دولة الجبل الكردية   
الاثنين 1427/3/11 هـ - الموافق 10/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 9:54 (مكة المكرمة)، 6:54 (غرينتش)

- الطريق إلى دولة الجبل
- دور المرأة في حزب العمال الكردستاني
- التعايش مع قسوة الحياة

 

أحمد الزاويتي: صراع نراه أم تعايش بين الزمان والمكان؟ إن كان صراع فلا الوعورة تمكنت من القضاء على قسوة الشتاء ولا الشتاء تمكن من إخفاء تضاريس الجبال ولا من منع سير نهر يأكل من هذا الجبل منذ أن وُجد، فلم يقض على الجبل ولم يشبع النهر حتى الآن، إذاً هل هو تعايش يا ترى؟ إن كان تعايش فلما القتال ولما الثورة ولما التمرد؟ من هنا نبدأ فبحثنا عن جزء من حاضر موجود قد يؤدي بنا إلى جزء من المستقبل وربما إلى جزء من التاريخ أيضا وباعتبار أن الإنسان وحدة مكونة من المستقبل والحاضر والتاريخ فعلينا أن نستسهل المهمة ونتوكل على الله.



الطريق إلى دولة الجبل

الطريق مهما استغرق خوضه من وقت ومهما أخذ من التعب وكيفما كانت المخاطر فلابد من قطعه، هنا الشريط الحدودي الوعر بين تركيا والعراق وخفايا قصتنا فيه لا تزال مقفلة لم تُفتح لعدسة أو ربما حتى لقلم، مرافقونا لم يسمحوا لنا بتصويرهم إلا بعد موافقة قيادتهم ولم نلتق بها بعد، نسير نحو قيادة كونت هنا مجتمع على نمط خاص وتفكير خاص وحياة خاصة وفي الوقت الذي يجبر الجبل والشتاء والخطر فيه أصحاب قرى كانت هنا وأصبحت أطلالا على الرحيل يأتي آخرون فيستوطنون مع الجبل والشتاء والخطر، الدولة التي لا تزال في طور الحلم تبدو هنا واقعا، اُختزلت كردستانهم العظمة التي دعوا إليها إلى دويلة الجبل هذه، أولئك هم مقاتلو حزب العمال الكردستاني الذين هجروا الحضارة إلى البداوة وحولوا البداوة إلى حضارة، في الطريق إلى مقر القيادة أوقفتنا محطات شتى لكل محطة اختصاص ويجتمع فيها مقاتلون يقومون بمهام تختلف عن مهام المحطات الأخرى، لقد أفادنا ذلك فنحن نأخذ عند كل محطة قسط من الراحة في صراع لنا مع تعب ألح أن يرافقنا حتى مبتغانا، هذه إحدى محطات حزب العمال الكردستاني ويربى فيها الغنم بإشراف رعاة مختصين بهدف تزويد مقاتلي الحزب في الأماكن المختلفة في هذه الجبال باللحوم ومشتقات الحليب، لا حياة في الجبال دون المراعي، الليل كان موعد وصولنا إلى مقر القيادة ومنها سننطلق لتغطية حياة يعيشها الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني منذ ما يقارب عشرين سنة، هنا في هذه الجبال وفي مختلف فصولها ومختلف ظروف المنطقة بين حرب وسلم، الحركة لا تهدأ حتى في الليل، بدا لنا الأمر غريبا فصعوبة حياة الإنسان في شتاء قارص لم تمنع هؤلاء من الاهتمام بالحيوان، هذه سناجب صغيرة وجدوها داخل جزع يابس قطعوا للاستدفاء وهربت الأم تاركة صغارها وسط الثلوج فجلب المقاتلون صغار السناجب ليربوها وفق برنامج تغذية خاص حتى تكبر ثم يتركوها للطبيعة لتعيش حياتها.. هكذا قالوا لنا، وجدناهم يعشقون الطبيعة فيمنعون قطع الأشجار إلا ما كان يابسا ويمنعون اصطياد الحيوانات ويمنعون من يؤثر على البيئة هنا سلبا والذي يخالف ذلك يعَاقب وللحفاظ على الأشجار العنصر الأهم في البيئة هنا يقطعون المسافات ويصعدون المرتفعات بحثا عن الحطب اليابس لاستخدامه في التدفئة والطبخ فلا وقود سائل يصل إلى هذا المكان، حريصون على الحياة والموت يطاردهم ولم نجد في قاموس الحياة هنا مفردة الخوف لا من موتهم ولا على حياتهم، هنا يتمتعون بحرية التحدث بلغتهم ويعيشون فكرتهم ربما عوضهم هذا بعد أن انقطعوا عن الأهل وتركوا المدينة.

"
تركيا تتعامل مع المسألة الكردية تعاملا أمنيا، وسيرت سياستها في المنطقة على هذا الأساس حتى غدت في أنقرة عقدة تجاه الأكراد
"
باهوز آردال
باهوز آردال- مسؤول الجناح العسكري- حزب العمال الكردستاني: في تركيا لا تستطيع أن تسجل نفسك باسم ولط أو باسم خبط لأن حرف واو في مقدمة كلمة ولط وحرف خاء في كلمة خبط لا يوجد في الأبجدية التركية فتركيا تعتبر هذه الحروف حروف انفصالية، حروف إرهابية لذا فإنك تعاقب عليها، تركيا تعاملت مع المسألة الكردية تعاملا أمنيا وسيرت سياستها في المنطقة على هذا الأساس، هناك في تركيا العقدة الكردية، كل السياسة التركية تبنى على هذا الأساس لذا تعاملها مع هذه المسألة هو تعامل أمني وهذا ما جعل الموقف التركي في المنطقة وفي العراق موقفا صعبا.


دور المرأة في حزب العمال الكردستاني

أحمد الزاويتي: دور النساء في نشاط حزب العمال الكردستاني مثل على الدوام لغز للمهتمين بشأن الحزب فوقوفهن بجانب الرجال في جميع ميادين العمل الحزبي سياسيا وعسكريا في القيادة والقاعدة أثار الكثير من الأسئلة حول السر وراء تفعيل دور المرأة إلى هذه الدرجة، لكشف السر توجهنا إلى أحد معاهد عداد الكوادر النسوية التي يديرها الحزب في مواقعه العسكرية، لا وقت فراغ عند طلبة معهد بريتان الذي يستقبل في كل أربعة أشهر ما يقارب السبعين مشاركة، هناك التدريب وسط الثلوج التي غطت كل شيء إلا القوة على الحياة عند هؤلاء وهناك الدروس النظرية التي تتلي صباحا ومساء في هذه القاعة المصنوعة من النايلون الذي يصد البرد والمطر وهناك الانشغال بتوفير حاجيات يوم شتوي قارس، هذا هو البرنامج اليومي لنساء تركن أهلن من أجل حرية صنعنها لأنفسهن هنا، متعة استخرجنها من صعوبة الشتاء والجبل والخطر، هنا المرأة لا تقبل مساعدة الرجل لها حتى في الأعمال التي هي من اختصاص الرجال، عندما ترى المرأة نفسها تحمل السلاح في الجبهة وتقاتل قتالا قد لا يستطيع الكثير من الرجال القيام به يسقط ما يسمى في غير هذا المكان نعومة الجنس أو حتى التفكير في مظلومية المرأة أو عملية البحث عن حقوقها.

"
معهد بريتان يشمل على برامج تدريبية سياسية وعسكرية تقدم للنساء إضافة إلى دروس نظرية على المستوى الأيدلوجي والفلسفي.. ونحن مع أن يكون للمرأة  دور ثقافي وسياسي وفي مختلف المجالات
"
سوزدار ديريك
سوزدار ديريك- مديرة معهد بريتان: معهدنا هذا مختص بالنساء وعدد المشتركات يصل إلى 70 مشاركة، البرنامج يشمل تدريبات سياسية وتدريبات عسكرية وهناك دروس نظرية على المستوى الأيدلوجي والسياسي والفلسفي.. هذا بشكل عام ونركز خاصة على المرأة في كل ذلك لأن المشاركات هم النساء وكذلك نحاول أن نعمل كيف يمكن تحقيق حرية شعبنا، نحن ندرس هنا كيف يمكن أن تجد المرأة دورها الثقافي والسياسي وفي المجالات الأخرى، تستمر تدريباتنا حوالي أربعة أشهر وتُمارس بشكل نظامي في الليل والنهار، ليس لدينا من هي ثابتة في مكان واحد وليست لدينا من هي المعلمة الدائمة والتلميذة الدائمة.

نوجان فلك- مدربة في معهد بريتان: تحمل الحياة في هذه الجبال بالنسبة لنا لا حدود له فنحن هنا منذ سنوات طويلة وحتى لو نبقى لسنوات طويلة أخرى بل طول حياتنا فنحن لا نمل منها لأننا وجدنا حريتنا هنا، واجهتنا صعوبات كثيرة لكننا تجاوزنها وأصبحت الحياة بالنسبة لنا طبيعية وسنبقى هنا حتى يتحرر وطننا.

أحمد الزاويتي: كل شيء هنا وفق نظام وأوامر حتى الأكل وفي أوقاته الثلاثة وربما يكون مثل هذه الأنظمة والأوامر موجود في غير هذا الموضع وغير حزب العمال الكردستاني إلا أنه ربما يكون في دول وأنظمة عسكرية إلزاميا وربما للرجال فقط إلا أنه لا دولة لهؤلاء والانضمام طوعي بحت والعملية ليست حصرا على الرجال، كثيرة هي الحركات الثورية التي خرجت من بين الشعوب لكن نادرة هي التي تمكنت من تفعيل المرأة كما تمكن حزب العمال الكردستاني من تفعيلها في صفوفه، لم نلاحظ اختلاء رجل بامرأة في المسافة التي تحركنا فيها وكانت أمكنة الإقامة والنوم منفصلة بين الرجال والنساء بل حتى ساحات العمل وبعد أن علمنا أن لا زواج ولا أسرة في صفوف حزب العمال الكردستاني دفعنا فضولنا عن السؤال عن العلاقة بين الرجل والمرأة هنا.

جوان إبراهيم- مقاتل في حزب العمال الكردستاني: نحن نعتبر العلاقة الجنسية المعاشة حاليا في الوقت الحاضر بين الرجل والمرأة الكرديين هي وسيلة لاستعباد كل من الرجل والمرأة الكرديين لذلك نحن نسعى لبناء طراز من العلاقات الجديدة بين الرجل والمرأة وقدر الإمكان نسعى لترسيخها هنا في هذه الجبال، هذه العلاقة التي نتمنى أن نخلقها ونبينها، في الجبال نسير ذلك.

أحمد الزاويتي: الحزب يساري ويقول أنصاره إنه تجاوز اللينينية والماركسية، في هذه التجربة تكمن الحلول لجميع المشاكل.. هذا ما سمعناه مرارا من أصحاب الأيدلوجية الشمولية وهو ما نسمعه نن أنصار حزب العمال الكردستاني لكن هذه تجربة فريدة حقا وقد تعدت حدود كردستان والمشكلة الكردية، هذا مهندس ألماني الجنسية من أصل تركي لكن غير كردي وقد فضل قسوة الحياة هنا على ترف الحياة في ألمانيا حسبما يقول ويضيف أن حزب العمال الكردستاني عرفه بهويته التركية وشجعه على الحفاظ عليها.

حقي آكجاي- تركي في صفوف حزب العمال الكردستاني: لكل إنسان قناعته وأهدافه الخاصة في هذه الحياة، بالنسبة لي وجد حزب العمال أكثر الجهات تحقيقا لأهدافي وقناعاتي، أرى أن الحزب ليس مجرد حزب كردي بل هو حركة تحررية شاملة، هناك صعوبات لحياة الجبال وهناك واجبات كثيرة وكل ذلك يشعرني بالسعادة لذلك لا أسال متى سأعود؟ بل أسال متى سيكون الحل؟ وأنا أرى أن الحل عند أوغلان وبدون هذا الرجل لن يكون هناك حل.

أحمد الزاويتي: ومثل ذلك التركي قيل لنا هناك عرب وفرس وروس وفرنسيون وكثيرون من غير الكرد مع حزب العمال الكردستاني وعندما طلبنا أن نلتقي ببعضهم جاء هذا الذي يقول إنه عربي ليحدثنا عن قصته.

عامر اسكندروني- عربي في صفوف حزب العمال الكردستاني: كل إنسان له إطلاع ضمن الحياة والحياة هذه مثل مشوار طويل، طبعا يعني تعرفي على الحركات اليسارية يعني قبل انضمامي للحزب، أولا كان لي علاقة ضمن اليسار الثوري التركي، الاطلاعات وبعدين التعرف على حزب العمال الكردستاني غيرت أفكاري كمان لأن في البداية يعني كان لي بشكل عام يعني كنت مؤيد حركات اليسارية الاشتراكية، بعد تعرفي على حزب العمال الكردستاني طبعا يعني تأثرت بفكر حزب العمال الكردستاني، بما إني إنسان يعني معتمد بالفكر الاشتراكي والإنسان الاشتراكي لازم على طول يكون عند الشعب المضطهد فلذلك أنا جئت وانضممت لهذا الحزب.

أحمد الزاويتي: وكما لم تقف الظروف في طريق التحاق هؤلاء بهذه الحياة هنا لم تقف الظروف قي طريقهم كي يتصلوا بالعالم، يتم ذلك من خلال وحدة إعلامية شاملة ترسل وتستقبل من كل مكان، كل صباح تعودت عيوننا على مشاهد نشاط شتى أوحت لنا أن الجبل والكسل لا يجتمعان، أهمية البغال جعلتها من أولويات الحزب فهي تسخر للمهام الكبيرة فقط ويمنع ركوب المقاتلين عليها إلا في الحالات الخاصة كحمل الجرحى والقتلى والضيوف الذين لم يتعودوا على المشي في الجبال، معهد الجدد يلتحق به الشباب الذين يأتون للانضمام لحزب العمال الكردستاني، جدد من أكراد تركيا وسوريا وإيران وقلة منهم من العراق، توقعنا أن نجده عامرا وأردنا الاطلاع على واقعه، اثنان منهم كانا يحرسان الموقع أبلغانا أن من خططهم العسكرية نقل المعهد بنشاطاته بين حين وآخر كاحتياط أمني، ربما لا تكفي الحصانة الجبلية.. يحتاج المر إلى التنقل وربما أن تغيير الموقع باستمرار يُعتبر في حد ذاته تدريبا للجدد، طريق رحلتنا عودنا على مشاهدة الكهوف.. بعضها كان طبيعيا والآخر كان عبارة عن أنفاق حفروها في الجبل، استخدامات الأنفاق والكهوف هذه متفرقة بعضها للتمويه عن عمليات معادية والبعض لخزن المواد الغذائية وحاجيات متنوعة أخرى، هذا النفق طوله 24 مترا يتعرج داخل الجبل في وضعية صعبة ووعرة والداخل فيه من غيرهم لا يعلم أين يقوده النفق وإلى أين يصل به؟ هل يا ترى يكون التعامل مع الجبل بهذه الصورة سهلا فيما إذا قبلنا بصداقة الجبل؟ ربما، فللجبل قلة من الأصدقاء من البشر وقيل أيضا بشأن الأكراد لا أصدقاء سوى الجبال.

[فاصل إعلاني]

أحمد الزاويتي: ليل الشتاء الطويل يعطي فرصة أكبر كي يستريح هؤلاء من تعب يوم شاق، لا يحرمون أنفسهم من سبل ترفيه متنوعة فيرسمون في عتمة الشتاء لوحة عنوانها استراحة الليل، التدريبات هنا مشتركة بين الرجال والنساء وعلى غير عادة معهد بليتان فهنا المنهج عام وشامل بينما في بليتان كان المنهج خاصا بالنساء، رغم روتينية المشهد العسكري إلا أن أدائه وسط هذه الثلوج في صباحنا الباكر أوحى لنا بجدية المشهد الذي حاول الشروق أن يشهد عليه، الجزيرة أرادت أيضا أن تشهد صباحهم الثقافي الذي يبدأ بالاطلاع على أجندة ما قد يحدث في عالمنا أو ما قد حدث من خلال فقرة الاطلاع على التلفزيون، دروس تأتي بعد دروس.. التفاعل معها من قِبل المستمعين لا ينقطع فلا ملل منها، يسجلون ما يُتلى عليهم من دروس كل ما تيسر لهم من لغة الكتابة التي يعلمها، فهذا يكتبها بالتركية وذاك بالكردية وآخر بالعربية كل حسب الدولة التي جاء منها، الاختلاف في اللهجات الكردية لم يقف عائقا في طريق التفاهم هنا، وهم من خلال الاحتكاك اليومي بينهم لسنوات كونوا ما يشبه لهجة مشتركة يفهمها الجميع اعتبروها لهجة جديدة مثلما يعتبرون كل شيء لديهم جديدا، عندما تسهل وتلذ لهم الحياة هنا لا يصعب عليهم فهم اللهجات المختلفة بل رأينا كثيرين منهم حريصين على تعلم لهجات غير لهجتهم وبقاؤنا هنا فترة ربما يجبرنا نحن على إجادة ما يتكلمون به، لكن يبقى الأهم من اللهجات الاستعداد للقتال.


التعايش مع قسوة الحياة

لوند ديركي– مدرب عسكري: أينما نكون في الشمال أو الجنوب في الشرق أو في الغرب نحن مستعدون لأية مهمة وفي أي مكان، هناك استعدادات للانتشار واستعدادات للدخول في الأنفاق وأي هجوم عسكري يبدأ ضدنا فلنا احتياطاتنا في المواجهة ولنا كذلك أماكننا السرية ولا نخشى أي شيء، نحن مستعدون للتضحية بأرواحنا فنحن الأنصار وسخرنا أنفسنا لذلك.

أحمد الزاويتي: الطبيعة هنا بين بيضاء أو خضراء في فصولها الأربعة وبين اللونين هناك مسابقة في الجمال، هؤلاء حضروا هنا لغير مشاهدة الجمال إلا أنهم مجبرون على رؤيته كل صباح ومساء واستعدوا لدفع ضريبة ذلك في التعايش مع قسوة مصدرها الطبيعة، الحرية هنا لدى هؤلاء أهم من الطبيعة وجاذبية السماء ونقاء الأجواء بل إن البحث عن الحرية هو الذي وفر لهم ذلك إلا أن ما يعيشونه هنا ليس الحرية الكبرى التي يتحدثون عنها دائما بل ربما تكون حرية مرحلية، يشتاقون لسماع أخبار الحرية الأخرى فإن بعد تحقيقها الآن فلا ضير أن يسمعوا عنها ولو قليلا.

ولات آمانوس- مقاتل في صفوف حزب العمال الكردستاني: الحياة هنا لها مميزاتها الخاصة بها مقارنة بالحياة في مكان آخر وهناك الكثير ممن لم يلتحقوا بنا يتمنون الالتحاق، بعد أن نأخذ تدريباتنا هنا ننضم إلى فرق العمليات لأداء العمليات العسكرية مع رفاقنا الآخرين.

أحمد الزاويتي: طالما أعاق الخوف من برد الشتاء الناس عن المجيء إلى الجبال في الشتاء إلا أننا وجدنا الحصول على الدفء هنا أسهل من الحصول على الدفء حتى في المدينة وتناول كوب شاي ساخن كان ميسرا في كل لحظة في ليل أو نهار، الشعور بجمال الأجواء والطبيعة هنا رغم قسوتها والشعور بغرابة الحياة هنا رغم قوتها وغرابة الأفكار في رؤوس هؤلاء رغم إيمانهم بها وأمور أخرى كثيرة هي التي شغلتنا كثيرا إلا أن ما كان يشغل هؤلاء لم يكن ذلك.. كان يشغلهم ما وراء هذه الجبال هناك في الشمال في الجانب التركي وراء الحدود.

ديجلة ديركي- مقاتلة في صفوف حزب العمال الكردستاني: يعني حسب المجتمع يعني حسب الأنظمة القديمة يعني الذهنية القديمة يمكن بيقولوا إنه الرجل بيقدر يشيل المصاعب، بيقدر يعمل كل الكفاحات بضمن الحركة، يعني بضمن الجبال يعني بيقدر يحمل السلاح أما المرأة ما بتقدر، أما نحن بنقول نفرض هذا الشيء، ليش؟ لأنه المرأة كمان بضمن الحركة تقدر تحمل كل المصاعب بإرادتها وبلونها بضمن الحياة، من أجل هيك دائما عم تناضل، دائما عم بتقوم بكثير من الأشياء، بتعمل يعني بالنضال العام مثل الرجل يعني بتعمل كل شيء أما بلونها وبتقضي على كل اللي مثلا ما بنقدر نقول إنه قضينا على كل المشاكل اللي بتعيش بالجنسية أما إلا المجادلة أو ما طريقة كفاح منشان نقدر نضع مستوى مساواة.

أحمد الزاويتي: قد يشهد الكثير من الناس صعوبة في حياتهم إلا أن ما رأيناه هنا في حياة هؤلاء أن لا مكان لكلمة الصعوبة في قاموس حياتهم، تركنا المعهد التدريبي باتجاه محطات أخرى، البياض يلازمنا، ما نبذل من جهد كان كافياً حتى لا نشعر بالبرد، الشمس لم تبخل علينا بأشعتها والمفارقة كانت بحثنا عن ظل شجرة في الشتاء، ما جلبناه من مستلزمات الشتاء كاد أن يصبح عالة علينا في بعض محطات الطريق، هذه أيضاً محطة أشك أنها للحزب.. لا نريد أن نتجاوزها دون أن نعرف لأي غرض تستخدم، مكتبة عامرة بالكتب المتنوعة، ثقافة تراكمت هنا، كتب تحوي تاريخاً وتجارب ثورية متنوعة يتزود المقاتلون من هذه المكتبة ثقافياً لكسر عزلة أحيطوا بها، المكتبة حصلت على جزء من وقت الحياة هنا ربما لا تحصل عليه في المدينة، لا أمية بين أعضاء الحزب.. صفة من الصفات الكثيرة التي وجدناه يتميز بها، عين غسلنا بمائها تعبنا ونحن نصعد الجبل، في الوقت الذي يتهيأن فيه لاستراحة كانت أجوائها للربيع أقرب منها للشتاء أسرع أحد المرافقين إلى سلاحه ليقضي استراحته وهو يعبئ رشاشة بالذخيرة، يجرب حظه في الرمي على هدف في الجبل، هل ستصيب ثورة هؤلاء هدفها؟ من سوء حظ الأكراد كثيراً ما أخطأت ثوراتهم هدفها ولا يزالون ثائرين، جبل يتحدى آخر في علوه ووادي ينافس آخر في عمقه، النهر يعزف لحناً يخيف من لم يتعود على الحياة هنا فارتفاع الجبال وعمق الوديان وخرير النهر يعشقه المفترس الذي يتأهب للانقضاض على فريسته إلا أننا قلما رأينا المفترس هنا وعندما كنا نراه كان يهرب خائفاً ربما لأنه يشعر أن من هنا من البشر لا يُفتَرس، إلى أين ستتوجهن؟ أتردن أن تقولن لهذا الجبل الذي تصعدنه إنكن الأقوى؟ أم تردن ألا يطول الفراق بينكن وبينه؟ ألم تتعبن؟ أقدام عشقت المشي بخفة فوق الجبل، ما هذه اللهفة في الصعود وفي تجاوز الصخور؟ هل تردن العلا؟ ماذا ستجلبن من هناك؟ كثيرون ينتظرون ما ستجلبن، شعارهن الذي يرددهن صباح مساء هو إما النصر أو النصر ومن يحمل هذا الشعار يستسهل الصعوبات، هذه المطبعة أصبحت الآن عاطلة ينتظر أصحابها من يأتي ليصلحها لهم، توقفت منذ فترة إلا أن أثار عملها قبل تعطلها بادية للعيان، أوراقها تنتظر البدء من جديد ليسود بياضها بما يريده الحزب ثم توزع على أكبر رقعة ممكنة، هذا معمل خياطة يدب فيه النشاط، يخيطون ملابس تلائم حياة المقاتلين في الجبل وتوزع عليهم ملابس من لونين فملابس الشتاء والربيع تميل إلى الخضرة لون العشب والشجر وملابس الربيع والصيف مائلة للبني الفاتح لون الأرض والجبل فيسهل بذلك الاختفاء عن أي حركة معادية، مستلزمات الخياطة من أجهزة وأقمشة متوفرة لأصحابها، خياطون يظهر أنهم مهرة تطوعوا للعمل وسط ارتياح باد على وجوههم وهم يعملون.

نبي آمت- خياط: نحن نقوم بخياطة الألبسة العسكرية الخاصة بنا للمقاتلين في جميع المواقع ويقدم لكل مقاتل بذلتين شتوية وصيفية، الأقمشة التي نستخدمها هي التي رأيناها ملائمة لبيئتنا بعد تجريبها وهي ترسل إلينا بطرق خاصة، لم نواجه بعد مشكلة في توفير المواد الأولية لعملنا هنا.

أحمد الزاويتي: أحذيتنا اشتريناها من المدينة بحجة أنها جبلية ومقاومة.. لم تتحمل يوم واحد في مشينا في الجبل، جلبوا لنا أحذية خاصة من عندهم من صفاتها لا تنزلق على الجليد ولا تخترقها المياه وخفيفة ومقاومة وهي تتجدد تماماً بعد تجفيفها أمام النار، المياه ساخنة على النار دائماً وتفننوا أن تكون الحالة مستمرة، هذا الكيس يعمل على تصفية المياه من الكلس المتسرب نتيجة السخونة كي لا يتكون لديهم رمل الكلى أو أمراض من هذا القبيل، حريصون على الصحة، ليس مسموحاً لهم اللعب بألعاب كالورق والدومينو إلا أنهم يشجعون على الشطرنج التي اعتبروها من الألعاب المفيدة للمقاتل، صور قتلاهم معلقة في كل مكان كنا نجلس فيه ولكل منهم قصة، منهم من قتل في مواجهات داخل تركيا والكثيرون منهم قتلوا في مواجهات في هذه الجبال، يفتخرون بهم كثيراًُ ويسمون الملتحقين الجدد بهم بأسماء قتلاهم السابقين، أعمار المقاتلين في المنطقة التي قمنا بجولتنا فيها كانت تتراوح بين الثامنة عشر والثلاثين، إلا أن عمر الحزب أكبر من ذلك فأين هم الذين بدأ المشوار؟ قيل لنا أن أغلبهم قُتِل أو جرح فنُقل أو كبر فأُخذ إلى مواقع خلفية أو كلف بإدارة التنظيم خارج تركيا والمهام العسكرية لا يكلف بها غير هؤلاء الشباب، يقول البعض إن عصر الثورات انقضى لكن بدوا لنا مؤمنين بالثورة أكثر من أي شيء، حزب العمال الكردستاني لم يتأقلم مع القانون التركي ولا القانون في تركيا تمكن من استيعاب هؤلاء فكانت المواجهة وإذا كان مصير كل مواجهة إلى حوار فإن الطرفين لم ينجحا بدء في أن يكون الحوار قبل المواجهة، تركيا على أعتاب الاتحاد الأوروبي.. ربما يتطلب الدخول إليه منها مراجعة في التعامل مع التجربة الكردية في تركيا وحزب العمال الكردستاني لا يقبل ترك تمثيل القضية الكردية لجهة كردية أخرى، هناك وراء الجبال أكراد وربما أتراك يترقبون مرحلة جديدة من التعامل بين الجانبين، يأملون أن يتوقفوا عن دفع ضريبة مواجهات بدأت قبل أكثر من عشرين سنة ولا يزالون يدفعون ضريبتها وهؤلاء في هذه الجبال طاب لهم المقام ولا يريدون عودة لا تحفظ لهم ماء وجههم وإلى أن يتم التوصل إلى شيء تستمر القصة واقفة في هذا المكان لا تبرحه والزمان لا يقف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة