طلال يونس   
الثلاثاء 1429/2/5 هـ - الموافق 12/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:17 (مكة المكرمة)، 13:17 (غرينتش)

- بين الخيام وباريس
- عن فلسفة الحياة والبحث العلمي
طلال يونس

 

بين الخيام وباريس

 المعلّق: باريس الجميلة عاصمة النور، مكان مثالي لازدهار علم الحياة، مدينة علّمتها تجاربها التاريخية المريرة من أوبئة ومجاعات ومذابح واجتياحات عسكرية، علّمتها بأن تُفتتن بالحياة بكل تجلياتها، وأن تحترم تنوعّها وأن تدرك تكامل الدائرة المرهفة للأحياء باتساعها الشاسع. باريس المحبة للحياة هذه، هي ثانية أكثر المدن ملاءمة للدكتور طلال يونس عالم الحياة اللبناني. أمضى فيها الرجل ثلث القرن الأخير من حياته باحثاً داخلها عن مدينته الأولى، الخيام، مسقط رأسه وملعب طفولته، وحينما عثر في قلب باريس على مسكن له، هذه الشرفة الفسيحة، قرر أن يزرع الخيام في الشرفة، لتتضوع بين يديه رائحة الزعتر والغار والنعنع وهشاشة الياسمين. الآن وقد صارت الخيام ماثلة أمام شرفته المطلة على أهم ملامح باريس، يحلو اجترار المشوار المظفّر الطويل لأحد أهم علماء الحياة في العالم.

طلال يونس: مجيئي إلى باريس لم يكن في يوم من الأيام مخطط أو ممكن التصور أن هذا سيحصل، فأنا عندما كنت في لبنان، من بداية الحياة ومن بداية الولادة في ضيعة جنوبية في أقصى الجنوب على الحدود اللبنانية السورية الفلسطينية، في بلدة اسمها الخيام، في. . بعد. . وعمري عمر الاستقلال، يعني عندما ولدت، أشرفت الضيعة على الاستقلال الناجز في الـ 1944، ونشأت نشأة يمكن أن أطلق عليها نشأة استقلالية، كنا في المدرسة عند الصباح ننشد النشيد الوطني اللبناني ونقف في الصف، وتربينا تربية مدنية بكل ما في كلمة مدنية من معنى، تربية أساسها تحكيم الفكر العلمي والعلماني العقلاني. . . . من المجيء لفرنسا، الواقع أن. . أنه كان في المدرسة الابتدائية وحتى في المدرسة التكميلية، في مدرسة في الخيام، عندما كنا ندرس الأدب الفرنسي أو المطالعة الفرنسية، قصص معزاية السيد سيغا، لألفونس دوديه، وهذه العنزة التي هربت في الطبيعة ولقاها الذئب، وصارعت حتى الموت، ودفعت حياتها ثمن حريتها، جعل من فرنسا نوع من الحلم. ولما أتاحت الظروف وجئت إلى فرنسا، كان هذا استمرار لحلم طفل وشبّ صغير، من الخيام إلى فرنسا مروراً ببيروت. والواقع أنه في فرنسا الآن، أعيش في فرنسا ولكن في ذات الوقت أعيش في بيروت وأعيش في الخيام، أعيش في بيروت مع زملاء وأصحاب وألتقي بهم على التلفون أو كل سنة مرة أو مرتين، أو ثلاث، وفي الخيام أتتبع أخبار الخيام وكما لو كنت أعيش فيها. . . . عند المجيء من بيروت إلى فرنسا عبر مرسين، وكانت أول رحلة في الباخرة، والحلول في جامعة ليون، كان قسم الأبحاث الذي نزلت فيه يتألف من مجموعة من الزملاء أشعروني ومنذ البداية أنني جزء منهم وأنني فرد من العائلة ولم يكن لدي ولا لحظة من اللحظات إحساس بأني غريب، بأني لست من الجماعة، وهذا جعل من التجربة التي أمضيتها في ليون تجربة خصبة جداً وغنية جداً، غنية عاطفياً وغنية أيضاً، وبشكل أساسي، فكرياً، لأن العمل البحثي ودراسات الأبحاث تختلف بطبعيتها بشكل أساسي عن الدراسات الجامعية، ومن نقاط الخلاف الأساسية، أنك في الدراسة الجامعية تأخذ كل شيء وكأنه نهائي، معلومات معطاة ثابتة ونهائية، أما في العمل البحثي فتضع سؤال على كل شيء، وعندما تتطلع على شيء، السؤال الأول ليس ماذا تعمل في هذا الشيء ولكن كيف تثبت أن هذا الشيء صحيح. وهذا الدرس الأول والدرس الأساسي لكل باحث ولكل عامل في مجال الأبحاث. . . . و الحياة التي أمضيتها في هذه الفترة كانت غنية لدرجة أني مدّدتها سنة بعد الدكتوراه وعملت أبحاث في المعهد الفرنسي للأبحاث الزراعية في منطقة أنتيب وأمضيت سنة في منطقة أنتيب وكانت أيضاً محاطة بأصدقاء وبزملاء كانوا قريبين جداً، قريبين فكرياً وعلمياً وطبعاً قريبين أيضاً اجتماعياً وعاطفياً. هذه هي التجربة التي عشتها، أول تجربة في فرنسا، وجعلت من الطبيعي أنني في لبنان، عندما وقعت الحرب الأهلية في بداية العام 1975، أن أفكر أول ما أفكر به أن أعود إلى فرنسا لأني كنت أعتبر أنها بيتي الثاني.

المعلّق: بيته في بيروت الواقع على خط ما للتماس، دمرت معظمه الحرب الأهلية. وبيته في الخيام الواقع على خط آخر للتماس في أقصى الجنوب دُمر ثلاث مرات حتى الآن، قوى الهدم هذه التي طاردته إلى باريس الوادعة رسّخت في ذهنه فكرة أساسية، تقوده في حياته بوجوهها المتعددة الشخصية والعلمية والمهنية، ينبغي أن نكافح من أجل استمرار الحياة وأن لا نسمح لليأس بالتسرب إلى قلوبنا لحظة واحدة وإلا انهزمنا نهائياً أمام الموت والدمار. الكفاح في سبيل الحياة هو فلسفته المعلنة التي يعرفها عنه كل من يعمل معه سواء في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة الأونسكو، التي أدار فيها قطاع البيئة العربية طوال النصف الثاني من السبعينيات، وزار باسمها كل الدول العربية داعياً، دون جدوى آنذاك، لإدخال المفاهيم البيئية في مجال التعليم، أو في عمله الحالي الذي يشغله منذ أكثر من ربع قرن، مديراً تنفيذياً للاتحاد الدولي لعلوم الحياة، أحد أبرز الجهات التي تنسق جهود أكاديميات العلوم والجمعيات العلمية المتخصصة في العالم لمواجهة تدمير الإنسان للحياة على كوكب الأرض، على أن يكون هذا الكفاح جماعياً لتزداد فرص نجاحه وعلى نجاحه يتوقف بقاءنا.

"
الاتحاد الدولي لعلوم الحياة أُنشأ بإرادة ممثلين بأكاديميات العلوم في أوروبا، والذين كانوا يعتقدون في هذا الوقت أن التعاون في مجال العلوم ضروري إذا كان العالم يريد ألاّ يعيد تجربة الحرب العالمية الأولى
"
طلال يونس
: أنا أعمل في الاتحاد الدولي لعلوم الحياة منذ العام 1980 ما يقارب الـ27 عاماً، والاتحاد هو مؤسسة دولية غير حكومية أُنشئت في عام 1919 بعد الحرب العالمية الأولى، وقد أنشئت بإرادة ممثلين بأكاديميات العلوم في أوروبا، والذين كانوا يعتقدون في هذا الوقت أن التعاون في مجال العلوم ضروري إذا كان العالم يريد ألاّ يعيد تجربة الحرب العالمية الأولى، وقد أثبت التاريخ أن هذا لم يكن صحيحاً، ولكن الاتحاد أنشئ منذ ذلك اليوم، والهدف منه هو تشجيع ودعم التعاون الدولي في مجال الأبحاث والدراسات في علوم الحياة، في العلوم البيولوجية.

 

[فاصل إعلاني]

 

عن فلسفة الحياة والبحث العلمي

 

طلال يونس: إذا كنا نريد أن نتعرّف على أهم الأمور والمهمات التي يقوم بها الاتحاد، والآن منذ ثمانين سنة هناك ثلاث أنواع من النشاطات، النشاط الأول هو تنظيم المؤتمرات العلمية العالمية في مختلف جوانب الحياة، مؤتمر النبات مؤتمر علم الحشرات، مؤتمر علوم الأولويات أو الكائنات المتطورة والتي يشكّل الإنسان آخر حلقة منها، علوم الأسماك، علوم الطيور، وكل الأنواع الحيوانية، وأيضاً هناك فرع يتخصص في علوم الخلايا وعلوم الوراثة وعلوم الأجنة وعلوم البيئة، البيئة البحرية والبيئة البرية، وبيئة المنظمات البيئية، وأيضاً هناك قسم في الاتحاد يهتم بالأخلاقية البيولوجية وأيضاً في تاريخ البيولوجيا، وكذلك في تعليم علوم الحياة. فمن هنا نرى أن الاتحاد يضم جميع الاختصاصات العلمية ويحاول أن يقوم بنشاطات تجمع بين هذه الاختصاصات تكون قاسم مشترك بين علماء الحياة. . . . من مهمات الاتحاد أيضاً تنسيق مشاريع أبحاث تعاونية دولية، ومن ذلك يمكن ذكر أول مشروع تعاوني كان اسمه، (البرنامج الدولي لعلوم الحياة)، والذي تم تنفيذه بين الستينات من 1962 إلى السبعينات 1974. وكان لهذا البرنامج، الذي كانت يُعتبر أول مشروع تعاوني دولي، شارك فيه ما يقارب الستة آلاف عالم بيولوجي من جميع بلدان العالم من أوروبا، أميركا، أميركا اللاتينية وآسيا، وكان من نتائج هذا البرنامج عدد كبير من المؤسسات والبرامج التي نعرفها الآن، بدأت في مؤتمر 1972 حول البيئة الإنسانية الذي جرى في استوكهولم والذي كان مؤتمراً مؤسِساً لمنظمة البيئة العالمية الموجودة الآن في نيروبي، ولبرنامج اليونيسكو حول الإنسان و البايوسفير والكوكب الحي و مؤسسة سكوب والتي هي اللجنة الدولية لعلوم البيئة. وكذلك كان لهذا المؤتمر في 1972 وضع حجر الأساس الذي تم بعد عقدين من الزمن في ريو دي جانيرو والذي كان هو يتمثل في قمة العالم، حول البيئة والتنمية، وهذا المؤتمر الثاني في 1992 كان لأول مرة يتم مؤتمر يجمع 150 رئيس دولة يتكلم ليس في وضع الحلول وإنهاء الحروب، وإنما في أمور تتعلق بالعلم، بالبيئة، وبالتعاون والذي تم فيه وضع ثلاثة أقانيم تشكّل الآن الأسس لما يتم في العالم وهي التنوّع البيولوجي، وهناك اتفاقية دولية حول التنوع البيولوجي، وهناك أيضاً تم توقيع اتفاقية ثانية حول التنوع والتغيّر المناخي، وكذلك اتفاق ثالث حول ما يُسمى الآن التنمية المستديمة.

المعلّق: يختزن ابن الخيام اللبنانية تجاربه العميقة الممتدة في علوم الحياة ليقدم لنا ولوطنه المنكوب بالعنف والحرب والطائفية المقيتة طريقة للخروج من الدائرة المفرغة العبثية. وهو حلٌّ على طريقة علم الحياة، الذي يرى التنوع الحيوي الهائل على الأرض ولكنه يرصد الوحدة الكامنة فيه. التواضع وحده ينقذنا مما نحن فيه، الإنسان مجرد نوع واحد من بين ملايين الأنواع الحية التي رصدها العلم حتى الآن في كوكب الأرض. وهكذا يرى العلم حكاية الحياة، ذكرٌ بعينه يلتقي أنثى بعينها، وحيوان منوي بعينه من بين ملايين أخرى يلقّح البويضة، لتدور عجلة رهيبة لعمل جيني بيولوجي شديد التعقيد، ثم يولد الواحد منا لأبويه، وتُلصق على جبهته لافتة التعريف التي تلازمه مدى حياته. ولكن أكثر ما يفخر به الدكتور طلال يوسف هو مساهمته في ترسيخ الأقانيم الثلاثة الجديدة للفكر العالمي منذ العقد الأخير من القرن العشرين وحتى الآن، ضرورة الحفاظ على التنوع الحيوي، ومواجهة الاحتباس الحراري، والعمل على خلق تنمية مستدامة.

طلال يونس: فهذه الأقانيم أصبحت الآن تشبه إلى حد بعيد، ما يمكن أن نقول، هي أسس ومفاهيم لإيديولوجية عالمية جديدة، وهذه الإيديولوجية لا تنطلق من مفاهيم فكرية مجردة وإنما من معطيات وملاحظات وحسابات وتحليلات علمية أكيدة. فمن هنا، هذه الأقانيم الثلاثة، كان للاتحاد، وكان لي أنا شخصياً دور في إبراز ووضع وتركيز هذه المفاهيم. فلو أخذنا التنوع البيولوجي للكتابات التي قمت بها من 1989 والكتاب الأساس في علوم التنوع البيولوجي والتنمية وعلاقتهما، نظّمتُ بواسطة الاتحاد هنا، مؤتمر عالمي في 1994 في باريس حول التنوع البيولوجي علم وتنمية نحو شراكة دائمة والكتاب الذي صدر طُبع عام 1996، كان أول مرجع علمي حول الموضوع صدر في العالم وشارك فيه اثنان من جوائز نوبل وعدد كبير من نخبة العلماء في العالم، وكنت أنا ونائب المدير العام في اليونيسكو، آنذاك، فرانشيسكو ديكاستري والذي كان زميل لي ورئيس الاتحاد، وضعنا هذا الكتاب وحررناه، وطُبعت منه نسخة عربية ، لدى اليونيسكو، قام بالإشراف على ترجمتها الدكتور مهدي الحافظ من العراق. وهذين الكتابين، المرجع العربي في العالم العربي، والمرجع الأول، كانوا يعتبروا من المراجع الأساسية حول علم التنوع البيولوجي في العالم والذي وجِد في جميع مكتبات الجامعات في العالم. . . . فيما يعود لنشاطات الاتحاد العلمية، إن جميع المؤتمرات التي نقوم بها، هي كأي عمل علمي، الهدف منها وضع الحقائق ونشرها لإمكان استخدامها من المسؤولين. ليس للاتحاد علاقة مباشرة بأي سلطة تنفيذية، أكانت وطنية أو دولية. الاتحاد يمثّل مجموع أكاديميات العلوم في العالم، والجمعيات العلمية المتخصصة في العالم، وأكاديميات العلوم أو هذه الجمعيات العلمية المتخصصة ليس لها قدرة تنفيذية. فأكاديمية العلوم في فرنسا أنشأها نابليون بونابرت بهدف إسداء النصح للحكومة الفرنسية. . . . إن المؤتمر الأخير الذي سنقوم بتنظيمه في شهر أيار/ مايو من 9 إلى 13 في واشنطن بناء على دعوة من أكاديمية العلوم الأميركية، سيكون حول التحديات المعاصرة لعلوم الحياة في عالم متغير، وهذا المؤتمر سيكون آخر مؤتمر سأكون مسؤول عن تنظيمه شخصيا،ً لأني بعد ذلك سأترك الاتحاد إلى التقاعد ولكل قصة نهاية، وهذه ستكون نهاية التزامي بالاتحاد بنهاية العام 2008... للكتابة العلمية أصول كثيرة وتتميز بشكل أساسي عن أي كتابة إن كانت كتابة فكرية أدبية شعرية أو فلسفية، فحالياً لا يمكن لإنسان واحد أو لعالم واحد أن يكتب كتاب علمي، الكتب العلمية التي تُنشر الآن هي كتب جماعية، يقوم بنشرها عدد كبير من العلماء كل واحد متخصص في جانب من جوانبها، وقد وصل تعدد المؤلفين لكتابة علمية إلى حد لم نكن نتصوره في يوم من الأيام، فمن فترة سنة صدر بحث في مجلة مايتشر، طول البحث عشر صفحات وكان توقيع البحث هذا من 200 عالم، هم كلهم شاركوا في هذا البحث. . . . أما في الكتابات العلمية التحليلية، فإجمالاً لكل كتاب عدد من المؤلفين، يتكفّل كل مؤلف بفصل من فصول هذا الكتاب. وفي هذا المجال كان لي عدد كبير من الأبحاث صدرت بشكل فصول من كتب علمية صدرت في مجالات مختلفة، فـمعظم هذه الأبحاث كانت في مجال التنوع البيولوجي. وكان لي مساهمات فصول في ما لا يقل عن 12 كتاب علمي، وكذلك كان لي نَشر في مجال الأخلاقية البيولوجية، البايوأثيكس كما كان لي أبحاث في مجال التسمية البيولوجية، والتسمية البيولوجية لإنسان عادي لا تعني شيء ولكن عندما نعرف أن لكل كائن حي من الثلاث ملايين كائن حي المعروفين الآن، اسم يحمله ويختلف كثيراً عن الأسماء الباقية، ووراء هذا الاسم تكمن كل المعرفة التي تختص بهذا الكائن الحي، ندرك أهمية التسمية البيولوجية وقواعد التسمية البيولوجية.

 

المعلّق: للعالِم الشيخ هموم تعود به إلى جذوره التي لم تنقطع يوماً بينه وبين الوطن العربي، هموم عربية خالصة لا يصرفها عنه هذا النهار الباريسي البديع. العالَم العربي هو البقعة السوداء الوحيدة في خريطة البحث العلمي العالمي، إذ يقلُّ ما يقدّمه العرب من بحوث علمية عن خمسة من مئة في المائة من إجمالي البحث العلمي العالمي المنشور سنوياً، ومن بين 22 دولة عربية أربع دول عربية فقط حرصت على الانضمام للاتحاد الدولي لعلوم الحياة. هذه الفجوة العلمية التي تتّسع بلا هوادة بين العرب والعالم وتنذر بضياع مستقبلنا كما ضاع حاضرنا. ولعل عالِمنا العربي البارز يتفرغ لنا، نحن العرب، بعد تقاعده من منصبه الدولي الرفيع، العام المقبل ليدقّ قرب آذاننا العربية أجراس الإنذار علّنا نسمع. 

 

طلال يونس: الشمس بهالبلد نعمة، بداية الربيع بتبلش بس مش مضمونة أبداً. لما إجي أقعد هون وأتطلع ببيتي قدام، ألاقي كأني قاعد بالخيام وأتذكّر أيام الشمس وأيام العطلة، عطلة عيد الفصح، يجي الواحد يقعد بالطبيعة، وأتذكر كل أيام الشباب وكل الأهل وكل الزملاء والأصحاب اللي قاعدين بلبنان اليوم، وقاعدين بالخيام. يعني على كل حال، الإنسان له كل العالم ، وهو جزء صغير من العالم ، من الصعب جداً الواحد يشوف حاله بعيد عن الأرض اللي هو فيها، بس بذات الوقت أي أرض راح عليها فيه يشوف بلده فيها وفيه يشوف أهله فيها. الحضور والغربة ما إلهم علاقة بالمكان والزمان، ياما في غرباء عايشين في بلدهم، وياما في ناس بعاد عن بلدهم وحاسّين إنهم بالوطن وبالأهل، الإحساس بالغربة والإحساس بالمهجر، له علاقة بــ اللي بالراس، واللي بالقلب، مش اللي بره، واللي بالراس واللي بالقلب هو إحساسنا وإدراكنا ومشاعرنا، وبشكل أساسي تاريخنا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة