الإسرائيليات في تفسير القرآن   
الثلاثاء 1430/8/27 هـ - الموافق 18/8/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:55 (مكة المكرمة)، 13:55 (غرينتش)

- منهج القرآن والسنة في تناول ثقافة أهل الكتاب
- أهمية القصص وتعامل الصحابة والمحدثين مع الإسرائيليات

- الروايات الإسرائيلية في الثقافة الإسلامية ولدى المفسرين

- تبادل المفاهيم والتأثير بين الأديان والثقافات

عثمان عثمان
مصطفى بوهندي
عثمان عثمان:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا ومرحبا بكم مشاهدينا الكرام على الهواء مباشرة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ..}[الإسراء:9] كيف تعامل القرآن الكريم مع الثقافة الواردة عن أهل الكتاب؟ وما حجم حضور تلك الثقافة في تفاسير القرآن الكريم؟ وما المفاهيم التي أخذها المسلمون عن روايات بني إسرائيل؟ الإسرائيليات في التفسير موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور مصطفى بوهندي أستاذ مقارنة الأديان في جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء ينضم إلينا عبر الأقمار الاصطناعية من الرباط. مرحبا بك دكتور.

مصطفى بوهندي: بارك الله فيك، مرحبا.

منهج القرآن والسنة في تناول ثقافة أهل الكتاب

عثمان عثمان: دكتور، القرآن الكريم تحدث عن أهل الكتاب تحدث عن بني إسرائيل تحدث عن النصارى، ما المنهج الذي يقدمه القرآن الكريم في الأخذ عن أهل الكتاب؟

مصطفى بوهندي: بسم الله الرحمن الرحيم. أولا المطلع على كتاب الله عز وجل سيعجب عندما يجده قد استوعب الثقافة القائمة بشكل عام فذكر ما عند اليهود من عقائد ومن شرائع ومن تصورات وما عند النصارى وما عند المشركين وما عند المجوس وما عند كل الأمم القائمة. الثقافة الموجودة عرضها بمعنى أنه اطلع عليها واستوعبها وعرضها وبيّن جوانبها الإيجابية وجوانبها السلبية، وعرض على المؤمنين بهذا القرآن بطريقة منفتحة كيف يستفيدون من ثقافة الأمم ومن سعي الأمم ومن فعل الأمم ومن تاريخ الأمم المختلفة فعرض اليهود وتاريخهم والنصارى وتاريخهم وغيرهم، كل ذلك عرضه في إطار التعارف والتعريف بأمم الأرض وبسعي الإنسان في الأرض وبعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان وعلاقته مع الطبيعة وعلاقته مع التاريخ وعلاقته مع الله، هذا كله عرضه القرآن الكريم بشكل عظيم جدا وقارئ القرآن سيعجب لهذا الانفتاح الكبير لعرب الجزيرة العربية في ذلك الزمان على كل هذه الثقافات بذلك المنهج القرآني. أما ما قدمه القرآن من منهج فهو أننا نتعامل مع الإنسان بشكل مفتوح، نقبل إيجابياته وننوه بها ونرفض سلبياته وأخطاءه وننتبه إليها لئلا نقع فيها ولذلك فقد عرض علينا مثلا قصة ذي القرنين وقصة لقمان وقصة موسى وقصة أهل الكهف وغير ذلك في إطار الاستفادة من الجوانب الإيجابية في التجارب والانتباه إلى الأخطاء في التجارب كذلك وعدم تكرارها، ولذلك كان يقول لنا هذا طريق الصالحين ولكن هذا لا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب في هذه القضية مثلا قست قلوبهم، طال عليهم الأمد، وغير ذلك. هذا هو المنهج القرآني في التعامل مع الناس بشكل عام وقد بينه في قواعد منها مثلا قوله تعالى {..وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى..}[المائدة:8] فإذاً علاقتنا بالناس عموما هي علاقة عدل فولو كنا نكرههم بشكل من الأشكال فلا بد أن نحكم عليهم بالعدل، وبالمقابل {..وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ..}[النساء:58]، {..فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى..}[الأنعام:152] بمعنى عندما يكون شخص ما أو قوم ما هم أقرباء لك ففي كثير من الأحيان أنت تحكم عليهم من الجوانب الإيجابية ولكنك تنسى أو تتكتم على الجوانب السلبية وهذا ليس منهجا مقبولا.

عثمان عثمان: دكتور هل هذه الروايات التي ذكرتها هي فقط للعبرة والاتعاظ أم أنها ربما تأخذ حيزا من عقيدة المسلمين ومعتقدهم؟

مصطفى بوهندي: أنا لم أذكر روايات، أنا ذكرت القرآن الكريم، القرآن الكريم وحي وليس روايات..

عثمان عثمان (مقاطعا): القصص التاريخية في القرآن الكريم.

مصطفى بوهندي: القصص التاريخية في القرآن الكريم يعني قد عرضت من قبل في الكتب السابقة الأخرى ولكن التلاوة القرآنية كانت تلاوة جديدة، سماها القرآن تلاوة بالحق، هو أعاد هذه القصص وقرأها قراءة جديدة استخرج منها العبرة وقرأها بطريقة يستفيد منها الناس وفي نفس الوقت يشفي بها أمراض الناس الثقافية. مثلا لو أخذنا قصة آدم كما عرضت في الثقافات السابقة لوجدنا أنها مثلا انبنت عليها في اليهودية الخطيئة، خطيئة الأب الخطيئة الأصلية ومن ثم فكل إنسان هو خاطئ ولو كان صالحا ولذلك عليه أن يقدم ذبائح دائمة ومن هذه الذبائح قرابين الخطيئة فجاءت المسيحية وحاولت التخلص من هذه الخطيئة الأصلية وقالت كما دخلت الخطيئة برجل واحد فكذلك تخرج برجل واحد هو المسيح، فيعني خلقت موضوع صلب المسيح تكفيرا عن البشرية من أجل التخلص من الخطيئة الأصلية لكن القرآن عندما قرأ لنا هذه القصة بين لنا أن آدم إنسان كباقي.. هو أبو الناس ولكن خطأه سماه عصيانا ولم يسمه خطيئة وقال إن هذا الخطأ قد تاب آدم عليه الصلاة والسلام منه وكذلك زوجه ومن ثم فالناس ليس عليهم أي خطيئة وكلنا وكأننا في جنة آدم لا نحمل أية خطيئة وإنما نحمل ما نحمله في طريقنا في حياتنا في أعمالنا ما اكتسبناه..

عثمان عثمان (مقاطعا): طيب دكتور السنة النبوية أيضا..

مصطفى بوهندي: (متابعا): ولذلك لا تزر وازرة وزر أخرى.

عثمان عثمان: نعم، السنة النبوية أيضا هل اعتمدت نفس المنهج الذي اعتمده القرآن الكريم في التعامل مع ما ورد عن أهل الكتاب؟

مصطفى بوهندي: يجب أن نميز بين الوحي الذي أوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن الكريم والذي كان رسالة آنية ما أن يأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يبلغها إلى الناس فلا يمكن أن يضن بشيء منها ولا يمكن أن يزيد شيئا عليها، فإذا قال له الله {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}[الإخلاص:1] فلا يمكن أن يقول الله أحد وينقص قل، لا بد أن يقول كل الكلام ولا يمكن أن يزيد عليه أي شيء {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ}[الحاقة:44، 45] إلى آخره، ومن ثم ففي تهديد كبير أن يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أوحى الله به إليه، هذا القرآن أما الرواية أو ما يسمى السنة فلا بد.. هناك خلط كبير جدا عند الناس في فهم هذا الموضوع فالسنة أحيانا يقصدون بها الرواية ولكن هذا حسب التخصصات فالمنهج النقدي العظيم الذي قدمه رجال الحديث هو في الرواية والرواية وإن سموها السنة فمنها ما هو مرفوع ومنها ما هو مرسل ومنها ما هو..

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور اسمح لي دكتور نحن هنا لا نناقش هذه المسألة إنما نناقش تعامل الحديث منهج الحديث في موضوع التلقي عن أهل الكتاب، موضوعنا الآن دكتور الإسرائيليات في التفسير، عندما نقول الإسرائيليات في التفسير ماذا نقصد بذلك؟

مصطفى بوهندي: عندما نقول الإسرائيليات في التفسير فإننا نقصد المسائل الدخيلة من ثقافة أهل الكتاب على المفسرين، والمشكلة ليست في الانفتاح على ثقافة أهل الكتاب فالقرآن قد بينا أنه كان منفتحا انفتاحا كاملا على هذه الثقافة ولذلك فقد ذكر كما قلنا موسى عليه الصلاة والسلام في القرآن الكريم 136 مرة ولم يذكر محمد صلى الله عليه وسلم إلا أربع مرات ومرة باسم أحمد، ولكن نحن نتحدث الآن عن كيف دخلت الثقافة الغير صحيحة الإسرائيلية إلى الثقافة الإسلامية وإلا فإن الثقافة..

عثمان عثمان (مقاطعا): صحيح، من أين جاءت الإسرائيليات إلى التفاسير، تفاسير القرآن الكريم، ما مصدرها؟

مصطفى بوهندي: نعم، فقط نبين بعض المفاهيم حتى ندخل إلى هذا الموضوع يعني عندما نقول الإسرائيليات فإننا لا نقصد الجوانب الصحيحة والإيجابية الموجودة في الوحي الذي أوحي على موسى عليه الصلاة والسلام والذي أوحي إلى عيسى فإن هذا دين واحد قد أوحي إلى إبراهيم وعيسى وموسى وإلى محمد صلى الله عليه وسلم كذلك وإنما نتحدث عن الجوانب الخاصة المتعلقة ببني إسرائيل أو بالنصارى والغير صحيحة والتي دخلت إلى الثقافة الإسلامية.. إلى الثقافة بشكل عام، دخلت على اليهودية ودخلت على المسيحية وعندما جاء الإسلام جاء ليصحح ذلك، عندما نزل القرآن هو نزل ليصحح ذلك كما قال الله سبحانه وتعالى {..وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ..}[يونس:57] فهو جاء يصحح هذه الإشكاليات الموجودة في الثقافات السابقة، لكن المفسرين بشكل عام.. طبعا هناك مفسرون نقاد وهناك محدثون نقاد ولم يقبلوا كل الروايات ولم يقبلوا كل الأحاديث وكانت لهم مواقف من الإسرائيليات سلبية ترفضها، ولكن بشكل عام هناك مقولات سمحت بدخول هذه الإسرائيليات إلى التفسير، مثلا قولهم يعني أخبار أهل الكتاب إذا لم يترتب عليها عمل فلا بأس في روايتها لأنه لا يترتب عليها حكم ولذلك سمحوا برواية أخبار الأمم السالفة ورواية الفتن ورواية ما قبل الساعة وغير ذلك وقالوا بأن القرآن كلام موجز وإن الكتب المقدسة السابقة كلام مفصل فيمكن أن نفصل ما جاء في القرآن موجزا بما جاء في الكتب السابقة مفصلا. ولكنهم أخطؤوا لأن التلاوة القرآنية هي تلاوة جديدة تعيد الرؤية هي تتعلق بالرؤية ولا تتعلق بالموضوع والمضمون هي تتعلق برؤية جديدة للعالم رؤية جديدة للحياة رؤية جديدة للغيب ولذلك عندما ينقلون بعض التفاصيل من كتب سابقة ومن إسرائيليات ومن نصرانيات ويدخلونها في القرآن يفسرونها به فكأنهم ألغوا الدور القرآني الذي جاء مبينا ومصدقا من جهة ولكنه جاء مهيمنا كذلك يبين ما أضيف ويبين ما ألبس فيه الحق بالباطل ويبين أشياء كثيرة. إذاً هذا هو الإشكال، عندما لم يعتقدوا بأن للقرآن رؤية خاصة وقراءة خاصة تحتاج أن تكون هي المهيمنة لا أن تهيمن عليها الرواية والتفسير ولذلك سمحوا بالروايات..

أهمية القصص وتعامل الصحابة والمحدثين مع الإسرائيليات

عثمان عثمان: الإسرائيليات فضيلة الدكتور هل كانت قاصرة على موضوع القصص أم تعدته إلى الأحكام والعقائد الإسلامية؟

مصطفى بوهندي: في خطأ آخر بشكل عام عند الرواة عند المؤخرين وعند المفسرين كذلك وهو اعتقادهم أن الدين أهميته في جانب الأحكام، افعل، لا تفعل، في الجانب الفقهي العملي ولكن جانب القصص، القصص لا بأس في روايتها ولا مشكلة فيها. والحقيقة أن القصص هي أكبر من الأحكام، القصص تقدم المنهج القصص تكشف عن سر التاريخ عن سنن التاريخ وسنن المجتمع وسنن الله في خلقه عبر نماذج حية هي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأقوامهم والأمم السابقة وتجارب السابقين، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[يوسف:111] فالقصص هي أكبر من الأحكام لأنها تقدم الخطوط العريضة والقضايا الكلية التي يحتاجها الإنسان وتقدم التنوير اللازم للإنسان، أما الأحكام الجزئية فهي فرعية ولكن في ثقافتنا اهتممنا بالجوانب الفرعية والتفصيلية والعملية وتركنا الجوانب الكبيرة النظرية حتى سمينا الفقه هو هذه الجوانب العملية بينما الفقه في القرآن {.. لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}[الأنعام:65] يبدأ من الجوانب النظرية الكبيرة وعلى رأسها توحيد الله وعلى رأسها العمل الصالح وعلى رأسها اليوم الآخر والإيمان بقدرة الإنسان على أن يكون مستخلفا في هذه الأرض.

عثمان عثمان: هناك أحكام وهناك عقائد، ربما تناولت بأن القصص الواردة في القرآن الكريم ربما هي أوسع من الأحكام، ماذا بشأن العقائد؟

مصطفى بوهندي: نعم هذه الأحكام والعقائد لا تنفصل، الأحكام مرتبطة.. مثلا حرمة الخمر، إذا قلنا الخمر حرام فلا بد أن نعتقد أن الخمر حرام، ولماذا هو حرام؟ لأنه يضر هذا الإنسان، هناك فلسفة في الخمر قدمها القرآن لم يقل لنا الخمر حرام وإنما قدم لنا عبر آيات مختلفة جوانب متعددة عن هذا الخمر، مرة تحدث عن {..فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ..}[البقرة:219] ومرة تحدث عن.. وطبعا وقال لنا {..وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا..}[البقرة:219] ومرة قال {..إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}[المائدة:90، 91] بمعنى في نظرية متكاملة إذا لم يفهمها الإنسان لا يمكن أن ينتهي عن الخمر فإذاً هو يقنعه. ولذلك القرآن هو {..آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ..}[العنكبوت:49] فهو يبين لهم شيئا فشيئا من جوانب كثيرة، من جوانب الاجتماع وجوانب الاقتصاد من جوانب الفكر وجوانب المآل وجوانب الواقع كل هذا يدخل في بعضه من أجل أن يصل الإنسان إلى أن ينتهي على أمر أو يأتي أمرا ما، أما افعل أو لا تفعل فهذا ليس هو الفقه، الفقه في القرآن فيه هذه الجوانب كلها.

عثمان عثمان: نعم دكتور هناك من يقول بأن بعض الصحابة اعتنوا بالإسرائيليات، ما صحة ذلك؟ وإن كان صحيحا ما دلالته أيضا؟

مصطفى بوهندي: أولا ينبغي أن نفهم بأن القرآن عندما جاء وجد ثقافة قائمة وكان الدين الأساسي فيها هو الدين اليهودي والدين المسيحي وكان هناك المشركون الذين ليس لهم كتاب وليس لهم دين ولذلك كان هناك أهل الكتاب الذين لهم دين وكتاب وهناك الأميون الذين لا يعلمون الكتاب ولا الإيمان، ومحمد صلى الله عليه وسلم بعث في الأميين ولكن جاء بكتاب فكانت لغته العربية دلالة على أنه لم يأخذه من أهل الكتاب الذين كانوا في زمانه. ولكن ما ناقشه القرآن هو ما كان موجودا في هذه الثقافة، كان الناس في موضوع البعث وهو موضوع اليوم الآخر في أمر مريج فجاء القرآن في آيات مختلفة ليناقش هذا الموضوع مع المشركين من جهة ومع أهل الكتاب من جهة أخرى ومع باقي الناس الذين يلحقون به من بعدهم بعد ذلك، وكما أنه كان موضوع الألوهية فيه إشكالات فكان التثليث في المسيحية وعبادة بعض الأحبار والرهبان في اليهودية أو غير.. والشرك في الجزيرة العربية، كل هذه الأفكار التي كانت جاء القرآن ليقول لهم إنما إلهكم إله واحد، فكان يناقش معهم هذه القضايا وهذه هي القضايا الأساسية ومن ثم فهي قضايا عقائدية كانت موجودة. الأفكار التي كانت موجودة جاء القرآن يعني عبر طرقه ووسائله وتقنياته ليصححها ليشفي الناس منها، إنها أمراض، اعتبرها القرآن أمراض عقائدية وأمراض ثقافية جاء القرآن ليعالجها لكن كيف يعالجها؟ إنه يعالجها في النفس يعالجها في القلوب يقنع الناس ولذلك يأمرهم بتلاوة القرآن دائما شيئا فشيئا {.. فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ..}[المزمل:20]، هذا القرآن عن طريق أدلة مرة بالمثال من التاريخ ومرة بالمثال من النفس ومرة بالمثال من الكون يلقي في روع الإنسان ويوحي إلى الإنسان بالحق فيعرف أنه الحق ويترك الباطل ويترك الشبهات، إذاً..

عثمان عثمان (مقاطعا): نعم دكتور، اسمح لنا أن نأخذ مداخلة لفضيلة الشيخ المحدث محمد عوامة من المدينة المنورة، مرحبا بكم فضيلة الشيخ.

محمد عوامة/ محدث- السعودية: سلمكم الله وحياكم الله.

عثمان عثمان: دكتور كيف تعامل المحدثون كيف تعامل أهل الحديث مع الإسرائيليات؟

محمد عوامة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبعد، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" وللعلماء في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام "ولا حرج" قولان، لا حرج في التحديث ولا حرج عليكم إن لم تحدثوا. وقد حدثنا صلى الله عليه وسلم عن كثير من المواقف التي كانت في بني إسرائيل من مواعظ وعبر، والصحابة رضي الله عنهم نهجوا هذا المنهج فمنهم من توجه إلى هذا الأمر وتحمل من أحاديث أهل الكتاب الشيء الذي يذكر -لا أقول بالشيء الكثير ولا أقول بالشيء القليل- كسيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما وغيره وكذلك من التابعين ثم جاء بعد ذلك على زمنهم الأئمة المحدثون رضي الله عنهم، ومن المعلوم أن من أقدم الكتب الحديثية التي وصلتنا كتاب الإمام مالك رضي الله عنه "الموطأ" وفيه شيء من هذه الأخبار ومما جاء فيه في أواخر "الموطأ" أنه نقل إلينا عن سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام قوله "إنما الناس معافى ومبتلى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية"، وجاء من بعده الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني في تفسيره وفي مصنفه وجاء بعده بقليل الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله في مصنفه وأفرد أبوابا كثيرة في الحكايات عن الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام. ولكن الضابط الذي وضعه أئمتنا ومنهم على التحديد ابن تيمية رحمه الله في مقالة له طبعت مفردة بعنوان "مقدمة في أصول التفسير" وتبطن هذه المقالة تلميذه ابن كثير رحمه الله في مقدمة تفسيره وذكر فيها الضابط في قبول الإسرائيليات أو ردها أن ما جاء منها موافقا لما في كتبنا وشريعتنا قبلناه وما جاء مخالفا رددناه وما لم يكن كذلك لا موافقة ولا مخالفة حكيناه وذكرناه على سبيل الاستفادة وللاستئناس لا للاعتقاد والاعتضاد كما قال ابن تيمية رحمه الله.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ محمد عوامة المحدث المعروف كنت معنا من المدينة المنورة، شكرا جزيلا لك. فضيلة الدكتور أعود إليك، كيف تسربت تلك الثقافة الإسرائيلية إلى الوعي والتصور الإسلامي بعد عصر التدوين؟ هل كان ثمة ما يساعدها على ذلك؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد فاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام.

[فاصل إعلاني]

الروايات الإسرائيلية في الثقافة الإسلامية ولدى المفسرين

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الإسرائيليات في تفسير القرآن الكريم مع الدكتور مصطفى بوهندي أستاذ مقارنة الأديان في جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء. دكتور أعود إلى السؤال كيف تسربت تلك الثقافة (الإسلامية) إلى الوعي والتصور الإسلامي بعد عصر التدوين؟ هل هناك ما ساعدها على هذا التسرب؟

مصطفى بوهندي: تقصد الثقافة الإسرائيلية؟

عثمان عثمان: صحيح، ثقافة الإسرائيليات، نعم.

مصطفى بوهندي: يعني أولا ينبغي أن نؤكد على أن الإسلام بثقافته دخل على المجتمعات التي كان فيها اليهود وكان فيها النصارى وكثير من هؤلاء اليهود وكثير من هؤلاء النصارى دخلوا في الإسلام ودخلوا في ثقافته ووجدوا أن ما جاء به القرآن يتوافق بشكل كبير جدا مع ما يوجد في كتبهم وفي ثقافتهم، كما أن الذين أسلموا والمسلمون يعني كذلك وجدوا ما في الثقافات السابقة موافقا لما جاء به القرآن في كثير من جوانبه، وكما ذكر لنا المتدخل السابق بأنهم وكأنهم وضعوا قاعدة فالأشياء التي اتفقت مع ما يوجد عندنا نرويها والأشياء التي ناقضت ما يوجد عندنا نرفضها والأشياء التي ليس فيها لا رفض ولا قبول يعني نرويها ونحكيها على سبيل..

عثمان عثمان: كما ذكر فضيلة الشيخ محمد عوامة نعم.

مصطفى بوهندي: نعم. هذا الموقف..

عثمان عثمان (مقاطعا): لدي سؤال فضيلة الدكتور.. تفضل.

مصطفى بوهندي: (متابعا): فهذا الموقف فيه إشكال هو أنه وإن توافق الموضوع وتوافق المضمون فللقرآن رؤية خاصة تحتاج أن تفهم بعيدا عن التدخلات الأخرى، مثلا قصة ابني آدم ذكرت في سفر التكوين وذكرت كذلك في سورة المائدة وتحدثت في سورة المائدة عن الابنين الذين قدما قربانا {..فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ..}[المائدة:27] واحد أراد أن يقتل أخاه، فبين لنا القرآن من خلالها مجموعة من المفاهيم والتصورات التي تخالف ما سارت عليه الرواية الإسرائيلية، الرواية الإسرائيلية كما نعرف تأثرت بالتاريخ الإسرائيلي، الدين في التاريخ الإسرائيلي أصبح دينا قوميا عنصريا وقتل النفس غير اليهودية ليس فيه أي مشكل ولكن القصة كما تلاها القرآن الكريم وكما تليت في التوراة هي من أجل أن تتحدث عن ابني آدم كيفما كان أنت ابن آدم فلا يمكنك أن تقتل أخاك ابن آدم آخر مهما كان دينك ومهما كان قربانك سواء تقبله الله أو لم يتقبله فالله لا يقبل من الذين يقتلون وإنما يقبل من المتقين، كن متقيا إذا أردت الله أن يتقبلك، لكنه في الرواية التوراتية -لا أقول التوراتية ولكن أقول في التفسيرات وفيما وضعه الحاخامات وما وضعه الكهنوت- سارت في اتجاه الدفاع عن قايين أو كما يقول "اقتنيت رجلا من عند الرب" هذا قايين بمعنى أن هذا الرجل هو رجل يهودي إن أردنا فلا بد من الدفاع عنه ولذلك جعل الله له علامة لئلا يقتله كل من وجده وقال "ومن قتل قايين فإنما ينتقم منه سبعة أضعاف"، هذا الموقف الذي أصبح دفاعا عن القاتل جاء القرآن ليقرأه لنا قراءة جديدة ويقول لنا {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً..}[المائدة:32] وهو يؤسس للتعامل مع الناس جميعا على اختلاف أديانهم، كن من أي دين لا يجوز لك أن تقتل آخر بسبب اختلاف الدين، هذا هو الذي أراد القرآن أن..

عثمان عثمان (مقاطعا): طيب دكتور نعم وضحت الصورة دكتور، اسمح لنا أن نأخذ الدكتور..

مصطفى بوهندي: (متابعا): ولكنه في الروايات..

عثمان عثمان (مقاطعا): نعم اسمح لنا أن نأخذ الدكتور عدنان زرزور أستاذ التفسير وعلوم القرآن في جامعة البحرين الذي ينضم إلينا من عمان. دكتور حكاية المفسرين للروايات الإسرائيلية هل كانت مجرد رواية فقط أم أنهم اعتمدوها وبنوا عليها؟

عدنان زرزور/ أستاذ التفسير وعلوم القرآن في جامعة البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم، الشكر للأخ عثمان ولضيفك الكريم على هذا العرض الطيب. لا شك بأن المفسرين عنوا بالرواية الإسرائيلية إلى حد ما أو حد كبير طبعا مع تفاوت المفسرين بطبيعة الحال، لكن نحن إذا رجعنا الآن إلى مضامين كتب التفسير لنحدد ما هي الآفاق أو ما هي الموضوعات التي دارت حولها الرواية الإسرائيلية أصلا نجد بأنها ثلاثة موضوعات تقريبا أو يعني، الموضوع الأول قصص الأنبياء والسبب فيه هو أن القرآن الكريم أساسا يعني جاء موثقا لحياة الأنبياء مع أقوامهم بوصف القرآن الكريم {..مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ..}[المائدة:48] أي كتاب؟ الكتب السماوية السابقة {..وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ..}[المائدة:48] بمعنى أن ما كان ما بقي من تلك الديانات على وجه الحق أكده القرآن وأوجده كذلك وما كان باطلا أو فاسدا يعني بين فساده وبين بأنه يعني ليس صحيحا. لذلك علما بأن القرآن الكريم في توثيقه لحياة الأنبياء عبر قصصهم إنما ركز في حقيقة الأمر على العبرة والعظة -كما قال الأخ المتحدث- على العبرة والعظة ولم يدخل في التفصيلات لأن القرآن كتاب هداية وتشريع وليس كتاب ما في التاريخ، ولكن اليهود تقريبا يعرضون القصص عرضا تاريخيا ولا يعرضونها كما عرضها القرآن الكريم. المفسرون لم يجدوا بأسا من أن يستفيدوا من بعض التفصيلات التي لم تكن موضع عناية القرآن الكريم، هذه التفصيلات قد لا تكون فيها كبير فائدة وقد يكون فيها في بعض الأحيان مساس بحياة الأنبياء أو بعصمتهم علما بأن هذا تصدى له العلماء في وقت مبكر يعني حديث أظن داود اللي تسوروا المحراب وإلى آخره أو قصته مع يعني أوريا وزوجة القائد إلى آخره كان سيدنا علي يقول "من حدث بهذا الحديث جلدته 160" يعني مضاعف لأنه يمس تقريبا بموضوع عصمة الأنبياء. الموضوع الأول إذاً قصص الأنبياء والسبب فيه واضح كما قلنا، الموضوع الثاني الذي كانت فيه رواية إسرائيلية موضوع الصفات الإلهية لأن الجدل العقائدي فيها كان كثيرا، مع الأسف بعض المسلمين يعني فهموا الصفات الإلهية في ضوء التشبيه والتجسيم الذي كان عند اليهود وأطلقوه على الله سبحانه وتعالى ولكن العلماء تصدوا له تماما في وقت مبكر، تحدثوا عن مقاتل بن سليمان الذي ملأ تفسيره بالتشبيه والتجسيم وهشام بن الحكم الذي زعم بأن معبوده سبعة أشبار، هذا نفي من التراث الإسلامي تقريبا وتصدى له المسلمون حتى يعني صار من مفردات العقيدة الإسلامية أن التشبيه والتجسيم من دين اليهود. الموضوع الثالث الحقيقة أريد أن أقف عنده قليلا لأن مجال الحديث فيه كثير وهو آيات الكون والطبيعة، الطبيعة في القرآن تحتل يعني مساحة كبيرة جدا والآيات المتعلقة عن الظواهر الطبيعية كثيرة وهذه لم يكن يعرف المفسرون عبر العصور المدلول العلمي لهذه الآيات، وجدوا في الروايات الإسرائيلية بعض التفصيلات عن الشمس، عن القمر، عن المد، عن الجزر، يبدو أن الذي ساعدهم على أخذ هذه الآراء أو هذه التفسيرات كما قال الدكتور تقريبا أن هذه ليست آيات تكليفية يعني ليس فيها تحليل حرام ولا تحريم حلال فأخذوها ووضعوها في الكتب، لكن تبين لنا فيما بعد أن هذا ليس صحيحا فصار الناس يقولون والله عندكم في القرآن.. عندنا في القرآن، ليس صحيحا هذا ولكن هذا من هوامش كتب التفسير ومع ذلك نفي هذا من كتب التفسير بصورة عامة. أريد أن أقول المنهج الذي عقب عليه فضيلة الأستاذ المحدث، الإمام البخاري يروي حديث النبي صلى الله عليه وسلم "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" يعني لا تبادروا إلى التصديق بدون بينة ولا تبادروا إلى التكذيب بدون بينة، هذه معرفة من المعارف الإنسانية نحن لا مانع عندنا من الاطلاع عليها على أساس "الحكمة ضالة المؤمن" كما جاء في الحديث الحسن "أنى وجدها.." حتى تتمة الحديث الحقيقة شيء ملفت للنظر جدا تتمة الحديث "أنى وجدها.. " يعني مو أخذها الرواية الصحيحة "أنى وجدها فهو أحق بها" أحق بها ممن؟ أحق بها ممن أخذها من عنده لأن القرآن الكريم.. لأن الثقافة الإسلامية تضعها في إطارها الإنساني وفي إطارها الممتد إلى يوم القيامة. ومن ثم يعني لا أريد المبالغة أعتقد بأن الإسرائيليات يعني اختلف حجمها في بعض كتب التفسير ولكنها في نهاية المطاف لم تقدم شيئا ذا بال يعني يضاف إلى الثقافة الإسلامية، يعني مثلا عندما نقول إن القرآن الكريم عرض للعقائد التي.. لبعض العقائد التي كانت سائدة في عصره أو التي كانت في قبل عصره كذلك وكان العرض للعقائد شاملا بصورة عامة لأن العقيدة واحدة أساسا عند الأنبياء جميعا منذ آدم ونوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم وجانب التشريع تقريبا لا أظن كان فيه يعني خلاف أو فيه مشاكل وأعتقد بأن هذا يعني..

تبادل المفاهيم والتأثير بين الأديان والثقافات

عثمان عثمان (مقاطعا): شكرا الدكتور عدنان زرزور أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم من جامعة البحرين كنت معنا من عمان. دكتور لو أردنا أن نعود إلى موضوع الإسرائيليات في التفسير كما ذكر فضيلة الدكتور الآن هناك تفاوت، ما حجم هذه الإسرائيليات في التفسير تفسير القرآن الكريم؟

مصطفى بوهندي: لو أتممنا فقط هذه المقارنة بين يعني في قصة ابني آدم لتبين لنا بعض الجوانب، يعني المفسرون في تعليقهم على آيات سورة المائدة أوردوا لنا كل ما ذكر فيه عند أهل الكتاب وأوردوا لنا قصة المرأتين والرجلين والصراع ما بين الرجلين والمرأتين على.. ما بين الأخوان هذا يريد الزواج بأخت هذا وهذا لا يريد ولذك قتله فغاب الموضوع الأساسي وهو الله يتقبل من المتقين وغاب الموضوع الأساسي الذي من أجله وضعت القصة وهي {..مَنْ قَتَلَ نَفْسَا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ..}[المائدة:32] فالقرآن جاء ليؤسس مبادئ إنسانية عالمية بناء على أن هذا الموضوع عند بني إسرائيل {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ..} إن هذا موجود عند بني إسرائيل ولذلك فما أورده القرآن في القصص وهو موجود عند اليهود وعند النصارى وقرأه قراءة جديدة ليعطيه بعده الإنساني العالمي البعيد عن الطائفية والبعيد عن العنصرية والبعيد عن أولياء الله وعن أبناء الله وأحبائه فلا ينبغي للمسلمين أن يصبحوا هم أبناء الله وأحباءه وأولياء الله من دون الناس كما الآخرون، إن هذه عيوب عند الأمم فلا ينبغي أن نسقط فيها، ولذلك فالأحكام التي يقدمها هي أحكام كلية، الرجوع إلى الإسرائيليات هو تكريس للمفاهيم التي جاء القرآن لتصحيحها، إذاً نحن لا ينبغي أن نحصر أنفسنا في هل يقبل الإسلام أو هل يقبل القرآن أو هل يقبل الدين ما ورد عن اليهود والنصارى؟ نعم يقبل الدين ما ورد عن اليهود والنصارى ولكن إذا كان هذا الوارد عن اليهود والنصارى يحتاج إلى التبين والتأكد فلا بد وأن نتبين فيه ونتأكد منه، وفي نفس الوقت المشكلة أين تقع عندنا؟ عندما نجعل هذا كلاما مرفوعا لأن هذه الأحاديث المروية عن بني إسرائيل أصبحت أحاديث قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبح ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج القرآن وحيا ثانيا فأصبحت هذه الأخبار التي يفسر بها القرآن وكأنها قرآن آخر وحي ثان يعضد الوحي ولا نفهم القرآن إلا في إطار هذا الوحي الجديد الذي هو أخبار أهل الكتاب، لو قالوا لنا هذا كلام الناس يؤخذ منه ويرد وإن روي وفسر به فلا مشكلة لأن التفسير عملية اجتهادية فليست عندنا مشكلة لأننا نحن لا بد نحتاج إلى التفسير في زماننا وأولادنا يحتاجون إلى التفسير في زمانهم وآباؤنا قد احتاجوا إلى التفسير في زمانهم ولكن هذا التفسير لا ينبغي أن يحيط بالقرآن ويلغي مقترحات القرآن، لقد تحدث الأخ السابق عن الطبيعة، أين هي الطبيعة عندنا في القرآن؟ مثلا سألت عن التشريع، نحن تحدثنا عن العقيدة، التشريع لو أخذنا التلمود لوجدنا فيه كتابا يسمى كتاب الطهارة "طهاروت"، في فقهنا..

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور حبذا لو نختصر قليلا لأن الوقت ضاق.

مصطفى بوهندي: (متابعا): في ثقافتنا في فقهنا تطور كتاب الطهارة بشكل كبير جدا، فقه الطهارة كان كبيرا جدا بينما ليس فيه في القرآن إلا آية واحدة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ..}[المائدة:6] انتهت الطهارة..

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الدكتور تحدثنا عن الأحكام في بداية الحلقة، اسمح لي فضيلة الدكتور أن نأخذ الدكتور أحمد شحلان أستاذ الأدب العبري من الرباط. دكتور استكمالا.. أولا مرحبا بك، استكمالا يتصور الكثيرون أننا كأمة إسلامية في موقع التلقي الدائم عن الأمم والديانات السابقة، السؤال ما أثر الثقافة العربية والإسلامية في الفكر العبري اليهودي؟ وأنتم متخصصون في الأدب العبري، بإيجاز ولمدة دقيقتين فقط لو سمحت دكتور.

أحمد شحلان/ أستاذ الأدب العبري- الرباط: مساء سعيد سيدي الكريم، مساء سعيد السادة النظار الكرام.

عثمان عثمان: مرحبا بك.

أحمد شحلان: هذا موضوع طويل كنت أود أن يفسح له من الوقت أكثر من هذا ولكنني أحاول..

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكن الوقت ضاق..

أحمد شحلان (متابعا): ولكنني أحاول أن ألخص ما أمكن، إن تأثير الحضارة العربية والإسلامية في الثقافة اليهودية يمكن أن تؤخذ من عدة وجوه أحاول أن ألخصها. أولا من وجهة استعمال المعارف العربية الإسلامية فاليهود في حضارة الغرب الإسلامي وفي الشرق الإسلامي وجدوا مرتعا فكريا لم يتمكنوا من وجود مثيله في تاريخهم فيما قبل، حتى أن الباحثين منهم اليوم يقولون إن العصر الذهبي للثقافة اليهودية هو العصر الإسلامي ولا يشاح أحد في هذا، نأخذ كما قلت باب استعمال المعارف، إن يهود العالم الإسلامي الشرق والغرب الإسلامي أخذوا كل العلوم العربية الإسلامية بدءا من التفسير واللغة والبلاغة وعلم الكلام كعلوم استعملوها في منافعهم العلمية والمعرفية والدينية وتتلمذوا فيها على علماء مسلمين وفي أماكن لا بد أن تكون أماكن إسلامية ومدارس إسلامية، ثم إنهم في مجال آخر أخذوا المنهج فالتأليف في اللغة وفي التفسير وفي علم الكلام وفي البلاغة لم يكن معروفا عند اليهود قبل الحضارة الإسلامية فكل هذه العلوم أخذوها في الحضارة الإسلامية ومن علماء الإسلام، ولا يمكن أن نجد لهم فيما قبل هذا كتبا مؤلفة في هذه العلوم فكبار علمائهم في اللغة وفي علم الكلام وفي الشعر ظهروا في الشرق والغرب الإسلامي. هناك أسماء كثيرة في باب التأليف في اللغة نجد النحوي أبا الوليد مروان بن الجماح كتب أول كتاب وذكر فيه سيبويه وبيّن أنه أخذه عن سيبويه، وفي علم التصوف نجد بحيا بن باقوت السرقسطي في الأندلس كتب أعظم كتاب في التصوف هو "الهداية إلى فوائض القلوب" وهو من أهم الكتب، ونجد في فن الشعر موسى بن عزرا ألف كتابه...

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور أحمد شحلان طبعا كما ذكرتم الموضوع طويل ومتشعب بحاجة إلى وقت أكثر ولكن الوقت ضاق، أشكرك جزيل الشكر كنت معنا من الرباط. طبعا كما ذكرتم هناك تبادل ما بين الديانات والثقافات ليس هناك طرف يتلقى والآخر يعطي فقط. دكتور أعود إلى السؤال هل ترى أن ثمة مفاهيم إسرائيلية قد تسربت إلى الفكر والتصور الإسلامي؟

مصطفى بوهندي: نعم، هناك مفاهيم كثيرة تسربت وهذه المفاهيم فيما يتعلق مثلا بأخبار الأمم السابقة، في كثير من قصص الأنبياء موجودة الآن وهي تروج عند الناس منها قضية الخطيئة والمرأة المسؤولة ومسؤولية المرأة وغير ذلك القصص كلها لأن القصص لا تعطي فقط حكايات وإنما تؤسس أفكار وتؤسس مواقفا، الموقف المتدني من المرأة في العالم الإسلامي أساسه الإسرائيليات، الموقف المتدني من الإنسان أساسه كثير من الإسرائيليات، موضوع الطبيعة هذا موضوع غائب شبه غائب، لماذا؟ لأن عندنا روايات تربطنا بتفاصيل فقهية كما فعل اليهود في تلمودهم فالمنهج التلمودي، أخذنا الفقه التلمودي وتركنا المنهج الفقهي الكلي الذي ينظر إلى جدل الطبيعة والغيب والإنسان هذا التداخل الثلاثي فكنا فقط نتحدث عن أمور تفصيلية أحكام تفصيلية وهذا مشكل منهجي كبير جدا يعني نحتاج إلى مراجعته وأن نؤسس على المقترحات القرآنية المفتوحة يعني منهجنا. ويمكن أن أعطي مثالا ذكرت منه جزءا وهو موضوع الطهارة، القرآن الكريم تحدث عن الماء بشكل كبير جدا لعل قصة يوسف هي قصة تدبير في وقت الجفاف لمدة 15 سنة وهي تبين لنا كيف أن رجلا يعني في منطقة يعني صحراوية ويأتي إلى مصر ليحل مشكلة من خلال خطة لـ 15 سنة في منطقة جافة يتكرر فيها هذا الموضوع، إذاً موضوع الماء لو سألنا القرآن الكريم من أوله إلى آخره لكان يدعونا إلى النظر إلى الماء، عندما يقول {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}[عبس:24] أول شيء {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً}[عبس:25] فيتحدث لنا عن النظر إلى الماء، أين هو فقه الماء؟ أين هو علم الماء؟ يعني لو أخذنا عدد الآيات المتحدثة عن الماء لوجدناها بالمئات ولكن أين هو هذا الفقه؟ هذا وهو الذي يؤمن لنا الأمن الغذائي ويؤمن لنا الأمن الاقتصادي وغير ذلك، نحتاج إلى فقه في الطبيعة كبير جدا..

عثمان عثمان (مقاطعا): ما علاقة هذا بالإسرائيليات دكتور؟ وباختصار شديد في عشر ثوان لو سمحت.

مصطفى بوهندي: لأن كتاب الطهارة عند اليهود مثله مثل كتاب الطهارة عندنا أنواع المياه والمياه التي يغسل بها ولماذا هذا الغسل وما الذي ينجسها وأنواع النجاسات، هذا الموضوع في الحقيقة بقي تاريخيا لم يطور ولم يأخذ أبعاده من خلال المكتسبات البشرية في مجال على الأقل الماء ومجال التطهير نفسه وهو علم أصبح كبيرا ولكننا متخلفون فيه..

عثمان عثمان (مقاطعا): نعم دكتور أعتذر منك لانتهاء الوقت، الدكتور مصطفى بوهندي أستاذ مقارنة الأديان في جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء كنت معنا من الرباط أشكرك جزيل الشكر، كما أتوجه بالشكر إليكم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة أنقل لكم تحيات معد البرنامج الدكتور معتز الخطيب والمخرج سلام الأمير وسائر فريق العمل، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة