الحكمة وتطبيقاتها في الإسلام   
الاثنين 18/12/1429 هـ - الموافق 15/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:50 (مكة المكرمة)، 11:50 (غرينتش)

- معاني الحكمة ومنبعها وأصحابها
- تطبيقات الحكمة في مجال الدعوة والتعامل مع الحاكم

- مصادر الحكمة وكيفية تعلمها وموانعها

- شرح بعض الحكم العطائية

عثمان عثمان
عبد الفتاح البزم
عثمان عثمان:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحييكم مشاهدينا الكرام وأرحب بكم إلى حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله في كتابه العزيز {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا..} [البقرة: 269] من معاني الحكمة أنها دهشة العقل إزاء معنى الوجود وأسرار الموجودات كما أن البحث عن الحكمة هو من الحكمة نفسها والحكمة تفيض على الوجود والموجودات معا بألوان من المعاني والأسرار ولا تختص بالأنبياء وإن كانت إحدى وظائف النبوة، فالله تعالى أورث الحكمة آدم وبنيه فالرجل الكامل من له إرث كامل من أبيه والحكمة العملية على درجات كما نقل الإمام ابن القيم فالدرجة الأولى أن تعطي كل شيء حقه ولا تعديه حده ولا تؤجله عن وقته ولا تؤخره عنه، الدرجة الثانية أن تشهد نظر الله في وعده وتعرف عدله في حكمه وتلحظ بره في منعه، الدرجة الثالثة أن تبلغ في استدلالك البصيرة وفي إرشادك الحقيقة وفي إشاراتك الغاية. الحكمة وكيف نتعملها موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الشيخ الدكتور عبد الفتاح البزم مفتي دمش، مرحبا بكم فضيلة الشيخ.

عبد الفتاح البزم: أهلا وسهلا ومرحبا.

معاني الحكمة ومنبعها وأصحابها

عثمان عثمان: بداية، مفردة الحكمة جاءت في مواضع عدة من القرآن الكريم وفي معظمها يأتي الكلام عن أن الحكمة من الله عز وجل، يؤتي الحكمة من يشاء، ما معنى أن تكون هذه الحكمة من الله عز وجل؟

عبد الفتاح البزم: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد، لا شك على وجه التحقيق أن كل عطاء هو من الله جل وعلا حتى الأفعال الكسبية التي تجري على يد أي مخلوق وعلى يد الإنسان بالذات إنما خلقها الله سبحانه وتعالى والحكمة من الصفات الكاملة التي.. صفة من الصفات التي يمن الله سبحانه وتعالى على بعض عباده بها، والآية كما تلوتم صريحة وواضحة أن الله سبحانه وتعالى يؤتي هذه الحكمة من يشاء من عباده، كما أن نعمة الإيمان في الأصل هي عطاء من الله جل وعلا أن يشرح صدره للإيمان ولو كان الإيمان على حسب التفكير السليم والعقل السديد كان ينبغي أن يكون كل عاقل مؤمن لأنه بعقله السليم يدرك هذا الشيء ولكن صدره لم يشرح للإيمان ولم ييسر إلى ذلك،كل ميسر لما خلق له، فالحكمة عطاء من الله محض وفضل من الله محض ولكن هذا الإنسان الذي أوتي هذه الحكمة أو هذا العطاء من الله ينميها بتوفيق من الله سبحانه وتعالى على مدى العمر بكثرة التجارب بالنظر الدقيق بالأصل التفقه في الدين والفقه عندما يطلب قد يظن أحكام معينة، ولعل الإمام أبا حنيفة رحمه الله لخص القضية فقال، معرفة نفسي ما لها وما عليها، ولن يكون إنسان حكيما إذا لم يوفق إلى هذه المعرفة أن يعرف ما له فيؤديه بإحسان وأن يعرف ما عليه فيطالب به بالمعروف، يعني يتراوح بين الإحسان والمعروف عطاء ومطالبة، وهذه الحكمة التي يوفق الله سبحانه وتعالى بعض من عباده إليها تجري على تصرفات هذا الإنسان وفيما بيننا كبشر نصف إنسان فلان كان حكيما في هذه المسألة فلان أوتي الحكمة ويتصرف دائما بحكمة، ولعل مجامع التعريف لها المختصر المفيد وضع الشيء في محله سواء كان كلمة أو تصرف أو موقف وضع الشيء في محله هو من الحكمة التي يوفق الله سبحانه وتعالى إليها عبده.

عثمان عثمان: طبعا فضيلة الدكتور يعني تحدثتم بشكل مجمل عن موضوع الحكمة، شملتم الأنبياء وغير الأنبياء، هل هناك خصوصية للأنبياء في هذا الموضوع ولغيرهم أيضا؟

عبد الفتاح البزم: لا، ممكن تكون هذه الصفة لغير الأنبياء، الأنبياء لهم صفات معينة، صفات كمال نسبي، الكمال المطلق لله سبحانه وتعالى ثم الأنبياء والرسل لهم الكمال النسبي ثم فضلوا على سائر البشر للعصمة التي رزقهم الله سبحانه وتعالى ولذلك قالوا لما بيكون في بعض عباد الله وليس أنبياء ولا رسلا موفقين في أعمالهم نقول هذا حفظ من الله لهم فمرتبة العصمة للأنبياء وللرسل، صفات الكمال النسبي للأنبياء والرسل قد يشارك في بعض هذه الصفات في مرتبة أدنى عامة المؤمنين ولا يجمع هذه الصفات كلها ما جمع الله على قلب نبي من أنبيائه أو رسول من رسله، فممكن يكون رجل ليس بنبي وليس برسول ولكنه أوتي الحكمة والآية الكريمة أطلقت هذا العطاء، الله يؤتي الحكمة من يشاء، فالحكمة ليست مختصة بالنبوة أو بالرسالة..

عثمان عثمان (مقاطعا): إنما هي شاملة.

عبد الفتاح البزم (متابعا): نعم، شاملة للأنبياء والرسل وغيرهم، وحتى الرسالة والنبوة يعني مرتبة النبوة والرسالة كما قال صاحب الجوهرة لم تكن نبوة مكتسبة هذه عطاء محض من الله جعل بعض من خلقه أنبياء وبعض منهم رسلا ولو قسناهم بأعداد البشرية من لدن آدم عليه الصلاة والسلام إلى خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لكان عددهم قليلا جدا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طبعا الحكمة هي من مهمة الأنبياء أن يعلموها للبشر {..ويعلمهم الكتاب والحكمة..}[البقرة:129] كيف يكون هذا التعليم؟

عبد الفتاح البزم: بعض المفسرين ذكروا {..ويعلمهم الكتاب والحكمة..} حصروها بالسنة الشريفة، سنة النبي عليه الصلاة والسلام ومعلومك مصادر التشريع القرآن أولا كتاب الله ثم الهدي النبوي، ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهناك من أطلق ليس فقط السنة المطهرة لأن بعض النصوص تفيد مع وجود السنة وجود الحكمة، التعلم لا شك أولا قلنا أصل الإيتاء من الله سبحانه وتعالى ولكن تنمو هذه الحكمة عند الإنسان بالتجربة بالتزود من الحكماء بمجالسة العلماء بمجالسة الحكماء، كما إن المطر نبت الأرض الجدباء فإن مجالسة الحكماء ومجالسة العلماء تفجر عند الرجل عند المؤمن الطاقات وتعلمه الأساليب ويكتسب هذه الحكمة بهذا التلقي وبصدق الطلب وبصدق المجالسة لأستاذه أو لمعلمه أو لمسلكه أو لمؤدبه فلا شك أنها تنمو مع التجربة ومع مجالسة العلماء والحكماء.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ذكرتم فيما ذكرتم أن الحكمة تعني فيما تعني السنة النبوية المطهرة وهذا ما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله ولكن البعض يقول إن سياقات الآيات القرآنية لا تساعد على ذلك ولا تسعف في ذلك أيضا باعتبار أن القرآن قرن الحكمة مع الكتاب، جعلها وصفا لبعض الأنبياء والصالحين، كيف تفسرون ذلك؟

عبد الفتاح البزم: هذا الكلام لسيدنا الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، أولا يحتاج إلى تدقيق هل نقل عن الإمام الشافعي بدقة ويحتاج إلى معرفة المناسبة التي قال بها الإمام هذا التعريف فقد تكون المناسبة لجزئية معينة، أخذ النصوص دائما حتى النصوص الشرعية على الإطلاق دون أن نعرف مقتضيات هذه العبارة أو هذا النص ثم أيضا نحملها مقارنة مع النصوص الأخرى يعني هذا الإطلاق يحتاج إلى شيء من التدقيق، الإمام الشافعي مشهود له في علمه في تقواه في ورعه حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى في حداثة السن، قال ابن السابعة حفظ كتاب الله وهو ابن السابعة ثم كان من أحد الأئمة الأربعة الموثوقين فعندما قال هي السنة المطهرة عله يريد في تفسير نص بعينه أو آية بعينها ولكن الحكمة ليست مقتصرة على سنة النبي صلى الله عليه وسلم وقد تبلغ الأوج عند كلام النبي عليه الصلاة والسلام الذي أوتي جوامع الكلم، وكما نعلم جميعا السنة ليست كلام النبي عليه الصلاة والسلام فقط..

عثمان عثمان (مقاطعا): {إن هو إلا وحي يوحى}[النجم:4].

عبد الفتاح البزم: أيضا، الوحي يوحى هو كلام الله، إنما أفعاله عليه الصلاة والسلام إقراره كلامه لا ينطق عن الهوى، فكلامه سنة إقراره سنة أفعاله سنة، رأى أحد من الصحابة تصرف تصرفا معينا فأقره عليه اعتبر هذا من السنة المطهرة، فالحكمة جامعة إلى جميع تصرفات وأقوال النبي عليه الصلاة والسلام وإلى من بعده ولو كانت بدرجة أدنى إلى العلماء العاملين والعلماء الذين رزقهم الله فكانوا من حكماء الأمة يأخذون بيد الأمة إلى الارتقاء وإلى ما فيه خيرهم في الدين والدنيا معا.

عثمان عثمان: طبعا الإمام الشافعي ذكر هذا الكلام في كتابه الرسالة وقد شرح أيضا هذا المعنى بعض التابعين مثل قتادة وغيره..

عبد الفتاح البزم: نعم، نعم وعمموا.

عثمان عثمان: نعم، فضيلة الدكتور هناك أيضا معنى آخر للحكمة وهو بالفلسفة يعني منه جاء كتاب ابن رشد الشهير "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، كيف نوضح ذلك؟

الحكمة مقيدة بالفلسفة والفلاسفة لهم مذاهب متباينة وقد يصل في بعض الأحيان إلى الشطط ولذلك لا بد من قيدها بوضع الشيء في مكانه
عبد الفتاح البزم:
كمان أن نجعل الحكمة مقيدة بالفلسفة والفلاسفة لهم مذاهب متباينة وقد يصل بعض الأحيان إلى الشطط ولذلك لا بد من قيدها في وضع الشيء في مكانه ومن وضع الشيء في المكان للمؤمن أن يبقى مع الأحكام الشرعية بعد ثبوت حكم من الأحكام الشرعية لا يستطيع مؤمن أن يتجاوز هذه الأحكام طالما هي ثابتة فأن نبقي الباب مفتوحا على مصراعيه وقد نخرج فيه عن الطريق المنهج القويم فهنا ينبغي أن تبقى الحكمة مسيجة بسياج أحكامنا الشرعية طالما نحن نضعها في سياق الدين وفي سياق النصوص.

عثمان عثمان: ذكرنا طبعا في سياق الحديث تحدثتم عن أن الحكمة قد تكون وهبية أو كسبية لو أردنا أن ندخل في عمق هذا الموضوع أكثر كيف نفصل فيه؟

عبد الفتاح البزم: في الأصل بدها تكون كسبية من الله سبحانه وتعالى، عطاء..

عثمان عثمان: هبة من الله عز وجل.

عبد الفتاح البزم: هبة نعم، نعم، هبة أريد أن تكون هبة من الله سبحانه وتعالى ثم هو ينمي بازدياد العلم بازدياد المعرفة بازدياد تجارب واقع الحياة، كل هذا ينمي هذه، كل صفة ليست الحكمة فحسب.

عثمان عثمان: يعني هل الحكمة هي مخصوصة فقط بالأنبياء والصالحين ولنقل الآن هل هي خاصة بالمسلمين أم يمكن لغير المسلم أن يكون حكيما أيضا؟

عبد الفتاح البزم: هي عند كل عاقل أن يستعمل عقله السديد في المنهج القويم، ليست الحكمة فقط يعني كما تفضلت مقصورة نحطها عند المسلم أو عند المؤمن أو عند الملتزم من المؤمنين، هناك من نجد في التزامه ملاحظات ولكن عنده الرأي السديد، شوف هلق لما النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح يقول "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، التفقه علم، في رواية لهذا الحديث، "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.." -والواو تقتضي المغايرة- "..ويلهمه رشده". هناك عالم، هناك عاقل وبعض الحكماء قال وبعض العلماء درهم علم يحتاج إلى قنطار عقل فمن كان علمه أكثر من عقله قد يعود عليه بالوبال وعلى الآخرين ومن أوتي العقل الراشد والحكمة البالغة مع العلم الجم تسيج هذا العلم بالحكمة، من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويلهمه رشده، يكون صاحب عقل سديد ورأي سديد ونظر بعيد فلا يصدر مع هذا العلم عن غوغائية ولا عن تصرف عشوائي يبقى حكيما ليضع الشيء في محله وهذا يعد من توفيق الله لعبد أن يجري الخير على يديه وأن يبقى دائما أقرب إلى الصواب منه إلى الخطأ ولا ينفى الخطأ عن أحد، كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.

عثمان عثمان: إذاً لعل من معاني الحكمة وضع الشيء في مكانه أيضا. فضيلة الدكتور يعني طبعا الحكمة ضرورية في الحياة والالتزام بها ضروري أيضا ولكن ما هي مجالات تطبيق هذه الحكمة وإنزالها على أرض الواقع؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة، فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.


[فاصل إعلاني]

تطبيقات الحكمة في مجال الدعوة والتعامل مع الحاكم

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الشيخ الدكتور عبد الفتاح البزم مفتي دمشق والتي نتحدث فيها عن الحكمة وكيف نتعلمها. فضيلة الدكتور رب العالمين يقول {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة..}[النحل:125] ما هي تطبيقات الحكمة في مجال الدعوة وكيف تكون؟

عبد الفتاح البزم: الحقيقة المنهج القويم هو منهج النبي عليه الصلاة والسلام، هو الرسول الذي جمع صفات الكمال -كما قلنا قبل قليل- النسبي وأدى الرسالة ونصح الأمة وبلغ الرسالة على أكمل وجه فهو الأستاذ الأول لنا معشر المسلمين في تطبيق قوله تعالى الذي أنزل عليه وأمر به عليه الصلاة والسلام {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن..} لذلك أنا دائما أقول قراءة السيرة النبوية قراءة تدبر وقراءة منهجية لا من أجل أن أطلع على معلومات أو أن أحفظ معلومات وأحداثا بل من أجل أن تكون منهج حياة، فكما أن القرآن الكريم نقرأه تدبرا ليكون دستور حياتنا فالسنة المطهرة تقرأ على أن تكون منهج حياة، فإذا قرأنا واقع النبي عليه الصلاة والسلام والمراحل التي مرت بها الدعوة الإسلامية هي منهجنا في الدعوة إلى الله سبحانه.

عثمان عثمان: كيف تعلمنا السيرة النبوية ممارسة الحكمة في دعوتنا إلى الله عز وجل؟

عبد الفتاح البزم: من واقع، من واقعات التي عاشها عليه الصلاة والسلام وهي كثيرة، كيف كان يقابل الإساءة بإحسان، كيف كان يقابل الجاهل بحكمته ورشاده وحلمه، وكما تعلم ذلك اليهودي الذي أراد أن يمتحن هو ما فعل إلا امتحانا أنه هل هو النبي المحدث عنه والذي حدثهم التوراة عن مجيئه عليه الصلاة والسلام كان من صفاته أن يغلب حلمه غضبه وأتى إلى النبي وأخذ بتلابيبه فماذا كان من النبي عليه الصلاة والسلام؟، الآخر الذي جاء الأقرع بن حابس وتحدث بأمر السيدة عائشة كلاما قد يزعج الآخرين فكان من النبي عليه الصلاة والسلام أن وصفه بأنه أحمق بطاء ولم يقابله بحمقه إنما قابله عليه الصلاة والسلام بأناته وحلمه وأخلاقه التي وصفه الله بها والله خير من وصف {وإنك لعلى خلق عظيم}[القلم:4] لعلى خلق عظيم، استعلاء مجازي كأنه تربع على عرش الأخلاق. من ثمرات هذه الحكمة هذا الخلق الذي يستبين عند الإنسان عندما يعامل الجهلاء أو عندما تفرض عليه مواقف من أناس جهلة أو من أناس معتدين أو من أناس غاشمين فيقابل ذلك بالحكمة ويؤدي واجب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالكلمة الطيبة، وشوف ربنا لما قال {..إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه..}[فاطر:10] بدأ بصعود الكلم الطيب لما يترك من آثار، أصل الدعوة هي توصيل هذه الأفكار وهذه الأحكام بدءا بالعقيدة ثم العبادة ثم ثمرة العقيدة والعبادة الأخلاق والتعامل بطريقة توصل إلى الآخرين هذه الأفكار، ومعلومكم كل يخاطب، أمرت أن أخاطب الناس على حسب عقولهم، على حسب استعدادهم، من الحكمة أن أخاطب هذا المجتمع أو هذا الفرد بخطاب يختلف عن فرد آخر أو مجتمع آخر، لا بد من دراسة من أوجه له الدعوة قبل أن أوجه حتى تسلك إلى قلبه دون استئذان، مثل ما قالوا الكلام، من الحكم، من الحكم بيقول الكلام يخرج على لسان صاحبه وعليه كسوة القلب الذي خرج منه فإذا خرج من قلب صادق نابض بالإيمان نابض بالإخلاص لله تعالى وصل هذا الكلام للآخرين دون استئذان..

عثمان عثمان (مقاطعا): على كل فضيلة الدكتور قبل أن ندخل إلى تطبيقات هذه الحكمة دعنا نأخذ اتصالا من الدكتور طه العلواني أستاذ في أصول الفقه، مرحبا بك دكتور.

طه العلواني/ أستاذ في أصول الفقه: مرحبا بك أخ عثمان، أهلا وسهلا.

عثمان عثمان: حياك الله، الحكمة وردت في القرآن الكريم في آيات كثيرة فضيلة الدكتور، ما دلالة ورود الحكمة في القرآن الكريم؟

طه العلواني: وردت الحكمة في القرآن الكريم بسياقات مختلفة من هذه السياقات قوله تعالى {ولقد آتينا لقمان الحكمة..}[لقمان:12] وفسرت بأنها قدرة أو ملكة آتاها الله لقمان يصيب بها الحق بعلم أو عقل، وجاءت في سياق وصف الله سبحانه وتعالى بأنه حكيم، فالحكمة من الله العلم بالأشياء وإيجادها على غاية الإتقان والإحكام، والحكمة من الإنسان إذا وردت ووصف الإنسان بها معرفة الموجودات وفعل الخيرات يعني قدرة أيضا وطاقة على معرفة الموجودات وقدرة على فعل الخيرات، {..ويعلمهم الكتاب والحكمة..}، الحكمة في تطبيق الكتاب، في تفعيله في الواقع، في تنزيله على مشكلات الناس {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة..}[الأحزاب:34] يعني رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يتلو عليهم وعليهن أيضا آيات الله سبحانه وتعالى ويعلم كيفية فهمه وكيفية تأويله وتطبيقه وتفعيله في واقع يعيش فيه الناس لتتحقق التذكية، فمن آيات الله والحكمة هي علم القرآن سبحانه وتعالى، علم مراده، مقاصده، كيفية تفعيله في الواقع الذي يعيشه الناس، فمن هنا أخذت الحكمة في سياقات مختلفة معاني ومنها {..ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا..} وهذه قيل إن المراد بها الحكمة في وضع المال والنعم والطيبات مواضعها لكي تؤتي أكلها ولكي يستفيد الإنسان بها الاستفادة المطلوبة، من هنا فإن الحكمة أصبحت مفهوما ومظلة لمجموعة واسعة وكبيرة من المعاني يوصف بها الله سبحانه وتعالى ويوصف بها الكتاب الكريم ويوصف بها النبي ويوصف بها الناس العاديون وتأتي في كل سياق بمعنى ومفهوم. وأما تفسير الإمام الشافعي رضي الله عنه الحكمة بأنها السنة فأظنه نحا في هذا المنحى التفسير باللازم يعني يلزم من فهم السنة معرفة مراد القرآن ومقاصده وكلياته وكيفية تفعيله في الواقع لتحدث عملية التذكية، فالحكمة مفهوم واسع ومفهوم متشعب..

عثمان عثمان (مقاطعا): فعلا فضيلة الدكتور الحكمة مفهوم واسع ومفهوم متشع، أشكرك فضيلة الدكتور طه العلواني على هذه المداخلة. فضيلة الدكتور بالعودة من المعاني إلى التطبيقات البعض ربما يتزلف إلى الحكام إلى الحكومات من باب الحكمة وفي حقيقة الأمر هو يريد أمورا دنيوية خاصة..

عبد الفتاح البزم (مقاطعا): ما أظن أن التزلف حكمة.

عثمان عثمان (متابعا): أنا أريد أن أسأل هنا ما الحد الفاصل بين الحكمة فعلا في التعاطي مع ولاة الأمر أو مع الحكام وبين التزلف من أجل مصالح دنيوية؟

التزلف ليس من الحكمة، لكن من الحكمة أن يحسن التعامل مع حاكم أو مع من يرجع الأمر إليه حتى يأخذ بيده إلى ما فيه صلاح الأمة
عبد الفتاح البزم:
التزلف ليس من الحكمة، لكن من الحكمة أن يحسن التعامل مع حاكم أو مع من يرجع الأمر إليه حتى يأخذ بيده إلى ما فيه صلاح الأمة، ولو نظرنا إلى تاريخنا نجد أن النوعين توفرا، هناك من استعمل علمه أو جاهه أو مكانته بطريق التزلف إلى مصالح رخيصة قد تكون شخصية أو ترجع بالنفع على مجموعة معينة وهناك من سما بعلمه وراقب الله سبحانه وتعالى فكان عندما يصل إلى الحاكم أو إلى السلطان ينصحه ويأخذ بيده إلى ما فيه خير البلاد والعباد ليعود على الجميع بالخير، فليس كما يتصور البعض الاقتراب من الحاكم أمر يعني مذموم، إذا اقترب وهو يحقق الصالح العام ويذكر ويأخذ بيده إلى ما فيه خيره، كان ناصحا لنفسه وللحكام وللأمة، والابتعاد خطأ كبير ينبغي أن لا يبتعد أهل العلم وأهل التزكية وأهل الفضل عن أن يتعاونوا حاكما ومحكومات على ما فيه صلاح الأمة، ولو نظرنا إلى واقع تاريخنا عندما كان الحاكم يسمع إلى العالم الراشد المخلص الذي لا يريد ثمرات دنيوية من وراء نصحه إنما يريد، هلق موقف سيدنا أبو بكر يقول أطيعوني ما أطعت الله فيكم، وقال له القائل لو وجدنا غير ذلك لقومناك، يعني حمد الله أن يجد في رعيته من إذا خرج عن الجادة رده إلى الصواب، وسيدنا عمر رضي الله عنه لما قال رحم الله امرءا أهدى إلى عمر عيوبه. ولن يستطيع أن يهدي إلى الحاكم إلا عاقل راشد وعالم حكيم لذلك هذا القرب يرجع على الأمة بالخير إذا كان كل من الطرفين حاكما ومحكوما أخلص عمله لله وقدم المصالح العامة في الأمة على المصالح الذاتية، يعني خلوص حظ النفس.

عثمان عثمان: طبعا يعني هذا في استطراد هناك البعض يمارس بعض المخالفات الشرعية، بعض المخالفات الفقهية، يمارس ربما..

عبد الفتاح البزم (مقاطعا): قلنا الحكمة وضع الشيء في مكانه.

عثمان عثمان (متابعا): ربما صورا من النفاق..

عبد الفتاح البزم: أعوذ بالله.

عثمان عثمان (متابعا): صورا من التزلف، صورا حتى من الكذب بداعي الحكمة وهو يخالف شرع الله عز وجل.

عبد الفتاح البزم: جميل أن قلت بداعي الحكمة، يعني يدعي، هذه ليست من الحكمة في شيء.


مصادر الحكمة وكيفية تعلمها وموانعها

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو..

عبد الفتاح البزم: حيثما وجدها التقطها.

عثمان عثمان: أحق بها..

عبد الفتاح البزم: أو فهو أحق بها، رواية.

عثمان عثمان: يعني هل نحن مطالبون بأن نأخذ الحكمة من أي وعاء خرجت حتى لو كانت من وعاء غير مسلم؟

عبد الفتاح البزم: نعم، طلما هي حكمة وطالما هي حق وطالما هي سداد، ألم يفعل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك لما سمع من سلمان الفارسي عن أمة فارسية يا رسول الله كنا إذا أحدق بنا العدو خندقنا، في غزة الخندق الرأي كان لسلمان الفارسي وليس رأيه الآن صنعه من خلال الواقع الذي عاشه إنما يا رسول الله هكذا كنا نعمل في بلادنا فوجد في ذلك كلاما يؤيد يعني يدفع عن الصحابة الكرام هذا العدو بهذه الطريقة وهذه المنهجية فسمعها عليه الصلاة والسلام..

عثمان عثمان (مقاطعا): حتى في حلق الفضول.

عبد الفتاح البزم: نعم.

عثمان عثمان: في حلق الفضول قال لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت.

عبد الفتاح البزم: نعم، لكان منهم، أجاب عليه الصلاة والسلام، فالحكمة شوف كلمة، أنى وجدها، حتى في عبارة، التقطها، والالتقاط سرعة الأخذ، فالحكمة حيثما وجدت المؤمن يدور مع الحق حيث دار، المهم أن يبقى مع الحق.

عثمان عثمان: واجب المسلم، أو واجب الإنسان أن يتعلم الحكمة أن يأخذها أن يعمل بها ولكن لو أردنا أن نفصل أكثر، ممن نأخذ هذه الحكمة وكيف نتعلمها؟

عبد الفتاح البزم: من أهله، كل شيء يؤخذ من أهله، الفقيه نأخذ منه الفقه، الطبيب نأخذ منه الطبابة وهذا ما عليه اليوم فن التخصص والاختصاص في العلوم، يؤخذ كل شيء من منبعه ولا شك أن الحكمة عند الحكماء والحكماء لا يمكن أن يكونوا جهلاء، هم العلماء الذين اتقوا الله في علمهم لذلك قالوا عن العالم الرباني هو الذي إذا نظرت إليه ذكرك الله يعني بحاله قبل مقاله وهذا متوفر والحمد لله البعض يقول فقدنا من مثل هذه الشخصيات، الأمة لا ينقطع خيرها، الحديث الصحيح "ما تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" فأمر الله لم يأت والأرض ما زالت قائمة والحياة الدنيوية ما زالت عجلتها تدور فموجود الحكماء وموجود العلماء..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني هؤلاء الحكماء فضيلة الدكتور وهؤلاء العلماء الذي تتحدث عندهم وهم موجودون بفضل الله عز وجل..

عبد الفتاح البزم (مقاطعا):  العلماء الربانيون.

عثمان عثمان: العلماء الربانيون أو الحكماء هل هناك من علامات من إشارات من مظاهر تدل على أن هذا الرجل حكيم أم غير حكيم؟

عبد الفتاح البزم: "قيل لسيدنا إبراهيم الخليل بما اتخذك الله خليلا؟ قال بثلاثة أشياء ما قدمت على أمر الله، وما اهتممت بما تكفل الله لي به وهو الرزق، وما أكلت إلا مع ضيف"
عبد الفتاح البزم:
طبعا لما قلت أنا يعني النظر إليه يدل على الله في حاله قبل مقاله هذا من العلامات، الذي ينهج في حياته المنهاج الشرعي ولا يخرج عنه، الذي لا يبيع دينه بعرض من الدنيا، الذي يؤثر أمر الله. قيل لسيدنا إبراهيم الخليل بما اتخذك الله خليلا؟ قال بثلاثة أشياء ما قدمت على أمر الله وهذا من علامات العالم الحكيم، أمر الله فوق كل شيء، وما اهتممت بما تكفل الله لي به وهو الرزق، ما اهتممت بما تكفل الله لي به وما قدمت على أمر الله أمرا والثالثة وما أكلت إلا مع ضيف، مشهور سيدنا إبراهيم الخليل يؤثر دائما لا يريد أن يتناول طعاما إلا مع ضيف والحديث الصحيح "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"، الحكيم عنده مجموعة صفات أقرب إلى الكمال توحي من خلال هذه الصفات عن كمال هذا الرجل والكمال كما قلنا عند الأنبياء والرسل نسبي وعند هؤلاء بدرجة أدنى لأنه تبقى درجة النبوة والرسالة درجة عليا، إذا كان في أخلاقه وتصرفاته على منهج الأنبياء والمرسلين وخاتمهم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بقدر ما يكون قريبا من هذا المنهج بقدر ما يكون حكيما ومن الذين نستطيع أن نجعلهم مسلكين ومعلمين والتربية كما تعلم قبل التعليم بل بالتعليم التربية لا ينفك التعليم عن التربية ولا التربية عن التعليم.

عثمان عثمان: من المظاهر والعلامات، علامات الحكمة التي تظهر على الرجال إلى الموانع، ما هي الموانع التي تمنع هذا الإنسان أن يتمتع بالحكمة المطلوبة التي هي وهبية أم كسبية؟

عبد الفتاح البزم: في مقدمتها الجهل، هل يكون جاهل حكيما؟ طبعا لا، طلب العلم لما فرضه النبي عليه الصلاة والسلام على كل مؤمن على كل مسلم طبعا ومسلمة ومؤمنة من أجل أن يرتقي بالعنصر البشري الذي هو أساس أي مجتمع ليرتقي به، بالعلم ترتقي الأمم بالعلم يرتقي الفرد بالعلم يعرف ما له وما عليه بالعلم ينهج الطريق القويم، {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا..}[فصلت:30] أولا الإيمان ثم الاستقامة، من أين أعلم الاستقامة؟ قد يصل الإنسان في العقيدة عن طريق العقل السليم، كل أثر له مؤثر، كل مخلوق له خالق، يصل عن طريق عقله من هذا الكون، {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب}[آل عمران:190] يصل أن لهذا الكون صانعا، أن لهذا الكون صانعا، أما الأحكام التي يعرف فيها ما يستطيع وما لا يستطيع يعني معرفة الحلال والحرام هذا لا يكون إلا بالتلقي، بالعلم، لذلك لا يكون حكيما وهو جاهل فلا بد من أن يتزود من العلم وأن يتزود من التقوى..

عثمان عثمان (مقاطعا):  ألا ترون أيضا أن التكبر هو من أحد موانع الحكمة؟

عبد الفتاح البزم: طبعا، قالوا اثنان لا يتعلمان مستح ومتكبر، الذي بالغ في الاستحياء حتى لا يسأل والذي بالغ في التكبر حتى أنه يترفع عن أن يسأل، الذي يطلب العلم ويطلب أدب طلب العلم ثم نرتقي إلى أن نتكلم عن العالم وأدب التعليم يعني كل هذا من الحكمة..

عثمان عثمان (مقاطعا): وماذا عن التجربة فضيلة الدكتور؟

عبد الفتاح البزم (متابعا): ما عندها طرف يطغى على طرف، يتكامل أدب المعلم وأدب..

عثمان عثمان (مقاطعا): نعم، ماذا عن التجربة؟

عبد الفتاح البزم: نعم؟

عثمان عثمان: التجربة، قلة التجربة؟

عبد الفتاح البزم: التجربة طبعا، قلة التجربة، كثرة التجربة هذا أيضا تكلمنا قبل قليل أنه بقدر ما كثرت التجربة واتسعت حياته زادت حكمته مع كل هذه المعطيات التي هي بالأساس عطاء رباني..


شرح بعض الحكم العطائية

عثمان عثمان (مقاطعا): من الحكمة إلى الحكم العطائية التي كان لكم مجال واسع في تدريسها في بعض مساجد دمشق، حكم ابن عطاء الله السكندري، ما هي الحكم العطائية؟

عبد الفتاح البزم: الحكم العطائية، له كلام جميل ابن عطاء وأمثاله ممن رزقوا هذه الشفافية قال عندما يرتقي المؤمن بحالة الأذكار والإقبال على الله سبحانه وتعالى ولا يكون ذكر ولا طاعة بجهل، كل عباداتنا بفقه العبادات لها قوالبها ولها، "صلوا كما رأيتموني أصلي"، عليه الصلاة والسلام، "في الحج خذوا عني مناسككم"، يعني ما في عبادة تبنى على جهل، العبادة تبنى على علم، هذا الذي يطبق هذا العمل الذي تعلمه ويتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالمنهج الرباني، معلومكم حديث الولاية "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل" طريق الفرض أولا ثم النافلة إلى أن يكون الله سبحانه وتعالى معين له في سمعه وبصره، كنت يده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ما كان الله يدا..

عثمان عثمان:  وسمعه الذي..

عبد الفتاح البزم (متابعا): وسمعا، إنما كان الحفظ الإلهي، كلأته عناية الله ورعايته في كل تصرف من تصرفاته، يقول إنه هذا الرجل الذي بلغ هذا المبلغ من الإيمان والعبادة والصفاء والذكر {..ألا بذكر الله تطمئن القلوب}[الرعد:28] قال تعرج أرواح هؤلاء الى الملكوت فترجع وعلى ثنايا لسان صاحبها الحكمة، يعني ربي يرزقه الحكمة..

عثمان عثمان (مقاطعا): هكذا رزق ابن عطاء الله السكندري الحكمة؟

عبد الفتاح البزم: هو منهم ما في شك وله كتاب الحكم العطائية الذي سألتموني عنه، بلغت الحكم 264 حكمة كل حكمة بعد التدقيق والدراسة وهذا قدمته عمل ترجع الى مضمون الكتاب الكريم القرآن الكريم وإلى السنة المطهرة، ما خرج في حكمة من الحكم، اعترض بعض العلماء قديما وحديثا على بعض الحكم أنها لم تتوافق مع القرآن الكريم أو الحديث الشريف، كان في تسرع في هذا الكلام، بعد الرجوع إلى الحكمة والنظر في معانيها والغوص في معانيها وجدنا أنها لا تخرج أبدا عن كتاب الله وهدي النبي عليه الصلاة والسلام.

عثمان عثمان:  طبعا أنتم كان لكم كتاب ربما علقتم به على الحكم العطائية وضبطتم بعض هذه الحكم، فضيلة الدكتور دعنا ندخل إلى موضوع..

عبد الفتاح البزم: من بعض هذه الحكم.

عثمان عثمان:  نعم إلى بعض هذه الحكم، الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها.

عبد الفتاح البزم: رحمه الله، شبه العمل أي عمل بجسم، هذا الجسد إذا لم تكن فيه روح هو قطعة جامدة هو حجر هو شجر هو أي شيء فأي عمل يقوم به الإنسان وقد تسربل ثوب الإخلاص، الإخلاص سر من أسرار الله يودعه قلب من يشاء من عباده، في القرآن الكريم في آخر سورة الكهف قوله تعالى {..فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}[الكهف:110] قالوا هنا الشرك الأصغر وليس الشرك الأكبر لأنه من كان يرجو لقاء ربه فهو مؤمن، فليعمل عملا صالحا مؤمن كيف ولا يشرك؟ قال هذا ليس الشرك الأكبر، هذا الشرك الأصغر وهو رياء، أن يجعل في نيته ملاحظة الخلق، ينبغي أن يقوم بالعبادة مجردة إلى الله سبحانه وتعالى، أيضا بتحقيق قول الله سبحانه وتعالى {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين..}[البينة:5] فالإخلاص سر من أسرار الله يورثه قلب من يشاء من عباده، فأي عمل لم يسربل بسربال الإخلاص ولم يخلص صاحبه النية لله سبحانه وتعالى يكون عبارة عن جسد بلا روح، والجسد بلا روح شبهوه بتشبيه جميل، كمن أهدى إلى ملك أو إلى عظيم جارية ميتة، ماذا يعمل بالجارية الميتة؟ بدنا جارية فيها روح.

عثمان عثمان: نعم، لا فائدة منها. ننتقل إلى حكمة أخرى فضيلة الدكتور، كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته.

عبد الفتاح البزم: كلام عميق جدا ويحتاج طبعا إلى شرح، أحدهم قرأ الحكمة متنا، كان مدرس رياضيات فقال لي ما فهمت، ماذا يقول ابن عطاء؟ قلت له هذا يحتاج إلى دخول جوهر القرآن الكريم، معاني القرآن الكريم والسنة المطهرة ثم ارتقاء روحي، القلب لن يشرق وفي غير الله سبحانه وتعالى وشبه الغفلة بالجنابة كيف أن الجنب لا يستطيع أن يمس القرآن لا يستطيع أن يقرأه لا يستطيع أن يدخل المسجد فكذلك هذا القلب الذي عنده الغفلة كيف يرتقي إلى الله سبحانه وتعالى؟ والارتقاء تفيد انتهاء الغاية ليس مكان ولا زمان يحد الله سبحانه وتعالى إنما هو ارتقاء مكانة، ارتقاء قرب بالطاعات، ارتقاء صفاء، ارتقاء نقاء. العبد كما قلت في الحديث قبل قليل من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء تقرب إلى الله إلا بدءا بالفرائض ثم بالنوافل، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل، هذا التقرب ليس تقربا مكانيا، هذا تقرب صفاء ونقاء حتى يشعر الإنسان وكأنه ملك يسير على الأرض، خرجت الدنيا من قلبه وأقبل على الله بصدق وهو بين قوسين لا يعني خروج الدنيا أن أعتزل الدنيا، نحن إذا كل المسلمين اعتزلوا الدنيا تركنا قوام الدنيا إلى الآخرين وكنا على فتاتهم وعلى موائدهم، لا هو يعافر الدنيا ويعيشها لتكون أولا جسر وصول إلى الآخرة وليحرر فيها العمل لله سبحانه وتعالى ليثاب ويؤجر، يكون حصل الدنيا وحصل الآخرة فهذا الذي يرتقي إلى الله سبحانه وتعالى كيف يرتقي وكيف يشرق قلبه وعنده الغفلة وعنده حب الدنيا؟ ومعلومك في الحديث حب الدنيا رأس كل خطيئة، فإذا أراد العبد أن يرتقي هذه الارتقاءات التي كل هذا الكيف وكيف وكيف اسم استفهام إنكاري يعني ابن عطاء ينكر كيف أيها الإنسان الغافل الغارق في الدنيا وأسبابها كيف ترتقي إلى الله سبحانه وتعالى وأنت قد حصرت نفسك بأسوار؟ لا بسور، مجموعة أسوار، فإذا أردت أن تقترب من الله سبحانه وتعالى صفاء وتحققا بمقام الإحسان اللي هو في الحديث الصحيح اللي بيرويه عبد الله بن عمر عن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أن رجلا شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر دخل علينا لم نعرفه ولم نجد عليه أثر السفر وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان وعن الإسلام وعن الإحسان وعن الساعة -يهمنا مقام الإحسان- ما الإحسان يا رسول الله؟ قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

عثمان عثمان:  لم يتبق معي إلا دقيقة ونصف فضيلة الدكتور وهناك حكمة لا بد أن نسأل عن معناها وشرحها، ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكره؟

عبد الفتاح البزم: هنا استعار اللغة العربية بتشبيهاتها واستعاراتها، ميدان، الميدان تجول فيه الفرسان والخيول هنا ميدان تجول فيه الفكرة والفكرة تفكر بآلاء الله، كثير من الآيات يخاطب الله سبحانه وتعالى عباده أولي الألباب، أصحاب العقول، وينكر على الذين ينحرفون عن الحق {..أفلا تعقلون}[البقرة:44] ميدان الفكرة هو التفكر بآلاء الله سبحانه وتعالى، هذا القلب حتى نعمره بالإيمان ينبغي أن نكون في ميادين التفكر بآلاء الله، نرجع إلى الآية الكريمة {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل..}[البقرة: 164]، {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}[الذاريات:21] آيات كثيرة تخاطب العقل ليتفكر صاحبه بخلق الله سبحانه وتعالى المعجز ويدرك أن هذا الأثر، إذا بالجاهلية قال قس بن ساعدة الإيادي، الأثر يدل على المسير والبعرة تدل على البعير فسماء ذات أبراج وأرج ذات فجاج ألا تدل على العلي القدير؟ هذا رجل حكيم ولم يكن مؤمنا بعد ما زال في الجاهلية لكنه أدرك من خلال المخلوقات التي يشاهدها أن هذا الكون له خالق، ولذلك قال إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا، التفكير بآلاء الله سبحانه وتعالى يجعل قلب المؤمن {..ألا بذكر الله تطمئن القلوب} ليس الذكر كما يتصور البعض هو أن آخذ سبحة أو عداد ومائة ألف كذا، هذا ذكر، ولكن خير الذكر الخفي وخير الذكر الذي يحضر القلب مع مولاه أي يتحقق بمقام الإحسان.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور عبد الفتاح البزم مفتي دمشق أشكركم على وجودكم معنا في هذه الحلقة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة