فقه الخلاف   
الأربعاء 26/2/1434 هـ - الموافق 9/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 11:48 (مكة المكرمة)، 8:48 (غرينتش)

- طبيعة الخلاف وحقيقة الموقف منه
- الاختلاف في الجزئيات وتأويل النصوص

- أنواع الاختلاف ومجالاته

- الاختلاف الفقهي بين الأئمة والعلماء

- الخلاف الشخصي بين عامة الناس


عثمان عثمان
عبد الناصر أبو البصل

عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا  الكرام وأهلاً ومرحبا بكم على الهواء مباشرة من العاصمة الأردنية عمان في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}[يونس: 19] ويقول سبحانه وتعالى أيضاً {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ}[آل عمران:103] فهل الخلاف قدر؟ وإذا كان قدراً فهل علينا أن تستسلم له أم أن نغالبه بقدر مثله؟ الخلاف طبيعته وحقيقة الموقف منه رحمة أم نقمة ومتى يكون كذلك؟ وما أنواعه ومجالاته وسبل العلاج والقيم الحاكمة للخلاف؟ كل هذا مشاهدينا الكرام نعالجه في حلقة الليلة من برنامج الشريعة والحياة مع الأستاذ الدكتور عبد الناصر أبو البصل رئيس  جامعة العلوم الإسلامية العالمية مرحبا بك فضيلة الدكتور.

عبد الناصر أبو البصل: حيّاكم الله وبارك الله فيكم.

طبيعة الخلاف وحقيقة الموقف منه

عثمان عثمان: الخلاف سنة كونية كما يقولون فهل هو قدر نستسلم له أم أنه قدر نغالبه بقدر مثله؟

عبد الناصر أبو البصل: بما أن الخلاف سنة كونية والخلاف من طبيعة الحياة بل لا يمكن أن تكون الحياة دون أن يكون فيها اختلاف، فالناس كما تعلم يختلفون في طبائعهم وأمزجتهم، ونرى أنه من المستحيل أن يكون الناس على رأي واحد وقول واحد ومزاج واحد وتفكير واحد ولذلك طبيعة الحياة أن يكون هناك خلاف، لذلك المطلوب منا كيف نتعامل مع الخلاف؟

عثمان عثمان: هل هناك حدود لا يجوز تجاوزها في إدارة الخلاف؟

عبد الناصر أبو البصل: ندير الخلاف بمنهجية معينة حتى أجيب على القول بأنه القدر أو نغالبه بقدر آخر بل هنا  المطلوب منا أن نقوم بمغالبة الخلاف حتى لا يتجاوز الحدود المرسومة له فينقلب إلى شر وإلى نقمة كما ذكرت قبل قليل، لذلك بما أنه من طبيعة الحياة لا بد أن نتعامل معه كما نتعامل مع كل المسائل التي نختلف فيها في حياتنا، هذه الحياة تختلف بالمكان وبالزمان وتختلف باختلاف الأشخاص، ولذلك نحن بحاجة إلى هذا الخلاف حتى تسير الحياة بشكل سليم، أنت تعلم لو أن كل الناس يحبون لوناً واحداً كيف ستكون الحياة؟ لو أن التلفاز اليوم كان بلون واحد بعد أن ظهرت الألوان أصبحت أجمل، لذلك الخلاف وتنوع الخلاف من طبيعة الحياة أمر جيد ولكن لا بد أن نقوم بعملية منهجية تربوية حتى لا يتجاوز هذا الخلاف ما كان مطلوباً منه لتستقيم الحياة فينقلب إلى شر أو إلى نقمة.

عثمان عثمان: لكن دكتور أين موقع الإتحاد والترابط، أين يقع قول الله عز وجل  في قوله سبحانه " واعتصموا بحبل الله جميعا ً ولا تفرقوا "؟

عبد الناصر أبو البصل: هنا نحن ندخل في هذه الآية واعتصموا أمر ولذلك من الفرض على الأمة وعلى الناس أن يعتصموا بحبل الله، الفريضة هنا فرضت كفاية حتى يكون الصف واحداً وتكون الأمة موحدة وليس هناك تناقض بين أن تكون الأمة واحدة وأن يكون فيها اختلاف لكن هذا الاختلاف لا يؤدي إلى تمزيق الأمة وإلى زعزعة استقرارها لذالك الوحدة المطلوبة وحدة إسلامية، شاملة في وحدة في القلوب وإن اختلفت الآراء، فوجود آراء مختلفة تثري الحياة لكن الله سبحانه وتعالى حينما أمرنا بالوحدة جعل الوحدة مطلباً أساسياً لجميع الأمة ولذلك أنت أنظر إلى صيغة الجمع الاعتصام، لم يقل اعتصم بالله قال اعتصموا ولا تفرقوا كل صيغة الجمع ليتربى الناس على صيغة  الوحدة الإسلامية الشاملة  التي لم نعد نسمع عنها كثيرا ً حتى..

عثمان عثمان: هل يمكن الحديث عن الوحدة في مجالات معينة والاختلاف يكون في مجالات أخرى؟

عبد الناصر أبو البصل: هذا بالتحديد صحيح 100% لدينا الوحدة السياسية الكبرى، وحدة الأهداف، وحدة المصير، وحدة الثقافة، وحدة الهوية المشتركة هذه لا بد أن تكون موحدة لكن أن يكون هناك اختلاف في الآراء المذهبية في الآراء الفقهية لا مانع من ذلك، ولو نظرنا إلى التاريخ الإسلامي منذ أن أنزلت الشريعة، منذ العهد النبوي، وعهد الخلفاء الراشدين إلى يومنا هذا هناك جامع مشترك هو الاعتصام بالدين، اختلفوا على الاعتصام بالدين لكن الدين هو الذي يجمعهم، اختلفوا في الآراء تفرق العلماء في الأمصار تفرق الصحابة لكن لم يؤثر هذا على أن تكون هناك أمة إسلامية واحدة باختلاف المجتمعات ولكن الوحدة كانت موجودة إلى عهد قريب بعد أن تمت تجزئة الدول والإمارات وإن كانت هناك تجزئة فالثقافة الإسلامية واحدة، التشريع الإسلامي كان واحداً، التعليم الإسلامي كان واحداً وإن اختلف مذهبياً من مكان إلى آخر.

عثمان عثمان: دكتور نلاحظ في القرآن الكريم في الكثير من آيات القرآن الكريم أن الاختلاف ليس سببه دائما هو الجهل إنما يقع هذا الاختلاف من العالمين بالدين كما يقول الله عز وجل { وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}[البقرة:213] كيف نفسر أن يكون الاختلاف واقعاً من العلماء أنفسهم؟

عبد الناصر أبو البصل: الآية التي ذكرتها ذكرت السبب قالت: {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} هنا العلم، قد يكون الخلاف ناشئاً عن جهل، وقد يكون الخلاف ناشئاً عن علم ولكن هذا العلم صاحبه خلل منهجي كبير أدى إلى ما يسمى بالتعصب وهذا التعصب، التعصب كان شديداً، تعصب إما لإمام، تعصب للشيخ، تعصب للمعلم، تعصب للبلد، تعصب للقبيلة، إذا كان بين أهل العلم وأصبح الخلاف مؤدياً إلى ما يسمى بالتعصب والتمحور حول القول والدفاع عنه بغض النظر عن الدليل بغض النظر عن الآلات، بغض النظر عن المقاصد هنا هذا التعصب يؤدي إلى الخلاف المذموم هنا، لكن ما ذكرته في الآية الله سبحانه وتعالى يحذرنا عن الأنبياء السابقين وعن الأديان السابقة بأنهم اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينة بغياً بينهم هذا تحذير لنا أن لا نسلك منهجهم ألا نسلك منهج الأمم السابقة، علينا أن نتحد على الكتاب، أن نتحد على المنهج، أن نتحد على منهج  الله ولكن أن نحذر ما وقعوا فيه من التأويل الفاسد، من التلاعب بالدين، مع العلم أيضا ومن البغي بمعنى مجاوزة الحد والظلم.

عثمان عثمان: ألا ترى أن هذه الأمراض التي تتحدث عنها وأصابت إسرائيل الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم اختلفوا، هل أصابتنا هل هي واقع في حياتنا؟

عبد الناصر أبو البصل: نعم، أصابتنا اليوم في مواقع كثيرة وسبب إصابة هذه الأمراض للأمة اليوم في أماكن كثيرة وفي مناهج كثيرة أن مصادر المنهجية للتعليم الإسلامي اختلفت، المنهجية العلمية التي  نربي عليها أبناءنا في التعليم العام، التعليم الجامعي ودون الجامعي هناك مشكلات كثيرة أصابت هذا التعليم فأدت إلى دخول معطيات جديدة إلى التعليم، معطيات سياسية، معطيات تعصبية، معطيات قبلية، معطيات مكانية أيضاً عدم القدرة على  مجابهة تحديات العصر أدت إلى ظهور بعض الأمراض فوقعنا في مجاوزة في الخطأ أو في مجاوزة الحدود المرسومة لنا في التعامل مع هذا الاختلاف.

عثمان عثمان: يعني هل الاختلاف هو أمر طارئ على الأمة أم أنه له أثر على امتدادها في التاريخ الإسلامي؟

عبد الناصر أبو البصل: استدعينا التاريخ الإسلامي في جزء من خلافاتنا فضخمنا الجزئيات والفرعيات حتى أصبحت كليات هنا وقعنا في الخطأ ولذلك أنا اعتقد أن الأمراض التي أصابتنا اليوم لها أصول تاريخية قمنا باستدعائها والزيادة عليها وتعظيمها حتى أصبحت طاغية على الكليات والأصل إننا كما اجتمعنا على القرآن وهو كما ورد عند علماء الأصول كالإمام الشاطبي وغيره وكما هو معلوم من مصادر هذا الدين أن القرآن أتى بأمور كلية بمقاصد عامة حتى يكون حاكماً لكل زمان ومكان إلا في الجزئيات البسيطة  بالميراث وبعض الجزئيات، ثم جاءت السنة تبين أن الأمة اجتمعت على الكليات ينبغي أن تجتمع على الكليات وتكون الجزئيات في مقابلة الكليات متفقة ومتسقة معها، اليوم نحن ضخمنا الجزئيات والفرعيات حتى غايرت الكليات ولذا هنا الخلل المنهجي.

الاختلاف في الجزئيات وتأويل النصوص

عثمان عثمان: نتفق على الأصول والكليات وربما يكون الاختلاف في الجزئيات وفي تأويل النصوص ربما؟

عبد الناصر أبو البصل: هذا لا مانع من الاختلاف في التأويلات الجزئية التي تنقض في الأصول الكلية في الإسلام.

عثمان عثمان: لكن في المقابل دكتور قد نجد هناك اختلافاً في العقيدة عند المسلمين أيضاً.

عبد الناصر أبو البصل: الخلاف أنواع كما تعلم، هناك خلاف في الآراء الفقهية الاجتهادية، وهذا الاختلاف لا مانع منه ولكن هناك خلاف في العقيدة كثير من العلماء يذكرون انه لا يجوز أن نختلف في العقيدة، المقصود لا يجوز أن نختلف في الثوابت، في الأمور الأساسية، في الأمور التي إذا تم الاختلاف فيها المخالفة فيها تخرج من الدائرة الكبرى، دائرة الإسلام، بمعنى أصول الإيمان، أصول مصادر الإسلام الأساسية التي يجب أن نتفق عليها، لكن إذا وقع خلاف على سبيل المثل في بعض مسائل التأويل وكان هذا الخلاف له ما يؤيده أو ما يسوغه من الأدلة ومن المناهج هذا اختلاف أقول ينبغي أن نقبل به لأن الأمة حقيقة وبحقيقة واقعية اختلفت في الجزئيات ولكن لا تنقض الأصول ولذلك أنت ترى في أهل السنة والجماعة مثلاً بوجه عالم الاتفاق في المسائل الأساسية لا يؤدي إلى نقض عُرى الإسلام فإذا وجد اجتهاد واسمح لي بأن أقول اجتهاد له ما يسوغه في بعض مسائل العقيدة لا أرى مانع من ذلك لكن لا يمس الثوابت، لا يمس الأصول، ولا يمس القطعيات الثابتة للعقيدة الإسلامية.

عثمان عثمان: أنقل لك سؤال عفيف المعز، الاختلاف رحمة كيف يكون ذلك؟ يعني عادة ما نسمع بالاختلاف العلم رحمة بالأمة كيف يكون الاختلاف رحمة؟

عبد الناصر أبو البصل: الخلاف، ليس كل خلاف بالضرورة أن يكون رحمة وليس كل خلاف يكون نقمة، الإمام  ابن حزم يقول وينقض هذا لأنه ورد على أساس أنه حديث قال إذا كان الخلاف رحمة فالاتفاق عذاب هذه المقابلة غير موجودة لأن الخلاف المتحدث عنه بأنه رحمة هو الخلاف في المسائل السائغة، الاجتهادية الفرعية وليس في الأصول والثوابت..

عثمان عثمان: مثل ماذا دكتور؟

عبد الناصر أبو البصل: أنا أعطيك مثالا الآن لو نظرنا إلى مسائل الأحوال الشخصية والأسرة وأخذنا بمذهب الحنفية في قضية المرأة التي يغيب عنها زوجها، لو قلنا بأننا سنتبع وكل الأمة ستتبع هذا المذهب المرأة التي يغيب عنها زوجها وعمرها مثلاً يصل إلى عشرين سنة لا بد أن ننتظر حتى يموت أقرانه، تنتظر إذا أقرانه يعيشون 98 سنة لا بد أن تنتظر سبعين سنة لكن هناك مذاهب أخرى تقول بأن المرأة إذا تضررت وقد بحث هذا مجمع الفقه الإسلامي في ربط العالم الإسلامي الدورة الحادية والعشرين السابقة وأخذوا بمذاهب  أخرى، هناك ظروف واستثناءات حتى لا تصاب المرأة بضرر فأخذنا مذهب آخر وقوانين الأحوال الشخصية أخذ بمبدأ التخير من المذاهب الفقهية المعتمدة حتى تحل مشاكل الناس هذا رحمة، الذي يحل المشكلات يواكب العصر هذا رحمة، لأنه لا ينقض القطعيات وفي مسائل اجتهادية محددة لها وجهها العلمي لذا أنت ترى الآن القوانين المعاصرة تأخذ من أكثر من مذهب حتى تلبي حاجة المجتمعات المتطورة، المتزايدة بما يحقق مصالحهم دون أن تنقض الأصول فهذا خلاف رحمة.

عثمان عثمان: أنقل لك سؤال السيد يحيى جاد يقول أنا مسلم عادي طرأ علي أمر سمعت فيه أكثر من رأي، كيف يختار المسلم من بينها وبتعبير آخر كيف يتعامل المسلم العادي مع الخلافات المفتين، وكيف يختار من بينها؟ يعني هل نختار الأسهل إذا لم أستطع أن أقارن الأدلة أرجح بعضها على  بعض أختار الأسهل أو أختار رأي المفتي الأول كيف يتصرف المسلم أمام ذلك؟

عبد الناصر أبو البصل: هنا مسألة تربوية أنا أعتقد نحن إذا قمنا بالرجوع إلى تاريخنا الإسلامي الحضارة الإسلامية، كيف كانت تمارس التعليم الإسلامي، كانت تبدأ بمذهب واحد في مختلف العصور وكان هناك في كل بلد وحدة مذهبية ونحن اليوم كما تعلم نرفض فكرة التبشير المذهبي بمعنى نحن في المغرب العربي لدينا المذهب المالكي لا نأتي بمذهب آخر نقول يبدأ هذا المبدأ هناك حتى يصبح هناك مشكلات لأنهم ما تعودوا عليه، في مكان آخر المذهب الشافعي، في مكان آخر المذهب الحنبلي، مذهب الحنفي وهكذا لذلك مشكلة الفضائيات اليوم  أنها تعطي..

عثمان عثمان: الفضائيات، الإنترنت، الفضاء المفتوح..

عبد الناصر أبو البصل: الفضاء المفتوح، يعطي أكثر من مذهب، يعطي مسائل كثيرة وقد يطلع هو في بلد واحد لأكثر من عالم، يسأل السؤال لأكثر  من واحد هنا تربويا نحن لا نلقي بالخلاف أمام الناس جميعا، هذا عليه أن يسأل المفتي في بلده من يثق به ولا بد أن يكون من نثق به.

عثمان عثمان: يعني الآن هناك مشكلة، هناك فتاوى عابرة للقارات؟

عبد الناصر أبو البصل: الفتاوى العابرة لا بد أن نضبطها، أنا لما سألني سؤال الآن ووردت معي في بعض البرامج الفضائية، جاء سؤال من بلد بعيدة لديهم مذهب مستقر وقد درسوه ولم يسمعوا بالمذهب الآخر وهؤلاء ليس لديهم القدرة بالتعامل مع الأدلة، لذا هنا العهدة على المفتي إذا أفتيته بخلاف مذهبي سوف يؤدي إلى مشكلة وقد سمعت مشكلات حقيقية وقعت من هذا لذا نحن نسأله لديك مفتي في بلدك حتى لا يصبح هناك تفرق ونحن نريد من الخلاف إلا يؤدي إلى التفرق لكن..

عثمان عثمان: المسألة أصبحت واضحة ولكن أنا مسلم عادي ووقع بين يدي جوابان على مسألة واحدة أيها أختار؟

عبد الناصر أبو البصل: يسأل من يثق بدينه من العلماء لأنه سينصب نفسه مجتهدا، إذا كان الإنسان لديه القدرة العلمية على أن يميز بين الآراء وفق الأدلة ومن قال له أن الذي قرأه في الورقة هذه أو رآه على الانترنت هذا الحديث قال له حديث صحيح، من قال له أنه حديث صحيح وتأكد منه ربما يقع في خطأ، لذا أن أقول لا بد من أن يكون لدينا مرجعية، إذا كانت صادرة عن المجمع الفقهي عن مجلس الإفتاء في البلد عن أحد كبار العلماء.

عثمان عثمان: هذه مشكلة عميقة وربما تحتاج إلى توافق بين علماء المسلمين والجماعة الفقهية لضبطها وضبط الأعلام أيضا؟

عبد الناصر أبو البصل: ولكن خطورتها أن نترك الإنسان العادي مجموعة من الآراء هي ليست مسألة اختيار من محل خضروات يأخذ من هذه ومن هذه لا بد هذا  دين والله سيسأله عنه هذا بالتشهي، هنا الفكرة الاجتهادية الشورى، نحن نتحدث عن الشورى، وعن عدم الانفراد بالرأي وعن أن نأخذ برأي جمهور العلماء ولو كانت مسألة مختلفة وأخذ بجمهور العلماء لا مانع لكن أن يشاور من يثق بدينه نحن نقول الآن حتى المفتي الواحد لا ينفرد بالرأي، المفتي لديه مجلس الإفتاء، المجمع الفقهي الإسلامي أكثر من مجمع، مسألة أنا لا استطيع أن أفتي فيها أضع رأياً ودراسة لكن أعرضه على المجمع، المجمع يرى رأيا فإذا كان هناك آراء تبنتها الدولة اجتهاديا  مثل قانون الأحوال الشخصية مثلاً أو المجامع الفقهية أو مجالس الفتوى سيكون هناك ثقة أكثر من أن اقول وأنت لا تعرفني.

 عثمان عثمان: باختصار أنقل لك سؤال  أيضا محمد طوايا من الذي يحسم أمر الخلاف ويقرر أي الآراء يؤخذ منها وأي الآراء ترد، هل هو رأي الأكثرية أم صاحب الاختصاص في المسألة أم الحاكم؟ باختصار دكتور.

عبد الناصر أبو البصل: هذه أيضا عدنا إلى المربع الأول هنا المسألة المختلفة في هذا العصر لدينا مجامع الفقهية، رأي المجمع نقدمه على رأي الفرد، هنا أهل الاختصاص لا يجوز أصلاً أن أفتي بدون أهل الاختصاص فإذا كانت مسألة طبية لا بد أن أستعين بأهل الطب حتى يبينوا المسألة وأفتي بشكل صحيح وإلا كانت خطأ، لكن رأي الأغلبية من العلماء أفضل من الرأي الانفرادي لهم.

عثمان عثمان: يعني عندما نتحدث عن الاختلاف بأنه سنة كونية وأنه طبيعة بشرية وما يزالون مختلفين، لكن كيف يتحول هذا الخلاف اللي هو أمر طبيعي من ميدان الاختلاف الفكري إلا أن ننتقل إلى تكفير من يخالف من ثم ننتقل من التكفير إلى ميدان الاقتتال والفرقة أيضاً؟

عبد الناصر أبو البصل: هذا الناتج عن مرض بتعظيم الخلاف، كان هناك خلاف على مدار التاريخ الإسلامي، الأئمة؛ كبار الأئمة نحن بحاجة إلى تربية، كتربية الأئمة الكبار وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام، النفس الكبيرة هذه تستطيع أن تقبل الخلاف، نحن نريد أن نتعلم كيف نختلف؟ نريد أن نتعلم كيف تتحد قلوبنا وأن نحب بعضنا بعضاً وإن اختلفنا الرأي، الإمام الصدفي يقول: (ما رأيت أعقل من الشافعي ناظرته، ناظرني في مسألة واختلفنا ثم أعرضت عنه ثم لقاني فسلم علي وقال إيه يا صدفي ألا يحسن أن نكون إخوانا وإن اختلفنا في مسألة) المسألة تحتاج إلى كبر في النفس، بأن يكون لدينا القبول بالاختلاف نحن إذا كنا لا نريد من الناس أن يكونوا موافقين لنا 100% إذن لن تستقيم الحياة، ستكون الحياة رأياً واحداً وقضية الشورى وقضية عدم الإنفراد بالرأي أمر واضح، لذا إذا دخلت مرض التعصب فسيتم الاقتتال إذا الهوى دخل بالموضوع، إذا كان الجهل داخلا بالموضوع هذه نحتاج إلى التربية حتى نرتفع ونرتقي بأنفسنا نتقبل الخلاف، الأئمة كانوا يختلفون الإمام أحمد سألوه مرة سؤالا عن مسألة الصلاة بعد العصر والشمس بيضاء قال: (لا نفعله ولا نعيب من يفعل ذلك) لأنه يرى أنه من رأي أبي حنيفة ويحترمه.

عثمان عثمان: رأي الصواب ويحتمل الخطأ.

عبد الناصر أبو البصل: يحتمل الخطأ، لكن يرى أن هذا العمل الاجتهادي مقبول، هذا العمل الاجتهادي له ما يسوغه فلا أنكر عليه في مسائل الاختلاف الاجتهادية، لكن نتحاور لا مانع نقبل لا مانع، لكن إذا المرض ازداد بعض الناس يضخم الجزئيات، مجرد مسألة بسيطة جدا ً يصبح التكفير والتفسير والاقتتال، كيف ترى الناس أترك المسائل الفقهية أحياناً يختلف الإنسان في الشارع بمسألة بسيطة جداً لا تحتمل أن يمسك العصا، فيمسك العصا إذن هناك مرض تربوي نحن بحاجة إلى العودة إلى التربية الصحيحة حتى إذا كان هناك خلاف نتحاور أنا وأنت ربما يغضب أحدنا من الآخر ولكن لا أقصيك إقصاء كامل ولا أستخدم العنف وهذا من أسباب التطرف من أسباب الانحراف في الفهم، أسباب الجهل، أسباب التعصب، أسباب الهوى الذي يأخذ بنا ويعصف بنا، فجزئية بسيطة اختلاف..

عثمان عثمان: الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية لكن مشكلة البعض دكتور انه انطلاقا ً من الخلاف، خلافه يقوم على شيطنة الآخر على تقديس الذات، على إلقاء التهم على الناس جزافاً وهناك مقولة تقول يعني هناك نوعان من الاختلاف، اختلاف تنوع واختلاف تضاد، شرح هذه الفقرة أسمعها أن شاء الله منكم بعد أن نذهب إلى فاصل قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

أنواع الاختلاف ومجالاته

عثمان عثمان: أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الخلاف وآثاره مع فضيلة الدكتور الأستاذ عبد الناصر أبو البصل رئيس جامعة العلوم الإسلامية العالمية، دكتور البعض يتحدث عن أنواع من الاختلاف، اختلاف تنوع وتخصيص، واختلاف تعارض وتناقض ما رأيكم في مثل هذا التقسيم؟

عبد الناصر أبو البصل: هذا التقسيم معروف لدى كثير من العلماء بالخلاف الذي هو رحمة والاختلاف تنوع، اختلاف التنوع سائغ، محمود وليس مذموماً له من يسوغه وهو في المسائل الاجتهادية يثري الفقه الإسلامي، يثري الفكر الإسلامي، لذا أنت ترى أن الاختلاف بين العلماء هذا اختلاف تستفيد منه الأمة يحل مشاكل الأمة يدل على سعة الفقه الإسلامي وسعة الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي، هذا اختلاف التنوع مثل اختلاف الأئمة الأربعة وغيرهم واختلاف كثير من علماء الأمة والتابعين، هذا الاختلاف يدل على مستوى متقدم من العقلية الاجتهادية والفكرية وحرية الرأي والفكر التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم بقول ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد)) هذا الاجتهاد الذي يقوم به من امتلك آلة الاجتهاد وليس أي إنسان يقول برأيه ما شاء دون أن يمتلك آلات الاجتهاد، أما اختلاف التضاد هو الاختلاف الذي يجعلك كافرا، هذا يقول هذا كافراً وهذا مؤمن، اختلاف يصادم الأمة، اختلاف يقصي الأمة، يمزق الأمة هذا اختلاف تضاد، أما اختلاف التنوع اختلاف المفسرين في تفسير آية في تأويلها، اختلاف  العلماء في مسائل فقهية هذا اختلاف التنوع.

عثمان عثمان: أنا سأعود معك إلى نقطة أثرناها منذ دقائق يعني في موضوع المذاهب الفقهية يعني هناك بعض البلدان تعتمد مذهباً معيناً، حصلت قصة يعني وقعت قضية طلاق حسب إفتاء البلد التي وقعت فيه هذه القضية أن الطلاق يقع  طلاقاً بائناً، لكن هناك رأي مثلا لابن تيمية  ويعتمد في كثير من البلدان وربما في بلدان الخليج بشكل خاص وربما في الأردن أيضاً يقول بأن الطلاق لا يقع لسبب كذا وكذا وكذا، هذا صاحب القضية ماذا يفعل هنا؟هل يأخذ بالرخصة أم يتبع مذهب البلد الذي هو فيه؟

عبد الناصر أبو البصل: أنا أرى أنه يتبع المذهب في البلد حتى لا نجزئ البلد الواحد إلى أجزاء نحن الآن لدينا قانون أحوال شخصية وضعه مجموعة من العلماء المعتبرين واعتمده ولي الأمر واعتمدته الدولة لابد أن نلتزم في هذا إذا كان مستنداً إلى رأي فقهي اجتهادي، أنت كما تعلم أن العلماء يقولون لا تقدم على مسألة ليس لك فيها إمام سبقك هذه فيها اختلاف مقبول، إذن نأخذ بهذا حتى لا تتوزع البلد الواحد ثم هل هو عامي أم مجتهد؟ العلماء الكبار المجتهدين وبينه وبين الله يتبع ما يراه الحق لكن إذا كان من عامة الناس أو من الناس العاديين يعني ليس عالماً مجتهداً حتى يميز الحلال والحرام لابد أن يلتزم البلد الذي هو فيه حتى نقلل من الاختلافات.

عثمان عثمان: دكتور عندما نتحدث عن اختلاف التنوع واختلاف التضاد هل هناك من مانع شرعي بقيام جماعات إسلامية متعددة أو تيارات أو أحزاب إسلامية متعددة تحت هذا الإطار وهذا المنظور؟

عبد الناصر أبو البصل: هنا نحن ننظر إلى البرامج والمقاصد والغايات، إذا كانت المقاصد مقاصد متوافقة مع مقاصد الشريعة وكلياتها مقاصد نبيلة صحيحة وتم وكان الاختلاف في الوسائل التي يجوز الاختلاف فيها شرعاً فلا مانع من ذلك، أما إذا كانت هذه الجماعات تقوم على التضاد بمعنى الإقصاء الكلي لبعضها البعض للآخرين وتقوم على تكفير وتقوم على إخراج الناس من الملة وتنبني الأحكام بمجرد الحس والتخمين وليست من منهجية  صحيحة متفقة مع الكتاب والسنة  هذه ممنوعة، فإذا كانت الوسائل مشروعة والمقاصد مشروعة ومسائل الاختلاف فيها ضمن ما هو جائز أن نختلف فيه، في الاختلاف المحمود المسائل الاجتهادية والآراء الممكنة فلا مانع من ذلك.

عثمان عثمان: دكتور طبعاً لعله من السذاجة الحديث عن جمع كل الحركات والتيارات الإسلامية في تيار واحد وتحت قيادة واحدة لكن هناك خلاف يبقى قائماً باختلاف المناهج باختلاف البرامج باختلاف الرؤى والاستراتجيات والأفكار، كيف يمكن معالجة مثل هذا النوع من الخلاف؟

عبد الناصر أبو البصل: أنا دائما أركز على القضية التربوية والتعليمية نحتاج إلى مدرسة تنصهر فيها الآن مجرد كلمة لا تنفع مثل من يضرب الحديد وهو بارد نريد أن تنصهر في بوتقة تربوية تجعل الإنسان يقبل الاختلاف في الآراء ولكن لو رجعنا إلى الحضارة الإسلامية، التاريخ الإسلامي، كان لدينا اختلافات وكان لدينا الدولة فيها إمارات وفيها تعدد وفي مذاهب وفي تيارات، لكن كان الخلاف في مسائل سائغة وليس في المقاصد الأساسية، نحن الآن إذا وصلنا إلى اختلاف في المقاصد والاختلاف في الغايات، الثوابت بدأنا بهدمها والقطعيات لا يمكن أن يكون هنا هذا اختلاف مقبول، لذا لا بد أن نعود إلى المسألة التربوية التعليمية لينشأ جيل يقبل الاختلاف ضمن الجماعات ويعتبر أن المقصود ومقصودك واحد هو إقامة منهج الله في الأرض مصالح الأوطان مصالح الأمة الإسلامية إذا اتفقنا على المقاصد وكانت الوسائل من الاجتهاديات، المسائل المجتهد فيها أرى أنه يمكن أن تكون جماعات بهذه الغاية إذا عدنا تربوياً إلى مرحلة يمكن أن نوجد فيها إنسان يقبل الحوار، نوجب الإنسان أن يقبل الحوار يقبل التعدد يقبل، لدية القدرة على الاستنباط بالمسائل الاجتهادية العادية في الفرعيات حتى نكون أمام جماعات تستطيع أن تصل إلى غايات سلمية دون أن نقع في الاقتتال الذي يفرق الأمة وننسى المقصد الأساسي وتضيع الأمة وتضيع الأوطان ونحن نختلف في جزئيات على مقعد أو على مسألة فرعية ليست هي الأساس.

عثمان عثمان: أين موقع من قال، موقع القول، نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً أو ينصح بعضنا بعضاً أو يسامح بعضنا بعضاً فيما اختلافنا فيه.

عبد الناصر أبو البصل: هناك وصلنا في بعض المرات إلى ما قيل في التاريخ من أن من يقدم من كان من قبيلته مثل قالوا كذاب مضر أولى من صادق ربيحة، نحن لا نريد أن نصل بين الجماعات الإسلامية وبين المذاهب والتيارات المعاصرة إلى القطيعة والى الإقصاء من الطرف إلى الطرف الآخر وننسى الدائرة التي تجمعنا الحلقة التي تجمعنا حلقة الأمة الإسلامية ولذلك أنا اعتقد أن الخلل الكبير نحن نسيناه في ظل التحديات الإعلامية الموجودة حالياً في ظل التحديات السياسية الموجودة حالياً في ظل الأمور المعاصرة العلمية، الفضاء المفتوح، التقدم العلمي الهائل، ابتعاد الأمة الإسلامية عن الفعل الحضاري المطلوب منها أن تكون فانشغلت بأمراض بنفسها فتركت هذا الأمر.

عثمان عثمان: الأخ حسين جاد الله يسأل ما هو الضابط والمعيار في الإنكار على المخالف؟

عبد الناصر أبو البصل: الإنكار على المخالف إذا كان المخالف الذي يخالفني الرأي في هذه المسائل مخالفته مناقضة للقرآن الصريح وللسنة الصحيحة الثابتة يعني لا يوجد له تأويل وليس خلافه سائغاً ننكر عليه لكن حتى في الخلاف العادي لا مانع من الحوار، يعني أنت ترى مسألة معينة في المسائل  الفقهية العادية لا مانع أن يكون هناك حوار بيني وبينك لكن لا يصل إلى القطيعة أحاورك بنفس وبقلب يقبل كما كان الإمام الشافعي يقول بأنه كان يدعو الله بأن يظهر الحق على لساني أو لسانك أي كان، فعدم الإنكار إذا كان الخلاف سائغا  لا تنكر عليه، كما قال الإمام أحمد ولا ننكر على من فعله لأنه له دليل في هذه المسالة لكن إذا كان الخلاف المخالف كانت مخالفته مناقضة للقرآن والسنة ومناقضة للإجماع يعني واضح انه شذوذ فتوى شاذة لابد أن نبين له هذا الأمر وننكر عليه هذا الأمر ونبين للناس حتى لا يغتروا.

الاختلاف الفقهي بين الأئمة والعلماء

عثمان عثمان: دكتور ذكرتم الاختلاف الفقهي الذي يقع بين الأئمة وبين العلماء المجتهدين يعني نريد أن نوضح للمشاهد الكريم كيف يقع هذا الاختلاف هل هو مجرد رأي هل هو استنباط مختلف للأحكام هل هو تأويل لبعض الأدلة والنصوص؟

عبد الناصر أبو البصل: المسألة يسيرة في المذاهب الفقهية بأن الشريعة الإسلامية، نصوص الشريعة بطبيعتها هناك أجزاء محكمات واضحة مسائل واضحة لا يناقش فيها ولا يختلف فيها العلماء، أنت ترى دائرة الاختلاف علم الخلاف له مسائل وفي ومسائل ثابتة في مسائل فيها خلاف، طبيعة الشريعة ونصوص الشريعة تسمح بالاختلاف مثلاً أعطيك مثالا معروف لدى طلبة الشريعة ومعروف لدى كثير من الناس، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول للصحابة وهم يسيرون إلى بني قريظة يقول ليصلن أحدكم العصر إلا ببني قريظة، هذا نص، كيف فهم الصحابة هذا النص؟ بعضهم صلى في الطريق وبعضهم امتنع قال النص يقول بأن لا نصلي إلا في بني قريظة فبقي وبعد أن ذهب وقت الصلاة فصلى في بني قريظة الذي صلى في بني قريظة هذا التزم بنص النبي عليه الصلاة والسلام الذي صلى في الطريق..

عثمان عثمان: أخذ في حرفية النص.

عبد الناصر أبو البصل: أخذ بحرف النص وهو صحيح الذي فهم من النص أن له معنى آخر النبي يقصد بأن نجد السير أول النص فهم منه بأن يصلي الآن مثلا أن نسرع فلا تناقض هذا لم ينكر النبي علي الصلاة والسلام وهذا لم ينكر عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأن النص يحتمل هذا ويحتمل هذا إذن النص نفسه أعطى مجالا للمجتهد أن يجتهد فيختلف في الرأي وهذا ليس نصاً ثابتاً واضحاً لا يقبل المجال، لذا نصوص الشريعة بذاتها تقبل الاجتهاد سيدنا عمر رضي الله عنه كان يجمع الصحابة ويشاوره ماذا تشيروا علي الناس ماذا تقولون؟ يقولون كذا وكذا فيأتي بآخرين مثل قضية سواد العراق فهم خاص للنصوص لذا المفهوم تختلف فكما العقل الاجتهادي يختلف في فهم هذه المسألة العقل الثاني يختلف في هذه، هذا سائغ وممكن من هذا الباب بعضهم لفهم النص، بعضهم لن يبلغه النص أحيانا يعني اجتهد على القواعد الأساسية فلم يبلغه النص حينما بلغه غير، بعضهم لم يصح عنده النص، بعضهم كان لديه تأويل لذا هذه أسباب اختلف بسببها العلماء أحيانا اللغة نفسها لها أكثر من معنى اشتراك لفظي واشتراك معنوي يقدم هو هذا الآخر يقدم هذا، فاختلف العلماء بهذه المسألة فعذر بعضهم بعضا.

عثمان عثمان: إذن نحن نتحدث هنا عن نصيّين ومؤوله أو اجتهدوا في تأويل النص لماذا يعيب هؤلاء على أولئك وأولئك على هؤلاء في وقتنا الحالي؟

عبد الناصر أبو البصل: العيب يكون نتيجة إما الجهل أو التعصب أو الهوى هذه المسائل أمراض قد تصيب الإنسان لكن حينما يجلس الإنسان مع الأخر وينظر في الرأي، العلماء كان لهم عنوان الحلقة في الخلاف، العلماء لديهم علم قائم بذاته اسمه علم الخلاف، والعلامة ابن خلدون ذكره في المقدمة وذكر انه مهم جداً وذكر أن علم المناظرة والجدل يتعلم الناس علم المناظرة والجدل من اجل أن يحاور الآخرين حتى لا يأتي الأخر فينقض المذهب الذي هو عليه لذا هذا العلم علم يثري الحياة الفكرية الإسلامية وهذا العلم علم الخلاف وعلم المناظرة هذا يساعد على فهم رأي الآخر حتى تعذر، لذا أنا أقول عن نفسي وكثير من زملائي حينما كنا ندرس مادة الفقه المقارن مادة فقه الخلاف والعلماء قالوا لا يجوز للإنسان أن يفتي إلا بعد معرفة علم الخلاف حتى لا يقع في مخالفات أو في إجماع في مخالفة الإجماع أيضا حتى لا يبتدع رأياً جديداً لذا حينما كنت تنظر إلى رأي الإمام أبي حنيفة تقول رأي وجيه وتقتدي وتنظر إلى رأي الإمام الشافعي فترى أن هناك رأيا وجيه ومقنع أنت هنا تعذر الخلاف بين العلماء ليس خلافاً بالتشهي وليس الخلاف لمجرد انه يريد أن يخالف.

عثمان عثمان: هل يمكن أن يكون هذا الخلاف حجه البعض يجعل من هذا الخلاف شماعة يعلق عليها سلوكاً معيناً أو فتاوى معينة في حياته هل يعتبر الخلاف حجة لمن يأخذ به؟

عبد الناصر أبو البصل: أولا أن يعلق مخالفته على الخلاف لا يجوز يستطيع إن كان عالماً أو إن كان قادراً على التميز بين آراء العلماء والنظر في أدلتهم وهذا يحتاج إلى مرتبة عالية من العلم، هنا يستطيع أن يفعل بعد النظر في الأدلة والدراسة وهذا يحتاج للعمر كله لذلك قامت المجامع الفقهية وقامت هيئات الفتوى الكبرى يجتمعون من أجل مناقشة مسألة واحدة حتى يصلوا فيها إلى رأي.

عثمان عثمان: لكن أين موقع فقه التيسير (يسروا ولا تعسروا بشروا ولا تنفروا) من هذا الكلام دكتور؟

عبد الناصر أبو البصل: هذا أمر لا يتناقض مع احد بل الرأي الذي يختاره المجمع أو يختاره المفتي وهيئة الفتوى تختاره من أجل حل مشكلة الناس وليس التشديد عليهم لأن من المرجحات مسألة التيسير أيضا حل مشكلة الناس، فالمسألة المنهجية هنا إننا لا نريد أن نكون مثلاً مسألة مختلف بها إذن يفعل الإنسان فيها ما يشاء  بل هي تفتح أفقا للعالم ولهيئة الإفتاء وللمجمع ولولي الأمر أن يأخذ من هذه الآراء ولكن ليس للإنسان عادي أن يأخذ المسألة بالتشهي ويختار كما يحلو له هذا، ولا يعلق مخالفته على خلاف العلماء، بل هذه المسألة واضحة أن المنهجية تردها وترد عليه بل سيسأل عنها يوم القيامة أين تستفي نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك يعني المسألة واضحة.

الخلاف الشخصي بين عامة الناس

عثمان عثمان: استفتي قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك، نعم دكتور نتحدث عن الخلاف الفقهي وأنواع من الخلاف التي مرة معنا في الحلقة هناك نوع آخر من الخلاف هو الخلاف الشخصي الذي يقع بين عامة الناس بين الأشخاص العاديين ما الذي يدفع إلى مثل هذا الخلاف؟

عبد الناصر أبو البصل: الخلاف الشخصي هذا مسألة خارج عن موضوع الذي نقوله مثلاً لدينا نحن الخلاف ما يسمى عند المالكية بخلاف العالي بين الأئمة بين العلماء الكبار الأئمة الأربعة، خلاف مالك مع أبي حنيفة خلاف الإمام الشافعي مع الإمام  احمد وهكذا وهذا الخلاف خلاف بين العلماء بين  الأئمة بين المذاهب، أيضا في داخل كل مذهب هنا خلاف، خلافات في المذاهب وآراء في المذاهب موجودة أيضا في المذهب الواحد ثم أحيانا قد تجد بين الناس بين العلماء من يسمى باختلاف الأقران، منافسة بين الأقران، قد تحدث بين العلماء هذه قالوا تطوى ولا تروى، لكن الخلاف الشخصي هذا إذا أدخلنا الخلاف الشخصي في الخلاف الفقهي نحن خرجنا عن دائرة المنهجية وعن دائرة الحق لأن المسألة لا تنظر إلى أشخاص ولكن أنت تعرف الرجال بالحق وليس الحق بالرجال فالخلاف الشخصي أحيانا قد يكون تنافس على مركز تنافس على شيء تنافس أقران في التعليم وفي الحياة فيؤدي هذا إلى التأثير في الآراء الفقهية أو الآراء الفكرية في بعض الحالات لكن هذا مذموم لأن الأصل أن يكون الحق هو الرائد وليس الشخص، ومن قال القول فأنا أؤيد من خالفني وإن كان، أؤيد الآخر وان كان معاديا لي أو في خلاف شخصي بيني وبينه فالحق هو الأساس.

عثمان عثمان: المعيار هو الحق يدور مع الكتاب والسنة حيث ما دار، مع الحق، دكتور الأخ بشير الشريف في ليبيا يقول هل يعتبر ترجيح العلماء وجها من أوجه الخلاف البناء لتحري صحة ما يقول وما يفتي به العالم للأمة؟

عبد الناصر أبو البصل: الترجيح المنهجي يفيدنا الدراسة المقارنة لدينا مجموعة كبيرة من كتب الخلاف وكتب الفقه المقارن لدينا مجموعة من العلماء الكبار الذي نثق بهم إذا رجحوا مسألة بعد دراسة علمية نحن نستفيد منها في الفتوى ونستفيد منها بالحياة هذا أمر صحيح، إذا كانت هناك الترجيحات ناتجة عن دراسة منهجية صحيحة وليست ترجيحات مبنية على الهوى أو على المعرفة الشخصية بل نحن لا بد أن نكون ممن التزم بتطور العلم المذهبي في كل مذهب تطور المذهب الشافعي منذ أن جاء الإمام الشافعي إلى أن رأينا بعض علماء الشافعية اليوم المذهب الحنفي هناك مذاهب تنمو وتتطور وليست جامدة على قول واحد وبدراسة قواعد الترجيح المذهبي في كل مذهب نعلم مدى صدق هذا الكلام بأن كل مذهب كان هناك نمو قوي لعلماء المذهب في الترجيح مرحلة بعد مرحلة بعد مرحلة، نحن نتحدث عن مرحلة الإمام النووي والإمام الرافعي في المذهب الشافعي نتحدث اليوم عن الإمام ابن عابدين وعن كبار علماء المذهب المتأخرين في مذهب الحنفية، نتحدث عن كبار علماء المالكية المذاهب تتطور أخذا بترجيحات العلماء.

عثمان عثمان: دكتور هل يمكن الحديث عن قيم يجب أن تحكم الخلاف عامة على مستوى القول والفعل؟

عبد الناصر أبو البصل: القيم الإسلامية شاملة في الحياة لا بد أن نشير إلى قيمة الصدق قيمة العدل، العدل في الآراء ذكرت قبل قليل الخلاف الشخصي إذا كنت أنا أطبق قيمة العدل هنا أن لا يهمني من قال الحق ظهر الحق على لسان إنسان أقبل منه، ولدينا مخزون من القصص والحوادث بين علماء الإسلام في هذا الجانب ما يجعلنا نفتخر بهذا التراث الفقهي التراث العلمي لأئمة الإسلام، في مناظرات العلمية بقبول الحق بمجرد أنه قاله ولكن هناك آداب بالإضافة إلى هذه القيم تتضمن أدب بالاختلاف أدب بالحوار أدب في التعامل أدب في إنكار المنكر أيضا، يعني أحيانا قد يأتي الإنسان بطريقة فيها غضاضة فيها فظاظة كبيرة في الرد على الناس في مناقشتهم يطلق الأحكام جزافاً قد يكون معه حق في المناقشة لكن الطريقة خطأ، لذا لابد من قيم العدل، قيم الرحمة، قيم الحوار، قيم الصدق، قيم الإنصاف من النفس، والله إذا كان الحق معه أقبل به ولا أكون متعصباً لرأي نبذ الهوى قيم إنني أدور مع الحق حيث دار كما ذكرت قبل قليل، ففي التاريخ الإسلامي القصص كثيرة نذكرها لطلبتنا في الجامعات، كيف أن احد العلماء زار عالماً وقال كلمة  فيها خطأ واضح، ترك الطلبة حينما ذهبوا جميعا وبلغه بينه وبينه قال له: أنت ذكرت أن الرسول علية الصلاة والسلام فعل كذا وكذا طلق واٌل وظاهر قاله هذه عليها دليل وهذه عليها دليل ولكن لم يظاهر لأن الإظهار منكر من القول والزور قال صدقت وابلغ الناس بخطئه، لذا كانت القيم والآداب موجودة في تراثنا الإسلامي بين علماء الإسلام ولكن كما قلت لديهم وحدة في القلوب لديهم رحمة لديهم صدق لديهم قيمة التحاور والقدرة على التحاور دون أن يغضب الإنسان دون أن يصدر بالأحكام على الآخرين وقيمة الاحترام للآخرين نحن نريد اليوم أن نعيد التربية على الاحترام مع اختلاف الآراء.

عثمان عثمان: دكتور عصام عبد المولى يسأل كيف يمكن توظيف الخلاف أو الاختلاف في تحقيق العدالة الانتقالية في دول الربيع العربي الآن؟

عبد الناصر أبو البصل: الخلاف والاختلاف أولا لا مشاحة في الاصطلاح في الخلاف والاختلاف لكن الخلاف العلمي الذي يثري المسيرة الفكرية والفقهية اليوم، هذا الخلاف لابد أن نبين فيه الحق أحيانا نعذر بعض الناس في بعض آرائهم إذا كان لها ما يسوغها نستطيع التخير من الآراء العلمية التي تفيد الأمة في النوازل التي تصيبها الآن أحيانا قد يكون الالتزام بقول معين قد يشدد على الناس في هذه المرحلة فهم يحتاجون لظروف استثنائية بحيث تحقق مقاصد الشريعة لأننا إذا التزمنا بالقول في كل حالة بحكم واحد في كل حالة حتى مع اختلاف الظروف ربما نكون قد ناقضنا قصد الشارع من قصده من الحكم أن الظرف اختلف فلا بد أن يكون هناك حكم وقتي  يراعي هذا الظرف فيكون فقه الخلاف ميسرا في هذه الحالة ومعيناً مع الآداب التي ذكرناها قبل قليل.

عثمان عثمان: الآن أمام المصالح السياسية العامة التي تهم الأمة الإسلامية خاصة في دول الربيع العربي هناك آراء مختلفة وتباينات بين آراء الأطراف الموجودة على الساحة الإسلامية مثلاً مصر لنقل على سبيل المثال وكل واحد يأتي بدليله الذي يحاول أن يبرر فيه رأيه يعني هنا قد يصل إلى مرحله قد يكون عندك صدام كيف نرجح هنا؟

عبد الناصر أبو البصل: أولا أنا ذكرت الفكرة الأساسية لابد أن نحدد الثوابت التي نتفق عليها إذا لم نضع كما يقول خارطة الطريق للاختلاف سوف يؤدي الاختلاف إلى أن يأتي الإنسان القطار إذا انحرف عن سكة سم 1 لن يلتقي نحن نريد أن نحدد نقاط التقاء وأرى أن المقاصد والكليات الأساسية المصلحة العليا للأمة مع المقاصد الشرعية العليا أن تكون نقاط التقاء ثوابت مهما اختلفنا لا ننقض هذه الثوابت ولذا نحن بحاجة إلى أن نضع مجموعة من الثوابت نتفق عليها وإن اختلفنا في الوسائل لأننا أمام طريق وعر متعدد المسالك إذا عظمنا الجوامع والكليات والمقاصد سوف نصل إلى النتيجة لكن إذا عظمنا الفرعيات والجزئيات والآراء والأشخاص دون النظر إلى الكليات والمقاصد سوف نفترق ويؤدي الفراق إلى الشقاق والنزاع وعدم الالتقاء على مصالح الأمة أبدا.

عثمان عثمان: يعني الأخ أحد الإخوة المشاهدين يسأل عن موضوع الخلاف في ممارسة السياسية هل هو فتنة أو رحمة؟ في اقل من 30 ثانية.

عبد الناصر أبو البصل: ممارسة السياسة، التصرف على ما هو منوط بالمصلحة، نحن نريد مصلحة الأمة أين تكون نحن مع مصلحة الأمة الموافقة لمنهج الله أينما كانت.

عثمان عثمان: في الختام أشكركم الأستاذ الدكتور عبد الناصر أبو البصل رئيس جامعة العلوم الإسلامية العالمية كنتم معنا في هذه الحلقة ونحن في ضيافتكم في عمّان كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل دمتم في أمان الله والسلام عليكم ورحمة وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة