منظمة التحرير الفلسطينية كما يراها شفيق الحوت ح6   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:09 (مكة المكرمة)، 14:09 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

أحمد منصـور

ضيف الحلقة:

شفيق الحوت: أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية

تاريخ الحلقة:

09/02/2003

- توقيع اتفاقية القاهرة بين منظمة التحرير ولبنان.
- بداية السبعينات وتحوُّل وضعية العمل الفدائي الفلسطيني.

- تميُّز عرفات واختياره رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية.

- تقييم شفيق الحوت للأداء الفلسطيني في الأردن وأحداث أيلول.

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (شاهد على العصر)، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة- الأستاذ شفيق الحوت (أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية وممثلها في لبنان) أستاذ شفيق، مرحباً بك.

شفيق الحوت: مرحباً بكم.

توقيع اتفاقية القاهرة بين منظمة التحرير ولبنان

أحمد منصور: وقفنا في الحلقة الماضية عند اتفاقية القاهرة، وهي كما ذكرت أنت في العام 69، وتحديداً في الثالث من نوفمبر 1969 وقعت هذه الاتفاقية التي أشكرك أن أحضرت لي صورة من.. منها، في الثالث من نوفمبر 69 اجتمع في القاهرة الوفد اللبناني برئاسة عماد الجيش إميل البستاني، وفد منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة السيد ياسر عرفات رئيس المنظمة، وحضر من الجمهورية العربية المتحدة السيد محمود رياض وزير الخارجية، والفريق أول محمد فوزي وزير الحربية، وتم توقيع الاتفاقية ببنودها المختلفة، التي ستصبح بعد ذلك محور هام في العلاقات اللبنانية الفلسطينية.

شفيق الحوت: نعم.

أحمد منصور: أيه في تصورك... يعني عشان ما أسردش كل بنود الاتفاقية، لكن أيه أهم المكتسبات اللي حصل عليها الفلسطينيين من وراء هذه الاتفاقية؟

شفيق الحوت: هو لابد من التمهيد بإيجاز حتى نصل للأسباب التي أوجبت توقيع مثل هذه الاتفاقية، إذ كلنا نذكر أنه في الـ 64 قامت منظمة التحرير الفلسطينية، وكان هذا يعني منعطف في تاريخ العلاقة الفلسطينية مع الدول المضيفة في الوطن العربي، لأنهم كانوا قبل قيام منظمة التحرير بدون مرجعية، في الـ 65 قامت فتح وأطلقت الرصاصة الأولى، وأعلن بداية الكفاح المسلح ضد إسرائيل، وكذلك هذا العمل كان حدثاً استراتيجياً مهما كان له تأثيره على دول الطوق المحيطة بإسرائيل ومن الجملة لبنان، في الستينات في هذه المرحلة من 64 فصاعداً كان النضال الفلسطيني يحاول العمل على جبهتين تصحيح الوضع الفلسطيني كلاجئ في دول مضيفة، يعني يحاول أن ينتزع لهم بعض المكاسب أو بعض الحقوق الإنسانية التي كانوا مجردين منها حتى تلك الأيام.

أحمد منصور [مقاطعاً]: كيف كانوا يعاملوا؟

شفيق الحوت: كانوا يعاملوا بدون بروتوكول واضح.. بدون اتفاق معين..

أحمد منصور [مقاطعاً]: كل دولة لها أسلوبها في التعامل.

شفيق الحوت [مستأنفاً]: كل دولة لها أسلوبها الخاص، ولكن الصفة العامة بين معظم الأنظمة العربية التي استضافت الفلسطينيين كانت البعد الأمني هو المسيطر أو هو الهاجس الذي كان يحكم هذه العلاقة ولا سيما بالنسبة للدول المضيفة، يعني الفلسطيني في لبنان -على سبيل المثال -كان يعيش في معسكرات محكومة مباشرة من قِبَل دوائر المخابرات العسكرية وقوى الدرك اللبناني، وكان أي مخالفة تجري لا.. لا يتم إحالتها إلى الفضاء المدني، وإنما كانت تحل بالوسائل العسكرية، وكانت يعني وسائل قمعية وبعيدة عن الإجراءات القانونية حتى في إطار الإدارة العسكرية، كان الفلسطيني فعلاً ممنوع حتى من أن ينتقل من مخيم إلى مخيم، يعني كثيراً ما كنا نعاني، الشاب الفلسطيني يخطب فتاة فلسطينية من مخيم آخر، كان بحاجة إلى إذن من السلطات والمخابرات العسكرية حتى ننقل العروس من مخيم إلى مخيم.

أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني الحب بأمر عسكري.

شفيق الحوت [مستأنفاً]: آه، الحب بأمر عسكري، ويعني قس على هذا مدى الضيق في الحريات التي كان يعاني منها الشعب الفلسطيني بالإضافة إلى منع العمل في المعظم إلا بترخيص خاص كان من الصعب الحصول عليه، ناهيك عن المنع التام لأي تحرك جماعي ثقافي، رياضي، وبالطبع سياسي أو نقابي مهني، كان هذا ممنوعاً منعاً باتاً.

أحمد منصور: طبعاً ده بيكون له آثار شديدة جداً على الجانب الإنساني بالنسبة لأي إنسان يعيش داخل هذا الـ..

شفيق الحوت: آه طبعاً، وهذا.. والحقيقة الشعب الفلسطيني رفض هذه.. هذه المعادلة، ويعني كان فيه فضل لبعض الإخوان أذكر منهم بالخير ذكرته في حلقات سابقة الأخ أبو ماهر اليماني وجملة من القوميين العرب، ونحن كنا طلائع لسه في بداياتنا الذين كنا نقاوم هذه الاتجاه.. الاتجاهات القمعية..

أحمد منصور: لكن ما هو المطلوب من دولة تريد أن تحافظ على كيانها.. تريد أن تحافظ على سيادتها، تريد أن تحافظ على أرضها وأنتم في نفس الوقت تطالبون بمكتسبات وبأشياء يمكن أن تهز أمن هذه الدولة وسيادتها، يعني أيه الصورة المثلى التي كان يمكن أن تحدث في ذلك الوقت؟

شفيق الحوت: أنت تذكرني بحديث جرى بيني وبين الرئيس الراحل فؤاد شهاب.. الذي.

أحمد منصور: الرئيس اللبناني..

شفيق الحوت: انتهت ولايته، نعم الرئيس اللبناني فؤاد شهاب الذي انتهت ولايته في الـ 64، وكان خليفته شارل الحلو الذي كان محسوباً عليه، يعني كأنه امتداد للعهد الشهابي، فأنا ذهبت..

أحمد منصور: العهد الشهابي ده كان عهد عسكري بس عشان..

شفيق الحوت: هو فعلاً يعني هو أبو النظام العسكري، هو العهد الشهابي، فلما سرت أنا كنت أعرف الرئيس الراحل كصحفي، ثم زرته بوصفي مديراً لمنظمة التحرير الفلسطينية أشكو له من بعض المعاملات المبالغ فيها القمعية التي يتعرض لها الإخوة الفلسطينيين، ولا.. ولا أريد في هذه اللحظات أن أنكأ جراح ماضية لأصوِّر مدى المعاناة وبشاعة المعاناة التي كان يعاني منها بعض الفلسطينيين.

أحمد منصور: اسمح لي أقول لك إحنا مش بننكأ الجراح، إحنا بنتحدث عن واقع انتهى، يعني صورة تاريخية.

شفيق الحوت: يعني الضرب، التعذيب، هنالك من قيل إنه انتحر في السجن، ولكن يقال أنه قتل في السجن، يعني أخذ الناس ووضعهم إدراياً في السجون والمعتقلات دون تحويلهم إلى محاكمة..

أحمد منصور: كل ده 64 تقريباً..

شفيق الحوت: كل ده في الستينات.. في بدايات.. في بداية الستينات والخمسينات طبعاً منذ أن بدأ الوجود الفلسطيني في لبنان، فقلت له: يا فخامة الرئيس، يعني أرجوك الآن يعني توعز للشباب، وأقصد بذلك رجال الاستخبارات العسكرية اللي كانت تسمى الشعبة الثانية أو المكتب الثاني، وهذه كلمة كان يتقزز منها الفلسطيني، لما تقول له شعبة ثانية، أو المكتب الثاني يرتعد خوفاً منها، فكان يسميهم الشباب.. جماعته، فقلت له يعني زايدينها الشباب شوية يعني يا فخامة الرئيس كان ممكن يعني توعز لهم يعني على الخفيف، شوي يعني، إنه أنا عم بيجيني من يراجع أنه هذا وهذا وهذا اعتقلوا للا سبب أو لسبب تافه لا يستحقوا كل هذا العذاب، قال لي: لا.. لا، هذا مش اجتهاد منهم، هذه فكرتي أنا.

أحمد منصور: آه!!

شفيق الحوت: هذه فكرتي أنا، قال لي: اسمع أنتوا مين..

أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني فؤاد شهاب بنفسه هو اللي كان بيصدر الأوامر فيما يتعلق..

شفيق الحوت: هي بدأت في عهده، والشعبة الثانية يعني من نتاج النهج الشهابي، فقال لي: أنتوا 150.. 180 ألف في ذلك الحين، وليل نهار فاتحين ها الراديات وبتسمعوا إذاعات العرب عائدون وقادمون وهاجمون وهيا يا عرب، واتحركوا يا عرب، قال لي: قد أيش حلو، و أنتوا عاملين لي شي حركة على الحدود، وتورطوا الجيش اللبناني والشعب اللبناني، لأن إحنا مش المجابهة مع إسرائيل، قال لي: مش عليكم بس، قال لي حتى القرى الجنوبية اللبنانية الشعبة الثانية حريصة على أن تكون في منتهى الهدوء، قال لي: حتى إطلاق الرصاص بالزفاف في الجنوب أنا مانعه، أحسن ليفتكر الجيش الإسرائيلي إن إحنا عم بنقوس عليهم ونعلق في حرب، وإحنا ما عندناش خبر، كان هو -الله يرحمه- كان من الظرفاء، يعني يعتمد الأسلوب الساخر الفكِه في التعبير عن الرأي..

أحمد منصور: حتى يعني من الظرفاء حتى أثناء التعذيب والقتل والاعتقال..

شفيق الحوت: ومع ذلك وعد.. وعد بأنه يحسِّن هذه الأمور التي تابعناها في عهد شارل الحلو يعني في أواسط الستينات، فـ.. لكن كان استمر موقف الشعبة الثانية، وأنا شخصياً كأول من مارس العمل الدبلوماسي الفلسطيني الرسمي في لبنان عانيت الكثير، يعني تصور في البداية أنا كنت ألاقي عراقيل تحول دون ذهابي لزيارة المخيمات، أنا مرة زرت مخيم اسمه مخيم الرشيدية.

أحمد منصور: يعني المخيمات دي كانت سجون مثلاً؟

شفيق الحوت: أنا مُنعت.. مش مُنعت، دخلت على المخيم، طبعاً كنت أنا بالنسبة للمخيم رمز التغيير الجديد في الحياة الفلسطينية، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية، فالناس كانت تتلهف للقائي كممثل لهذه المنظمة، دخلت لقيت المخيم في حالة شبه إضراب، والسبب كان إيعاز وأوامر إنه ما حدا يطلع من البيت ليشرِّف هذا الأستاذ ويروح، فأتذكر أخذت الميكروفون كان معي ميكروفون محمول، وسرت أنادي: أطفال المخيم، إنه تعالوا ما تخافوش.

أحمد منصور: كان أي مخيم ده؟

شفيق الحوت: مخيم الرشيدية في جنوب لبنان، في جنوب لبنان، فتجمعوا الأطفال، وصرت أحكي لهم إنه مش لازم تخافوا وبتاع، إلا أن بدأ الناس يطلون من نوافذ المخيم بيوتهم، وأخيراً يعني تجرءوا..

أحمد منصور [مقاطعاً]: إلى هذا الحد؟!

شفيق الحوت: إلى هذا الحد كان الخوف نعم.. نعم، إلى هذا الحد، أكثر من هيك أقول لك يا أخ أحمد، ومرة أخرى يعني لا أنكأ جراح ولكن واقعاً.

أحمد منصور: تاريخ.. تاريخ.

شفيق الحوت: أنا في مخيم عين الحلوة ذهبت ذات مناسبة، وما أكثر المناسبات الفلسطينية يعني الأجندة.. الروزنامة الفلسطينية.

أحمد منصور: كل يوم.. كل يوم.

شفيق الحوت: كل يوم فيه مناسبة من بلفور.. فوجدت الإخوان محضرين لي طاولة متواضعة، أقف وراءها وألقي خطابي وحاطين عليه العلم الفلسطيني، وكان هنالك يعني يمكن سرية من الجيش اللبناني ومحيطة في المكان، وجاءني من يطلب أنه شيل العلم وهو على الطاولة، هذا يذكرني بمعركة أخرى خضتها لكي أرفع علم فلسطين على باب مكتب منظمة التحرير الفلسطينية، رغم أنني سبقت الإشارة وقلت أنه فيما بعد..

أحمد منصور [مقاطعاً]: ما أنت عوملت معاملة دبلوماسي هنا..

شفيق الحوت: فيما بعد.. فيما بعد..

أحمد منصور: فيما بعد..

شفق الحوت: لكن بعد معانة وتدخلات يعني من أطراف لبنانية مخلصة ووفية ومُحبة وعاقلة يعني ماذا يضير لبنان رفع العلم الفلسطيني على.. على سارية؟! يعني قد.. قد يزعجهم في عمان في تلك الفترة، لأنه العلم أصلاً واحد، مع فارق النجمة البيضاء في العلم الأردني في البقعة الحمراء وبعدين يعني المجتمع هناك تقريباً نصفه فلسطيني ونصفه أردني، ويمكن.. يعني تسبب في نوع من الغيرة أو نوع من الشعور بالازدواجية، فهذه كانت معاناة الشعب الفلسطيني وبالتالي كانت أهدافنا النضالية نوع من استعادة حقوقنا الإنسانية يعني نريد أن نرفع رأسنا، كلمة لاجئ -زي ما قلت لك مرة سابقة يا أخ أحمد- لحد هذه اللحظة يمقتها الفلسطيني مقتاً شديداً، يكرهها يعتبر أنها إهانة وانتقاص من شخصيته الإنسانية، فكنا نحاول أن يعني أن.. نطلب أن نعامل وكأننا جالية فلسطينية مقيمة في لبنان تحت ظروف مؤقَّتة.

أحمد منصور: لم تجبني أيضاً، كيف تحافظ الدول على سيادتها في ظل وجود هذا العدد الضخم؟

شفق الحوت [مقاطعاً]: ما كانش ضخم لسه، صار فيما بعد أضخم، لسه كان 150 ألف، هذا السؤال الحقيقة أخ أحمد يوجه لي بقدر ما يوجه للدول المضيفة، وكانت الدول المضيفة أولى.. أولى من الفلسطيني في تصور العلاقات التي يجب أن تقوم بين هذا الذي لجأ إلى الديار وبين الدولة المضيفة له، لأن ما حدث في فلسطين.. إلا إذا كانت كمان الدول العربية تظن إنه المسألة مسألة أسبوعين وسيعود الفلسطيني إلى دياره، للأسف الملف الفلسطيني اللبناني، أظن يعني في 59 بعد.. بعد عشر سنين تقريباً، لما أنشئت مديرية أو إدارة لشؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، برضو في عهد الرئيس فؤاد شهاب من الـ 48 للـ 59 لم يكن هنالك مرجعاً مدنيا ينظم حتى شؤون الفلسطينية، يعني من تزوج، من طلق، من مات، من خلف، أين يسجل ما كانش هذا كله وارد في ذهن الدولة اللبنانية، فالسؤال طبعاً محق أنت فيه، ولكن يتحمل أو تتوجب الإجابة من الفريقين يعني يجب على الفريقين أن يساهما في أن أعرف ما هي حقوقي كمقيم قسراً في هذه البلاد، وما هي الواجبات المترتبة عليَّ، ولو تم الاتفاق على هذا الأمر، لربما.. لربما تلافينا الكثير من التناقضات التي طرأت على الساحة اللبنانية، وهنا نصل.. وهنا نصل إلى سنة الـ 69 بعد معاناة ويعني قضايا كثيرة تسببت بتوتير العلاقات الفلسطينية في عهد الرئيس الحلو، حتى وصلنا لسنة الـ 69، وكما ترى الوثيقة التي أتيتك بها، والتي بقيت سراً حتى اليوم، وأُلغيت..

أحمد منصور: وهي بتوصف في.. في المصادر كلها بأنها اتفاقية سرية.

شفيق الحوت: اتفاقية سرية، وكأنها شيء مهم كتير، مع إنه إذا قرأناها، هي من شقين صغيرين يعني ملخص والباقي كله تفاصيل بس حتى يعبوا ورق، الأولى.. البند الأول أو الشق الأول: إنه يحق للفلسطينيين الإقامة، الفلسطيني المقيم في لبنان يعني، أن تشرع إقامته المؤقتة هاي، وحق التنقل والعمل، هذا بالجانب المدني، بالجانب العسكري أن يتم تنسيق بين قيادة منظمة التحرير وأضيف هنا وفتح في ذلك الحين -بتقول لي ليش الاثنين مش واحد- وبين السلطات اللبنانية بالنسبة للعمل العسكري، وهذا نظم كذلك في.. في اتفاقية القاهرة، تمرير عدد من الفدائيين، إلغاء بعض القواعد مساعدتهم إذا ما جرحوا.. إذا ما تعرضوا إلى.. يعني كانوا بحاجات لوجستية أن يساعدهم الجيش اللبناني، يعني كان من الممكن أن نصل إلى هذه من البداية.

وهنا أريد أن أشير أن اتفاقية القاهرة وإن كانت قد وقعت في عهد الرئيس الراحل شارل الحلو إلا أن الفضل فيها للرئيس الراحل فؤاد شهاب هو الذي.. هو الذي تحدثنا عنه قبل قليل وقال: إنه أنا صاحب القرار بقمع وضبط المخيمات الفلسطينية، قال لي في زيارة لي تلت زيارتي الأخرى في خلال سنة تقريباً يعني أو أقل قال لي: الآن علينا أن نتعامل معكم كجيش حليف، هو رجل عسكري فؤاد شهاب أصله خلفيته عسكرية، وقال لي: خلاص يعني كان العمل الفدائي انتشر، وتوسع ووصلنا للـ 69 معركة الكرامة سقوط هيبة الأنظمة العربية بعد الـ67 قال: على لبنان أن يتعامل معكم كقوات حليفة، وليس في هذا بدعة، لقد جرى مثل هذا الأمر في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية بالنسبة للحلفاء بأنه من الممكن التنسيق بين الجيشين اللبناني والفلسطيني، وهو الذي أوعز إلى رجالاته في الشعبة الثانية وكانوا يقودون عملية التفاوض، الأخ العقيد جابي لحود، والرائد (سامي الخطايب) في ذلك الحين، وذهبوا إلى القاهرة، وكان موضع خلاف يعني الحكم في لبنان لم يكن موافقاً بالإجماع..

أحمد منصور: حتى الموارنة؟

شفيق الحوت: لا سيما الموارنة.. لا سيما الموارنة، ورشيد كرامة -رحمه الله- الذي كان في الحكم كمان لم يذهب إلى القاهرة، يعني اتورط فيها فقط -رحمه الله- العماد إميل البستاني.

أحمد منصور: هو يقال هنا إن إميل البستاني كان لديه طموحات سياسية أن يصبح رئيس للبلاد، ومن ثم هو الذي سعى لتقديم هذه التنازلات للفلسطينيين، لأن التنازلات جعلت الفلسطينيين كأنهم شركاء في حكم البلد، كأنهم شركاء في حكم لبنان، والذي تحدثت عنه نقلاً عن فؤاد شهاب، إنه ينظر لكم كجيش حليف، هذا.. عملية الحلف هذه أعطت حقوق وامتيازات للفلسطينيين داخل لبنان، جعلتهم كأنهم يشاركون في حكم الدولة.

شفيق الحوت: لا استطيع أن أنفي تهمة طموح إميل البستاني لرئاسة الجمهورية. أصلا كل ماروني في لبنان يطمح في أن يصبح رئيس جمهورية في يوم من الأيام، ولكن في نفس الوقت السؤال: ماذا كان هنالك من بديل أمام الحكومة اللبنانية غير تنظيم العلاقة بين الفلسطيني واللبناني؟

أحمد منصور: لكن الدولة لا تدار برئيسين.

شفيق الحوت: هذا صحيح، ولكن لم يكن لبنان -للأسف- بقادر على أن يحسم الأمر بقوته الذاتية، لأنه كان يعتمد استراتيجية "أن لا موقف، أن لا سياسة"، ونظرية: قوة لبنان في ضعف لبنان، فلم يكن باستطاعة.. يعني مثلاً بالمقارنة لم يستطع الفلسطيني أن يتحرك في سوريا وأن يثبت في سوريا مرتكزات له مادية بقدر ما استطاع في لبنان، والسبب: أن هنالك.. وفيه حكم يستطيع أن يقوله: لا، و أن يحقق هذه اللا، في لبنان كان هذا أمراً صعباً، أولاً: لضعف الدولة كدولة وثانياً: كما أشرت سابقاً لاختلاف الرأي العام اللبناني بين مؤيد ومعارض للثورة الفلسطينية..

أحمد منصور: كانت بمثابة هذه الاتفاقية تنازل من الدولة اللبنانية عن جزء أساسي من سيادتها؟

شفيق الحوت: أنا لا أعتقد ذلك.. أنا لا.. لا..

أحمد منصور: لكن هذا.. هذه الاتفاقية أما تعتبر هي السبب في الحرب اللبنانية التي قامت بعد ذلك؟

سفيق الحوت: أنا أعتقد -أخ أحمد- أن هذه الاتفاقية يعني كُتبت ووقعت لتحل أزمة في لبنان في الحكم، يعني كان رشيد كرامة..

أحمد منصور: بين اللبنانيين أنفسهم..

شفيق الحوت: بين.. بالحكم نعم.. نعم.

أحمد منصور: لكن كان لها توابعها بعد ذلك التي..

شفيق الحوت: لكن نقضها هذه الاتفاقية قبل أن يجف حبرها اللبناني والفلسطيني.

أحمد منصور: كيف؟

شفيق الحوت: أولاً: الحكومة اللبنانية لم تتخذ أي قرار رسمي وشرعي وقانوني يعطي الفلسطيني مثلاً شيء من حقوقه المدنية، اثنين..

أحمد منصور: إنتو صار لكم دولة داخل لبنان..

شفيق الحوت: لا.. لا.. صار بحكم القوة، وللأسف، يعني هذا أنا مثلاً شخصياً، و أنا بالطرف الفلسطيني كنت أحذر منها، يعني كان أسهل على المسؤول اللبناني أن يقبل بتجاوز الفلسطيني، لبعض القوانين من أن يشرع له قانون يسمح له بمثل هذا العمل، مثلاً.. يعني اخترع ما يسمى الطريق العسكري إلى سوريا هذا كان.. كنا نتفادى من خلاله المرور على دوائر الأمن العام اللبناني..

أحمد منصور: لا زال موجود إلى اليوم.

شفيق الحوت: ولازال موجود لأسباب أخرى، تغيرت الدنيا، لكن لم نستطع.. لم يقبل المسؤول اللبناني أن يعطيني يعني كمقيم في لبنان أن أعامل كلبناني في السفر إلى.. إلى سوريا، والعودة من سوريا، آثر أن.. يعني أن يقبل بأمر واقع ويغلب على أمره بانتظار أن يتغير هذا الواقع، أكثر من هيك، يعني كان فيه حتى في مدينة بيروت، كان يكثر الاحتجاج من بعض السكان، وهم على حق.. من بعض حواجز للفلسطينيين في الطرقات.

بداية السبعينات وتحول وضعية العمل الفدائي الفلسطيني

أحمد منصور: دا دي نقطة ثانية مهمة جداً، يعني الآن الفلسطينيين استغلوا هذه الاتفاقية، في أن يصبحوا دويلة داخل الدولة اللبنانية، انتشر السلاح على نطاق واسع، الغرور وعدم الانضباط بدأ يكون موجود لدى المقاتل الفلسطيني، وكأن هذا بمثابة رد على ما تعرضوا له من عملية إذلال ومن قمع على يد قوات الأمن اللبنانية طوال السنوات السابقة، كان فيه تحرش برجال الشرطة اللبنانيين كان فيه تحرش بالموظفين.. بموظفي الخدمات العامة وبدأت تحدث بداية احتكاك بين الفلسطيني واللبناني.

شفيق الحوت: إن شئت الدقة لا أعتقد إنه الستينات كانت.

أحمد منصور: نهايتها، وبداية السبعينات.

شفيق الحوت: يعني هي الحقيقة بعهد الرئيس فرنجية بدأت الأزمة الفلسطينية في السبعينات..

أحمد منصور: الكلام دا كان في بداية السبعينات نعم.

شفيق الحوت: في السبعينات، يعني الوجود العسكري الفلسطيني في الـ 69 وحتى الـ 70 إلى ما قبل أيلول الأسود، وإلى ما قبل مجيء القيادة الفلسطينية إلى بيروت و.. واعتماد بيروت كمرتكز لمنظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها كانت الأمور يعني مشدودة ولكن لم تصل إلى حدود يعني التوتر المقلق، لأنه كان زي ما قلت لك حتى العمل الفدائي الفلسطيني كان لسه يعني محدوداً، أما بداية عهد الرئيس..

أحمد منصور: سليمان فرنجية.

شفيق الحوت: سليمان فرنجية الذي امتد من الـ 70.. الـ 76..

أحمد منصور: الحرب بدأت في عهده.

شفيق الحوت: وكانت هذه هي السنة الصعبة في تاريخ العلاقات الفلسطينية اللبنانية.

أحمد منصور: قبل أن آتي لها في ديسمبر 68 صوَّت مجلس النواب اللبناني لصالح الاتفاقية.

شفيق الحوت: 69.

أحمد منصور: 69 عفواً، ديسمبر 69 بيير الجميل (رئيس الكتائب) قال: واجهت لبنان شرَّين، إما الحرب الأهلية وإما اتفاقية القاهرة، وكأن يعني كان يمكن أن تكون هناك مواجهات حتى داخلية في لبنان، كما قلت الأمر كان حل أزمة..

شفيق الحوت: تفادي للأزمة اللبنانية، هذا صحيح.

أحمد منصور: لا سيما بين المسلمين وبين الكتائب..

شفيق الحوت: أي نعم، يعني الاتفاقية أخرَّت الحرب إلى حدٍ ما التي اندلعت بعد ذلك..

شفيق الحوت: صحيح أجلتها (...) نعم.

أحمد منصور: وأيضاً كانت سبباً في تأجيجها حينما قامت الحرب.

شفيق الحوت: أي نعم.. أي نعم، هذا صحيح.

أحمد منصور: في يناير 70 وزير الداخلية اللبناني كمال جمبلاط طلب من الفدائيين وقف إطلاق النار عبر الحدود بسبب التوترات، في مارس 1970 قُتل عشرة فدائيين بعد كمين أعده مقاتلون من الكتائب، يعني كانت بداية التوترات ما بين الطرفين، بعد ذلك على الساحة الأردنية كان هناك شيء آخر يتعلق بالفلسطينيين، بعد معركة الكرامة تحديداً في مارس 68 بدأت وفود من مئات الشباب من المقاتلين أو آلاف الشباب سواء الفلسطينيين أو العرب تفِد إلى منطقة.

شفيق الحوت: الأغوار في الأردن..

أحمد منصور: الأغوار في الأردن، وبدأت عملية تدريب ما بين الفلسطينيين وما بين الأردنيين، وكانت بعملية مبادرات من الفلسطينيين أنفسهم، حتى إن أبو إياد في كتابه "فلسطيني بلا هوية" يقول: إن حتى في.. في.. اتصلوا بيهم المخابرات الأردنية، فكانوا يعتبروا إن العلاقة مع المخابرات الأردنية هي جزء من الخيانة في ذلك الوقت عشان يدولهم بعض المعلومات أو شيء من هذا القبيل.

شفيق الحوت: بالضبط.

أحمد منصور: ما حدث في بداية السبعينات في لبنان كان حدث بعد 68 في الأردن، انتشر السلاح بين الفدائيين، الفدائي بدأ يحتك وبدأ يتحرش بالأردني، بدأت تحدث بعد الصدامات التي قادت إلى أحداث أيلول بعد ذلك، والتي أدت إلى ما أدت إليه، حيث..

شفيق الحوت: خرج الفلسطينيين..

أحمد منصور: خرج الفلسطينيين..

شفيق الحوت: من الأردن.

أحمد منصور: من الأردن، وكانت معركة جرش وعجلون في يوليو 71، كانت نهاية الوجود الفلسطيني تقريباً.

شفيق الحوت: هذا صحيح.

أحمد منصور: انتقل الفلسطينيين إلى لبنان، فيه نقطة معينة في اتفاقية القاهرة عايز استوضحها منك، وحضرتك ألمحت ليها إن الاتفاق كان بين منظمة التحرير وفتح، ليه..؟

شفيق الحوت: لأنه كمان من.. لغياب استراتيجية لبنانية في التعامل مع الفلسطيني كانوا يؤثرون في الشعبة الثانية، اللي هم من كانوا أصحاب الحل والربط في العلاقات الفلسطينية اللبنانية، أن يتعاملوا بالمفرق مش بالجملة، يعني أنا بأذكر كنت أذهب كممثل لمنظمة التحرير أبحث في موضوع معين ألاقي خارج من عند سامي الخطايب أو من عند جابي لحود ممثل فتح أو ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، يعني كان من..

أحمد منصور [مقاطعاً]: رغم إن المنظمة المفروض بتحوي كل هؤلاء تحت جناحها.

شفيق الحوت: مفروض.. مفروض.. هي ما كانتش يعني عملياً تحويهم تحت جناحها، ولكن كان من المفروض لو كنت أنا لبنانياً لآثرت التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية، وبدال ما شوف بتاع فتح أقول له لأ روح على المكتب بتاعك وابعت لي من يخول.. من تخوله المنظمة بالحديث معي حول مطالبك. كانوا يظنون إنه التعامل بالمفرق هو من مصلحة الدولة اللبنانية، وهذا ثبت الحقيقة خطأ هذا التقدير. المهم أخ أحمد في السبعين.. في السبعين منطق الأمور كان أن يكون الأردن هو ساحة ومرتكز للثورة الفلسطينية، أولاً لتكاثر.. لكثرة العدد الفلسطيني المقيم في.. في.. في الأردن.. في الشرق الأردني يعني، ولوجود الحد الطبيعي اللي ممكن أن ينطلق منه العمل الفدائي عبر نهر الأردن. للأسف.. للأسف لم يتم هذا الحلم، وحدثت 1970، واضطرت أن تنسحب منظمة التحرير وقوات فصائل الثورة المختلفة شمالاً.

أحمد منصور: جرش وعجلون.

شفيق الحوت: إلى جرش وعجلون، حيث تصدت لها القوات الأردنية، ويعني ضربتها ضرباً عنيفاً، وكان الجيش العراقي يتفرج، وأنا أذكر..

أحمد منصور: الجيش العراقي في الأردن..

شيق الحوت: نعم. أنا أذكر.. وأنا أذكر أنه يعني هنا مجال النقد الذاتي، وهذا كان موقفي منذ ذلك الحين، أولاً يعني كان.. كان من الممكن تلافي ما حدث في الأردن. قد لا يكون على المدى البعيد مستحيل، لأنه منطق الثورة ومنطق الدولة سيختلفا، ولكن كان من الممكن أن نتفادى هذا الحجم من الخسارة..

أحمد منصور: لا سيما عمليات الإبادة التي تمت في يوليو 71.

شفيق الحوت: مش معقول.. مش معقول هذا الذي جرى. فإخوتنا في القيادة في أغسطس.. أواسط أغسطس/ آب 1970 زاروا عبد الناصر في الإسكندرية، وكانت أيام مبادرة (روجرز) التي سبقت الإشارة إليها، وشرح له موقفه من قصة روجرز، وقال لهم بدي أبني حائط الصواريخ والقصة المعروفة، وأنتم من حقكم أن ترفضوا هذا المبادرة، لكن ليس من حقكم أن.. أن.. أن..

أحمد منصور: أبو إياد روى تفاصيل المقابلة في كتابه.

شفيق الحوت: آه نعم. ومما قاله عبد الناصر: طبعاً من حقكم أن.. أن تنتقدوا حتى النضال من أجل الاكتفاء بآثار العدوان وتطالبوا بتحرير كامل التراب، ولكن حتى تحرير كامل التراب لابد أن يبدأ بإزالة آثار العدوان.

أحمد منصور: لا لكن..

شفيق الحوت: وقال لهم.. وقال لهم، وكان الوضع قد توتر في الأردن، و.. يعني لاحت في الأفق إمكانية الاصطدام مع النظام الأردني، فقال لهم عبد الناصر أنا أحذركم، يعني أنا لا أُتهم -هو قال لهم- بإني يعني على علاقات.. على علاقات ود خاصة مع جمال عبد.. مع الملك حسين..

أحمد منصور: الملك حسين.

شفيق الحوت: ولنا في تاريخنا من الاشتباكات والمؤامرات والانقلابات الكثير، لكن أنا الآن لست مستعداً.. يعني هأبعت لكم فريق مظليين ينقذوكم في.. في.. في عمان وأنا مشغول بحرب الاستنزاف و.. وعندي سيناء محتلة، وعندي يعني وضع لا يسمح لي بأن أتحرك، فأرجوكم.. أرجوكم يعني أيه مطالبكم؟ قالوا له عاوزين حكومة وطنية، قال لهم أيش يعني حكومة وطنية، قالوا له عاوزين سليمان نابلسي قال لهم اسمعوا أقول لكم، كان علي صبري أظن رئيس وزراء في مصر في ذلك الحين، نادى وراه علي صبري، قال له أنت في البلد دي بتقدر تعمل حاجة بدون ما تسألني أو بدون رأيي؟ قال له أبداً يا أفندم، قال لهم رئيس الوزراء العربي في كل البلدان العربية يتبع رئيسه، فسواءً كان سليمان نابلسي أو غير سليمان نابلسي ما فيش هذا الفارق الكبير في هذه المرحلة، فأرجو أن تسيِّروا أموركم، وجاء الوفد ومرَّ على بيروت، والتقينا معهم، وحذرناهم مما قد يجري في الأردن، ودعا.. دعت القيادة إلى.. إلى مؤتمر استثنائي عقد في أواخر.. في 27 أغسطس/ آب 1970 في عمان، أنا بأذكر كان فيه وفد مصري مشارك في هذا المجلس الوطني مراقب بكى.. بكى محمود أمين العالم، بكى أحمد بهاء الدين، بكى كمال.. كامل زهيري بكوا مما سمعوه تجريحاً من بعض الإخوة في موقف مصر وفي جمال عبد الناصر، وهذه كانت يعني على.. إذا ما كانش خطأ استراتيجي فهو خطأ تكتيكي لأنه هذا جعل الكثير من الناس الذين كانوا يؤيدون الثورة في داخل الجيش الأردني لا يحتملوا أن يهاجم جمال عبد الناصر بهذا الشكل.

أحمد منصور: لأن أولاً..

شفيق الحوت: لا سيما وأن المخابرات الأردنية كانت تسعى دائماً إلى تشويه الصورة الفلسطينية مستغلةً سوء الأداء، كان فيه سوء أداء عند بعض الفلسطينيين في الأردن، كانوا يعني يقومون بأعمال شاذة.

أحمد منصور: ارتفعت وتيرته، لكن هنا أرجع للقاء عبد الناصر في يوليو مع عرفات وأبو إياد في اسكندرية، أبو إياد روى..

شفيق الحوت: ماذا قال: هل قال غير هذا الكلام؟

أحمد منصور: قال إن عبد الناصر في البداية فعلاً كما قلت يعني ضغط عليهم ضغط شديد، حتى إن هو قال لهم إن ممارستهم الحالية في الأغوار ممارسة غير واقعية، وقال لهم أنتو عايزين أيه؟ أنتوا عايزين دولة فلسطينية؟ وقال ما نصه يعني: إن دويلة في الضفة الغربية وغزة خير من لا شيء، يعني عبد الناصر أيضاً كان في تلك المرحلة بيرعى عملية التسوية مع إسرائيل..

شفيق الحوت: آه طبعاً.. طبعاً.. طبعاً.

أحمد منصور: وأن تقوم دويلة فلسطينية أو حتى أي شكل من أشكال وجود السلطة الفلسطينية..

شفيق الحوت: عبد الناصر كان رجل يعني خلافاً للصورة السائدة، يعني أنا هو أراد..

أحمد منصور: بالضبط، ما هو أصل الصورة السائدة..

شفيق الحوت: رجل.. رجل كمان عملي يعني عاقل، رجل عاقل.

أحمد منصور: الصورة السائدة وما قيل إن عبد الناصر قال هنرمي إسرائيل في البحر طلع إن كلام ليس له أصل ولم يقله أحد من مصر.

شفيق الحوت: كذب، ثم جيَّروه للشقيري، حملوه للشقيري مسؤولية هذه الجملة.

أحمد منصور: حتى إن.. أنت ذكرت في كتابك حتى هنا وهناك إن..

شفيق الحوت: هيكل عمل بحث حول..

أحمد منصور: إن عبدا لناصر كلف هيكل أن.. أن يقوم بعمل بحث يشوف من الذي قال هذه الكلمة، كأنه يتبرأ من هذا الشيء.

شفيق الحوت: صح.

أحمد منصور: ومعنى ذلك إن القبول بإسرائيل كان أمر محسوم في الحقيقة من عبد الناصر.

شفيق الحوت: وقد وصل هيكل إلى الحقيقة التالية إنه عبد الرحمن عزام باشا (أول أمين عام لجامعة الدول العربية) قال في الـ 47 - 48 إنه قالوا له يعني سألوه سؤال في سياق الحرب الإسرائيلية العربية في ذلك الحين قال: فليعودوا من حيث جاءوا إلى.. إلى.. إلى ديارهم، هذه كل ما يمكن أن يقال عن.. وسُمِّي برمي اليهود في البحر.

أحمد منصور: طيب أنا عايز أسألك بشكل من التجرد قبل أن أنتقل إلى انتقال القيادة إلى لبنان. أنا بس عايز أرجع لشيء تاريخي سريع هنا: إن في يوليو 1968 تم تعديل ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية في الميثاق الوطني والنظام الأساسي، وتضمن أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد المؤدي إلى تحرير فلسطين، ما كانتش موجودة في الميثاق السابق.

شفيق الحوت: أي نعم.

أحمد منصور: كان ياسر عرفات ناطق رسمي باسم حركة فتح، وفي فبراير 1969 في الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني تم اختيار أو انتخاب ياسر عرفات رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية..

شفيق الحوت: يعني هذه بداية..

أحمد منصور: معنى ذلك إن فتح ركبت على المنظمة.

شفيق الحوت: بداية العبث بمنظمة التحرير الفلسطينية بأعتقد، بدأ بتعديل ما كنا نسميه الميثاق القومي، يعني في عهد الشقيري الوثائق التي صدرت عن المؤتمر التأسيسي النظام الأساسي والمثياق القومي، الذي أصبح سنة 68 يسمى الميثاق الوطني، ولو قارنت بين الميثاقين لاستشعرت الصراع بين التيارين الفلسطينيين داخل منظمة التحرير التيار القومي والتيار الوطني.

[فاصل إعلاني]

تميُّز عرفات واختياره رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية

أحمد منصور: كان أيه تأثير اختيار عرفات رئيس للمنظمة في 69؟

شفيق الحوت: كان يستحيل أن ننتخب إنسان غيره، كان ياسر عرفات أصبح ينافس عبد الناصر في ذلك الحين.. في شعبيته بعد الهزيمة التي أصابت الأنظمة العربية، الرجل الذي قال (لا) لما قبلت به سوريا ومصر والأردن وما وافقوا عليه ضمناً في مؤتمر قمة الخرطوم والقرار 242، قال (لا) وخاض المعركة في 68 في الكرامة، وأصبح يعني القبلة التي.. القبلة التي يتطلع إليها الشباب الفلسطيني والجماهير الفلسطينية في جميع..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أيه المقومات اللي كان بيملكها ياسر عرفات في ذلك الوقت؟

شفيق الحوت: هذا.. هذا الموقف، الموقف السياسي، أولاً أنه فلسطيني، ولفلسطين يعني قدسية ويخطئ بعض القادة الفلسطينيين يظنوا إن الناس بيحبوهم هم لشخصهم بينما هو الحب الحقيقي هو..

أحمد منصور: بالضبط، وبعدين معركة الكرامة فُرِضت على الفلسطينيين لم يخضها عرفات..

شفيق الحوت: فرضت.

أحمد منصور: وعرفات يعني هو حقق مكاسبها أو.. أو جنى مكاسبها السياسية..

شفيق الحوت: شاطر.. ياسر عرفات رجل شاطر، رجل يعني لم.. لم يضع دقيقة من..

أحمد منصور: يعني نجح في اقتناص الفرص بشكل..

شفيق الحوت: ما فيه شك، ما فيه شك، وبتعرف يعني..

أحمد منصور: دي بعقليته، أم كان حواليه مستشارين أيضاً بيساعدوه؟

شفيق الحوت: لا بأعتقد هو متميز عن.. هو.. هو الأول.. هو الأول، يعني..

أحمد منصور: أنت مختلف معاه طبعاً ولك عليه ملاحظات كثيرة، لكن أيضاً..

شفيق الحوت: آه، وبتعرف بعد..

أحمد منصور: يعني رسم صورة له من خلال علاقتك الطويلة به.

شفيق الحوت: يعني ميزته.. يعني فيه.. فيه ميزة للزعيم إنه قد أيش بيختلف عن الآخرين، مما يجعله متميزاً كزعيماً، أبو عمار ميزته قد أيش بيشبه الناس لدرجة يعني البساطة، يعني ما يهيج الناس بيهيج ياسر عرفات وبيخليه يتخذ مواقف مماثلة، يعني تصور ياسر عرفات مشّى موضوع، أنا ما كنتش.. وأنا كنت مناضل زيه بكل تواضع يحمل بندقية ويمشي بالشوارع، زعيم ثورة بيحمل بندقية وبيمشي بالشوارع، لكن هذه كانت تروق للناس إنه أبو عمار لا يدخل الأمم المتحدة ويعمل قصة طويلة عريضة إنه..

أحمد منصور: سلاحه..

شفيق الحوت: بيدخل بالمسدس أو لا يدخل بالمسدس، وعملها قصة ولغز حتى الآن ولا يعرف الناس الحقيقة إذا كان دخل بالمسدس أو غير مسدس وقال إنه بيقول للبعض إنه أنتم شوفتوا بيت المسدس، هل كان هنالك فيه مسدس أو لم يكن هنالك مسدس؟ أو ياسر عرفات رجل علاقات عامة في حق ذاته ممتاز، يعني..

أحمد منصور[مقاطعاً]: يعني صنع لنفسه زعامة واستطاع أن يفهم نبض الناس وأن يدق على هذه الأوتار.

شفيق الحوت: هذا واحد، و2، و2: كان من الذكاء ما قطع شعرة معاوية معاوية مع الحكام العرب، يعني استطاع لفترة وبالآخر ادَّركب، يعني كان يمشي بالثورة الفلسطينية بفتح كالقطار على خطين سكة حديد خط الأنظمة وخط الجماهير، يعني كان يستضيف الفكهاني في لبنان معظم المعارضين للأنظمة العربية.

أحمد منصور: جمهورية الفكهاني سنة..

شفيق الحوت: جمهورية الفكهاني في جميع أنحاء العالم من مصر، السودان، موريتانيا، من جميع أنواعه، كل واحد غضبان مع ملك يجي عند ياسر عرفات.

أحمد منصور: زعلان بيطلع على ياسر عرفات.

شفيق الحوت: يروح لياسر عرفات تاني يوم يكون في عاصمة هذا الملك أو هذا الرئيس وبيكلمه يعني وإنه يعني الأمور زي ما أنت عارف والحكاية وأنا الله يكون بالعون، يعني رجل.. رجل سياسي (...) بارع.

أحمد منصور: أنا هآتي معاك يعني تباعاً لمراحل شخصية عرفات ولممارساته، ولكن أنا أقصد هنا في 69، هل في هذه المرحلة أيضاً بدأت فتح بالهيمنة على المنظمة؟

شفيق الحوت: منذ أن تسلم ياسر عرفات قيادة منظمة التحرير أو رئاسة منظمة التحرير.

أحمد منصور: في فبراير 69.

شفيق الحوت: في 69، هيمن عليها وازداد نفوذه في فتح.

أحمد منصور:آه الاتنين، يعني حقق مكاسب مزدوجة.

شفيق الحوت: لأنه.. لأنه عندما أصبح رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية أصبح جيش التحرير بإمرته، دوائر التنظيم الشعبي بإمرته، الدوائر السياسي بأمرته، يعني لو أراد أحد أن يشق عصا الطاعة في فتح فعنده جهاز رديف..

أحمد منصور: ودي حصلت، بعدين هو تعامل حتى أبو إياد وغيره كل واحد كان..

شفيق الحوت: والعكس كان.. وكذلك العكس، يعني عندما كنا نقوم أحياناً في منظمة التحرير ونحاول إنه نضبطه مالياً، طول عمر أبو عمار فوضوي في المال، إحنا كان عندنا في منظمة التحرير شيء اسمه الصندوق القومي الفلسطيني، أنا بأعتقد من أشرف ومن أنزه ومن أضبط المؤسسات المالية في الوطن العربي.

أحمد منصور: الآن بعد فبراير 69 خلاص المنظمة أُسِّس هنا حتى في لبنان ما يسمى باللجنة السياسية العليا للفلسطينيين بقيادة أبو يوسف النجار، دي أثرت على وضعك أنت..

شفيق الحوت: دي أسخف.. أسخف لجنة شهدتها منظمة التحرير الفلسطينية وحركة المقاومة، أولاً أبو يوسف النجار تشاء الأقدار -رحمه الله- أن يكون صديقاً تاريخياً، يعني صديق عائلة، فلم يكن بيني وبينه من خصام أو خلاف، لكن واقع الأمر، واقع الأمر -وأقولها للأسف يعني- أن المنظمات الفلسطينية لم تكن مش راضية عن وجودي كممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية وإنما كان كل تنظيم يطمح في أن يكون ممثله هو الموجود على رأس المكتب في..

أحمد منصور: هنا..

شفيق الحوت: في بيروت، بدليل إنه ما اخترعوش لجنة سياسية عليا في دمشق ولا في عمان ولا في القاهرة ولا في أي مكان آخر، إنما هذا يعني شفيق الحوت كان يبدو لهم إنه مستقل أكثر من اللازم..

أحمد منصور: ما أنت مش فتحاوي .. مش فتحاوي.

شفيق الحوت: مش فتحاوي، كما كنت يعني معتزاً أقول: لا أتبع تنظيماً ولا أتبع نظاماً.

أحمد منصور: أنت لم تكن تملك قوة عسكرية تدعم بها وضعك، لم تكن تملك تنظيم تتقوى به، كيف كانت التنظيمات المختلفة تتعامل معك؟

شفيق الحوت: كانت أولاً يعني خلافهم كان رحمة فيَّ.. طب أقول لك حاجة: أنا استقلت في الـ 93 من اللجنة التنفيذية وكرئيس لمكتب منظمة التحرير في لبنان، حتى الآن لم يتفقوا على تعيين بديل، أنا الآن ممثل واقعي De facto زي ما بيقولوا يعني في بعض الإجراءات لابد من توقيعي عليها كممثل وحيد تعترف به الحكومة اللبنانية وعرفات طبعاً لم يقبل استقالتي حتى هذه اللحظة.

تقييم شفيق الحوت للأداء الفلسطيني في الأردن وأحداث أيلول

أحمد منصور: لو رجعت إلى أحراش الأردن وما وقع في العام 70 ما ذكرنا مقدمات له وما سوف يحدث ما يشبهه في لبنان بعد ذلك، كيف تقيِّم الأداء الفلسطيني في الأردن وأحداث أيلول وما بعدها في يوليو 71؟

شفيق الحوت: يعني للأسف يعني أحداث أيلول كان يجب أن نعتبر بها أو منها كثيراً، يعني زي ما قلت أنا الثورة الفلسطينية لم تأتِ بنظرية، جاءت بعفوية المستميت لتحرير وطنه والعودة إليه، ما عندوش نظرية متكاملة، ما عنده استراتيجية، كان ردود فعل هي التي تقود العمل الفلسطيني، ما جرى في الأردن كان يعني يستدعي منا وقفة طويلة عريضة لمراجعة سياستنا، أقول هذا بما في ذلك فتح ولا سيما فتح والعمل الفدائي كله من الـ 65 للسبعين ما هي خبرة 7، 5 سنوات ماذا استفدنا؟ ماذا...

أحمد منصور: لم يحدث عملية تقويم؟

شفيق الحوت: حدثت يعني فردياً، ولكنها لم تعكس نفسها مادياً، يعني قيلت كرفع عتب، يعني مثلاً الأخطاء دا في عمان في الأداء البشري العادي اليومي، مضايقة الناس في بعض مرافق حياتها، يعني أنا مرة سائق سيارة كنت في زيارة لعمان فدائي أقسم لك بالله أوصلني إلى الأوتيل ولم يمر بشارع إلا مخالف للسير، بده يفتح لي الطريق يعني.. يعني كبت وانفجر عند الأخ الفلسطيني، فهذه لم.. لم نُعرها كما تستحق وكما انكشفت فيما بعد في لبنان، يعني كان هذا الدرس عمان كان يجب أن يعطينا حكمة الإقامة في لبنان و عدم الاصطدام.

اثنين: من العبر إنه.. إنه العربي ممكن يقتل العربي وممكن يصطدم معه، ما كانتش هتخطر على البال في الماضي، إنه جيش عربي يضرب ويضرب فدائي ضرب، صار للأسف فيعني ما كان يبدو خيالاً ووهماً صار حقيقة علينا كان أن نضعها في حساباتنا ونحن نتحرك إلى مرتكز ثوري آخر، كان علينا أن نعي أن منطق الثورة ومنطق الدولة لا يلتقيان ونحن يعني نغامر باستراتيجية تهدد وجودنا أو تهدد باصطدام مع الدولة المضيفة أي دول عربية مهما طال الزمن، وهذا يتطلب نوع من الحنكة ومن التعامل الذي يمد بعمرك على الأقل إلى أقصى مدى حتى تغير الظروف الموضوعية المحيطة بك، فنظرية حتى التحرير.. تحرير الوطن من خارج الحدود كانت تستحق وقفة ولم نقف عندها.

فيعني هنالك عدد من العبر التي في واقع الأمر لم نستفد منها.

شيء آخر بأحب أقوله وهو يعني كيف تسير الأمور بعض المرات مغاير للطبيعة.. لطبيعة الأمور، بعض المرات يعني بتعرف في تلك الفترة كانت الثورة الفيتنامية هي الرائدة في العالم، و(الفيتكوم) والعلاقة مع فيتنام الشمالية.. مع (هانوي)، وكانت هانوي كلنا كنا نبحث نحن الفلسطينيين عن هانوي العربي، أين هانوي الفلسطيني؟ طب بعد عمَّان أنا في قناعتي وقناعة أي إنسان عاقل إنه إذا فيه هانوي في المنطقة فهي دمشق، أما بيروت.. بيروت كانت أقرب إلى (سايجون)، بيروت البلد اللي سياسته تقوم على اللا سياسة وقوتنا في ضعفنا وعلاقاتنا مع الغرب وعدم وجود جيش ويعني بلد مسالم...

أحمد منصور: في الحلقة القادمة أبدأ معك من اختيار بيروت مقر للمقاومة الفلسطينية بعد أحداث أيلول في الأردن أشكرك شكراً جزيلاً، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم في الحلقة القادمة -إن شاء الله- نواصل الاستماع إلى شهادة الأستاذ شفيق الحوت (أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية وممثلها في لبنان).

في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، و هذا أحمد منصور يحييكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة