إسرائيل بعد 54 عاما   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيف الحلقة:

أحمد خليفة: مدير تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية

تاريخ الحلقة:

16/05/2002

- إسرائيل بين التماسك الخارجي والتهافت الداخلي
- إسرائيل في ظل التفوق العسكري والتقدم العلمي

أحمد خليفة
مالك التريكي
مالك التريكي: إسرائيل وقد بلغت الرابعة والخمسين من العمر تتوالى عليها العروض من تطبيع سياسي شامل مع الدول العربية إلى تأمين عسكري كامل لدى الولايات المتحدة بمجرد إقناعها بنسبية الأمن بين الجيران.

تساؤلات حول المفارقة الاستراتيجية للدولة اليهودية بين التماسك الخارجي والتفوق العسكري وبين التهافت الداخلي وبدايات الشك في المستقبل.

أهلاً بكم. تمثل إسرائيل منذ قيامها قبل أربعة وخمسين عاماً حالة استراتيجية استثنائية في التاريخ المعاصر، إلا أنه لم يسبق للاستثناء الإسرائيلي أن بلغ من الشذوذ ما بلغه هذا العام، إذ يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية مستعدة -حسب طرح يقول به قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأميركية- لعرض توقيع معاهدة تحالف رسمي مع إسرائيل إضافةً لضمها تحت جناح الدفاع الفضائي المستقبلي، أما في مقابل ماذا؟ ففي مقابل قيام حكومة وحدة وطنية جديدة في إسرائيل تقبل الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة وتفكيك حوالي ثلاثة أرباع المستوطنات، أي أن إسرائيل هي الآن في وضع تتوالى فيه عليها العروض من تطبيع شامل مع الدول العربية إلى تأمين جامع مانع لدى الولايات المتحدة عساها تقتنع بمبدأ أساسي في العلاقات الإقليمية هو نسبية الأمن بين الجيران، أي استحالة بلوغ دولة ما درجة الأمن المطلق ولو بالاحتلال، وعلى هذا فقد أتت على إسرائيل السنة الرابعة و الخمسون من عمرها وهي كأشد ما تكون الدول عنفواناً عسكرياً وسطوة سياسية، وعلو صوت إعلامي، بل إن مجرد اسم إسرائيل -حسب ما أبان الكاتب إدوارد سعيد- كلمة ذات جرس طلي في السمع الغربي ولا سيما الأميركي، ولكن رغم هذا كله ورغم أن سرديات إسرائيل وأساطيرها تندرج في صميم تصور الحضارة الغربية المعاصرة عن مصير الإنسانية، فإن هذه الدولة تتعرض الآن لأزمة عاتية تطال منها المرجعية والشرعية والهوية، أزمة أدت إلى إعادة طرح موضوع احتمال نهاية إسرائيل مثلما يقول الباحث عبد الوهاب المسيري على قائمة الاهتمامات الفكرية والوجدانية للحركة الصهيونية، بحيث يقول المؤرخ العسكري الإسرائيلي (مارتن فان كليفلد): إن مستقبل إسرائيل يبدو قاتماً، أما عندما يطرح هذا السؤال: هل ستظل إسرائيل قائمة بعد خمسين سنةً من الآن؟ فإن المؤرخ (عاموس إيلون) يرد بالقول: لقد أخذ مني اليأس مأخذه، ذلك أني أخشى أن قد فات الأوان، فكيف يمكن لدولة قامت على إرادة الحياة ولو بقتل الآخرين كيف يمكن لهذه الدولة أن تجمع بين القوة العسكرية المبنية على التقدم العلمي وبين التشاؤم الثقافي النابع من الشك في الذات؟

ياسر أبو النصر يتقصى مكامن المفارقة الإسرائيلية في صلب التركيبة الاجتماعية.

إسرائيل بين التماسك الخارجي والتهافت الداخلي

تقرير/ ياسر أبو النصر: ألعاب نارية، رقص، أهازيج، وقبلات عاطفية، مشاهد احتفال الإسرائيليين بذكرى تأسيس الدولة العبرية قد تأتي صاخبة إلى درجة الهيستريا، ولكن عندما ينفض مولد الكرنفالات يستيقظ الإسرائيليون في اليوم التالي على واقع من الشتات الداخلي، لن تنجح الصهيونية على مدى أربعة وخمسين عاماً من صهره في بوتقة واحدة، وبات النسيج الاجتماعي والسياسي غير متجانس يمثل مشكلة متفاقمة تهافتت معها فكرة الشعب اليهودي الواحد.

أديسو مساله (أحد قادة اليهود الأثيوبيين) : المؤسسة الدينية هي الأكثر عنصرية، إنها تميز بيننا في كل شيء، فمنذ أن هاجرنا إلى إسرائيل والحاخامية لا تعترف بيهود إثيوبيا كيهود شرعيين.

ياسر أبو النصر: هذه المصادمات بين الجنود الإسرائيليين ويهود الفلاشا التي تتموه مع ما يحدث للفلسطينيين إلى حد التطابق، ربما كانت النموذج الأكثر إثارة، ولكنها ليست سوى أحد معالم خارطة انقسامات بين مجموعات وطوائف وأعراق تخضع لتصنيفات مختلفة ومتداخلة الصراع هو أهم ما يميز علاقاتها، فهناك ثنائية الإثنية بين عرب عام 48 سكان البلاد الشرعيين الذين يشكلون نحو مليون نسمة من سكان إسرائيل بنسبة نحو 21%، في مقابل يهود يشكلون نحو 78% وفدوا عبر موجات الهجرة المتوالية ليشكلوا مجموعات أكبرها عدداً الروس الذين بقوا مجتمعاً خاصاً له إعلامه ونواديه الثقافية، ويليهم المغاربة الذين حافظوا بدورهم على خصوصيتهم، ثم هناك الثنائية الدينية المتأرجحة بين تيار متدين يشكل أقلية مؤثرة يزداد وزنها النسبي يوماً بعد يوم، وتيار علماني يمثل أغلبية الشعب الإسرائيلي ويحفل داخله بشتى أنواع التناقضات الفكرية، وثنائية أخرى إيديولوجية موزعة بين يمين متشدد إزاء قضايا الأرض المحتلة والاستيطان والقدس والتعامل مع العرب، ويسارٍ أكثر ميلاً إلى التسوية والتخلي عن فكرة التوسع الجغرافي لصالح التوسع الاقتصادي، الصراع بين هذه الجزر الإسرائيلية يتقاطع مع صراع آخر طالما شكل منطقة أعصاب مكشوفة في الجسد الإسرائيلي، إنه ذلك التمايز الاجتماعي والسياسي بين اليهود الغربيين صفوة المجتمع المعروفين بالأشكيناز، واليهود الشرقيين المعروفين بالسفرديم الذين لم يفارقهم الإحساس بالاضطهاد والتهميش على مدى خمسين عاماً.

دوري زليرشتاين (رجل إعلام): جميع قضاة المحكمة العليا أشكيناز غربيون، وهم من نخبة معينة استولت على دولة إسرائيل.

ياسر أبو النصر: السنوات الخمس الماضية شهدت وفقاً للعديد من المتابعين للشأن الإسرائيلي احتدام أكبر لأجواء الصراع وارتفاعاً لنظرة الهويات الفرعية التي زاد تمثيلها في الكنيست إلى حد كبير على حساب كتلتي الليكود والعمل، هزيمة الصهيونية هو الوصف الذي يطلقه البعض على تلك الحالة التي تحولت معها إسرائيل إلى ساحة للصراع بين هذه المكونات ذات الخلفيات المتباينة مما أدخل المجتمع الإسرائيلي في حراك سياسي واجتماعي بحثاً عن هوية، منعطف ربما لم يخطر ببال (هرتزل) مؤسس الصهيونية، وربما أيضاً لم يخطر ببال موجات المهاجرين اليهود في أوائل القرن العشرين أن يتحول اتجاه الهجرة من الجنة التي وعدوا بها إلى الخارج مرة أخرى في نهاية القرن فراراً من خوف بات يسكن كل ركن في إسرائيل، ومع ذلك فلم يكن تبدد حلم جمع الشتات اليهودي في فلسطين هو النبوءة الوحيدة الفاشلة لرواد الصهيونية.

ياسر أبو النصر: المفكر العربي الدكتور عبد الوهاب المسيري صاحب موسوعة اليهود يؤكد إخفاق الصهيونية استراتيجياً على أكثر من صعيد، فقد تحطمت نبوءة امتداد إسرائيل من النيل إلى الفرات عندما اكتشف الصهاينة أن احتلال أراضي ذات كثافة سكانية ليس أمراً هيناً، وقبلها انهارت صورة الدولة الأخلاقية الفاضلة مع حطام المنازل التي دُكت فوق رؤوس أصحابها وعبث الآلة العسكرية الإسرائيلية بجثث الفلسطينيين، سلوك قد لا يبدو مستغرباً في مجتمع يصر على أن يدفع دائماً إلى سدة الحكم برؤساء وزارات عسكريين أصحاب سجل دموي، لكن تيار العنف ارتد إلى صدره باغتيال رئيس الوزراء الأسبق (إسحاق رابين) في أول سابقة يقتل فيها إسرائيلي إسرائيلياً آخر تحت شعار صهيون. وسط محاولات محمومة بدأت قبل سنوات لفتح قنوات حوار وخلق حالة تصالح إسرائيلي إسرائيلي يتساءل البعض: هل بدأ العد العكسي لانهيار إسرائيل؟ سؤال يبدو درباً من التفاؤل الساذج، وقد ينطوي على نوع من دغدغة المشاعر العربية، ولكن ثمة من يقول إنها مسألة وقت.

مالك التريكي: هنالك الكثير من التناقضات إذاً داخل المجتمع الإسرائيلي، ولكن هل هي من النوع الذي يمكن للديمقراطية أن تستوعبه وتتعامل معه، أم أنه من النوع الذي سينتهي آجلاً بنسف أسس المجتمع؟ معنا لبحث قضية المفارقة الإسرائيلية بين التماسك الخارجي وما يبدو من التهافت الداخلي (رئيس تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية في بيروت) الأستاذ أحمد خليفة. أستاذ أحمد خليفة، ألا تعتقدون أن هنالك نوعاً من المبالغة عربياً في الحديث عن التناقضات الإسرائيلية؟ هل هي تناقضات تنذر بنهاية المجتمع آجلاً؟

أحمد خليفة: في الحقيقة نعم، هناك نوع من المبالغة، الانقسامات والتناقضات الموجودة في المجتمع الإسرائيلي هي في الحقيقة تناقضات عميقة وخطيرة وحادة، لكن أن تؤدي هذه التناقضات إلى انهيار إسرائيل أو أن نقول أنه قد بدأ العد العكسي لانهيار إسرائيل، يعني هذا فيه مبالغة، وفيه قفز للاستنتاج، تناقضات أنت تعرضت بالحقيقة لجزء منها في التقرير اللي قدمته، فيه تناقضات بين اليهود الشرقيين والغربيين يعني شيء عم يسموه هنا تناقضات إثنية، فيه أيضاً تناقضات داخل اليهود الغربيين بين الأشكيناز القدامى وبين المهاجرين الروس الجدد اللي إجوا، فيه أيضاً تناقضات ومشاعر سلبية حادة بين المهاجرين الروس الجدد واليهود الشرقيين، لأسباب لا يتسع المجال لذكرها الآن إلا إذا حبيت، فيه تناقض أيضاً فيما يتعلق بالعلمانيين المتدينين، يعني المتدينين يريدون أن تكون إسرائيل دولة دينية قائمة على الشريعة الدينية، بينما العلمانيين بدهم إياها دولة علمانية ديمقراطية، هلا كنت أنت.. قلت...

مالك التريكي: مثلما ذكرت.

أحمد خليفة: هل الإطار الديمقراطي كفيل بأنه يستوعب هذه...

مالك التريكي: قبل أن أستاذ.. أستاذ أحمد خليفة، قبل أن نمر إلى.. إلى هذه النقطة، ذكرت أنت نقطة التناقض بين المتدينين والعلمانيين، استطلاع كبير للرأي العام في إسرائيل قبل بداية انتفاضة الأقصى بقليل بيَّن أن معظم الإسرائيليين يعتقدون أن هذا التناقض بالذات بين المتدينين والعلمانيين هو أخطر تناقض يهدد.. يهدد إسرائيل.

أحمد خليفة: بالحقيقة هذا صحيح، وهذا الاعتقاد مبني على أساس إنه التناقضات الإثنية بمعنى الوضع المتدني لليهود الشرقيين في مقابل الأشكينازيين، أي اليهود الغربيين بمرور الوقت ممكن إنه ينحل يعني، يعني مواليد البلد هلا اللي سموهم.. اللي ولدوا بفلسطين هن حوالي ثلثين السكان هلا بيروحوا على المدارس وبيتعلموا، وبيدخلوا شيئاً فشيئاً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وممكن بمرور الوقت بيعتقدوا إنه هذا التناقض إنه ينحل مع إنه راح تظل توترات وما تزال تفصلنا مسافة طويلة جداً عن وصول اليهود الشرقيين إلى مرتبة مساوية لليهود الغربيين، أيضاً بالنسبة للمهاجرين السوفييت فيما يتعلق بوضعهم الاقتصادي والاجتماعي، لأنهم مهاجرين جدد يعني مع إنهم أخذوا امتيازات لما وصلوا لإسرائيل وأخذوا معاملة تفضيلية إلا أنهم شأنهم شأن أي مهاجرين جدد يصلوا إلى بلد بدهم وقت ليؤسسوا نفسهم ويتعودوا يتأقلموا، فيه تناقضين بالحقيقة اللي لا يبدو إنه إلهم حل أو بينحلوا بسهولة، التناقض اللي أشرت إله اللي هو التناقض بين المتدينين والعلمانيين اللي متعلق بهوية الدولة، وفيه التناقض الثاني الذي يجب ألا نغفل عنه وهو التناقض القومي، يعني التناقض بين العرب اللي بنسميهم إحنا عرب الـ 48 وبين اليهود في دولة إسرائيل دول تناقضين.

مالك التريكي: هنا بالضبط.. هنا بالضبط أستاذ أحمد خليفة.. هنا.. هنا بالضبط هذا التناقض بين.. بين العرب واليهود مواطني إسرائيل، هو تناقض بين الطابع اليهودي للدولة والطابع الديمقراطي، ولا تستطيع إسرائيل الحفاظ على كليهما، إما أن تكون يهودية الطابع أو تكون ديمقراطية ولا.. ولا تحسب حساباً للانتماء الديني، أليس هذا هو الخطر الحقيقي على إسرائيل؟

أحمد خليفة: بالتأكيد بالتأكيد، يعني هذا أنا في رأيي أشد تعقيداً من التناقض الديني العلماني، بس يجب ألا نقلل من شأن التناقض الديني العلماني، لأنه بالحقيقة هذا يعني بيتعلق.. يعني هوية إسرائيل، كما تعلم مثلاً يخلق إلهم جملة من الإشكالات ليس فقط على صعيد النقاش الدائر بين العلمانيين والمتدينين، وإنما أيضاً جملة من المشاكل لنأخذ مثلاً اليهود اللي المهاجرين الجدد اللي أتوا من الاتحاد السوفيتي، يعني فيه تعريف لمن هو اليهودي وبموجب هذا التعريف لم يستطع 42% من المهاجرين الذين أتوا إلى إسرائيل في التسعينات يا اللي عددهم 848 ألف نسمة، لما بنقول 42% منهم يعني حوالي احسبها يعني 350 ألف لن يستطيعوا أن يسجلوا أنفسهم كيهود، لأنه تعريف من هو اليهودي لا ينطبق عليهم، ولديهم تذمر هائل من هذا الوضع، وعم بيخلق لهم إشكالات فيما يتعلق بالزواج والميراث والدفن وكثير من القضايا، وبالتالي..

مالك التريكي: إذاً أستاذ أحمد خليفة هنالك أزمة هوية عميقة يعني، ابق معنا.. ابق معنا فللحوار بقية.

ليست إسرائيل في صراع من أجل البقاء، فنحن أكبر قوة في الشرق الأوسط، ولدينا جيش قوي وأحد أفضل أجهزة الاستخبارات في العالم، ولو علم العرب بكل ما لدينا لسارعوا إلى عقد السلام معنا على الفور، القائل رئيس إسرائيل (موشي كاتساف)، فهل لدى إسرائيل حقاً من المقدرات الاستراتيجية ما سوف يحمل أعداءها على الجنوح للسلم؟.

[فاصل إعلاني]

إسرائيل في ظل التفوق العسكري والتقدم العلمي

مالك التريكي: عندما سُئل وزير الأمن العام الإسرائيلي (أوزي لاندو) عن المستقبل، قال: إن إسرائيل قد انتصرت في كل حروبها، وهي أغنى من جيرانها أجمعين، وإذا كانت الحرب القادمة ستدوم مائة عام فليكن، ذلك أن الغلبة هنا في الشرق الأوسط ليست لمن هو أفضل، لمن هو أشد عناداً وإصراراً، هذا الملمح في الشخصية الإسرائيلية أي ملمح الإصرار يفسر كثيراً من مظاهر القوة في إسرائيل، فقد تزايد عدد سكانها منذ إنشائها سبع مرات، ورغم عوائق كبرى، مثل انعدام التبادل التجاري مع الجيران وتسخير ريوع النشاط الاقتصادي للدفاع فقد تزايد الناتج الإجمالي عشرين مرة، وتحسن مستوى المعيشة أربعين مرة، كما أصبحت إسرائيل الدولة الأولى في العالم من حيث ارتفاع مستوى التعليم والبحث العلمي والتصدير الصناعي والتدريب المهني والابتكار التكنولوجي، وفضلاً عن التطور المشهود الذي حققته إسرائيل خلال العقود الأربعة الأولى من عمرها فإنها قد استفادت أيما استفادة من عاملين هامين خلال العقد الأخير.

أولهما: انهيار الاتحاد السوفيتي.

والثاني: هو توقيع اتفاق أوسلو، فقد جلب لها انهيار الاتحاد السوفيتي أكثر من 800 ألف مهاجر معظمهم من ذوي الكفاءات العلمية الفائقة، وهذا عدد يماثل من حيث الأهمية في النسبة قيام كل شعب فرنسا بالهجرة إلى الولايات المتحدة، وبذلك تطورت الصناعة الإسرائيلية بسرعة نحو قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، التي هي الآن مع الموارد البشرية العامل الأساسي في خلق الثروات الوطنية.

أما اتفاق أوسلو فقد عاد على إسرائيل بعلاقات دبلوماسية واقتصادية مع أكثر من عشرين دولة جديدة من ضمنها دول ناهضة كالصين وتايلاند والهند، أما من الناحية العسكرية فلا تفسير لتنافس الدول العربية في ترديد تلك العبارة الشهيرة: أي أن السلام هو الخيار الاستراتيجي للعرب، لا تفسير لذلك إلا التفوق العسكري الكاسح لإسرائيل. عبد السلام أبو مالك يرسم خارطة لمواطن القوة في الكيان الإسرائيلي في التقرير التالي الذي تقرأه رفا صبح.

تقرير / رفا صبح: "اعرف عدوك"، حكمة قديمة تجاهلها العرب وأحسن عدوهم الإسرائيلي العمل بها، فكان ما كان من فجوة بين الطرفين المتنازعين، ففي أثناء غفوة العرب الطويلة تمكنت إسرائيل حديثة النشأة من تحقيق تفوق كاسح عسكري واقتصادي وعلمي وديمقراطي، التفوق الإسرائيلي يفوق أضعاف ما ينجزه العالم العربي في مختلف المجالات، فمساحة إسرائيل التي تساوي ثلث مساحة سيناء ولا يزيد عدد سكانها عن ستة ملايين يصل ناتجها القومي حسب بعض التقديرات إلى نحو مائة مليار دولار مقابل ما يزيد عن 113 مليار دولار دخل الدول العربية من البترول فقط سنوياً، وفي حين لا يزيد متوسط دخل الفرد في معظم الدول العربية عن ألف دولار، يبلغ متوسط دخل الفرد في إسرائيل سبعة عشر ألف دولار، أي سبع عشرة مرة ضعف متوسط دخل الفرد في العالم العربي، ويعود السبب في ذلك إلى طبيعة الاقتصاد الإسرائيلي الذي يقوم أساساً على التصنيع، إذ إن 12% فقط من سكان إسرائيل يعملون بالزراعة، و12% في التجارة والبنوك والتعليم والخدمات العامة، بينما يصل عدد العاملين في الصناعة إلى 76%، وفيما لا يتجاوز نصيب المواطن العربي من الإنفاق الحكومي على البحث العلمي دولارين في السنة يصل في إسرائيل إلى نحو 110 دولارات سنوياً، وفي مجال التصنيع فإن الصناعة الإسرائيلية الأولى هي الصناعات الإلكترونية، وتنتج إسرائيل ما يعادل ستة أضعاف ما تنتجه الدول العربية من الإلكترونيات، وبلغت مبيعاتها من الصناعات المتقدمة تكنولوجياً (هاي تك)، وبصفة خاصة تكنولوجيا المعلومات بلغت سبعة مليارات ومائتي مليون دولار، وتخطط إسرائيل لزيادة هذه الصادرات في العقد المقبل إلى خمسة عشر مليار دولار، ولعل السبب في ذلك هو أن إسرائيل تعتبر بوتقة جمعت يهود الشتات المتعلم، مما أكسبها أعلى نسبة من المهندسين في العالم مقارنة بعدد السكان، كما أن المساعدات الضخمة التي تتلقاها من الدول الغربية، وتعهد الولايات المتحدة بضمان تفوقها النوعي على كل الدول العربية ساهم بقدر كبير في تحقيق هذا التفوق. وتستفيد إسرائيل من المساعدات التكنولوجية التي تحصل عليها من الولايات المتحدة بداية من تكنولوجيا الأسلحة المتقدمة وصولاً إلى تكنولوجيا الفضاء ثم السوبر كمبيوتر، والذي حصلت عليه إسرائيل عام 1994، ومكنها من تطوير برامجها الصاروخية، وخاصة برنامج أرو أو السهم الذي كلف أكثر من ملياري دولار ساهمت أميركا بـ 80% من تكاليفه، وأدي تطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى نمو صناعة تصديرية لمنتجات عسكرية عالية التكنولوجيا حتى بلغ ما تصدره إسرائيل 70% من مجموع إنتاجها مما يجعلها خامس دولة مصدرة للأسلحة في العالم، ولم تعد القدرة النووية الإسرائيلية مثار شك بعد أن بث اتحاد العلماء الأميركيين صوراً نادرة لمفاعل ديمونة، وخلص العلماء في تقرير لهم إلا أن إسرائيل أنتجت من البلوتنيوم ما يكفي لتصنيع ما لا يقل عن مائتي رأس نووي، وتُصنف هذه القوة النووية الإسرائيلية حسب المعلومات والتقديرات الأميركية باعتبارها القوة السادسة في العالم بعد الدول الخمس الكبرى.

مالك التريكي: إذاً يبدو أن التقدم العلمي والتفوق العسكري قد نحتا الشخصية الإسرائيلية بحيث إنها أصبحت مثل الشخصية الأميركية تعتقد أن هنالك حلولاً تكنولوجية لكل المشاكل حتى المشاكل السياسية، ما زلنا في حوارنا مع الأستاذ أحمد خليفة من بيروت. أستاذ أحمد خليفة، لقد سمعتم القولة التي استشهدنا بها للرئيس الإسرائيلي (موشي كاتساف) التي يقول فيها : لو علم العرب بكل ما لدينا لسارعوا إلى توقيع الصلح معنا، من منطلق خبرتكم بالدراسات الاستراتيجية ماذا يقصد؟ ماذا لدى إسرائيل؟

أحمد خليفة: يعني لدى إسرائيل بالحقيقة جيش قوي جداً مسلَّح بأفضل الأسلحة، ويعني أول شيء فيه تفوق طبعاً في الترسانة النووية، هذه يعني الكل بيعرف أخطارها، وبيعرف إنه هذه يعني قوة رادعة، وفي حرب الـ 73 لما تصورت (جولدا مائير) إنه فيه احتمال إنه السوريين ينزلوا من الهضبة إلى جولان، أمرت بتركيب الرؤوس النووية، والسادات دعا إنه هو ما يتقدمش أكثر الجيش المصري.. المصري في سيناء، لأنه بالأخير لو كان بده يقرب على حدود إسرائيل نفسها كان ممكن تستخدم الأسلحة النووية، لكن القصة ليست قصة الأسلحة النووية فقط، عندها أقوى سلاح طيران في المنطقة، وعندها أيضاً سلاح مدَّرع يعني قوي جداً، وعدد دباباته تفوق الأسلحة المدَّرعة لبعض الدول الأوروبية، عندها قوة بحرية ومؤخراً تمكنت من صنع زوارق، عندها صواريخ وكل ما ورد في التقرير، لكن أنا بأحب أقول ما يلي يعني إنه تعليقاً على قول (كاتساف) إنه لو علم العرب شو عندنا كانوا سارعوا إلى عقد السلام معنا، العرب عارفين شو عندها إسرائيل، ما ضروري يكونوا عارفين فقط بتفاصيل التفاصيل شو عندها، عارفين إنه بالأخير إسرائيل متفوقة عليهم عسكرياً، عارفين أيضاً العامل اللي عم بيمر بسرعة كان من خلال التقرير ومن خلال الحديث وهو دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، يعني هذا التقدم الإسرائيلي في مجال الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والتسليح هو ناجم عن الدعم القوي للولايات المتحدة، إسرائيل.

مالك التريكي: لكن أستاذ أحمد خليفة، لكن هنالك رأي غربي يقول إن العرب يبالغون في تحميل هذا العامل، أي عامل المساعدات الأميركية تحميله أكثر مما.. مما يحتمل.

ويقولون إن نسبة.. نسبة المساعدات الإسرائيلية بالنسبة للإنفاق العام تراجعت منذ عام 67، وإن المساعدات العسكرية تعود في معظمها إلى شركات أكثر من ألف شركة حربية أميركية موزعة على 47 ولاية، أي أنها ليست بهذه الأهمية.

أحمد خليفة: يعني المساعدات الرسمية اللي عم هي عبارة عن 3.2 مليار دولار، يعني بيجوز هذا الرقم قد لا يبدو كبيراً أمام الناتج القومي المحلي الإسرائيلي، لكن فيه بالأخير الشركات الأميركية اللي تقيم تعاون وثيق مع الشركات الإسرائيلية، وفيه تبادل للمعلومات، كمان ذكرتوا مثلاً تطوير صاروخ أرو 80% منه مولته الولايات المتحدة ليكون جزء من الدرع الصاروخي، يعني بعدين قصة دعم الولايات المتحدة لا يُترجم فقط بالمبالغ المالية اللي عم بتقدمها مباشرة، على فرض هي أكثر من 3.2 مليار، بتوصل إلى 5، 6، وبعدين فيه عملياً إعفاء المتبرعين اليهود إذا بدهم يتبرعوا لإسرائيلي من الضرائب والشركات أيضاً إعفاءها من الضرائب، وأيضاً نفوذ الولايات المتحدة في المؤسسات المالية الدولية، يعني إسرائيل لما كانت بدها.

مالك التريكي[مقاطعاً]: أستاذ أحمد.. أستاذ أحمد خليفة.

أحمد خليفة: لحظة بس هذه كثير النقطة مهمة، لما بدها يجي المهاجرين السوفييت حوالي مليون مهاجر، وإسرائيل كانت عاجزة عن استيعابهم قدمت لأميركا تسهيلات بـ 10 مليار دولار من أجل أن تساعدها في استيعابهم، يعني بالأخير...

مالك التريكي[مقاطعاً]: ماذا عن الروح.. ماذا عن الروح المعنوية الآن للجيش الإسرائيلي الخبير العسكري (مارتن فرانك ريفيلد) يقول.. يقول: إن المعنويات قد انهارات لأن إسرائيل لم تحارب منذ عام 82 إلا أعداء أضعف منها بكثير؟

أحمد خليفة: الحقيقة يعني أنا مطَّلع على كتابات (فرانك ريفيلد) و.. وهو لا يمثل رأي الأغلبية بين المحللين العسكريين الإسرائيليين، يعني توقعه إنه يعني إسرائيل ممكن تنهار أو شغله يعني أنا ما بأشاركه فيه، لكن بأحب بدي أقول شغلة يعني إذا كان إسرائيل تتمتع بكل هذه القوة الاقتصادية والعلمية والعسكرية بماذا نفسر هذه الحالة من الكآبة والانقباض وعدم الارتياح وأحياناً الشعور باللا جدوى واليأس داخل إسرائيل.

مالك التريكي: أستاذ أحمد خليفة.. أستاذ أحمد خليفة.

أحمد خليفة: أنا بأعطيك..

مالك التريكي: للأسف لقد أدركنا الوقت أستاذ أحمد خليفة.

أحمد خليفة: معلش.

مالك التريكي: شكراً جزيلاً لك، أستاذ أحمد خليفة.

أحمد خليفة: العفو.

مالك التريكي: (مدير تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية من بيروت) شكراً جزيلاً، وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة