عصر التوافق مانفتسو من أجل نظام دولي جديد   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:09 (مكة المكرمة)، 14:09 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

خالد الحروب

ضيوف الحلقة:

د. رغيد الصلح: الباحث والمستشار السياسي للجنة الأسكوا
د. محمود عبد الفضيل: أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة

تاريخ الحلقة:

02/09/2003

- وضع الكتاب بين الأدبيات الاقتصادية العالمية
- طرح الكتاب لدمقرطة العالم في ظل النظام الجديد

- البرلمان العالمي وكيفية تحقيقه على أرض الواقع

- اقتراح نظام المقاصة الدولي وتحليل الكتاب لمشكلة ديون العالم الثالث

- حقيقة الاهتمام العربي بمستقبل العالم

خالد الحروب: أعزائي المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم. جليس اليوم كتاب يطرح مقترحات فورية، إذ يدعو إلى تغيير النظام الدولي الذي نعيش فيه إلى نظام أكثر عدلاً وشفافيةً، عنوان الكتاب "عصر التوافق.. مانفستو من أجل نظام دولي جديد"، المؤلف هو البريطاني (جورج مونبيوت) كاتب مقالة أسبوعية في صحيفة "الجارديان" وأكاديمي درَّس في أكثر من جامعة وناشط سياسي في حركات الاحتجاج العالمية التي تطالب بعالم أفضل وأكثر إنسانية لا يتحكم فيه أصحاب رأس المال دولاً كانوا أم مؤسسات.

ينطلق الكتاب من فكرة تعميم الديمقراطية لكونها أقل الخيارات سوءاً، ونقلها من الفضاء المحلي إلى الفضاء المعولم، وتمكينها من التحكم بالسياسة الدولية أو بكلمة أخرى دمقرطة العولمة الراهنة، وذلك للتخلص من استبداد الدول والشركات الكبرى.

ولترجمة هذه الديمقراطية المعولمة على الأرض ولتغيير النظام العالمي الراهن يُقدِّمُ ثلاثة مقترحات أساسية.

أولها: إنشاء برلمان عالمي بديلاً عن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، تتحقق من خلاله المساواة بين الدول إزاء صناعة القرار الدولي.

والثاني: إنشاء اتحاد دولي للمقاصة تكون مهمته معالجة الاختلال في موازين التجارة بين الدول، وذلك لمنع قيام وتراكم الديون على الدول الفقيرة.

والثالث: تغيير منظمة التجارة العالمية إلى منظمة تجارة عادلة.

ضيفاي اليوم لمناقشة الكتاب هم الدكتور محمود عبد الفضيل (أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة والباحث في شؤون اقتصادات التنمية والعلاقات الاقتصادية الدولية)، فأهلاً وسهلاً به

د.محمود عبد الفضيل: أهلاً بك.

خالد الحروب: كذلك أستضيف الدكتور رغيد الصلح (باحث وكاتب في العلاقات الإقليمية والدولية ومسؤول سياسي في لجنة الأسكوا التابعة للأمم المتحدة ومقرها في بيروت) فأهلاً وسهلاً به أيضاً. أهلاً وسهلاً، لكن قبل أن نبدأ مطالعة الكتاب هنا لنستمع إلى ما يقوله المؤلف جورج مونبيوت حول كتابه، وذلك في سياق الحوار التالي الذي كنت قد أجريته معه في وقت سابق.

جورج مونبيوت (مؤلف الكتاب): يقود العالم حالياً مجموعة ممن نصَّبوا أنفسهم كـ(جورج بوش) ومن حوله والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وصندوق النقد والبنك الدوليين، لم يصوت أحد لاختيار هؤلاء ولم يعطهم أحد حق قيادة العالم، لكنهم يفعلون ذلك في إطار نظام حكم إمبريالي لا سيطرة لنا عليه، أريد أن أقدم نظاماً بديلاً يختاره الناس لخدمة الناس.

خالد الحروب: تقول في الفصل الثاني بأنه ليس الهدف من النظام الدولي الجديد الذي تقترحه التخلص من العولمة بل دمقرطتها وجعلها نظام عالمي ديمقراطي لصالح الإنسانية، فما الذي تقصد منه من وراء هذه الفكرة؟

جورج مونبيوت: هناك مقومات لتغيير النظام العالمي القائم عن طريق إيجاد مواطنة دولية أو هوية دولية تتقارب فيها مصالح الناس في العالم، فالجميع يخضع حالياً للمؤسسات ذاتها والشركات الكبرى، جورج بوش يؤثر علينا جميعاً، لهذا فهناك حاجة لأن ننهض معاً كجسدٍ واحد ونوفر بديلاً مناسباً، العولمة منحتنا هذه الفرصة، أما الآن فعلينا استثمارها وتحويلها إلى واقعٍ جديد.

خالد الحروب: في الفصل الثالث توازن بين ثلاث خيارات تواجه الإنسانية، الماركسية واللانظام والديمقراطية، وبالطبع تنحاز إلى الديمقراطية، لكن خلاصة الفصل مخيفة بعض الشيء، إذ تقول أنه لا يمكن إحداث أي تغيير محلي من دون إحداث تغيير على المستوى العالمي.

جورج مونبيوت: أعتقد أن هذا صحيح، فلو نظرت إلى الأنظمة الديمقراطية في العالم أو ما توصف بالديمقراطية، فستجد أنه ليس هناك شيء لتختاره بين سياسة الحزب الحاكم وسياسة الحزب المعارض، وهذا غير ناجح، والسبب أن القرارات الكبرى تُصنع في مكان آخر، في واشنطن تحديداً، ويتم فرضها على جميع شعوب العالم، ودور الحكومات هو تطبيق هذه الأمور، ولن تقوم ديمقراطية حقيقية دون سيطرة الشعوب على هذه المؤسسات.

خالد الحروب: الآن في الفصل الرابع إلى السادس تبدأ باقتراح المؤسسات الأساسية لهذا النظام العالمي الجديد وتبتدأ بالبرلمان العالمي، ما هو هذا البرلمان وكيف يمكن تحقيقه على أرض الواقع؟

جورج مونبيوت: في الوقت الحالي الجميع ممثلون على مستوى دولي ما عدا البشر، فالشركات الكبرى تمثلها منظمة التجارة العالمية، المؤسسات المالية يمثلها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، الحكومات تمثلها الأمم المتحدة، والأعضاء الأقوياء يمثلهم مجلس الأمن، ما أدعو إليه هو انتخاب مجلس عالمي من قِبَل الشعوب لا تعينه الحكومات، دور هذا المجلس سيكون مراقبة عمل وممارسات المؤسسات الدولية ورسم مبادئ الحكم الصحيح لهذا العالم ومحاسبتهم، وبهذا يكون دورهم تعريض وفضح ومحاسبة هذه الحكومات والمؤسسات للشعوب، حتى يجبروهم على التصرف بطريقة مسؤولة.

خالد الحروب: في الفصل الخامس تنتقد أداء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتقول أنها ساهما في إفقار اقتصادات العالم الثالث بعكس الأهداف التي تأسسا من أجلها، لكن ما هو بديلك؟

جورج مونبيوت: كان هناك بديلٌ ناجح قبل وجود صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهو اتحاد المقاصة الدولي الذي اقترحه (جون مينركيث) وهو اقتصادي مشهور، ينص اقتراحه على أن يكون لكل شعب حساب تجاري في هذا المصرف، وأن تغرَّم الدول التي تعاني من عجز تجاري، ولكن في الوقت ذاته تغرم الدول التي تحقق فائضاً تجارياً، وبهذه الطريقة ستبذل الدول التي لديها فائض جهداً جباراً للتخلص من الفائض التجاري لديها لتتفادى الغرامة وستجد أن أفضل طريقة للتخلص من الفائض هي إعادة استثمار الفائض في الدول التي تعاني من عجزٍ في ميزانها التجاري، وهذا يعني أن العجز التجاري لن يتراكم ولن يتحول إلى دين دائم كما هو الحال اليوم، ولن تمارس الدول الغنية والقوية سيطرتها على الشعوب الأخرى، ويستعملوا مديونيتهم لإجبارهم على تنفيذ مصالحهم (مينركيث) يريد أن يقيم نظاماً يتقارب فيه المستوى الاقتصادي للشعوب.

خالد الحروب: جورج، ماذا لو قال أحدهم لك في نهاية هذا اللقاء أنت مجرد مثالي وحالم ومقترحاتك غير واقعية، بماذا ترد على ذلك؟

جورج مونبيوت: النظام العالمي الحالي غير واقعي ولا يمكن أن نستمر في العيش بهذه الطريقة، الدول الفقيرة تصبح أكثر فقراً وتموت أعدادٌ كبيرة من شعوبها جوعاً، كما أن تأثير التغير المناخي يتسارع وسيكون له تأثير سلبي كبير خاصة على العالم العربي من المغرب إلى الباكستان، وهي وحدة جغرافية ستعاني بصورة سيئة من تلك التغيرات والتي تسببها الخروقات التي تمارسها الشركات الكبرى، علينا تغيير الوضع وإلا فلن يكون هناك مستقبل، لن نستطيع الاستمرار كما نحن الآن، وما اقترحته هو القيام بخطوات قاسية تجبر الدول المسيطرة على التراجع والسماح للنظام الديمقراطي بالسيطرة على مجرى الأمور، وبصورة مبدئية علينا السماح للشعوب الفقيرة باستعمال ديونها، هناك ما يصل إلى 2.2 تريليون دولار، وبهذا فهم يملكون النظام العالمي الاقتصادي ويستطيعون تهديد الدول الغنية بهذا الدين، ويقولون لهم بصوت واحد بأننا سنقوض هذا النظام إن لم تتنازلوا ولن ندفع مستحقاتنا.

وضع الكتاب بين الأدبيات الاقتصادية العالمية

خالد الحروب: دكتور محمود، إذا بدأت معك بشكل أولي كيف ترى هذا الكتاب وأين تضعه في سياق الأدبيات التي تحاول أن تبحث عن نظام اقتصاد دولي عادل بخلاف الذي نحياه؟

د.محمود عبد الفضيل: أود الإشارة إلى أن الدعوة إلى نظام دولي جديد ليست جديدة، لأنها مطروحة في منتصف السبعينات وكانت مطروحة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولعب.. لعبت بعض البلدان العربية مثل الجزائر بذلك الوقت دوراً هاماً في صياغة وثائق لإصلاح النظام الدولي في قضايا التجارة والمال والعديد من القضايا، وكان الطرح في ذلك الوقت أكثر واقعية وأكثر فنية من الطرح اللي جاء في هذا الكتاب، ولكن بشكل عام وسأعود إلى هذا فيما بعد، هناك العديد من القضايا المطروحة جديرة بالعناية في التجارة والمال وفي السياسة ولكنها مطروحة بشكل يتسم بدرجة كبيرة جداً من المثالية ونقدر نقول يعني الخيال الواسع الغير قابل للتطبيق لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار لا التدارجية في الإصلاح ولا علاقات القوى التي تسمح بتنفيذ هذه المقترحات على النحو الذي جاء في الكتاب.

خالد الحروب: دكتور رغيد، ما رأيك في الكتاب بشكل إجمالي قبل أن ندخل بالتفصيل؟

د.رغيد الصلح: أنا أشارك الدكتور محمود ملاحظاته على موضوع اتسام الكتاب بشيء من المثالية واللاواقعية، لكن أريد أن أضيف إن الكتاب في تقديري فيه جانب مهم بالنسبة للقارئ العربي وللعرب بشكل عام، الذي هو يعني التعرض أو عرض مجموعة من الأفكار المقترحات، ليست الخاصة بالكاتب نفسه فقط، وإنما للآخرين حول النظام الدولي الجديد، ملاحظتي فيما يختص في المنطقة العربية أنه ليست هنالك مساهمات عربية راهنية بفكرة النظام الدولي الجديد، ليست هنالك محاولات لطرح أفكار ومقترحات مع أن العرب يعني هم في صلب الموضوع، في صلب.. هنالك مجموعة من.. يعني كُتَّاب كثيرين يفكرون بمشكلة العرب في هذا النظام، ولكن لا يتقدمون بحلول على مستوى دولي، بينما -كما قال الدكتور محمود- في السبعينات كانت هنالك محاولة للتفكير في العالم كله من قِبَل العرب وقبل ذلك عندما تأسس النظام الدولي في.. في الـ45 كان العرب في قلب التفكير في بناء نظام دولي برمته، يعني كان مندوب مصر مثلاً كُلِّف من المجموعة العربية بصياغة مشروع لتنظيم العلاقة بين الأمم المتحدة بشكل عام والمنظمات الإقليمية لصيانة حقوق المنظمات الإقليمية ضمن المنظومة الدولية، وكان هذا المشروع الحقيقة قُدمت عدة ملاحظات وقُبلت من قبل كافة الدول الأخرى غير الدول الكبرى، الآن نحن.. واحد: نحن متخلفين عن السبعينات وعن الأربعينات حتى مع الأسف الشديد، فهذا الكتاب مفيد، لأن يُطلع العرب على الأفكار الموجودة وعلى المشاريع، وربما يستفز بعض الكُتَّاب والمفكرين والعلماء العرب للمساهمة في الحوار العالمي حول هذه المسألة الخطيرة.

خالد الحروب: نعم، إذا بقينا في نقطة المثالية، وأنا سألت المؤلف عنها وهو يذكر طبعاً في أحد الفصول، يعني يضعها عنوان إنه هناك قدر من.. من الخنوع للواقعية، للواقع إلى درجة يائسة، إلى درجة اليأس من إحداث أي تغيير، فهو يحاول أن.. أن يحارب هذا.. هذه الظاهرة، ظاهرة اليأس من إحداث أي تغيير، فالمثالية أولاً ليست تهمة، يجب أن يكون هناك مثال تسعى له البشرية ويحاول هناك جهود أن.. أنه هذه هي البوصلة لتصحيح مثالب ومآسي الوضع القائم، لكن النقطة الثانية -دكتور محمود فيما تفضلت فيه وهو يشير لها الكاتب هنا- إنه ما هو الظرف الجديد الذي يستدعي طرح مثل هذه الطروحات والظن بأنها قد تُطبق، هو يقول بأننا نعيش في العولمة، العولمة فيها سلبيات، لكن فيها أيضاً آليات إيجابية تستطيع أن يتواصل فيها أصحاب هذه الأفكار ويقوم بعمل حملات تعبئة وضغوط إلى درجة قد تؤثر في الوضع القائم، فالعولمة نفسها تتيح قدر من التواصل، وهو يضرب مثال مثلاً المنتدى الاجتماعي العالمي الذي عقد أكثر من اجتماع وأصبح نوع.. عنده نوع من السلطة المعنوية والأخلاقية، فمثل هذه الآليات قد تضغط باتجاه تغيير مكونات الوضع الدولي القائم.

د.محمود عبد الفضيل: يعني أنا لست ضد أن هناك أفكار تتسم في مرحلة ما بالمثالية بس تكون قابلة للتطبيق، لأنه (شكسبير) بيقول: "الحلم الجميل واقع لا جدال"، ولكن مشكلة هذا الكتاب أنه يقفز فوق الواقع قفزات بعيدة، لأن هناك عناصر تغيير وتمرد على آليات النظام الدولي الراهن، هو لم يتعرض لها بشكل تفصيلي لأنه كان ممكن تسمح، وأشار عَرَضاً إلى سياتل، وبعدين فيه ديربان اجتماع ديربان، وهناك نقاط عديد لإعادة النظر في هيكلية النظام المالي الدولي، وفيه مقترحات من ماليزيا ومقترحات لضريبة (توب) يعني لم يشر إلى هذه الأمور لأنها دي عبارة عن درجات السلم التي تسمح بالوصول إلى تغيير كيفي في النظام الدولي العالمي، وهيAlready مطروحة.. يعني بشكل عام مطروحة وموضع نقاش في المحافل... وعشان كده بأقول مشكلة الكتاب أنه يقفز فوق الواقع، وصعب جداً إنك أنت تحقق هذه المقترحات، ونموذج لذلك ما قال عن قوة في الحديث "قوة البلاد المدينة"، لأن البلاد المدينة فكرة قوة الدَيْن (debt power) طرحت من قبل، وإنما المشكلة النهارده إن هناك انقسام كبير بين مجموعة الـ 77 التقليدية اللي كانت تشكل كتلة العالم الثالث اللي هي البلاد المدينة بين مجموعة آسيا المتقدمة، مجموعة في جنوب الصحراء الإفريقية في حالة سيئة جداً، ثم الخلافات لا تجعلها تستطيع أن تجتمع على موقف موحد في التفاوض حول الديون، يعني عاوز أقول إن هنا خبرتنا في العلاقات الاقتصادية الدولية لا تسمح بالقفز والقول بأن البلاد دي إذا اجتمعت بدون أخذ علاقات القوة والانقسامات وعدم التجانس في بلدان العالم النامية والمدين، البرازيل مش زي أنجولا وهكذا، عشان يبقى المقترح فعلاً قابل للتطبيق فعلاً كنموذج لفكرة القفز فوق الواقع.

[فاصل إعلاني]

طرح الكتاب لدمقرطة العالم في ظل النظام الجديد

خالد الحروب: دكتور رغيد، في الفصل الثاني وهذا الموضوع الذي تنشغل فيه كما أعتقد بشكل يومي موضوع الديمقراطية، يريد جورج مونبيوت أن ينقل الديمقراطية من المستوى المحلي الوطني.. هو يقول أنها تقف على الحدود الديمقراطية الغربية تحديداً، تقف على الحدود ولا تذهب إلى.. إلى بقية العالم، ويريد أن ينقلها إلى المستوى المعولم، ويصبح العالم بسياسته الدولية محكوماً أيضاً بنظام ديمقراطي لا تتحكم فيه فئة، بل تتساوى فيه التأثيرات المختلفة من كافة العناصر والمكوِّنات، كيف ترى هذه الفكرة؟

د. رغيد الصلح: يبدو أن المؤلف عندما يعني يشعر بأن الديمقراطية لا تنتشر في كل مكان في ذهنه المنطقة العربية التي تبدو محصنة ضد انتشار الديمقراطية، لكن أود قبل ذلك أن أعود إلى مسألة أشار إليها الصديق الدكتور محمود، وهي مسألة القفز فوق الواقع واستنفاذ إمكانيات يعني الاستنفاذ الذهني لإمكانيات التغير والتحول انطلاقاً من الواقع، في المقدمة يشير المؤلف إلى أربع يعني اتجاهات رئيسية تسير فيها العملية التغيير التي يرغب فيها، الاتجاه الأول هي.. هي إقامة برلمان عالمي.. المشروع الأول: قيام برلمان عالمي، ثم قيام اتحاد المقاصة الدولية، والثالثة هي منظمة عادلة للتجارة الدولية، المشروع الرابع: هو دقرطة أو دمقرطة الجمعية العمومية التابعة لهيئة الأمم المتحدة، وقال في سياق الكتاب: تختفي عملية دقرطة الجمعية العمومية، بالعكس يتحول المسألة إلى نوع من النقد لهذه الفكرة، بينما كان هو في مقدمة الكتاب متبنياً لها ومعتبراً أنها يمكن أن توازي - من حيث أهميتها - البرلمان العالمي ومنظمة التجارة العالمية والمقاصة، ثم حتى بالنسبة لمنظمة التجارة العالمية قرأت له مقالاً في "الجارديان" في.. من أسبوعين يمكن، يقول فيه أنه غير نظرته إلى المسألة، أنه كان في الأول ضد منظمة التجارة العالمية، ويعتقد أنها تضر بمصالح الشعوب والأفراد الأمم الفقيرة، ولكنه هو أصبح يعتقد الآن أنه بالإمكان الاستفادة منها لخدمة هؤلاء.

خالد الحروب: هو يعني الحقيقة أيضاً للإنصاف هو لم يناقض نفسه، في المقالة التي ذكرتها أنا اطلعت عليها في الكتاب هو يقول -كما في المقالة- إنه ليس من الضروري شطب هذه المنظمة، بالإمكان تعديلها وتغييرها من الداخل بحيث أن الاستفادة من بعض الفرص التي فيها وتعديلها إلى منظمة تجارة عادلة.

د. رغيد الصلح: ولكن في المقال يشدد أكثر على الاستفادة من غياب إمكانيات..

خالد الحروب ]مقاطعاً[: على كل حال.

د. رغيد الصلح [مستأنفاً]: أما بالنسبة للجمعية العمومية تختفي.

خالد الحروب: الجمعية العمومية أنا أعتقد -ربما لا أعرف إن كنت مصيباً أم مخطئاً دكتور محمود- هو اعتبر أنه البرلمان العالمي..

د.رغيد الصلح: البديل..

خالد الحروب: هو المشروع للسياسة الدولية، بما فيه مجلس الأمن والجمعية العمومية وغير ذلك، فهو اعتبر إنه حتى أيضاً في تفصيل في البرلمان العالمي -سنأتي له الآن- هناك مجلس للشعوب، مجلس للدول، وهناك مجلس للخبراء، فهو اعتبر إنه هذه المجالس بديلة إلى.. لكن سوف نأتيها، لكن قبل أن ننتقل من هذا الفصل دكتور محمود، وأنا سألته عن هذه النقطة في نهاية فصل الديمقراطية والذي يدعو فيه إلى تغيير شامل للوضع العالمي بحيث تصبح ديمقراطية ولا يصبح هناك تسلط من مجموعة صغيرة سواء دول أو مؤسسات على بقية العالم، يقول أنه ما لم يحصل هذا التغير على المستوى العالمي فإن أي تغير على المستوى المحلي في الدول المختلفة سوف يكون مستحيلاً، وهذه خلاصة فعلاً مخيفة، معنى ذلك أنه علينا أن ننتظر ونصبر على الاستبداد الذي نحيا فيه في معظم بلدان العالم حتى يحدث ذلك التغير المنشود.

د. محمود عبد الفضيل: يعني هذا بيذكرنا بالجدل القديم اللي كان يدور حول إذا تم تحقيق الاشتراكية في البلاد المتقدمة سيتم تحقيقها بالتبعية في البلدان، ودي كانت موجودة في الجدل الجزائري بين الشيوعيين الفرنسيين والشيوعيين الجزائريين وثبت أن هذا غير صحيح، يعني أن فيه علاقة جدلية بين ما يمكن أن يتم في النظام العالمي، زي حركة التمرد في (سياتل) ضد منظمة التجارة أو ديربان من ناحية ومزيد من الدمقرطة والعدل، ومن ناحية يرافقها نضال داخلي في كل بلد على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي حتى تلتحم، يعني لا توجد حكاية إن نحن ننتظر، فمن الذي (استعد) للنظام الدولي.. ما هي أيضاً قوي محلية، يعني سواء في العالم المتقدم أو في العالم يعني حدود واضع حدود (Corporation) أو لتسلط الطغم العسكرية، ده جزء من نضال في الولايات المتحدة وفي العالم المتقدم، وأيضاً يرافقه نضال في.. يعني عاوز أقول الاثنين بيلتحموا مش نتيجة حد بينتظر الثاني، يعني نقول أيه إن فيه آثار تغذية عكسية -كما يقال في الكتابات العلمية- بين الاثنين، وبالتالي وأعتقد إنه أثبت.. التاريخ أثبت صحة هذا، وإنما قضية إنه لم يتم شيء إلا بانتظار لأنه ما حدث في البرازيل يمكن أن يغير النظام عن نتيجة الانتخابات التي جاءت بـ(لولا دا سيلفا) وهكذا، يعني إنما مش معقولة أو.. أو النظام الماليزي الموجود في ظل مهاتير محمد ساهم في طرح مقولات لإعادة صياغة النظام العالمي ووضع نوع من الضوابط لحركة الأموال الساخنة، ده جاء برضك نتيجة السياسات الداخلية التي طبقها النظام الماليزي وتحدى بها سيئات العولمة، ولهذا أنا بأعتبر إنه المقولة تقوم -الصحيحة- تقوم على التفاعل بين القوى الداخلية والقوى الخارجية في إصلاح وتطوير النظام العالمي.

البرلمان العالمي وكيفية تحقيقه على أرض الواقع

خالد الحروب: نعم رغيد، الموضوع أيضاً الذي تحب أن نعود إليه مرة ثانية بالفصل الرابع، وصلنا إليه الذي يتحدث عنوانه: نحن الشعوب، والذي يتحدث هنا عن البرلمان العالمي، طبعاً هو يقول أن الوضع الحالي من يملك القوة يملك القرار، هذا وضع غير طبيعي، لأن الذين يملكون القوة والمال نسبة قليلة جداً، ثم يقترح هذا البرلمان العالمي الذي يعكس الشعوب بحسب حجومها، أي أن الصين تمثل بحسب عدد سكانها، قطر تمثل بعدد سكانها، وليس -كما هو الوضع الحالي- يعني أن هناك الصين عندها صوت واحد مثلاً في الجمعية العمومية، وأي دولة صغيرة عندها.. عندها صوت واحد، واقترح ستمائة عضو، وكل عضو يمثل 10 مليون نسمة إلى غير ذلك، الآن هذا الشكل ولو كان إنه مثالي، كيف ترى لو أنه يتحقق، ما رأيك فيه.. عندما تتأمل فيه كيف تراه؟

د. رغيد الصلح: يعني الفكرة أساساً فكرة نبيلة وجيدة جداً، ولكن كما قلنا إن المسألة كيف يجري تطبيقها، كيف يمكن تحويلها من فكرة إلى واقع، أعتقد أن هنالك الكثير من المشاكل والصعوبات، مثلاً يتحدث عن انتخابات ويمر بها انتخاب البرلمان العالمي، وكأنها مسألة محسومة، يعني وكأن الأمر يعني أُعد لها إعداداً جيداً وكل شيء جاهز.

خالد الحروب: وضع ميزانية..

د. رغيد الصلح: ولها.. ولها ميزانيتها ولا يبقى إلا التنفيذ، لا يبقى إلا إعلان عن موعد انتخاب ودعوة الست بلايين مواطن في العالم إلى التوجه إلى صناديق الاقتراع، ثم يتحدث عن صعوبات من نوع آخر إذا بعض الحكومات المستبدة حاولت إلغاء الانتخابات نرجع إلى الانتخابات.. الانتخابات السرية، يعني أعتقد أن الانتخابات السرية في أي بلد عربي مسألة صعبة التحقيق..

خالد الحروب: الانتخابات العلنية.. يعني.

د. رغيد الصلح: يعني مثلاً حتى.. فأعتقد هنالك صعوبات كثيرة بينما.. بينما بالمقارنة.. بالمقارنة ممكن تطوير الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة وتطويرها باتجاهات متنوعة مختلفة، صح يقول أنه هنالك في الجمعية العمومية أنظمة مستبدة وهذه الأنظمة يعني فيه أعضاء هنالك دول ديمقراطية، ولكن هنالك دول غير ديمقراطية، ولكن حتى هذا الأمر يمكن معالجته من خلال أوضاع هيئة الأمم المتحدة، مثلاً ممكن المطالبة بفرض عقوبات على الدول التي تستمر في انتهاء.. انتهاك حقوق الإنسان، منعها مثلاً من التصويت لفترة معينة، منعها من التمتع بحقوق العضوية الكاملة لفترات، وبالتالي ممارسة نوع من الضغط عليها، نفس الضغط يعني تحتاج هنا إلى ضغط معنوي أقل من أجل الوصول إلى هذه النتائج مما تحتاجه إلى إقامة برلمان عالمي، يعني نفس القوى التي تحتاج تستطيع تعبئتها وتجييشها من أجل الوصول إلى هذه الصيغة المثالية تستطيع بكلفة معنوية ومادية أقل أن تحدث تغييرات مهمة داخل النظام القائم.

خالد الحروب: نعم، طبعاً هو لأنه ضد.. ضد النظام القائم ويعتبر أي تعديلات فيه سوف تكون مجرد تعديلات تجميلية وما دام مجلس الأمن مثلاً بصيغته الحالية، هو يقول مجلس الأمن هو الحاكم الفعلي لهذا العالم وهو الحارس، لكن السؤال الإغريقي القديم: من يحرس الحرس؟ من الذي سوف يراقب هؤلاء؟ من الذي سوف يحاسبهم؟

السؤال دكتور محمود لك حتى على مستوى نظري هل فكرة أن.. أن تمثل كل دولة بحجم سكانها في برلمان عالمي هل هي فكرة عملية، هل هي فكرة تعكس حقيقة ما على الأرض؟ هناك أين.. أين نفعل بموازين القوى؟ هل صحيح دولة قوية جداً وكانت نصف عدد سكانها لدولة أخرى، مفاعيل القوة، آثار القوة، أيضاً للقوة اشتراطات إلى مَنْ تنعكس؟

د. محمود عبد الفضيل: لا .. أعتقد يعني هي فكرة تربوية بالكامل، عندنا كمان تجربة البرلمان الأوروبي موجودة، يعني إلى أي حد هذه ناجحة في تحقيق درجة أعلى من الديمقراطية، وهل التمثيل سكاني أم سياسي أو..، يعني أعتقد إن هي هذه الفكرة على درجة من الطوباوية، هو الرجل على حق في إنه يقول إن يعني انتقال من عصر القهر اللي هو (.....) إلى عصر الـConsent..

خالد لحروب: Consent إلى التوافق.

د. محمود عبد الفضيل: أيوه، هي مشكلة الآن إن فيه حالة تمرد، وهو على حق إن إحنا نريد رؤية بنائية جديدة محددة لجعل النظام العالمي السياسي والاقتصادي والاجتماعي أكثر عدلاً ومرحلة إبداع حقيقة، إنما أسلوبه في القفز -زي ما قلنا- على الواقع يعني مثلاً -زي ما الدكتور رغيد أشار- بإنه فيه مقترحات محددة حول إصلاح نظام الأمم المتحدة وميثاقها ومجلس الأمن وعضويته يكون أكثر تمثيلاً، يعني هذا لم يناقشه تماماً، ونفس الشيء ينطبق على كل نقاشه حول صندوق النقد الدولي، يومياً فيه مقالات في جميع الصحف العالمية ومن اقتصاديين كلاسيك Classic تقليديين يعني.. يعني ينقدون الصندوق ويطلبون نوع من المعمار المالي الدولي الجديد، وفيه لجنة مشكلة بالفعل بقى لها سنتين بتشكل حول معمار عالمي جديد.. مالي جديد، هو لم يتطرق إلى هذه الأمور، حتى لو رفضها يجب أن يناقشها، ما لها وما عليها وما..، منظمة التجارة العالمية على سبيل المثال، قبل أن يقفز على منظمة أخرى حصل في سياتل حصل تمرد (...)، في الدوحة حصل تقدم فرضت بلدان نامية وعلى رأسها الهند.

خالد الحروب: اجتماعات فرضتها منظمة التجارة العالمية في الدوحة.

د.محمود عبد الفضيل: فرضت على المنظمة في الدوحة تسوية هامة جداً بخصوص الأدوية اللازمة للسكان الأساسيين ضد موقف الشركات الكبرى للدواء، إذا استمر هذا الخط في (كانكون) وفيما بعد ذلك، يمكن بشكل أساسي يعاد النظر في عديد جداً من الاتفاقيات، وهكذا، ودا الأسلوب اللي هو الأرجح في ظل علاقات القوى، والصراع القائم في العالم، أكثر منه قفزة حول بناء منظمة جديدة، لن يتوافق عليها العالم في الشمال والجنوب يعني.

اقتراح نظام المقاصة الدولي وتحليل الكتاب لمشكلة ديون العالم الثالث

خالد الحروب: رغيد، إذا انتقلنا إلى.. إلى مشكلة الديون، ديون العالم النامي، وهو يقول إن هذه المشكلة مستعصية، الدين يجلب دين، ثم تزداد هذه الفجوة ويصبح من المستحيل سداد الديون التي تستنزف كل قدرات هذه البلدان على دعم أي المشروعات التنموية أو الاقتصادية، ويقول أنه كان هناك بالأصل مشروع المقاصة الدولية، التي طرحه الاقتصادي الإنجليزي (كينز) ولكن رُفض -كما يسرد في الكتاب أميركياً- كيف ترى تحليله في مسألة الديون وإعاقتها لتحقيق أي مساواة دولية؟ وغير ذلك من أفكار وردت في هذا الفصل؟

د.رغيد الصلح: أنا أعتقد بصورة عامة إنه موقفه وتحليله سليم، لأنَّ مشكلة الديون أصبحت الآن من حيث الحجم كبيرة إلى درجة أنها بالفعل تعيق تحولات تنموية في عدد كبير من دول العالم، وهي أصبحت تستنزف مداخيل الحكومات والدول، ممكن نعطي مثل على ذلك في لبنان حيث يعني تصل ديون لبنان إلى حوالي ما يزيد.. يفوق 30 بليون دولار، لبلد عدد سكانه حوالي 4 ملايين نسمة، وأصبح هناك شعور بأن البلد لن يستطيع تسديد هذه الديون، وأنها سوف تستنزف كل طاقاتها، بالطبع هنالك مقاربات ومشاريع مختلفة ومتنوعة لهذه المسألة، ولكنها تحتاج بالفعل إلى واقعية، لأن هذه المشكلة لا يمكن تأجيلها إلى حين ولادة نظام دولي جديد تتحقق فيه الديمقراطية السليمة يعني من حيث المبدأ.

خالد الحروب: إذا سألنا دكتور محمود، يعني هذه فكرة واقعية، ليست فكرة خيالية ولا.. ولا حالمة، بالدليل أنها طرحت، طرحت يعني في الأربعينات بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مع المؤسسات المالية المختلفة، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما يسرد -وهنا أسألك بحكم الاختصاص- يسرد كيف أُجهضت هذه الفكرة؟ كيف طرحت وتبناها أيضاً البريطانيون آنذاك؟ ثم لكن الأميركان رفضوها، فكرة المقاصة المالية، إذا تكرمت أولاً أن تشرحها لنا أيضاً كما شرحها المؤلف، حتى المشاهد يتابعها، ثم السياق الذي طُرحت ورُفضت فيه.

د.محمود عبد الفضيل: يعني هو يكاد يكون المشروع ده، اللي هو طرحه، أكثر المشروعات قرباً من طبيعة نتيجة أن الذي بني على دراسة وفكر (لورد كينز)، الاقتصادي البريطاني الشهير، وكانت مطروحة في إطار محادثات اتفاقية (بريتن وودز) التي تأسس في عام 1944 غداة الحرب العالمية الثانية، الذي تأسس على أساسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، وكان التفاوض الرئيسي بين البريطانيين بقيادة كينز والأميركان بقيادة خبير هام جداً من الخزانة الأميركية، وعكست ذلك الوقت علاقات القوى بين بريطانيا التي كانت تقود الإمبراطورية من قبل، ولكنها في حالة هبوط وصعود الدور الأميركي، الفكرة بتاعة كينز كانت تقول أنه إذا لم تسوَّ أوضاع العلاقات التجارية بين البلدان أولاً بأول بمعنى إنه فيه بلاد عجز وبلاد فائض، عجز تجاري وعجز فائض في رأي كينز...

خالد الحروب: عجز تجاري وفائض تجاري.

د.محمود عبد الفضيل: بميزان يعني عجز تجاري من صادرات أقل من الواردات، فائض تجاري يعني الصادرات تفوق الواردات مثلاً، ففي رأي كينز في هذا المقترح، إنه البلدان اللي عندها فائض، يجب ألاَّ تستمر في مراكمة الفائض، يجب أن إما تفرض عليها ضرائب، أو تفرض عليها فوائد، عشان تتخلص من هذه الفوائض، وتستثمرها أو تنعش بها اقتصاديات العجز، فيتحقق توازن تجاري، حينما رُفض هذا المقترح الوضع الراهن إن البلاد اللي عندها فائض زي اليابان تتراكم عليها الفائض، والبلدان التي لديها عجز يتراكم لديها العجز، لأسباب تتعلق بالبنية الاقتصادية في كل بلد، ونتيجة عدم وجود عملية إنمائية ناجحة في كل بلد، فنتيجة هذا الأمر أنها لا تسوىَّ المديونيات، يعني العجز يولد اللجوء إلى المديونية، والنقطة الحقيقية التي يشير إليها هنا، أن خطوط الوضع الراهن أن البلدان المدينة يتراكم لديها الدين يوماً بعد يوم، وهذا يسد الطريق على أي تنمية في المستقبل نتيجة خدمة الدين، وبالذات فوائد الدين، يعني فوائد الدين دي تدفع سنوياً دون أن يخفض حجم الدين، فهي الفكرة بتاعة كينز هنا، إنه كان عمل هذا بيت المقاصة الدولي الذي كان اقترحه، لتسوية هذه الأوضاع أولاً بأول، حتى لا تتراكم الفوائض في اتجاه، وتتراكم العجوزات في مكان آخر، ويستمر النظام الدولي بهذا الخلل، الذي يؤدي إلى تعويق التنمية في البلدان العجز، يعني أعتقد دي فكرة واقترح حتى عملة اسمها البانكور، مثلاً عاوز أقول أن الرجوع إلى الكتابات والوثائق اللي حوالين (بريتن وودز)، فيها اللي عاوز يحيي الفكرة، في ظل الأوضاع الدولية الجديدة، الكثير من القضايا الفنية والتفصيلية، تفوق بكثير ما جاء في هذا العرض الموجز والسريع حول هذه الفكرة في هذا الكتاب.

خالد الحروب: لكن ما يهمنا هو مازال السؤال حول واقعيتها ومثاليتها؟ ومدى تطبيقها ولو على المدى المتوسط، هو يختم هذا الفصل.. الفصل الذي يطالب بإيجاد هذا الشكل، المقاصة التي تعالج العجز التجاري عند الدول عبر إدخال الفائض التجاري للدول الأخرى، يختم تقريباً بدعوة إلى التمرد، دعوة الدول المدينة إلى التمرد على الدائنين، ويقول إنه إذا كانت هناك حركة جماعية من الدول الأكثر مديناً، أننا لا نستطيع الاستمرار في خدمة.. في.. في سداد هذه الديون، لأننا -كما ذكر دكتور محمود- لا نخدم إلاَّ.. إلاَّ.. إلاَّ الفائدة على الديون، وحتى لم نصل إلى الدين الأصلي، ما رأيك رغيد بهذه الدعوة؟ دعوة إيجاد نوع من التمرد العالمي للدول النامية ضد هذا الدين؟ كما حصل في المكسيك أعتقد في 95 أو 96..

د.محمود عبد الفضيل: والبرازيل حصل في..

خالد الحروب: البرازيل أيضاً.

د.محمود عبد الفضيل: امتنعت لمدة معينة عن خدمة الدين.

خالد الحروب: توقفوا عن خدمة الدين.

د.رغيد الصلح: يعني ممكن أن يحصل هذا الأمر، ولكن كما ألاحظ هو يفكر عندما يطرح مشروعاً، مشروعه هو واقتراحه هو، لا يتعرض كثيراً إلى ردود الفعل التي يمكن أن تنشأ عنها، وكأنها لم تكن موجودة، عندما يقترح مشاريع الآخرين يبحث في ردود الفعل المعطلة للمشروع، فأنا أعتقد أنه إذا اتفقت دول المديونة على التمرد في هذا الإطار، فإنه لابد أن يحصل ردود فعل من قِبل الدول الدائنة، وأن تمارس نوعاً.. أنواع شتى من الضغوط على الدول الدائنة، أولاً المديونة أولاً لكي تفكك جبهتها يعني، ثانياً لكي تستفرد بهذه الحكومات على حدة، وتضغط عليها إلى أن تتراجع عن موقفها، وهذا ما يحصل يعني في مناسبات عديدة، وصولاً حتى وصولاً إلى احتمالات يعني غزو الدول الذي أصبح يعني أمراً ليس بعيداً عن التفكير، كما.. كما نشاهد فعلاً.

خالد الحروب: من الممارسات الدولية المعتادة يعني..

د.رغيد الصلح: الممارسات الدولية يعني طبعاً تحت ذرائع متنوعة.

خالد الحروب: نعم محمود، حول نفس.. نفس هذه النقطة، يفترض المؤلف ضمناً وكأنه النخب الحاكمة في الدول النامية، أنها حريصة جداً على.. على ما له علاقة بما يطرحه من أفكار جميلة وإنسانوية وعادلة، فعندما يطلب مثلاً من هذه النخب أن تتمرد ضد نظام دولي، هي بالأصل وليدة عنه، ومتحالفة معه، يفوته هنا نقطة أساسية، أن هذه النخب الحاكمة في بلدان العالم النامي، ومنها البلدان العربية هي لا تفكر في أن الموضوع، لا تفكر لا في تغيير النظام العالمي، ولا في كيف أن تعالج خدمة الدين، هي منساقة مع الوضع القائم من دون أن.. من دون أي حرج.

د.محمود عبد الفضيل: يعني عاوز أصلاً أفرق بأن فكرة المقاصة الدولية كما طرحها كينز، مالهاش علاقة قوي بموضوع معالجة مديونات المراكمة على النحو.. دي فكرة ثانية، إنما بهذا الخصوص كما طرحت إنه هو فيه إهمال كامل لعلاقات القوى، وعلاقات التبعية التي تربط هذه البلدان بالمركز، مش بس في الديون، هناك اعتماد على التكنولوجيا وعلى السلاح وعلى الدعم السياسي والأمن السياسي، كما نشهد في منطقتنا العربية، وأعتقد هذا التحليل لمشكلة المديونية وعلاقات القوى والتمرد وغيره، يعتبر متخلف بشدة عن التحليل التي قامت به المدرسة الأميركية اللاتينية بقيادة (راؤول بريديش) من نهاية الأربعينات، لأنه طرحوا قضية علاقات التبعية المتشابهة بين النخب وبين بلدان المركز، بأنه لا تستطيع أي نخبة حاكمة أو أي نخبة غير حاكمة معارضة، الموضوع دا طرح من قبل، لو جاءت حكومات معارضة غداً، وجدية زي (لولا) في البرازيل، إذا قررت إسقاط الدين بشكل فردي أو جماعي، يمكن أن تقول لن أدفع مليماً غداً، بشرط واحد أنها لا تطلب أن تستدين مرة أخرى من الأسواق العالمية والبنوك، معناها أيه؟ معناها أن يكون هناك تنمية جدية، واعتماد على.. ذاتي على النفس، وأنه فعلاً لا تلجأ للسوق الدولية مرة أخرى لتأخذ اقتراض، أي بلد تستطيع أن تسقط الدين، ولا تدفع منه بشرط واحد ألاَّ تعود تطلب الاقتراض مرة أخرى، وحيث.. وكما نعلم لأسباب اقتصادية نتيجة البنيات المختلفة، ولأسباب سياسية وهي العلاقات التبعية، لن تجرؤ أي مجموعة من الدول أن تفعل هذا بهذا الشكل، طُرحت في لحظة من اللحظات أثناء الأزمة الآسيوية، إنشاء صندوق نقد آسيوي، بدل صندوق النقد الدولي، وكانت اليابان مشجعة للفكرة مع ماليزيا، وهاجت البلدان أميركا والبلدان الغربية، لأنه معناها فعلاً بيخلي سلاح المديونية ده لم يعد سلاحاً مسلطاً على البلدان النامية، وخصوصاً البلاد الأسيوية عندها قدرة ذاتية على عمل حاجة على طريقة كينز، إنه هي تسوي مديونتيها أولاً بأول بين بلدان العجز وبلدان الفائض، دي لابد هذا الفكرة أكثر واقعية وأكثر عملية، وتراعي علاقات القوى، المجموعة الآسيوية بالذات.

حقيقة الاهتمام العربي بمستقبل العالم

خالد الحروب: باقي معنا دقائق قليلة فقط، يعني أدركنا وقت البرنامج، لكن أحب أن نتطرق إلى فكرة هذه الأفكار جميعها، وأشار إليها رغيد في بداية النقاش، غائبة عن اهتماماتنا العربية، المثقفين العرب، والتفكير بنظام عالمي، التفكير بنظرة كونية حول هذا العالم، منغمسين بالقضايا والأفكار اليومية، والقضايا الملحة طبعاً، وهي لا تقل أهمية، لكن ليس هناك مشروعات ولا رؤى تقدم عربية لمستقبل هذا العالم، لمستقبل هذا.. هذه البشرية، فكيف ترى واقع مثل هذه الأفكار؟ مساهمتنا في.. في مثلاً المنتدى الاجتماعي العالمي، الذي يعقد في البرازيل، في ديربان، يعقد في.. في أكثر من مكان، المنظمات العربية المختلفة كيف ترى مثل هذه الأفكار في أوساطها؟

د.رغيد الصلح: يعني أنا أعتقد أنها بعيدة كثيراً عن الحوارات والمناقشات التي تجري الآن في المنطقة، وهذا شيء مؤسف، أنا ربما كان ردة الفعل المعنيين بهذه المسألة -كما أشار الدكتور محمود- أنها.. أنها قد تنطوي على شيء من المثالية وعلى الابتعاد عن الواقع والواقعية، ولكن بالنسبة لعدد كبير يعني أو للقسم الأكبر من الذين يبحثون في القضايا العربية هم مقطوعي الصلة بهذا.. بهذه المسائل، وربما تحدث لديهم نوع من الصدمة الثقافية والفكرية، إلى درجة اعتقاد بأنه هذا نوع من الكلام الفارغ، علماً بأنه ليس كذلك، يعني هذه المشاريع لها أهمية، على الأقل أهميتها توازي ما كان يطرحه يعني فكرة النموذج عند (ماك فريبر)، أنها قد لا نصل إلى هذا النموذج، ولكن يبقى مهماً كمؤشر وكعلامة طريق، أن نسعى دائماً إلى الاقتراب منه عن طريق تطوير الواقع، سواءً عن طريق التغيير..

خالد الحروب: خاصة.. خاصة وأن.. أننا يعني كعرب أكثر المتضررين بالنظام القائم الحالي.

د.رغيد الصلح: نحن.. نحن نناقش..

خالد الحروب: فمن المفترض أن تكون أكثر النظريات، أو أكثر الطروحات صادرة من هذه المنطقة.

د.رغيد الصلح: ولكن المشكلة الكبرى أننا نعتقد أننا نستطيع حل مشكلتنا بمعزل عن العالم.

خالد الحروب: من دون...، بالدقيقتين الذين بقوا محمود، ممكن رأيك في.. في طرحه حول منظمة التجارة العادلة، يعني بقي معنا هذه الدقائق القليلة حتى أسمع رأيك بشكل مختصر، وأيضاً مختص، والفرق بينها وبين المنظمة الحالية، منظمة التجارة الدولية.

د.محمود عبد الفضيل: أنا أقول هي منظمة التجارة الحالية لأنها نشأت من خلال دولة أورجواي، ولعبت الدول الكبرى.

خالد الحروب: 94.

د.محمود عبد الفضيل: والمتنفذة دور كبير جداً في صياغة اتفاقيتها، وشملت جميع المجالات، وأخطر ما فيها أنها ما يسمى (Single undertaken)، إن اللي يمضي على اتفاقية يمضي على 20 اتفاقية في نفس الوقت، بغض النظر عن درجة استعداده للدخول في عملية تحرير، مش مجرد تجارة السلع والخدمات، تجارة الخدمات، تجارة المشتريات الحكومية، فكانت خطيرة جداً هذه الحزمة، والعديد من البلدان التي وقَّعت عربية وغير عربية، لم تدخل في مساومات حقيقية، وبدأت المشاكل تجيء، ومن هنا بدأ التمرد في سياتل، ثم بدأ المساومات في الدوحة، وستستمر في كانكول التي من المتوقع أن تكون دوره فاشلة، نتيجة هذه الأوضاع، المطروح الآن هو ساحة الصراع هي تعديل اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، وتفكيكها، وطلب فترات سماح أخرى، يعني هذه هي ساحة الصراع العملية، والهنود بدءوا بهذا، وأنت بالمناسبة ذكرت الغياب العربي في هذه، لأن النظم العربية تغيرت عن الستينات، لأن كان لنا مساهمات في إنشاء (الأنكتاد) وكان -زي ما ذكرت- أن الجزائر لعبت دور هام في موضوع طرح أطروحة النظام الدولي الجديد، لماذا هذا الخمول العربي اللي حصل؟ لسببين: أن الحكومات دخلت أكثر فأكثر في دائرة المساومة والمهادنة مع المركز، وعدد كبير جداً من المثقفين اللي كانوا شعلة الفكر والتقدم، تم تعقيمهم في المرحلة البترولية، بين مهاجر في.. إلى الغرب، وبين عقول تم تعقيمها بالفترة النفطية، والهجرة..، فالخطورة الآن نحن أقل الناس مساهمة في هذه..، المدرسة الآسيوية كما ذكرنا، مدرسة أميركا اللاتينية، تطرح باستمرار مبادرات جديدة وأفكار جديدة، حتى اللجنة الاقتصادية الإفريقية.

خالد الحروب: نعم، والانسحاب الوحيد -مع الأسف الشديد- من قِبل المنطقة العربية مع الأسف الشديد.

دكتور محمود شكراً جزيلاً، وهذا ما يتيحه لنا الوقت، وأعزائي المشاهدين، شكراً لكم أيضاً على مرافقتكم لنا جليس هذا اليوم، الذي كان كتاب "عصر التوافق.. مانفستو من أجل نظام دولي جديد"، من تأليف (الناشط والأكاديمي البريطاني) جورج مونبيوت، وأشكر ضيفنا الدكتور محمود عبد الفضيل (أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة، والباحث في شؤون اقتصادات التنمية والعلاقات الاقتصادية الدولية)، والدكتور رغيد الصُّلح (باحث وكاتب في العلاقات الإقليمية والدولية ومسؤول سياسي في لجنة الأسكوا التابعة للأمم المتحدة في بيروت).

وإلى أن نلقاكم في الأسبوع المقبل، مع جليس جديد، هذه تحية من فريق البرنامج ومني خالد الحروب، ودمتم بألف خير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة