بوريس وسكي .. أثر رجال الأعمال على انتخابات الدوما   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 6:02 (مكة المكرمة)، 3:02 (غرينتش)
مقدم الحلقة: أكرم خزام
ضيف الحلقة: بوريس بريز وسكي: ملياردير يهودي
تاريخ الحلقة: 23/12/1999


- أهداف بوريس بريزوسكي من الترشيح لعضوية مجلس الدوما
- مدى ضلوع بريزوسكي في إقالة برماكوف من الحكومة
- وضع حرية الصحافة في روسيا
- الأسباب الحقيقية للحملة على الشيشان
- مساعي بريزوسكي لحل الأزمة في الشيشان
- مدى ارتباط أحداث الشيشان بالصراع الدولي على ثروات بحر قزوين
- حقيقة الاتهامات الموجهة لبريزوسكي بالفساد داخل روسيا وخارجها
- مدى وجود اليهودية في موسكو

بوريس بريز وسكي
أكرم خزام
أكرم خزام: أعزائي المشاهدين أهلاً وسهلاً بكم في هذه الحلقة من برنامج (لقاء اليوم) التي أجريناها مع الملياردير اليهودي الشهير (بوريس بريز وسكي) الذي تفضل مشكوراً بالإجابة عن أسئلتنا.

أهداف بوريس بريزوسكي من الترشيح لعضوية مجلس الدوما

السيد بوريس ابرامفيتش ما هي حاجتكم إلى عضوية مجلس الدوما علماً أنني لا أشك بفوزكم.

بوريس بريز وسكي: أحتاج إلى مجلس الدوما لأحمي مصالحي في المقام الأول، وأنا على ثقة تامة بأن مصالحي تتطابق مع مصالح جميع رجال الأعمال في روسيا، ورجال الأعمال والتجار يعتبرون بدورهم أساساً للاستقرار في دولة روسيا الطبيعية القوية، وليس ثمة بين التجار ورجال الأعمال من لا يريدوا أن تكون روسيا مزدهرة قادرة على المنافسة، لكي نتمكن من ممارسة التجارة والأعمال في روسيا وخارجها، السلطة في روسيا اليوم غير قادرة للأسف على تأمين ازدهار روسيا وتأمين الحياة الطبيعية للسكان، أما نحن الذين اغتنينا في السنوات الأخيرة فندرك جيداً أننا لن تستطيع أن نحيا حياة طبيعية في روسيا هكذا وراء سور عالي، ولدى روسيا تجربة مريرة عايشتها روسيا عندما كان المجتمع منقسماً إلى أثرياء قليلين وفقراء كثيرين، والجميع على علم بما آلت إليه الأمور في مثل هذا الوضع في بداية القرن العشرين، نحن لا نريد تكرار هذه التجربة، وإذا ما حللتم واقع المرشحين إلى مجلس الدوما فستجدون أنني لست وحدي من بين رجال الأعمال من رشح نفسه للنيابة، بل هناك رجال أعمال كثيرون ممن رشحوا أنفسهم، ولعل هذا ما يميز الانتخابات البرلمانية الحالية عن الانتخابات السابقة عام 95، والأهم هنا هو أن رأس المال الروسي ورجال الأعمال الروس أدركوا مسؤولياتهم السياسية..

أكرم خزام: معروف أنك قمت بدور هام في نجاح الرئيس (يلتسين) في الانتخابات الرئاسية في روسيا عام 96 والكثيرون في روسيا والغرب أخذوا يكتبون، لا بل يتحدثون عن أن بوريس بريز وسكي هو أهم شخصية في دوائر الكريملين مشيرين إلى علاقتكم مع ابنه الرئيس يلتسن (كتيانا فيتشنكا) ومع مساعدي الرئيس، فما مدى صحة هذه الأحاديث؟

بوريس بريز وسكي: كل ما يتعلق بالشطر الأول من سؤالكم صحيح، لقد دعمت الرئيس يلتسين بنشاط فعلاً عام 1996 على الرغم من أنه ارتكب كماً هائلاً من الأخطاء، فإنني مستعد لانتخابه مرة ثانية لو كنا في عام 96، وذلك لأن البديل آنذاك كان (زيوغانوف) وأعتقد أنه لمن السذاجة الاعتقاد بأن الشيوعيين لن ينتهجوا التطرف مرة أخرى في حال وصولهم إلى السلطة، والحقيقة أنه لو استلم الشيوعيون السلطة لقاد البلاد فعلاً جناحهم المتطرف من أمثال (امبريو) والجنرال (ماكا شوف) لأن الجناح المتطرف كان يسيطر دائماً في الحزب الشيوعي، لذلك ليس لدي نوع من الأسف على اختياره آنذاك، بل وأستطيع تأكيده الآن، ما يخص نفوذي يرتكز نفوذي على ناحية وحيدة هي قدرتي على اقناع الآخرين بقناعاتي وحججي، صحيح أن الكثيرين ممن يعملون اليوم في جهاز الإدارة الرئاسية وفي الحكومة هم من معارفي، بل إن بعضهم يدخل في إعداد أصدقائي، وأنا سعيد لأنني قادر على التفاهم معهم واقناعهم بصحة أرائي، وأنا لا أتمكن من اقناعهم بما أريد دائماً، لكنني غالباً ما أقنعهم ولعل المهم هنا هو أنني أستطيع بإقناعهم بالقضايا الهامة، وحقي هذا لا يتعدى إطار القانون، بل هو حق طبيعي لأي إنسان أن يحاول اقناع الآخرين بآرائه، لا أخفي عليكم أن الكثيرين من أصدقائي يعملون الآن في الإدارة الحكومية والرئاسية، وأعتقد أن أي شخص آخر كان لابد وأن يغتنم هذه الفرصة.

مدى ضلوع بريزوسكي في إقالة بريماكوف من الحكومة

أكرم خزام: أثناء إقالة (يفجيني بريماكوف) من منصب رئيس الحكومة كثرت الأحاديث عن دور بريز وسكي، بل قيل أنت أقنعت الرئيس يلتسن بإصدار مرسوم بعزل بريماكوف، هل لك أن تكشف لنا الحقيقة؟

بوريس بريز وسكي: هذا القول ليس صحيحاً لأنني لم أقابل يلتسن أبداً بخصوص إقالة بريماكوف، وقد قابلت يلتسن آخر مرة منذ سنة ونصف عندما كنت اشغل منصب السكرتير التنفيذي لرابطة دول الكومنولث، وأنتم على علم بأن عزل بريماكوف تم بعد عزلي من منصبي، ولم أقابل يلتسن أبداً بخصوص بريماكوف، كما أنني لم أبحث موضوع إقالة بريماكوف مع يلتسن، لكنني لا أخفي أنني اطلعت بدور هام في إقالة بريماكوف، فقد كنت أول من صاغ مدى خطورة بريماكوف على روسيا في المرحلة الراهنة، فهو سياسي محنك وقوي الإرادة، لكنه يعيش في زمن مضى، زمن لم يعد واقعياً بالنسبة لروسيا، وقد تسلم بريماكوف منصب رئيس الحكومة لكي يحيي الامبراطورية مرة أخرى دون أن يقيم أي اعتبار للتضحيات البشرية الضرورية لبعث الامبراطورية، هكذا بدون مغزى لذلك، لقد سبق وضحينا بعشرات الملايين من الناس لكي نشيد الامبراطورية، وها نحن نجني ثمار عملنا وخاصة هنا حيث الفقر المدقع وآلاف البشر العاجزين عن تأمين لقمة العيش، أو تعليم أطفالهم في المدرسة، وليس سراً أن هذا الوضع هو محصلة لعمل أصدقاء بريماكوف وهم المسؤولون عن هذا الوضع، وأنا سبقت الآخرين بالاحساس بهذا الخطر، خطر بريماكوف لذلك بذلت فعلاً كل ما بوسعي لعزل بريماكوف عن منصب رئيس الحكومة في روسيا، ولم أتواني آنذاك عن استخدام نفوذي في وسائل الإعلام، لكنني لم استخدم تأثيري على الرئيس، لقد أثرت على الدوائر المحيطة بالرئيس، حاولت اقناعهم بذلك وسرعان ما أفلحت لأنهم كانوا على قناعة بضرورة عزل بريماكوف.

وضع حرية الصحافة في روسيا

أكرم خزام: ما يخص وسائل الإعلام، معروف أنكم تملكون قناة التليفزيون الروسي الأولى والصحيفة المستقلة وصحف أخرى، منذ ثلاث إلى أربع سنوات مضت كنا نتابع نشاط وسائل الإعلام هذه، وكانت آنذاك ليبرالية فعلاً وتشدد على حرية الكلمة، لكن يبدو أنكم أخذتم في الآونة الأخيرة تقومون بدور يشبه دور الحزب الشيوعي السوفيتي من حيث الرقابة وحجز المقالات مسبقاً، فكيف تبررون ذلك في حال موافقتكم على هذا الرأي؟

بوريس بريز وسكي: الصحفيون العاملون في وسائل الإعلام التابعة لي يجب التحدث معهم مباشرة، إذا كنتم معنيين بالوقوف على حقيقة أمرهم، ومدى استقلاليتهم، وأنا على ثقة بأنكم ستتلقون جواباً مناسباً، فأنا لا أتدخل أبداً في تكنولوجيا عملهم، وأنا أملك حق التحدث إليهم، أملك حق عرض الحجة وبراهيني أمامهم، بل من حقهم أن يأخذوا أو لا يأخذوا بها، وغالباً ما اصطدم بوجهات نظر لديهم تختلف كلياً عما أفكر به.

أكرم خزام: أقول مرة أخرى أنكم تمولون القناة الأولى في التليفزيون الروسي وبعض الصحف وغالباً ما تقرر وسائل الإعلام هذه بالذات تعابير مثل الإرهاب العربي والإرهاب الإسلامي في الشيشان ألا تعتقدوا أنكم قد تفقدوا بذلك سمعتكم في منطقة بكاملها من جراء تكرار هذه المصطلحات؟ ثم هل يعقل أنه ليس بمقدورك وقف استخدام مثل هذه التعابير؟

بوريس بريز وسكي: سؤالكم هذا يثبت صحة ما ذكرت منذ برهة، ففي هذا المجال بالذات أنا لا أتفق كلياً مع موقف قناة التليفزيون الأولى وخاصة مع موقف الصحفي جرانج، أعتقد أنكم تعرفون جيداً موقفي من الحرب الدائرة في الشيشان، فقد كان موقفي مبدئياً وثابتاً منذ بدأت الاهتمام بمشاكل الشيشان عام 97 عندما شغلت منصب نائب سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي، ولا أشك أنكم على علم بمواقفي من الحرب في الشيشان، فقد ظل سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي (إيفان ريبيكو) وأنا أيضاً طيلة عام بكامله نعمل على تتطوير العملية السلمية في الشيشان، وأنتم على علم أنه تم –عندما كنت أنا نائباً لسكرتير مجلس الأمن القومي الروسي- إجراء انتخابات شرعية لرئيس البلاد، وتم آنذاك انتخاب أجلان مسخادوف لأول مرة واعترف العالم كله بما فيه روسيا أيضاً بشرعية انتخاب مسخادوف، وتم للمرة الأولى انتخاب برلمان شرعي في الشيشان واعترفت بشرعيته روسيا والعالم أيضاً، وتم كذلك توقيع اتفاقية سلمية ذيلت بتوقيع الرئيس يلتسن ومسخادوف، فأنا بالذات قمت سوية مع (رزكيم) بتحقيق سياسة الحل السلمي للتسوية في الشيشان وأعتقد أننا أحرزنا تقدماً باهراً في هذا المجال، فيما بعد كان من المفروض تفتيت هذا التقدم السياسي السلمي بخطوات اقتصادية، إذ لا يجوز ترك المقاتلين المسلحين بالبنادق بدون عمل، كان من المفروض أن تقدم لهم المعاون بدلاً من السلاح، وكان لابد من توريث رؤوس الأموال وتحقيق خطوات أولية عاجلة في هذا المجال، لكن الحكومات الروسية المتتالية بما فيها حكومات (تشيرنو ميردين) و(كرنكا) و(فيشن) وحتى (بريماكوف) لم تقم بحل هذه المشكلة، علماً أن موقفي ظل ثابتاً وكنت دائماً أنفذ كل ما وعدت الشيشانيين به، فالقناة الأولى التي أمولها أنا تتخذ موقفاً من الشيشانيين أكثر تشدداً من الحد الذي اعتبره صحيحاً، لقد سبق وتحدثت عن هذا الموضوع مع الصحفيين لكن يبدو أنني لم أجد من البراهين ما يكفي لاقناعهم بوجهة نظري، فهذا يؤكد أن القناة الأولى تعتبر مستقلة فعلاً.

أكرم خزام: أنا قصدت بسؤالي شيئاً آخر، فمن المعروف أن المقاتلين في الشيشان ليسوا خطاب باساييف، فأنا كنت هناك وأعرف عن وجود مقاتلين من روسيا وأوكرانيا وبولندا والبلطيق، لكن القناة الأولى تركز دائماً على مصطلحات الإرهاب العربي والإرهاب الإسلامي بالذات، وأنتم لم تجيبوا عن هذا السؤال.

بوريس بريز وسكي: سأجيب، أعتقد، بل لدي معلومات بأن الوضع بالشيشان تغير فعلاً في عامي 1998، 1999، وما جرى في الداغستان كان حصيلة لهذا التغير، فما جوهر هذا التغيير؟ الجوهر هو أن باساييف و(أوداغوف) وقادة المعارضة الشيشانية بدأوا يتلقون معونات مالية من البلدان العربية، أي أنهم لم يعودوا مستقلين بالحقيقة، أنا تحدثت قبل بداية العملية المسلحة بداغستان، وقد استنصحني الشيشانيون حول معزى الاستمرار بالأعمال العسكرية لاحقاً، وكان ردي قاطعاً ونصحتهم بالاقتناع فوراً عن إنشاء نزاع مسلح جديد، لكنهم كانوا على قناعة بتلقي الدعم الفوري للداغستانيين، ولو من ناحية العقلية الموجودة بداغستان على الأقل، أنا لا أدَّعي امتلاك حقائق دامغة، لكني أملك براهين غير مباشرة إذ اعترف لي الشيشانيون أنفسهم بأنهم يتلقون الدعم من الدول العربية، طبعاً ليست لدي أية وثائق تثبت ذلك، وليست لدي براهين مثبتة بأن أوكرانيا أو دول البلطيق تمول الحرب في الشيشان، لكن لدي دلائل غير مباشرة بأن الدول العربية تشارك في تمويل الشيشانيين، وأنا أقول هذا بصراحة تماماً كما قلته لمن تحدثت معهم من الشيشانيين كـ(أوداغوف) و(باساييف) و(داكاييف) إذ قلت لهم: إنه لا يجوز أبداً القيام بهذه الخطوة غير الصحيحة إطلاقاً في نظري.

الأسباب الحقيقية للحملة على الشيشان

أكرم خزام: هل يعني ذلك بأن الحملة الأخيرة ناجمة فقط عن دخول الشيشانيين إلى داغستان؟

بوريس بريز وسكي: كلا دخولهم إلى داغستان من تبعات موقف موسكو الواضح، إذ هل يُعقل أن موسكو لم تكن طيلة سنتين ونصف تعرف أنهم يحفرون الخنادق ويجهزون الخنادق في داغستان، أو لم تعلم بوصول المتطرفين إلى هناك، أرجو أن تلاحظوا أنني لا أتهم البلدان العربية بصورة عامة، بل أتهم تلك القوى المتطرفة في العالم العربي وقد تبين أن مثل هذه القوة المتطرفة موجودة في روسيا أيضاً، وأنا أقصد هذه القوة المتطرفة، فقد تكون في روسيا قوى متطرفة ترغب بتطور الأحداث حسب السيناريو الذي جرى بالذات، إذ لا يمكن أبداً الاقتناع بأن روسيا لم تكن تعلم بما جرى بالداغستان، وما جرى هو نتيجة لأخطاء الطرفين، أي موسكو والشيشان

أكرم خزام: ألا يمكن الافتراض بأن يكون السبب هو السعي إلى إظهار بوتين في صورة القائد الحازم؟

بوريس بريز وسكي: أنا على ثقة بأن الأمر ليس كذلك، الحديث عن بوتين هنا ليس في موضعه، فقد بدأت الأحداث قبل بوتين، ومع ذلك بوتين لم يغلق هذا الوضع ليس كذلك، يبدو لي أن الأمر أكثر بساطة، وللأسف لا يوجد في روسيا شخصيات ذات تركيب استراتيجي وقد لاحظتم أنه لم يتم الاعتناء بالشيشان طيلة عامين ونصف بعد انتهاء تلك الحرب الدامية، ولم يبين أي سياسي جدي الاهتمام الكافي لهذا الموضوع، ومحاولة اتضاح ما سيجري أو كان يجري في الشيشان خلال سنة أو سنتين، ثم هل لاحظتم مثلاً وجود مقالات تحريرية جدية لموضوع الشيشان، أو بروز تصريحات جدية للسياسيين حولهم، وعندما توقف نقل القتلى من الشيشان نسي الجميع تقريباً ما جرى هناك، 5% من السكان كانوا يؤيدون الحرب في الشيشان أثناء الحرب الأولى، أما الآن فإن نسبة أكثر من 50% تؤيد الحملة العسكرية، فأين المنطق؟ إنه منطق المفارقات وأين السياسيون، بل أين السياسة؟ ليست فيما يخص الشيشان فقط، فالموضوع أوسع من ذلك بكثير، وأنا لا أدري مدى اهتمام مشاهديكم بهذا الأمر، فالمشكلة أعقد وأعمق وتتمثل بأن روسيا اليوم هي دولة أخرى، فروسيا اليوم دولة ليبرالية من حيث أساس النظام السياسي، و ليبرالية من حيث أساس النظام الاقتصادي ولم تكن روسيا على هذه الصورة من قبل إذ كانت دائماً دولة النظام الطاغوتي الشمولي سواء في عهد القيصر أم في عهد الشيوعيين، والسؤال الأعقد هو هل تستطيع روسيا أن تبقى موحدة في ظل مساحتها الشاسعة في ظروف الحرية وليس في ظروف نظام الطغيان الشمولي، فالحقيقة ليس لدي جواب على هذا السؤال، وأعتقد أن ما يجري في القوقاز هو بشكل عام نتيجة هذا التحول المعقد، لقد قلت منذ بداية اهتمامي بمشاكل الشيشان إنه لا يجوز النظر إلى القضية الشيشانية من وجهة نظر محلية، فهي مشكلة القوقاز بأسره ومشكلة روسيا برمتها، بل هي مشكلة ما بعد الاتحاد السوفيتي، وأنا لا أعرف كيف أجيب عن مسألة الحل السياسي للتسوية السليمة، لست الوحيد الذي لا يعرف الإجابة عن هذا السؤال، بل لم اسمع بمن يعرف الإجابة عنه، لكنني أعرف شيئاً وحيداً وثابتاً وهو أنه لابد من حل هذه المشكلة.

مساعي بريزوسكي لحل الأزمة في الشيشان

أكرم خزام: مؤخراً تقدمتم بخطة سلمية لحل الأزمة الناشبة في الشيشان، ما هي وجهة نظر بوتين في هذه الخطة؟

بوريس بريز وسكي: رد فعل فلاديمير بوتين كان إيجابياً تماماً، وعدا عن ذلك فعندما طرحت خطتي التي ترتكز على استنتاج هام توصلت إليه شخصياً ويتمثل فيما يلي: فمنذ حوالي نصف سنة كان أكثر من نصف سكان الشيشان يؤيدون الاستقلال ويعتبرون بنفس الوقت أن هذا الهدف قابل للتحقيق، أما الآن فلا يزال أكثر من نصف السكان يؤمن بالاستقلال، لكن الأغلبية الساحقة باتت تعتبره غير قابل للتحقيق كهدف، مما يعني أنهم يعتبرون الحرب والمقاومة بلا مغزى، لكنهم كانوا سابقاً يعتبرونها مبررة، نعم، تحدثت مع بوتين عن خطتي مشيراً إلى أن خطتي مبنية على الاستنتاج المذكور وهي بالتالي تقضي بمنح إمكانية مغادرة الشيشان لأولئك الذين تصفهم روسيا في إعداد الإرهابيين وقلت: دعهم يغادرون إلى الدول التي توافق على استقبالهم بما فيها الدول العربية، وذلك بهدف وقف قتل الناس بينهم، ووقف الخسائر بلا معنى، وبشرط أن يحدد مسؤولية الإرهابيين من قِبَل القانون الدولي، وأعتقد أنهم لا يناضلون حالياً من أجل استقلال جمهورية الشيشان، فهم واثقون أن الاستقلال مستحيل، لذلك يقاتلون بشراسة دفاعاً عن حياتهم، ولذلك وجب منحهم فرصة الحفاظ على حياتهم لكي لا يتجنون على حياة الآخرين، هذا جوهر خطتي، وعملياً أخذت الحياة نفسها تنفذ خطتي الآن، قرار البرلمان الروسي الخاص بالعفو عن المقاتلين الذين يسلمون أسلحتهم يصب في هذا الجوهر وأنتم على علم أن بوتين يؤيد قرار العفو، والحقيقة لا أدري ما إذا كنتم على إطلاع بالتصريح الهام الذي أدلى به بوتين مؤخراً، فقد اقترح على سيرجنت شيجو أن يجري مباحثات مع الرئيس مسخادوف، وأعتقد أن مسخادوف اتخذ موقفاً غير سليم عندما رفض الاجتماع بـ (شيجو) لأنه ليس من مستواه، فما معنى أن يكون من مستواه إذا كان مخولاً من قِبَل الحكومة الروسية، فلا يجوز الآن الحديث عن المنزلة والمستويات، بل يجب حل المشكلة، لكن بوتين أفصح عن شيء آخر عندما قال إن روسيا تقود المباحثات مع مسخادوف من خلال وسطاء وهذا يعني أنه تم إحراز تقدم عام، بل يجب على الجانب الشيشاني أن يُبدي مرونة أكبر ويذهب إلى المباحثات حتى مع (شيجو) الذي يعتبر الآن قائد لإحدى أكبر الحركات السياسية في روسيا، يجب التفاوض ومع مسخادوف بالذات لأنه رئيس منتخب شرعياً، والحقيقة أنا غير متفق مع بوتين في هذه النقطة بالتحديد، وخاصة عندما تساءل من هو مسخادوف، البرلمان الشيشاني هيئة منتخبة شرعياً أيضاً، ثمة مسألة أخرى هامة هو.. هي أن مسخادوف لا يسيطر على الأوضاع لوحده اليوم، ومع ذلك يجب أن يكون طرفاً في المباحثات، لكن ليس لوحده، بل مع الآخرين الذين يستطيعون السيطرة على الأوضاع فعلاً، فمنذ فترة عُقد في موسكو مؤتمر الشتات الشيشاني أي الشيشان من خارج الجمهورية، وقد تشاور معي كثيرون منهم حول ما يجب فعله، وكيف يجب إعلام السلطات برغبات الشتات الشيشاني، وتعلمون أن نائب رئيس جهاز الإدارة الرئاسية في روسيا السيد (شيفدركلوف) حضر اجتماعات هذا المؤتمر، وأحيي مؤتمراً صحفياً مشتركاً معهم لأنهم اختاروا طريق حل مشكلة الشيشان سلمياً. وأرى أن ممثلي الشتات الشيشاني يجب أن يشكل مع مسخادوف الطرف الآخر الذي يتولى المباحثات عن الجانب الشيشاني للتفاوض مع موسكو.

أكرم خزام: بعد الحرب في داغستان وما جرى في الشيشان، هل أجريتم اتصالات مع باساييف وغيره؟

بوريس بريز وسكي: لم أجرى اتصالات مباشرة، تحدثت معهم بالهاتف منذ أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، كنت في أميركا ومن هناك تحدثت مع (مولوي أوداغوف) بالهاتف، كان حديثاً مطولاً، قلت له فيه كل ما أفكر به بصريح العبارة، أي بنفس الصراحة التي أحدثكم بها الآن، حدث هذا بعد ترحيل خطة التسوية في الشيشان وحاولت إقناعه بأن ينبغي الحفاظ على حياة الناس العاديين، وقلت له: إن فكرة الاستقلال لا يمكن أن تنتصر اليوم، وأن المقاومة لا معنى لها، طبعاً أنا أدرك تماماً أننا قد نفكر بعقلية مختلفة مع أودغوف، فقد يفكر هو بأنه يجب التضحية من أجل نفس أخرى هكذا لوجه الله، لكنني أتحدث هنا عن العقلاني فقط، ولا أعالج مصطلحات الفكر والدين، بل لا أريد النفاذ إلى القوانين الذي يفرضها هذا الدين أو ذاك، بل أكرر تأكيدي على التفكير العقلاني والطروحات السليمة.

مدى ارتباط أحداث الشيشان بالصراع الدولي على ثروات بحر قزوين

أكرم خزام: ما هو رأيك بما تروج له بعض وسائل الإعلام بأن الأحداث الدائرة في الشيشان ومنطقة القوقاز عموماً مرتبطة بالصراع الدولي على ثروات بحر قزوين؟

بوريس بريز وسكي: أعتقد أن الصراع القائم حول نفط بحر قزوين لا يمت بصلة متميزة إلى الأحداث الجارية في الشيشان، لقد سبق وشاركت في المفاوضات الخاصة بالنفط المبكر لبحر قزوين، وأحرزنا آنذاك أول نجاح للدبلوماسية الروسية، وأعني أن الدفعات الأولى من نفط قزوين المبكر ضخت عبر أراضي الشيشان، أراضي روسيا، آنذاك شاركت في وفد روسي برئاسة (ممر تيسوف) للمباحثات مع الرئيس الأزلي حيدر عليف بتوقيع اتفاق صعب المنال، لكننا اتقفنا مع عليف وتم ضغط النفط المبكر لبحر قزوين عبر الشيشان، وعليف بارك الخطوة بعد مفاوضات غاية في التعقيد، آنذاك شعرت بوجود مصالح اقتصادية كبيرة لدول كثيرة في المنطقة، وأنتم على علم أن أميركا أعلنت أن القوقاز هو منطقة مصالح حيوية استراتيجية بالنسبة لها، ومن الواضح أن هذا يعني وجود صلة لقزوين بالأحداث الشيشانية، لكنني أكرر اعتقادي بأن هذه الصلة لا ترتقي إلى مصاف العوامل ذات التأثير الحاسم في الأحداث الشيشانية، فالعامل الأهم والرئيسي فيما يجري داخل روسيا ذاتها، أي انتقال روسيا من حالة إلى حالة أخرى في المجالات السياسية والاقتصادية مما ولد عمليات متنابذة وضخمة، وبالتالي فإن جمع هذه الأطراف المتنابذة هو مشكلة روسيا القومية الشاملة هذه هي رؤيتي.

حقيقة الاتهامات الموجهة ليريزوسكي بالفساد داخل روسيا وخارجها

أكرم خزام: مؤخراً أعلن يفجيني بريماكوف أن السلطات في سويسرا لن تمنحكم سمة دخول بعد الآن نتيجة لأعمال الفساد التي تمارسونها في روسيا، ما هو رأيكم، هل ما قاله بريماكوف يصب في إطار حملته الانتخابية، أم أنه فعلاً يوجه السهام ضد الطغمة المالية التي تمثلها في روسيا؟

بوريس بريز وسكي: أنا لا أخفي أنني على خلاف مبدئي مع بريماكوف ولم اتستر –كما شاهدتم- على نضال ضده، ولم يصدق بريماكوف عندما أكد أن دول الغرب لا تمنحني سمة دخول بشكل عام، وصدق عندما قال أن سويسرا لا تمنحني سمة الدخول (فيزا) فأنا املك سمة دخول إلى أميركا والدول الأوروبية ما عدا سويسرا التي لم توافق على منحي (فيزا)، وأنا أعتقد أن السبب في ذلك هو فتنة دبرت ضدي من داخل روسيا، إذ تم فبركة قضية ضدي في روسيا اتهمت فيها بالنصب والاختلاس وغير ذلك من الآثام، لكنك تعرف أنه تم توثيق هذه التهمة قضائياً ورسمياً، ولم تبق ضدي أية تهمة بمخالفة القوانين، وأعتقد أن هيئات القضاء السويسرية تصرفت بما يجانب الثقة. فالشركات التي أسست بمشاركتي في سويسرا مارست عملها دائماً في إطار القواعد القانونية حصراً، والأشخاص الذين اخترتهم للعمل في هذه الشركات اخصائيون ومحترفون، وقد قدموا دعاوي كثيرة ضد هيئات القضاء في سويسرا، وأنا على ثقة بأن جميع الدعاوي التحقيق ضدي في سويسرا ستغلق عاجلاً أم آجلاً بما في ذلك حظر دخولي إلى الأراضي السويسرية.

أكرم خزام: لكن السلطات في سويسرا حضارية، ولا يمكن أن يتم شراؤها أو التأثير عليها من الأعلى، ما هو رأيكم؟

بوريس بريز وسكي: عند وجهة نظر مغايرة، لا أملك الجرءة على أن أؤكد أحكاماً قطعية حول ظاهرة الحضارة وإمكانية شراء الذمم في الدول المتحضرة أو عدم شرائها، ولا أود التأكيد مباشرة على أن النيابة العامة في سويسرا تمارس عملها انطلاقاً من قابليتها ببيع نفسها، لكنني مع ذلك.. على ثقة تامة بأن عمل النيابة العامة لا يقتصر على العمل الحيادي المستقل، بل على العكس اثق بوجود تأثير جدي من شخصيات معينة تجبر القضاء السويسري على تجاوز حد العدالة، ما يخص الشراء أو عدم شراء الذمم أنتم تعرفون أنه حتى في الغرب –للأسف- توجد عمليات تحقيق كثيرة ضد شخصيات موجودة في السلطة من الموظفين أو من المسؤولين المنتخبين المصابين بعدوى الفساد، والذين ينتهكون التشريعات السارية، تحقيقات كثيرة متصلة بفضائح كبيرة للقائمين على السلطة سمع بها العالم بأسره، أعتقد أن روسيا لا تعتبر استثناءً من القاعدة، منذ حوالي سنة ونصف شاركت في أعمال مؤتمر عُقد في (دافوس) وألقيت تقريراً في الجلسة المخصصة لمناقشة ظاهرة الفساد في العالم، أكدت فيه على أن مستوى الفساد في روسيا يتناسب طرداً مع مستوى التحولات الجارية فيها وخاصة منها ما يتعلق بمستوى التغيرات التي طرأت على الملكية، كانت الملكية في روسيا ملكية عامة بنسبة 100%، أما الآن فنسبة الملكية الخاصة تصل إلى 70%، والموظف الذي كان يتقاضى 100 دولار في الشهر بات يستطيع توزيع عشرة ملايين هنا وعشرة هناك، هكذا بتوقيع أو بشخطة قلم مما يعني أنه قد يتسلم رشوة بمقدار مليون مثلاً لكي يوقع على إرسال تسعة ملايين لصالح هذا الشخص أو ذاك، ويخيل لي أنه ليس بمستطاع الكثيرين في الغرب أن يمروا مرور الكلام قُرب هذا الإغراء، علماً أنني اعترف للحقيقة أن مستوى الأخلاق في روسيا انخفض بشدة بالمقارنة مع ما كان عليه قبل ثورة أكتوبر، لقد أكد الشيوعيون الناتا فعلياً وأخلاقياً ونحن نجني اليوم ثمار سيطرة الفكر الشيوعي..

أكرم خزام: الشيوعيون على خطأ حسب اعتقادكم في كل شيء، لنقل جدلاً أن هذا صحيح، لكن هل يعقل أن لا يتم تحميل الديمقراطيين المسؤولية عما جرى في السنوات الأخيرة في روسيا؟

بوريس بريز وسكي: فترة 9 إلى 10 سنوات تعتبر فترة قصيرة جداً لإحياء وبسط القواعد الأخلاقية في المجتمع، فقد احتاج الشيوعيون إلى فترة ثلاثة أجيال لنسف الأخلاق سامية باعتقادي تلك التي كانت مسيطرة في المجتمع الروسي، ومن ثم استبدالها بأخلاقيات أخرى، لذلك لا أرى تناقضاً فيما قلته، لأن عشر.. سنوات هي فترة قصيرة جداً وغير كافية، لأنها عبارة عن نصف عمر جيل واحد وأعتقد أن النظام السياسي الذي يتم تشييده في روسيا الآن سيساعد روسيا على المعافاة من الناحية الأخلاقية، فالمشكلة الرئيسية التي تواجه روسيا اليوم وهي مشكلة العقلية تعتبر معضلة معقدة جداً، وقد تُجري عملية لاستكشافها أو حتى صياغتها، لكن حلها صعب للغاية، فقد عشنا طويلاً في دولة ضخمة تسلط عليها النظام الشمولي كرس أسطورة عاشت طويلاً، حتى أنها جاءت من عهد القيصر، وكرست في النظام الشيوعي، ومفادها أن القيصر الأعلى أو الأمين العام للحزب الشيوعي أو الحزب نفسه يولي جُل اهتمامه بمشاكل المجتمع والأفراد، وقد توطدت في عقولنا مصطلحات عن التعليم المجاني والعلاج المجاني ورياض الأطفال المجانية، لكن الواقع كان غير ذلك، فقد كنا نعمل ونجد لكن الدولة أو بتعبير آخر فئة ضئيلة من المسؤولين الكبار كانت تُجني ثمار عملنا وتوزعه كما يحلو لها، لكنهم حولونا جميعاً وبدون استثناء تقريباً إلى عجزة ومعوقين أقصد من الناحية الأخلاقية، لأننا فقدنا ملكة الاعتناء بأنفسنا معولين على من يعتني بنا ويهتم، ثم حدثت أن الدولة قامت في غضون شهر أو سنة لا أكثر من سنة بإعفاء نفسها من جميع واجباتها في حماية المجتمع معلنة أنه يجب على كل فرد أن يحمي نفسه بنفسه، ومن هنا جاءت ملايين المآسي والاحباطات وفقدان الأمل، لكن ظهر فيما بعد أي الآن أن ملايين الناس الذين أدركوا مسؤوليتهم عن أنفسهم وعن أوضاعهم وأسرهم وأطفالهم وهذا بحد ذاته عقلية جديدة لا يمكن انجازها خلال عشر سنوات، بل لا يمكن انجازها خلال عمر جيل بكامله، وهي الآن في طور البداية، بداية ظهور آلاف، بل ملايين الناس من ذوي العقلية الجديدة التي ليست عقلية العبد، بل عقلية الإنسان المدرك والحر الذي يؤمن بأخلاقيات جديدة.

أكرم خزام: في السابع عشر من العام الماضي انفجرت الأزمة المالية في روسيا، هل هذا أيضاً خطأ الحزب الشيوعي؟

بوريس بريز وسكي: طبعاً ليس بذنب الشيوعيين علماً أنهم مذنبون هنا بصورة غير مباشرة، ويكون ذنبهم هنا في أنهم ظلوا خلال السنوات العشر الأخيرة يقاومون الحياة الجديدة، لنأخذ مثلاً مجلس الدوما لقد سألتني منذ البداية لماذا احتاج لمجلس النواب واحتاج لكرسي النيابة لكي يصبح المجلس فعالاً وبناءً والمجلس ليس بناءً لأن النواب لا يرغبون في وجود روسيا الجديدة وأقصد الشيوعيين، وما يتعلق بأزمة 17 أغسطس فهم مذنبون لأنهم لم يفتحوا المجال لتطور العمليات والظواهر الجديدة بالسرعة المطلوبة مما شكل بحد ذاته صعوبات كبيرة أمام الكثيرين، وحول المرحلة الانتقالية إلى عملية مبهمة، لكن الذنب المباشر في 17 أغسطس ناجم عن قلة خبرات الحكومة، أي حكومة (كرنكا) آنذاك فنحن الآن نعلم أن احتياط التجاوب كان موجوداً، وحتى عندما جاء بريماكوف فإنه لم يأتِ بجديد وكل ما فعله هو إطفاء الهدوء والثقة أي نزع فتيل الحيرة والارتباك فكان هذا كافياً لكي يتوقف تدهور الرعب، ولكي يتسبب الأمر في الأقصاء أو بمعنى آخر كانت الأزمة خطأ حسابات لا أكثر من قِبَل حكومة (كرنكا) حكومة الشباب آنذاك، لكن الخلفية التي سبقت هذا الخطأ كانت مرتبطة بعدم فاعلية عمل مجلس النواب (الدوما) المسؤول عن إقرار القوانين الجديدة بروسيا الجديدة.

أكرم خزام: أعلنت مؤخراً أن فلاديمر بوتين يعتبر من أفضل المرشحين لمنصب الرئاسة في روسيا.

بوريس بريزوسكي: أفضل مرشح يستطيع أن يصبح رئيساً فعلاً.

أكرم خزام: على أي أساس؟ وهل ستدعمونه كما دعمتم يلتسين في الانتخابات الرئاسية السابقة؟

بوريس بريز وسكي: نعم سأدعمه بشدة واحترام إذا لم يظهر مرشح أفضل منه لمنصب الرئاسة حسب رأيي، ولماذا أعتبره أفضل من غيره؟ اعتبره كذلك لسببين، بل لثلاثة أسباب، أولاً: لأن فوزه في الانتخابات ممكن، وأنا لا أدعم مرشحاً لايستطيع الفوز في الانتخابات، ففي عام 1996 كنت أعول على (غريربولي يافلنكي) أكثر من تعويلي على يلتسن، لكنني لم أدعم يافلنكي لأن فوزه في الانتخابات كان مستحيلاً آنذاك، أو بمعنى آخر يجب الاعتماد على ما يمكن أنجازه فعلاً، فالسياسة هي فن الممكن وفوز بوتين ممكن،عادا عن ذلك يتمتع بوتين بسمتين هامتين اثنتين هما: فهو أولاً مفلح بالتأكيد من جهة وقوي الإرادة من جهة ثانية، وهاتان السمتان من أهم الشروط التي يجب أن تتوفر في رئيس روسيا المقبل، لكن رئيس روسيا المقبل يجب أن يتمتع بخاصية ثالثة هي التفكير الاستراتيجي، وفي هذا المجال لا أعرف شيئاً عن بوتين، الرئيس المقبل يجب أن يدرك هذه الخاصية، أي ينبغي أن يعرف صورة تركيب روسيا وهو ما تطرقنا له سابقاً، وما هي أولويات السياسة الروسية لكي لا نصطدم مرة أخرى بمشكلة كالمشكلة الشيشانية، ولكي نتفادى تفكك روسيا، أسوق مثالاً محدداً من سياسة روسيا الخارجية، فهل فشلت روسيا في كوسوفو أم ظفرت؟ ماذا أستطيع أن أقول؟ ما يمكن قوله أننا سنواجه آراء مختلفة ومتباينة في روسيا، فسيؤكد البعض أننا انتصرنا،بينما يؤكد آخرون أننا فشلنا وذلك لأننا نفتقر إلى النظرة الاستراتيجية، فالأميركيين يؤكدون أنهم حققوا انتصاراً في كوسوفو وهذا ما يؤكده أو ما تؤكده الدول الغربية أيضاً، أما أنا فأعتقد أنهم ينافقون، وذلك لأن الأهداف التي رسمها الغرب قبل بداية الهجوم العسكري على كوسوفو لم تتحقق أبداً، فقد تحدثوا في البداية عن حماية السكان المدنيين، وفي البداية –كما هو معروف- كان هناك مئات القتلى وآلاف اللاجئين، وفي النتيجة حصلنا على آلاف القتلى ومليون لاجئ فكيف يمكن الحديث عن النصر في حال عدم تحقيق الهدف، وأنا أفهم لماذا يتحدث الأميركيون عن النصر، يتحدثون لأنهم أحرزوا تقدما في العمق الأوروبي، ومن وجهة النظر الاستراتيجي هذه فقد حققوا انتصاراً فعلاً، ومع ذلك فالأهداف التي أعلنت تختلف عن الأهداف التي حققت، أما روسيا فلا تستطيع

-للأسف- المفاخرة حتى بمثل هذا النصر، بل لا تستطيع إعطاء تقويم صحيح لنتائج هذه أو تلك من التغيرات الخارجية الجارية في العالم من وجهة نظر أمنها القومي، وفي الشيشان باتت الأمور واضحة لأنه بالنسبة لروسيا وأنا على ثقة عميقة بأن روسيا لا يمكن أن تسمح باستقلال أي جزء من أجزائها أو كياناتها، ليس لأن هذا الأمر مستحيل بحد ذاته، بل لأنه مستحيل بحال ممارسة الضغوط، لذلك كنت دائماً نصيراً ثابتاً لوحدة أراضي روسيا ومن دون بداية محادثاتي مع الشيشانيين عبرت عن هذا الموقف بدقة، وقلت أنني سأخوض المباحثات منطلقاً من مبدأ وحدة أراضي روسيا ومن أن الشيشان جزء لا يتجزأ من روسيا.

مدى وجود اليهودية في روسيا

أكرم خزام: بين الحين والآخر، تمتلئ العاصمة الروسية بأحاديث عن محاولات بتفجير المعابد اليهودية في موسكو، هل من وجود للمسألة اليهودية في روسيا باعتقادكم؟

بوريس بريز وسكي: طبعاً.. طبعاً موجودة وقائمة، مثلها في ذلك مثل القضية التترية وغيرها، لكن المسألة اليهودية تبدو دائماً أشد بروزاً من غيرها أو بالمقارنة مع غيرها، طبعاً يمكن أن نناقش لماذا هي أشد بروزاً من غيرها، لكنها في جميع البلدان تُطرح بصيغة أحد من غيرها من المسائل القومية الأخرى، المسألة اليهودية قائمة في روسيا أيضاً، لكن هذه المسألة تختلف في روسيا الحالية عن ما كانت عليه في العهد السوفيتي، وعما كانت عليه في أزمنة الحكم القيصري، أو بالأحرى تبدو في تجليات وصياغات متباينة، فعلى مستوى الدولة لم تكن هذه المسألة مطروحة في العهد السوفيتي علماً أنها كانت موجودة، لكن السلطات كانت تصر على عدم وجودها، ولم تكن تسمح بمناقشتها، أما الآن فالوضع مختلف تماماً والدولة لا تنفي وجود هذه المسألة، بل ويمكن مناقشتها علناً، ربما أنه يمكن مناقشتها علناً فهذا يعني وجود أمل في العثور على حلٍ لها، أما في العهد السوفيتي فلم يكن ثمة أمل في العثور على حل للمسألة اليهودية، لأن مناقشتها كانت محظورة، ومع ذلك فأنا على ثقة بأن معاداة السامية كانت ولا تزال وستبقى تماماً كما هو الأمر في البلدان الأخرى.

أكرم خزام: هل الخلاف بينكم وبين رئيس المؤتمر اليهودي في روسيا غوستينسي جدي؟

بوريس بريز وسكي: خلافي مع غوستينسي رئيس المؤتمر اليهودي في روسيا هو خلاف استراتيجي طبعاً، ويكمن في اختلاف مواقفنا من الحياة بصورة عامة ومن بعض المسائل المحددة بصورة خاصة، فأنا لم أخفي أبداً أن الأولويات السياسية في هذه المرحلة بالذات هي عندي أسمى من الأولويات التجارية، وأرى أن التجارة والأعمال ستضطرب وتدمر إذا لم نتمكن من تحقيق الاستقرار السياسي، ولذا فإنني راغب شخصياً في العمل على حل المشكلة في الشيشان، وقد جئت بمبادرة شخصية مني إلى سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي (إيفان ريدي كيم) وعرضت عليه خدماتي علماً أنه لم يوجه لي دعوة، لكني كنت على معرفة جيدة به وقد انطلقت في ذلك من اعتبارات واقعية برجماتية إذ لا يمكن ممارسة التجارة والأعمال في روسيا بصورة جيدة وطبيعية مادامت الحرب قائمة في الشيشان، أما غوستينسي فينظر إلى الأمور من منظور آخر ويعتقد أنه يمكن جني الأرباح من أي مشكلة وكأن الأمور في روسيا تسير على نحو جيد، كما هي عليه في الولايات المتحدة الأميركية وهنا جوهر الاختلاف المبدئي في موقفينا من الحياة أو بالأحرى من تقدير الأوضاع في روسيا.

أكرم خزام: أعزائي المشاهدين إلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج (لقاء اليوم) ها هو أكرم خزام يحييكم ويتمنى لكم أطيب المنى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة