليقين ونور الإيمان وهي الصفة الباطنة التي يتميز بها الآدمي عن البهائم وأنه حدث تخليط في هذا، أيضا هناك من ينتسبون إلى السلفية ومن ينتسبون إلى ابن تيمية ويتعصبون له، أقول لك حقيقة غريبة، الشيخ الغزالي رحمه الله عندما أصدر كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث"، 14 كتابا صدرت ضد الشيخ الغزالي أول تهمة هي العقل والعقلانية، أنا في واحد عمل كتابا ضدي 710 صفحات أول تهمة في أول باب هي العقلانية، هؤلاء أناس يقفون أمام ظواهر النصوص وينتسبون إلى أئمة من السلف مثل ابن تيمية وابن القيم، ده ابن القيم يقدم الواقع على الحكم الواجب ويقول إن الفقيه والمفتي والحاكم والعالم عليه أن يفقه الواقع ثم يبحث له عن حكم في الأحكام الواجبة، إذ يقول العداء..

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكن دكتور أليس المطلوب منا كمسلمين أن نرجع إلى السلف الصالح أن نأخذ منهم؟ "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجز".

محمد عمارة: نعم، ولذلك أنا هذا هو المنهج الذي سلكته في كتاب "مقام العقل في الإسلام"، كتبت الدراسة ثم جعلت النصف الأخير من الكتاب نصوصا لهؤلاء الأعلام لهؤلاء السلف يعني ما كتبه ابن رشد ما كتبه الغزالي ما كتبه ابن تيمية ما كتبه الحارس المحاسبي ما كتبه الشاطبي ما كتبه محمد عبده كل هؤلاء أتيت بنصوصهم في مقام العقل، مقام عظيم والإنسان كون عقلي لكن العقل وحده لا يستطيع أن يحقق سعادة الإنسان، هذا هو التوازن هذه هي الوسطية الإسلامية، إذاً كما تفضلت لا بد أن نعود إلى تراثنا نفقه هذا التراث فقها جديدا نقرأ هذا التراث قراءة جديدة لكي نرفع اللوم عن هؤلاء الأعلام وأيضا لكي ندعو هؤلاء الذين فهموا تراثنا فهما مغلوطا إلى كلمة سواء، لأنه أنا أقول عندما أنشر..

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور، اسمح لنا أن نأخذ بعض المشاركات من السادة المشاركين..

محمد عمارة: كلام ابن تيمية عن العقل هذا يجعلهم يعيدون النظر.

عثمان عثمان (متابعا): من السادة المشاهدين، نشرك همام العمري من السعودية تفضل أخ همام، السلام عليكم.

همام العمري/ السعودية: وعليكم السلام ورحمة الله. تحية طيبة إلى ضيفكم الكريم. الحقيقة هناك خلط، خلط كبير بين العقل والرأي لعلنا لو تابعنا أو تتبعنا تاريخ بعض الجماعات والفرق الإسلامية لوجدنا أنها اتبعت بعض الآراء الفاسدة والتي حتى العقل لا يقبلها ولذلك يجب التفريق بين مفهوم الرأي واتباع الرأي وادعاء العقلانية في اتباع هذا الرأي وبين العقل استخدام العقل، ولعل استخدام العقل في التاريخ الإسلامي ربما كان نوع من الحذر والخوف منه وكلنا يعرف قصة سفيان الثوري من أبي حنيفة رضي الله عنهما، كذلك مما أعجبني قصيدة للحدادي وهو من المعتزلة وهذا يؤكد أنهم اتبعوا الفكر ولم يتبعوا العقل عندما قال

فيك يا.. الفكر حار أمري وانقضى عمري

سافرت فيك العقول فما ربحت إلا أذى السفر  

عثمان عثمان (مقاطعا): أخ همام ضاق الوقت لو سمحت إذا كان عندك سؤال للدكتور.

همام العمري: السؤال هو أكبر أو الإشكالية الرئيسية التي تواجه المدارس الإصلاحية الآن هي التراكمات الفقهية التي نشأت في العصور الأخيرة من تاريخ الإسلام هذه الإشكالية الكبيرة التي تواجه المدارس الإصلاحية ولا بد من إحياء فقه مقاصدي والاجتهاد أن بعض الآراء التي كانت صالحة لأزمان لم تعد صالحة لأزمان أخرى، من يدعون السلفية الآن هم يتبعون بعضها للأسف..

عثمان عثمان (مقاطعا): طبعا نحن لا نريد أن يكون هذا المنبر لهجوم على طرف أو آخر. نأخذ الأخ أدونيس عبد الله من السويد.

أدونيس عبد الله/ السويد: السلام عليكم. يتكلم الأخ الضيف عن موضوع العقلانية في الإسلام بينما الإسلام نجد أنه يطلب من المسلمين ألا يحكموا عقولهم في شيء لنزول الآية {..لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ..}[المائدة:101] الإسلام يرفض الطرف الآخر، يرفض الحوار مع الطرف الآخر، يرفض الرأي الآخر فكيف تطلب من الناس الآخرين أن يكونوا عقلانيين..

عثمان عثمان (مقاطعا): الإسلام أم المسلمون؟

أدونيس عبد الله (متابعا): بينما الإسلام يرفض الطرف الآخر.

عثمان عثمان: كيف يرفض الإسلام الطرف الآخر؟

أدونيس عبد الله: يرفض الطرف الآخر لأن الإسلام يقسم العالم إلى إسلام ودار الكفر، دار الحرب ودار السلام، فكيف تطلب من الآخرين أن يكونوا عقلانيين وأنت ترفض الطرف الآخر؟ ترفض الحوار مع الطرف الآخر؟

عثمان عثمان: السؤال واضح. نأخذ الأخ هشام عبد العزيز، السعودية.

هشام عبد العزيز/ السعودية: السلام عليكم. أهلا بالدكتور عمارة ونحييه كثيرا ونحبه ما شاء الله ودائما متابعين له كتب ومقالات، أنا بس عايز رأيه في قضية النقل لا العقل يعني هناك أناس يتكلمون عن تفضيل العقل عن النقل، حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وجزاكم الله خيرا.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا. تفضل دكتور.

محمد عمارة: شوف يا سيدي أولا السؤال الأولاني أنه قال في فرق بين العقل وبين الرأي، الرأي ثمرة للعقل، يعني أنا عندما أقول رأيا هذا ثمرة للتفكر والتعقل والتذكر والتدبر عندي إنما في الفرق الحقيقي هو بين العقل والهوى، الخلط أحيانا يحدث بين العقل والهوى والذين يعادون العقل هم الذين يخلطون بين العقل والهوى أما الرأي فهو ثمرة للعقل وللتعقل. أيضا أشار إلى إحياء المقاصد، الذي أحيا علم المقاصد في عصرنا الحديث الإمام محمد عبده هو أول من بحث عن مخطوطات المقاصد، والشاطبي وغيره وتلامذته زي ابن عاشور وعلال الفاسي هم الذين أبدعوا في علم المقاصد وتلامذتهم الآن يبدعون في علم المقاصد. أيضا الأخ الذي تحدث عن الآخر ورفض الآخر أنا أقول له الإسلام وحده هو الذي يعترف بكل ألوان الآخر، يجعل الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا، يجعل الناس مللا وشرائع ومناهج وحضارات وثقافات يريد العالم منتدى للحضارات، الآخر هو الذي يرفض الاعتراف بالإسلام، نحن نصلي ونسلم على كل أنبياء الله ورسله، قل لي ماذا يقولون في محمد صلى الله عليه وسلم؟ نحن نصلي فنقول التوراة هي هدى ونور والإنجيل فيه هدى ونور، ماذا يقولون عن القرآن؟ ينكرون حتى أن يكون الإسلام دينا سماويا، إذا الكلام عند الآخر نحن الذين نعترف بالآخر وأكبر عقبة أمام الحوار مع الآخر أن هذا الحوار حوار طرشان لأننا نعترف بالآخر والآخر لا يعترف بنا فهناك مرسل وهناك مستقبل وليس هناك تفاهم، الحوار تفاهم.

عثمان عثمان: نعم الأخ هشام دكتور تحدث عن موضوع العقل والنقل وربما سبق الحديث في هذا الموضوع.

محمد عمارة: العقل والنقل، أنا أقول.. لا، أريد أن أضيف كلمة صغيرة، المقابل للعقل عندنا هو الجنون وليس النقل، هذه مشكلة غربية نقلت إلينا دون مبرر لأن النقل عندنا معجزة عقلية، هو القرآن معجزتنا أي النقل عندنا معجزة عقلية ولذلك المقابل للعقل هو الجنون وليس النقل في التراث الإسلامي وفي الحضارة الإسلامية.


حدود العقل والعلاقة بينه وبين القلب والشرع

عثمان عثمان: دكتور هناك من يضع القلب في مقابل العقل وربما ذهب البعض أيضا إلى انتقاص العقل، ما العلاقة التي يمكن أن نرسمها ما بين العقل والقلب؟ يعني ما دور العقل؟ ما دور القلب؟ ما العلاقة الرابطة بينهما؟

محمد عمارة: هنا عبقرية الإسلام وإعجاز القرآن الكريم يعني عندما كل العلماء الذين أشرنا إليهم محمد عبده والغزالي وابن رشد والإمام ابن تيمية والحارس المحاسبي يقولون العقل نور في القلب ولذلك القرآن يعتبر أن مصطلح القلب من مرادفات العقل {..لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا..}[الحج:46]، {..لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا..}[الأعراف:179] إذاً اللي حل مشكلة التقابل والتعارض هو القرآن هو الإسلام هو العقلانية الإسلامية لأنه جعل العقل نور في القلب ولم يجعل المخ اللي هو مادة هو العقل الذي يشع الفكر وهنا أشرنا في بداية الحلقة إلى تميز التعريف والماهية للعقل في العقلانية الإسلامية أنه جعل القلب اللي هو جوهر الإسلام هو مكان العقل ومكان التعقل، إنه نور غريزة ملكة في القلب يعقل بها الإنسان ويدرك بها الإنسان ولذلك الإمام محمد عبده تحدث وهو يفسر قول الله سبحانه وتعالى {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}[الفاتحة:6] تحدث عن هدايات أربع أعطاها الله للإنسان، هداية العقل والنقل والتجربة والوجدان اللي هو القلب، أربع هدايات تفاعلها مزيجها يمثل الثقافة الإسلامية في قضية العقل، ليس هناك تعارض كما فهم البعض وخاصة من المنتسبين للتصوف بين العقل وبين القلب كما أنه ليس هناك تعارض بين العقل وبين النقل كما فهم بعض المنتسبين إلى السلفية.

عثمان عثمان: دكتور غالبا ما نسمع مقولة يعني هذا يصح شرعا وعقلا وكأن العقل لا شرع فيه أو الشرع لا عقل فيه، ما تعليقكم على مثل هذه المقولة؟

محمد عمارة: لا الشرع هو الوحي، الشرع هو الوحي، ولذلك إحنا لما نقول الرأي ثمرة للعقل والتفكر والتدبر والتذكر، أما الوحي لا يقال عنه فكر لأن الوحي من الله سبحانه وتعالى والذات الإلهية لا تنطبق عليها الصفات الإنسانية، كما أننا نقول الإنسان فقيه لكن الله ليس فقيها، الله شارع ولكن الإنسان ليس شارعا، كما نقول المعرفة الإنسانية جزئية كسبية سبقها جهل، ولذلك لأ أقول علمت الله لأن ده معناه تعلم الكنه لكن أقول عرفت الله، الله يوصف بأنه عالم ولا يوصف بأنه عارف لذلك هذه مصطلحات إسلامية يعني فيها دقة في تعريفها ولذلك الشرع والله هو الشارع هذا هو الوحي ليس فكرا وليس عقلانية وإنما العقلانية إنسانية تفكر وتذكر وتدبر نفقه به النقل ولذلك أنا دائما أستخدم عبارة نحن نقرأ النقل بالعقل ونحكم العقل بالنقل لأنه بدون العقل لا يمكن أن تقرأ النقل وهناك في النقل أمور لا يستقل العقل بإدراكها فتلجأ فيها إلى علم الغيب وإلى الوحي.

عثمان عثمان: دكتور العقل ضاع بين طرفين طرف يريد تأليهه وطرف آخر يريد إقصاءه، هل يمكن الحديث عن حدود يقف عندها العقل، خطوط حمراء للعقل لا يجوز أن يتجاوزها؟

محمد عمارة: هنا تأتي الوسطية الإسلامية الجامعة، يعني هذا الاستقطاب الحاد بين الذين يؤلهون العقل من المتغربين ويقولون لا سلطان على العقل إلا للعقل وبين الذين يقفون عند ظواهر النصوص ويعتبرون العقلانية تهمة، العقلانية الإسلامية هي التي تجمع بين العقل والنقل تجعل عالم الشهادة كتابا مفتوحا أمام العقل وتجعل عالم الغيب ندرك بالعقل المثل التي ضربها الله سبحانه وتعالى تقريبا للصورة لكننا نقف أمام الجوهر، الكنه، المآلات في عالم الغيب وفي الإلهيات ونقول هذا نتركه لله سبحانه وتعالى. ولذلك أنا أقول لك القرآن الكريم عندما تحدث عن المحكم والمتشابه المفسرون اختلفوا هل نقف عند لفظ الجلالة {..وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ..} ولا نقول {..وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ..}[آل عمران:7] أنا أقول هذا اختلاف وهمي، في عالم الشهادة الراسخون في العلم يعلمون المآلات والتأويلات لكن في عالم الغيب لا يعلم المآلات والتأويلات والجوهر والكنه إلا الله سبحانه وتعالى ونور النبوة الذي يمنحه للأنباء والمرسلين، إذاً للعقل حدود لا يستطيع أن يتجاوزها وله ميدان فسيح في عالم الشهادة وفي فقه النصوص وفي فقه الوحي، لا بد أن نحيي هذه العقلانية لكي نصل إلى ما يستطيع العقل أن يصل إليه، فارق بين أن نعزل العقل ونقصيه وبين أن نؤله العقل ويكون لدينا غرور عقلاني.

عثمان عثمان: دكتور يعني في أقل من دقيقة هناك كتابات كثيرة تنتقد العقل الإسلامي والعربي أيضا تتحدث عن أزمة العقل المسلم، كيف نفهم مثل هذه الجهود في ظل الحديث عن العقلانية الإسلامية؟ في أقل من دقيقة لو سمحتم.

محمد عمارة: يعني شوف هناك من كتب في نقد العقل العربي كتابات بمناهج غربية وبأنساق فكرية غربية ولنا عليها ملاحظات، طبعا فيها أشياء إيجابية ولكن في هناك ملاحظات عليها، لكن هناك من كتب عن نقد العقل المسلم وأزمة العقل المسلم، وأنا قدمت كتابا للمرحوم أستاذ عبد الحليم أبو شقة عن أزمة العقل المسلم ونقد العقل المسلم، لماذا؟ لأن عصر التراجع الحضاري جعل هناك مشكلة في التعامل مع العقل وفي إفساح المجال للعقل..

عثمان عثمان (مقاطعا): عذرا دكتور انتهى الوقت، لا يسعنا في ختام هذه الحلقة إلا أن نشكركم فضيلة الدكتور المفكر الإسلامي محمد عمارة على حضوركم معنا في هذه الحلقة. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة