محاكمة الرؤساء.. هاجس للثورات   
الاثنين 1432/7/27 هـ - الموافق 27/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 11:31 (مكة المكرمة)، 8:31 (غرينتش)

- المحاكمة.. مطلب مشروع للثورة
- العدالة والتغير السياسي
- محاكمة مبارك تحدٍ كبير للقضاء
- أهداف الثورات العربية
- الثورة بين سندان المحاكمة ومطرقة الإصلاح

منى كريم
حسني الباجي
ناصر أمين
علي المحجوبي
محمد سعيد إدريس 
ليلى الشيخلي
ليلي الشيخلي:
حياكم الله وأهلا إلى حديث الثورة، ففي تونس ومصر شُرعت أبواب المحاكم أمام زعيمي البلدين المخلوعين زين العابدين بن علي وحسني مبارك، محكمة بن علي إنطلقت بالفعل وقد أعد له أكثر من تسعين ملفاً بين تهم جنائية وأخرى سياسية مثل هذه التهم تنتظر مبارك حين يمثل أمام القضاء في أغسطس المقبل، هذه المحاكمات التي تحولت إلى أولوية لدى صناع الثورة في كلا البلدين تثير إهتماماً واسعاً بمن يراها من ضرورات التحول الديمقراطي ورادعاً لمنع قيام نظم إستبدادية مستقبلاً، لكن وبرغم هذه المطالبات الواسعة ثمة من يخشى الإنشغال بمثل هذه المحاكمات على حساب حل المشاكل الأساسية التي أورثها بن علي ومبارك لشعبيهما في تونس ومصر، ويرى أن العدالة الإنتقالية أولى في هذه المرحلة من عدالة القضاء.

[تقرير مسجل]

لطفي حجي: أموال منهوبة من الخزينة العامة للدولة ومجوهرات وسبائك ذهبية مسروقة وحيازة مخدرات هو العنوان الأبرز لمحاكمة بن علي وزوجته، في أول تهمتين موجهتين إليهما، هيئة المحكمة حرصت وسط حضور إعلامي مكثف على إبراز أنها تحترم شروط المحاكمة العادلة في حين رأى المحامون في المحاكمة فرصة جديدة للتأسيس لقضاء يليق بالثورة. لإن غاب المحاميان الفرنسي واللبناني اللذان عينهما بن علي للدفاع عنه فإن الهيئة الوطنية للمحامين سخرت محامين للدفاع عن بن علي وزوجته مثلما تقضي شروط المحاكمة العادلة كما يقولون، وقد برر محامو الدفاع عن بن علي قبولهم المرافعة في القضية، غير أنهم سجلوا مطعناً أساسيا في الإجراءات. محامون ومواطنون تجمعوا خارج قاعة الجلسة للإحتجاج على المحاكمة وإعتبروها مسرحية ما لم يتم الإسراع بجلب بن علي، في المقابل رأى آخرون أنها تؤسس لعهد عربي جديد، فصل أول من محاكمة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ستتلوه فصول أخرى بالتأكيد أهمها تلك التي ستدور أمام المحكمة العسكرية والمتعلقة بالقضايا السياسية الخطيرة، ويبقى الدور على المحامين والمنظمات الحقوقية لتفعيل تلك المحاكمات ولما لا.. جلب الرئيس المخلوع حتى تتطمئن قلوب التونسيين الذين عانوا طويلاً من فساده وقمعه.. لطفي حجي- الجزيرة، من مقر المحكمة الإبتدائية بتونس العاصمة.

[نهاية التقرير]

المحاكمة.. مطلب مشروع للثورة

ليلي الشيخلي: وهناك خبر عاجل ربما شاهدتموه على الشاشة قبل قليل أن الرئيس زين العابدين بن علي قد حكمت عليه المحكمة الإبتدائية بخمسة وثلاثين عاماً بتهم فساد، إذن هذا هو الخبر حتى الآن.. ينضم الآن إلينا عبر الأقمار الصناعية من تونس الدكتورة منى كريم أستاذة القانون والمختصة في الملاحقة الجزائية لرؤساء الدول، كذلك ينضم المحامي حسني الباجي عضو هيئة الدفاع عن الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، كما ينضم إلينا بعد قليل من مصر الأستاذ ناصر أمين الخبير الحقوقي ومدير المركز العربي لإستقلال القضاء والدكتور شوقي السيد المحامي وعضو مجلس الشورى المصري السابق، وأبدأ معك دكتورة منى ربما سؤال عام ولكنه يؤسس لهذه الحلقة ما أهمية تحقيق العدالة في مراحل التحول السياسي للدول؟

منى كريم: المحاكمة هي مكسب ومطلب شرعي ومشروع للشعب التونسي، وبالتالي لا يمكن الحديث عن إنتقال ديمقراطي عن تحول دون محاكمة من خان هذا الوطن..

ليلي الشيخلي( مقاطعة): ولكن هذا هو القرار يبدو وكأنه صدر يعني قرار سريع جداً..

منى كريم: قرار..

ليلي الشيخلي: قرار المحكمة الإبتدائية.

منى كريم: قرار الحكم بـخمسة وثلاثين سنة، تراءى للمحكمة بعد التحقيق أن لا بد للحكم على بن علي في القضايا الأولى التي مثلت أمام القضاء بخمسة وثلاثين سنة، لكن لا يعني ذلك أنه ليست هنالك إجراءات استئناف في هذه القضية، القضاء لم يقل كلمته الأخيرة بعد، حتى وإن كان.. لا أرى أن هنالك تسرعا بأن المحاكمة بدأت بعد أربعة أشهر من فرار الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

ليلي الشيخلي: ولكن هل كنت تتوقعين حكماً بهذه السرعة حتى لو كان قابلاً للطعن؟

منى كريم: بصراحة لم أكن أنتظر حكماً بهذه السرعة لأنني علمت أن المحامين طالبوا بتأجيل النظر في القضية إلى حين.. لمدة أخرى حتى يمكن لبن علي أو يتسنى لبن علي ربما القدوم والحضور لهذه المحاكمة، لكن ننتظر الإستئناف في هذه القضية..

ليلي الشيخلي( مقاطعة): بما أن معنا أحد المحامين أو أحد أعضاء هيئة الدفاع عن الرئيس زين العابدين بن علي.. المحامي حسني الباجي ما هو تعليقك على صدور الحكم بهذه السرعة؟

حسني الباجي: والله يا أخت ليلى مساء الخير..

ليلى الشيخلي: مساء النور..

حسني الباجي: أولا شخصيا فوجئت بهذا الحكم لأنه منذ الصباح أحسسنا نحن هيئة الدفاع عن الرئيس السابق أن هناك عجلة وتسرع غير مبررين لأنه في البدء طلبنا من المحكمة تمكيننا من الإطلاع على أوراق ملف القضية لإبداء ما لنا من ملحوظات وكذلك للترافع في القضية، غير إنه هنالك طلب آخر هام طلبنا من المحكمة التأخير للسعي للإتصال بمناوبنا لإقناعه بضرورة الحضور والدفاع عن نفسه ودفع التهم الموجهة إليه ومقارعة الحجة بالحجة وكذلك بدحض التهم الموجهة إليه من قبل النيابة العامة غير إننا فوجئنا هذا المساء بحكم متسرع، وهذا حقيقة أخت ليلى لا يخدم أهداف الثورة التونسية لأنه من أهدافها وشعاراتها التي رفعت من قبل شباب الثورة هو القطع مع المنظومة القضائية السابقة المتمثلة في القضاء غير المستقل والمحاكمات الجائرة التي لا تُحترم في أبسط شروط المحاكمة العادلة وهذا أمر صراحة غير مقبول..

ليلي الشيخلي: طيب.. ما هي الخطوة المقبلة من جانبكم؟

حسني الباجي: شخصياً.. هناك قضيتان، القضية الأولى لا ألوم فيها الرئيس السابق ولا زوجته لأنها من مشغولات أحد الزملاء لكن في القضية الثانية وصلني الآن خبر أن المحكمة قامت بالإستجابة لطلبنا وأخرت القضية لجلسة 30 يونيو لتمكننا من الإطلاع على ورق ملف القضية وتعرض علينا المحجوز المتمثل في المواد المخدرة التي حُجزت عن المتهم في هذه القضية وكذلك تمكيننا من إبداء الملاحظات ومن المآخذ على مستوى الإجراءات والشكليات.

ليلي الشيخلي: لكن في النهاية بن علي غير موجود، الحكم غيابي هل له قيمة حقيقية ما الذي سيترتب عليه؟

حسني الباجي: صراحة أخت ليلى على المستوى الإجرائي، الحكم الغيابي بمجرد الطعن فيه ينحل ويصبح في حكم العدم ولا يمكن الحديث عنه ويصبح عديم المفعول بمجرد إنه أي متهم محكوم غيابيا يمكنه أن يعترض تلقائيا، أو عندما يتم إعلامه في هذا الحكم ، ويصبح الحكم فيه منحلاً وغير ذي معني وغير ذي مبدأ.

ليلي الشيخلي: أريد أن أعود للدكتورة منى في هذا الخصوص، القضية السرعة ربما هي في محاولة إثبات أن هناك قطع مع النظام السابق وأن ثمة ليست محاكمة الشخص وإنما محاكمة حالة الإستبداد هل هذا ما حصل اليوم؟

منى كريم: شخصيا.. لا أعتقد أن هذا ما حصل لأن القضيتيين من جملة قضايا أخرى ما زالت لم ينظر فيها القضاء، لكن التسرع حسب رأيي أنا فوجئت به وأعتبر أنه كان على القضاء أن يتمهل قليلاً قبل النطق بالحكم لأن الآن سيحصل نوع من الاعتراض من طرف الرأي العام، سيعتبر أن هذا الحكم هو ليس حكما ًعلى الشخص بل يدخل في إطار إنتقام، قضاء يتسم بالإنتقام وليس بالنزاهة، وحسب رأيي كان من المستحسن تأجيل النظر في القضية مثلما طلب المحامون هذا الصباح محامو الدفاع.

العدالة والتغير السياسي

ليلي الشيخلي: طيب.. إنضم إلينا الآن ناصر أمين الخبير الحقوقي ومدير المركز العربي للإستقلال القضاء، أريد أن أعود للسؤال الأساسي الذي طرحته في الحلقة وأهمية تحقيق العدالة في مراحل التحول السياسي للدول، هل يمكن أن يحدث هذا على حساب قضايا جوهرية كالإصلاح والتنمية؟

ناصر أمين: يعني أنا أعتقد أنه ثورة تونس ومصر كلاهما رفعوا شعاراً واحداً هو الحرية والعدالة، والعدالة هنا تقتضي منا أن نختار أو نقع بين خيارين أساسيين إما الإنتقام من رموز النظام السابق أو أنهم يعرضوا لمحاكمة عادلة أو منصفة ترفع من قيمة العدالة التي كانت مطلبا أساسيا في الثورتين، أتصور أن هذه الإشكالية التي يقع فيها المجتمعان التونسي والمصري الآن لا سيما فيما يتعلق بمحاكمة رموز النظام السابق، في كليهما واضح أن هناك قراراً سياسيا في كلا البلدين من أنه يجب أن تتم محاكمة رموز النظام السابق وفق قواعد المحاكمة العادلة والمنصفة أي أنهم يحاكموا أمام قاضي طبيعي يحاكموا وفقا لقانون الإجراءات المحلي ويحاكموا أيضا وتوفر لهم فرص الدفاع، هذه الخيارات في ذات الوقت تقابل برفض شديد جداً من الشارع التونسي والمصري.

ليلي الشيخلي( مقاطعة) : ولكن حول هذه النقطة تحديداً .. هناك من يشكك أصلاً في المنظومة القضائية أصلاً مثل الأستاذ عبد المجيد مؤخرا أثار هذه النقطة وقال أن هناك نصوص نقص في تلاحق الفساد القضائي..

ناصر أمين: يعني هو في طبيعة الحال لم يكن يتوقع أحدأ في تونس أو في مصر أن هناك ثمة ثورات قد يمكن أن تندلع وأن هناك رؤساء للجمهوريات في العالم العربي ممكن إلقاء القبض عليهم وأن هناك نظم قد تسقط، معظم التشريعات العقابية في العالم العربي لم تتوقع على الإطلاق حدوث هذه الثورات ومن ثم توجيه مثل هذه الإتهامات لذلك، حدث ما يمكن أن يُسمى فراغاً تشريعياً في مصر وتونس فيما يتعلق بمحاكمة أعضاء رموز النظام السابق في جرائم خلت القوانين العقابية من أي نصوص عليها وهو ما أحدث ربكة شديدة جداً في محاكمة هؤلاء الأشخاص لذلك بتصور أن الإكتفاء بالجرائم الجنائية المذكورة في قانون العقوبات في الدولتين أو يسمى قانون الجزاءات في بعض الدول، أيضا محاكمة هؤلاء الأشخاص على جرائم الفساد المالي العام وهذه الجرائم مذكورة أيضا في قانون الجزاءات والعقوبات في بعض الدول فيمكن إجراء المحاكمات على هذا النحو ويمكن لهذه المحاكمات أن تلبي رغبات مطالبي العدالة أو ضحايات الثورات أو ضحايا النظم السابقة بضمانة أن تتم هذه المحاكمات وفق معايير المحاكمة العادلة المنصفة المنصوص عليها في المعايير الدولية.

ليلي الشيخلي: ولكن أليس السرعة سبب أساسي مثلاً في عدم تحقيق هذه العدالة التي تتحدث عنها يعني قضية fast and fair كما يثار دائما في الغرب يعني أنه لا يمكن أن يستوي الأمران، أن تكون هناك قضية سريعة أو محاكمة سريعة وعادلة في آن واحد؟

ناصر أمين: ده صحيح لكن إذا نظرنا إلى الإجراءات التي تتخذ في مصر تجاه الرئيس مبارك ورموز النظام السابق فربما نرى أن هذه الإجراءات تتسم وتنتقد بأنها إجراءات بطيئة، حتى هذه اللحظة أحيل فقط الرئيس مبارك وبعض رموز النظام السابق إلى المحاكمات، وهذه المحاكمات ما زالت سارية قضية الرئيس مبارك محالة إلى شهر أغسطس القادم كأول جلسة للنظر بها، البعض يرى أن هذه الإجراءات بطيئة جدا هذا في مصر أما في تونس فكانت الإجراءات أسرع قليلاً، وربما الحكم الذي صدر اليوم على الرئيس التونسي بن علي ربما هذا وفقا لأحكام وقانون الإجراءات التونسي الذي يقضي بأن المتهمين في مثل هذه القضايا يجب أن يحضروا المتهمين بأشخاصهم وإلا حكم عليهم غيابيا من الجلسة الأولى هذا أيضا هو القانون المماثل عندنا في مصر والذي يقضي بضرورة أن يحضر المتهم منذ الجلسة الأولى وفي حالة تغيبه يعتبر هارباً وفي حالة ما إن كان ملقى القبض عليه أو محبوساً إحتياطياً يستوجب حضوره أمام المحكمة ويجب على المحكمة أن تستمع إليه ويجب أن تسأله في التهم المنسوبة إليه ويجب أن تسمع إنكاره أو إقراره لهذه التهم.

ليلي الشيخلي( مقاطعة) : طيب.. ربما هنا لو سمحت لي أريد أن أنتقل إلى الدكتورة منى كريم في تونس يعني ربما من هنا جاء ما قاله الرئيس بن علي عندما تحدث عن عدالة المنتصر كيف نميز بين العدالة والثأر وهذا الأمر أشرت إليه قبل قليل؟

منى كريم: نتحدث عن عدالة عندما تتوفر جميع ظروف المحاكمة العادلة، وماذا نعني بمحاكمة عادلة، يعني خاصة توفير حق الدفاع للمتهم، الثأر نتحدث عن الثأر عندما لا يتمكن المتهم من الدفاع عن نفسه، في قضية الحال تمت إنابة محاميين من المحكمة التونسية للدفاع على بن علي وقاموا بتقديم الملف وطالبوا بتأجيل القضية لكن المحكمة رأت عكس ذلك ونطقت بالعقاب، وبالتالي لا يمكن الجزم حسب رأيي الآن أن هذا الحكم هو بمثابة الثأر لأن الإجراءات ما زالت متواصلة والعدالة والقضاء لم يقل كلمته الأخيرة في كل القضايا وفي كل التهم الموجهة لبن علي، ما زالت تهمة الخيانة العظمى، تهمة التآمر على أمن الدولة، المحكمة العسكرية هي بصدد النظر في قضايا وبالتالي الآن لا يمكن الجزم بأن العدالة لم تأخذ مجراها وأن هنالك مزجاً بين الثأر وبين العدالة الحقيقية حسب إعتقادي.

ليلي الشيخلي: ننتظر ثم نحكم على.. لكن أثيرت ليس الآن إذا كان هناك أهمية لإثارتها ولكن يجب أن نطرحها أستاذ حسني الباجي يعني لماذا لم تثر القضايا السياسية لماذا لم يتم التركيز على قضايا المخدرات وحيازة الأسلحة يعني هل القضية تتعلق بصعوبة إثبات تُهم سيسية هل هذه كانت المشكلة الأساسية؟

حسني الباجي: أولاً أخت ليلى أود أن أُبيّن أن أحد أوجه.. عفواً نعود بكِ إلى الوراء أحد أوجه العزلة في هذه القضية أنه كان على هيئة المحكمة اليوم أن تستدعي منوبنا المتهم في قضيتين، أن تستدعيه لجلسة المحاكمة قبل ثلاثين يوماً من تاريخ الجلسة، إلاّ أنها إستدعته يوم الرابع عشر من يونيو جوا أي قبل 6 أيام من تاريخ الجلسة، وفي ذلك خرق واضح لإجراءات الفصل 136 من مجمل الإجراءات الجزائية وتكون محاكمة جزائية..

ليلى الشيخلي (مقاطعة): ولكن أستاذ حسني.. أثرت هذه النقطة ولكن هل هناك أهمية لهذه النقطة بمعنى سواء أُعطي مهلة 10 أيام أم 60 يوماً هل فعلاُ سيكون لذلك أي قيمة؟ هل يمكن أن تقوم السلطات السعودية مثلاً بإجباره على مغادرة السعودية أو أن يقوم هو بالحضور إلى تونس.. هل هذا أصلاً أمر واقعي؟

حسني الباجي: أخت ليلى الأمر يتعدى الجانب القانوني إلى الجانب الرمزي، لأننا بعد الثورة كنا في تونس، كلنا كنا نعوّل على تغيير المنظومة القضائية في تونس وهذا التغيير ينطلق من خلال احترام الإجراءات، واحترام الشكليات، لكي نصل إلى القضاء الناجز والقضاء العادل، والقطع مع المنظومة الإستبدادية كاملة. ألاّ أنه فوجئنا بأن أبسط الإجراءات المتمثلة في إستدعاء منوبنا في هذه القضية لم يتم احترامها.. فكيف لنا أن نطالب أو نقطع مع الموروث.. موروث العهد السابق من جورٍ وحيفٍ وزيغٍ بالإجراءات وإنحراف بالإجراءات، والحل بأننا في أول قضية، في أول لحظة تاريخية بعد الثورة يصل بنا الأمر إلى أن المحكمة تبت في ملف فيه خرق كبير للإجراءات، وأقول صراحة فيه بطلان لكل الإجراءات، لأنه ما بُني على هذه الإجراءات فهو باطل، وكل القضية تصير باطلة طبق أحكام..

ليلى الشيخلي(مقاطعة): فقط لأنه لم يتم إعطائه الوقت الكافي للإستدعاء.. هل هذا ما تستند إليه؟

حسني الباجي: صحيح.. لأن القانون التونسي يفرض إستدعاؤه المتهم الذي له مقر معلوم خارج الديار التونسية ، خارج التراب التونسي، ثلاثون يوماً قبل الجلسة والحال أن المتهم في طبيعة الحال منوبنا موجود في المملكة العربية السعودية بجدة تحديداً، وله مقرٌ معلوم، وكان بالإمكان إستدعاؤه قبل ثلاثين يوماً قبل تاريخ هذه الجلسة، وليس قبل 6 أيام، وفي ذلك خرق واضح وفاضح للإجراءات، وهذا أمر لا نتمناه لأننا وددنا لو أن المحكمة تمهلت واحترمت الإجراءات، لكي لا يُقال بأن هناك عدالة إنتقامية أو ما قيل في بيان أو بين الصحف لمنوبنا بأن هناك عدالة المنتصر وعدالة إنتقامية وهذا أمر لا نبتغيه.

ليلى الشيخلي: هذا الموضوع طبعاً بعيد تماماً عن حالة الرئيس المصري أستاذ ناصر، بسبب وجوده داخل مصر.. كيف يختلف السيناريو هنا؟

ناصر أمين: لا السيناريو مختلف وإن كان هناك تشابه كبير.. الحالة المصرية هي الرئيس حسني مبارك في حالة حبس إحتياطي.. فهو محبوس بالفعل على ذمة القضية المتهم فيها، سواءً بقتل المتظاهرين، والشروع في قتل آخرين، وكذلك تُهم التربح وإستغلال النفوذ. هو محبوس إحتياطي على ذمة هذه القضايا، إنتهت التحقيقات معه تماماً، وأُحيل ملف القضية إلى المحكمة الجنائية المختصة، التي حددت الجلسة الأولى لنظر هذه القضية في أوائل شهر أُغسطس القادم. الرئيس يجب أن يحضر جلسات المحاكمة وفقاً لأحكام القانون المصري، المحكمة الجنائية المصرية لا يمكن أن تنظر القضية ألا في حضور المتهم شخصياً، في حالة عدم حضور المتهم لأي سبب، إذا كان هارباً فيجوز للمحكمة أن تصدر حكمها بأقصى عقوبة في أول جلسة، دون النظر إلى وجود دفاع من عدمه، لأن العبرة الأساسية أمام المحكمة الجنائية هو بوجود المتهم وليس بوجود دفاعه. هذا إذا كان المتهم قد أُبلغ بالجلسة ولم يحضر، أو علم بها ولم يحضر. أما إذا كان المتهم محبوساً على ذمة التحقيق، فسوف تأتي به سلطات التحقيق في الميعاد الذي حدده القاضي، ويمثل أمام القاضي، ويراه القاضي بعينيه، ويسمعه بأذنيه، ويوجه له الإتهام، ثم ينتظر من المتهم إما إنكار التهمة، أو إقرارها، وفي حالة إنكاره وهذا هو المتوقع ، يبدأ الدفاع في القيام بعمله وفق أحكام القانون..

ليلى الشيخلي(مقاطعة): ولكن هنا أستاذ ناصر، بغض النظر عن نتيجة المحاكمة،وما سيقوله الرئيس، سيبقى هناك من يثير قضية الإستقطاب في الشارع المصري وتوقيت ذلك قبل أم بعد الإنتخابات.. إلى أي حد هذه النقطة مهمة؟

ناصر أمين: لأ هو بطبيعة الحال التأجيل الذي حدث للقضية الخاصة بحسني مبارك هو تأجيل طبيعي جداً، وهذا كان أمر مثار انتباه شديد، هو أنه طبقت قواعد...

ليلى الشيخلي(مقاطعة): ولكن هناك خطورة في التأجيل أنها اقتربت من موعد الإنتخابات، وهناك من يرى أن الربط بحكم هذا التوقيت سيصبح أمراً لا يمكن الفرار منه وهذا ما تصر عليه الواشنطن بوست.

ناصر أمين: يعني أنا بتصور أنه بشكل عام يجب أن نضمن محاكمة عادلة ومنصفة لكل متهم حتى ولو كان ذلك هو الرئيس مبارك، أو حتى رموز النظام السابق. للمتهمين ضمانات كفلها الدستور وكفلتها أيضاً المواثيق الدولية يجب أن تُراعى، وأهم من هذه الضمانات هو ألا تتم المحاكمات في ظروف سياسية ضاغطة ، وألا يكون هناك مطالبات غاضبة من الجماهير بضرورة دفع المحكمة إلى إصدار حكم معين لأن ذلك يؤثر في إرادة القاضي ويؤثر في قناعاته ، ويؤثر أيضاً على إستقلاله في إتخاذ الحكم المناسب وفقاً لقواعد العدالة، ووفقاً للأوراق والأدلة المقدمة إليه. لذلك من المستحسن إذا ما أردنا أن نظهر محاكمة عادلة ومنصفة أن تتخذ هذه المحاكمة وقتها كما يرى القاضي صاحب الدعوة يؤجلها كما يرى هو أنها بحاجة إلى تأجيل سواء لإعطاء فرصة للدفاع بأن يستعد لتقديم دفاعه عن المتهم أو لأي أسباب أخرى ، حتى تبتعد عن أجواء الصخب وإن كانت هذه الأجواء لن تنتهي على الإطلاق لأن الثورة أصبح فيها دماء، وأصبح فيها شهداء، وهناك أهالي ضحايا الشهداء وربما معظم ثوار مصر يرغبون في أن تنتهي هذه المحاكمة سريعاً، وربما لا نتفق كثيراً مع هذ المطلب، لأن المطالبة بالإسراع في المحاكمة قد يضر بعدالة هذه المحاكمة..

ليلى الشيخلي: على العموم هذا يقودنا إلى محور الجزء الثاني من هذه الحلقة محور العدالة الإنتقالية.. طبعاً الجزء الأول ربما أخذ منحى مختلفة تماماً في النقاش بسبب الحكم السريع من المحكمة الابتدائية في تونس في حق الرئيس المخلوع، ولكن سعداء بوجود المحامي حسني الباجي عضو هيئة الدفاع عن الرئيس التونسي المخلوع كان معنا في هذا الجزء نشكرك.. نودعك الآن.. ونستقبل ضيوفاً جدد شكراً جزيلاً وابقوا معنا..

[فاصل إعلاني]

ليلى الشيخلي: أهلاً من جديد.. الحالة في مصر قد تكون مطابقة للحالة في تونس، فالمطالبون بسرعة جلب مبارك وأركان نظامه إلى القضاء هي الأعلى صوتاً، باعتبار ذلك يستكمل أهداف الثورة التي تمخضت عن خلعه في فبراير الماضي.. التقرير التالي يلقي مزيداً من الضوء على هذه القضية.

محاكمة مبارك تحد كبير للقضاء

[تقرير مسجل]

استبطأوا مثوله أمام العدالة بعد مرور نحو شهرين من نجاح ثورتهم التي أطاحت بحكمه، فجلبوا الرئيس المخلوع إلى ميدان عدالتهم، فقد ذهبت بشباب الثورة الظنون إلى أن تواطئاً ما لا بد قد إنعقد لتجنيب مبارك ذل المثول في قفص الإتهام. ظنٌ حسبوه مسنوداً بعدة إعتبارات، منها أن مبارك قائد سابق للقوات المسلحة الشريك المهم في إدارة الفترة الإنتقالية. بيد أن أحداث الأسبوع الذي تلى جمعة المحاكمات وتطهير البلاد، جاءت مخالفةً لظنون المشاركين في تلك الجمعة أو ربما مدفوعة بها، فبعد أربعة أيام فقط من تلك الجمعة بدأ جهاز الكسب الغير مشروع تحقيقات قاسية مع مبارك إستمرت 6 ساعات وإنتهت به إلى مستشفى شرم الشيخ. منذ ذلك التاريخ الثاني عشر من إبريل الماضي توالت التحقيقات مع مبارك، متراوحة بين جرائم القتل العمد، والشروع في القتل العمد بحق نحو 6000 شخص سقطوا بين قتيل وجريح في التظاهرات السلمية أثناء ثورة الخامس والعشرين من يناير الماضي. إضافة إلى إستغلال النفوذ والإضرار العام بأموال الدولة ، والحصول على منافع وأرباح مالية له ولغيره بدون وجه حق. هذا إلى جانب تهمة أخرى يمكن أن تُضاف إلى لائحة التهم التي يواجهها مبارك، وهي بيع الغاز المصري لإسرائيل بأسعار مخفضة والتسبب في الإضرار بمصالح الدولة التي فقدت أكثر من 700 مليون دولار بسبب هذه الصفقة. تهم تصل عقوبة بعضها إلى الإعدام الذي لا يشكل سن مبارك المتقدم أي عائق في وجه تنفيذه في حال صدر بحقه. رغم أن محاكمة مبارك ستبدأ حسب مصادر عدلية في مصر في شهر أغسطس المقبل فإن حكماً صدر ضده سلفاً في قضية قطع خدمة الإتصالات وخدمة الرسائل النصية عن الهواتف المحمولة في جميع أنحاء مصر في الأسبوع الأول للثورة. إستناداً إلى هذا الحكم وبالقياس عليه وإنطلاقاً من المجهود الكبير الذي تبذله لجان تقسي الحقائق على الأرض، فإن خبراء قانونيين كثيرين في مصر أعربوا عن توقعهم إدانة مبارك في أغلب التهم الموجهة إليه إن لم يكن فيها جميعاً، ذلك أن مسؤوليته في الأفعال موضوع التهم حسب ما يقولون لا يتصور منطقٌ أن تكون أقل من مسؤوليته في قضية قطع الإتصالات. هذا بالطبع فيما سارت المحاكمات من دون تدخلات القدر أو حسابات البشر التي يمكن أن تحرفها عن مسارها الحالي.

[نهاية التقرير]

أهداف الثورات العربية

ليلى الشيخلي: ونستكمل النقاش مع ضيوفنا، تبقى معنا الدكتورة منى كريم أستاذة القانون المختصة في الملاحقة الجزائية لرؤساء الدول من تونس، وكذلك الأستاذ ناصر أمين الخبير الحقوقي ومدير المركز العربي لإستقلال القضاء. وينضم الآن إلينا الدكتور محمد سعيد إدريس رئيس وحدة دراسات الثورة بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية من القاهرة ، وكذلك الدكتور علي المحجوبي العميد السابق لكلية العلوم الإنسانية . ابدأ معك دكتور محمد السعيد إدريس تحديداً بفكرة العدالة الإنتقالية، بأن الإنتقال لمرحلة حكم ديكتاتوري إلى مرحلة ما بعد هذا الحكم تتطلب ربما تركيزا على جوانب الإصلاح والتنمية والبناء تحديداً. إلى أي حد هذه الفكرة قابلة للتحقيق في العالم العربي برأيك.

محمد سعيد إدريس: أعتقد أن الثورات التي قامت، قامت من أجل مباديء وأهداف محددة واضحة جداً تكاد تكون هي نفسها في كل البلدان العربية العدالة، والحرية، والكرامة. الكرامة للمواطن، والكرامة للوطن. ده كان يتطلب أمرين: الأمر الأول هو مواجهة النظام القديم إسقاط النظام ورموز النظام وسياسات النظام، وإعادة بناء نظام سياسي جديد يحقق هذه المباديء. المشكلة المثارة الآن وفيها نوع من الخلط المتعمد للأسف هي تأزيم الأوضاع الأمنية وتأزيم الأوضاع الإقتصادية ومحاولة تكفير المواطنين بالثورات التي قامت، والدعوة إلى الإصلاح بدلاً من الثورة، والتحجج بأن هناك أزمات إقتصادية، يجب أن نتوقف عن مسار الثورة ونهتم بالتنمية.. التنمية على حساب ماذا على حساب مستقبل.. لا يمكن أبداً بناء مستقبل بشكل يتعارض تماماً مع الأهداف التي قامت الثورات من أجلها. الأهداف واضحة وصريحة وهذه الثورات لم تقم بشكل رغائبي ولكن كانت اضطرارية من جانب الشعب، وصلت الأمور إلى مدى لا يمكن تحمله بعد. إحنا في مصر طرحنا هذا الشعار كفاية منذ سنة 2004 كنا نرى بشكل أكيد وعلمي وليس إنفعالياً، إن كل يوم يمر على مصر في ظل نظام حسني مبارك هو خسارة وتآكل بماضي وحاضر مصر ومستقبلها، يعني كان لا بد من وضع نهاية لهذا النظام وبداية نظام جديد نظام يؤسس على شرعية جديدة..دون الخلط بين الإصلاح والثورة.

ليلى الشيخلي (مقاطعة): دكتور معهد كارنجي يعتبر أن هذا المنطق منطق سياسي وليس منطق عدالة..

محمد سعيد إدريس: يعتبر ما يعتبر.. يعتبر هو.. يعني معهد كارنجي ولا غيره ولا أميركا ولا أوروبا حتعلمنا يعني إيه قانون ويعني إيه عدالة..

ليلى الشيخلي (مقاطعة): ربما هذا الكلام.. يعني هذا رأيك ونحترمه.. ولكن التاريخ أيضاً يُعلم دكتور علي المحجوبي هناك أمثلة تم تطبيق بها العدالة الإنتقالية في أميركا اللاتينية في تشيلي تحديداً مع بينوشي، في أندونيسيا مع سوهارتو، في جنوب افريقيا مع مانديلا حتى في المغرب نفسها لجان الحقيقة والمصالحة.

علي المحجوبي: على كلٍ فإن من أهداف الثورة التونسية هي الديمقراطية ، والعدالة الإجتماعية ، نحن نعتبر أن أسباب الثورة تعود أساساً إلى عوامل إجتماعية نجمت عن التفاوت الجهوي والتفاوت الإجتماعي.

ليلى الشيخلي: دكتور عفواً سامحني لأنني لا أريد أن أعود الى الوراء هنا أنا أتحدث عن هذه المرحلة عن مرحلة ما بعد وهذه المرحلة الإنتقالية تطبيق مبدأ العدالة الإنتقالية بمعنى التركيز على قضايا البناء والإصلاح بدلاً من التركيز على المحاكمات وما إلى ذلك، هل هو قابل للتطبيق في العالم العربي على غرار ما حدث في أميركا اللاتينية وأماكن أخرى في العالم؟

علي المحجوبي: يعني في هذه الظروف في تونس، تونس إحنا في يعني فترة من تاريخنا فيها هدم الماضي وبناء المستقبل، وبالتالي مثلاً قضية الفساد وقضية القمع وقضية القتل هي قضايا مازالت تشد الرأي العام التونسي، والرأي العام التونسي يعمل كذلك على أن يكون هنالك حلول لهذه القضايا تنصف ضحايا الفساد وضحايا القمع وضحايا القتل وهذه هي.. يعني تواطئة لبناء المستقبل.

الثورة بين سندان المحاكمة ومطرقة الإصلاح

ليلى الشيخلي: طيب دكتورة منى إذن برأيك كيف يمكن الاستفادة من هذا التسريع في تحقيق العدالة فعلاً ..في الإسراع في عمليات البناء والإصلاح السياسي؟ هل هناك ربط؟

منى كريم: عفواً لم أستمع إلى السؤال جيداً.

ليلى الشيخلي: كيف يمكن الإستثمار ربما هذا الإسراع..

منى كريم: هل يمكن أن تعيدي السؤال من فضلك..

ليلى الشيخلي: نعم ، كيف يمكن الإستثمار، الإسراع في تحقيق العدالة في قضايا الإسراع بالبناء والإصلاح السياسي في البلاد؟

منى كريم: تحقيق العدالة، البناء والإصلاح السياسي لا يمكن أن يغض الطرف عن المحاكمة العادلة، العدالة الإنتقالية لا تعني غض النظر ولا تعني تجاهل ما تم ارتكابه في الماضي من جرائم..

ليلى الشيخلي: كالتأجيل.

منى كريم: تأجيل، التأجيل إلى متى..

ليلى الشيخلي: يعني في حالة بينوشيت كان هناك وقت ثم حوكم، في حالة سوهارتو أيضاً وهناك كثيرون حوسبوا في جنوب إفريقيا..

منى كريم: بينوشيت لم يحاكم، بينوشيت توفي قبل صدور الحكم..

ليلى الشيخلي(مقاطعةً): نعم ولكن كانت هناك ملاحقة قضائية له يعني لم يمت ميتة البطل في النهاية يعني كان هناك ملاحقة لم ينجو بفعلته..

منى كريم: نعم، لم ينجو بفعلته وكانت هنالك ملاحقات سواءً سواءً في التشيلي سواءً في لندن أو في عديد البلدان الأخرى لكن لم يمت ميتة البطل كما قلت، التأجيل لا أرى منه فائدة، يمكن البناء ويمكن الإصلاح وفي نفس الوقت توفير ظروف المحاكمة العادلة، المهم عندي هو أن الفترة الإنتقالية والحديث عن عدالة إنتقالية لابد أن يتم بتوفير كل الظروف الملائمة لمحاكمة عادلة حتى لا تتحول هذه المحاكمة الى فأر..

ليلى الشيخلي(مقاطعةً): طيب، أريد أن أعود للأستاذ ناصر أمين، يعني هي ربما القضية ليست قضية تأجيل، هي القضية قضية يعني النظر في هذا الموضوع للإستفادة من الوقت، قضية أولويات بالأحرى.

ناصر أمين: طيب دعيني أقرب بدايةً أن المرحلة الإنتقالية تقتضي تطبيق قواعد العدالة الإنتقالية و تطبيق قواعد العدالة الإنتقالية تقتضي أيضاً أن يتم عمل قطيعة ما بين ما حدث في الماضي وما ترغب فيه البلدان من الإنطلاق إلى المستقبل للتنيمة وتطور الإقتصاد لذلك يجب وأنا هنا بنضم إلى ما قلتيه من أن هناك تجارب للعدالة الإنتقالية في تشيلي ، في جنوب إفريقيا وأيضاً في المغرب بدرجة أو بأخرى التي أفرزت لجان الحقيقة والمصالحة أو الحقيقة والإنصاف، هذه اللجان بتقديرنا أننا في ظروف أفضل في مصر وفي تونس يمكن أن يستفاد من الأخطاء التي وقعت فيها هذه اللجان ولكن هناك ضرورة ملحة الآن للبدء فوراً في إنشاء هيئات العدالة الإنتقالية في مصر وفي تونس تتولى هي ملف الماضي بكامله بالمحاكمات، بمعرفة الحقيقة، بتعويض الضحايا، بضمان عدم التكرار وتترك النظام السياسي والحكومة الإنتقالية للإندفاع للأمام لأن الذي يعطل إجراءات الإندفاع باتجاه الإصلاح هو أن القيادات السياسية في هذه البلدان تعمل في ملفين معاً، ملف الماضي وملف المستقبل في ذات الوقت، في حين أن ملف الماضي يدعونا دائماً إلى العودة إلى الماضي والحركة في إتجاه معاكس لحركة المستقبل التي يجب أن تندفع إليها الحكومات في مسارات الإقتصاد والتنمية إلخ.. لذلك الحل في هذه الحالة هو إنشاء هيئات العدالة الإنتقالية التي تتولى ملف الماضي بكامله ثم تترك أمور الإنطلاق إلى المستقبل والتنمية والإقتصاد إلى الحكومات الإنتقالية أو الحكومات..

ليلى الشيخلي: طيب، هل أمامنا لازال.. اسمحلي أن أنتقل إلى الأستاذ محمد سعيد إدريس، هل مازالت هناك فرصة لتشكيل مثل هذه اللجان أم فاتت الفرصة برأيك؟

محمد سعيد إدريس: لا أنا لا أعترف أيضاً بهذه اللجان، لا أعترف بهذه اللجان دي لجان تسويف العدالة وأنا لا يمكن أبداً أبني مستقبلا على تسويف العدالة، بمعنى إذا كنت أريد أن أبني مستقبلا مستقراً لمصر يجب أن يبدأ على مستقبل حقيقي، يعني أنا أريد العدالة أريد العدالة السياسية والعدالة الإجتماعية والعدالة القانونية، كيف أبني هذه العدالة بأنواعها المختلفة وأنا أتجاوز مظالم وجرائم ارتكبت بحق المواطن المصري وبحق الشعب المصري، يأي معنى أتكلم عن المستقبل عدالة وأنا أهاجم العدالة وأتدنى بالعدالة أو أحقر شأن العدالة فيما إرتكب من جرائم ..

ليلى الشيخلي: طيب أستاذ ولكن يعني موضوع العراق لا يزال موجود..

محمد سعيد إدريس: لو سمحتي .. لو سمحتي

ليلى الشيخلي: تفضل.. يعني أنا أريد فقط أن أستفيد من الوقت، يعني المسار العراقي..

محمد سعيد إدريس: المسار العراقي يعني مساراً يختلف عن المسار المصري، أنا أرى نحن في مصر الكلام كلام حول عدالة انتقالية، وحكومات تتفرغ للبناء وهيئات عدالة انتقالية هذا كلام غير حقيقي وغير مقبول أبداً، الحكومة الموجودة حكومة تسيير أعمال ليس إلا، ليس لها علاقة بالمستقبل، المستقبل يحدده الشعب المصري بعد وضع الدستور والإنتخابات، واختيار حكومته الحقيقية، هذه حكومة تسيير أعمال يجب أن يكون القضاء المصري جاهزاً لمحاكمات عادلة تؤسس لعدل حقيقي ننتظره في مصر، لأن بناء خاطئ الآن على كلام يعني.. وكأننا نريد أن نبحث على مجال لتبرئة كل هؤلاء المجرمين الذين أجرموا جرائم لا يمكن تصورها، ليس فقط يعني في أثناء الثورة ولكن سنوات من قبل الثورة.. فساد مالي وفساد سياسي وقتل متعمد للناس داخل أقسام الشرطة وإهانة مصر وكرامة مصر، كل هذه جرائم لا يمكن أبداً.. لن تتحول الى أنبياء في يوم وليلة.

ليلى الشيخلي: ولكن لا أحد يتحدث عن التبرئة هنا..

محمد سعيد إدريس: لأن هؤلاء مجرمون ويجب أن يحاكموا..

ليلى الشيخلي: نعم، لا أحد يتحدث عن التبرئة..

محمد سعيد إدريس: إذا كنتم تبحثون عن مجال لتبرئتهم نحن نرفض هذا المنطق تماماً..

ليلى الشيخلي: لا أحد يتحدث عن التبرئة ولكن نتحدث عن ربما مرارة قد تحلق مشاكل ولا يتحقق الهدف الأساسي، الذي يعني بنية ..

محمد سعيد إدريس: العدل، لو سمحت..

ليلى الشيخلي: فقط لو سمحت لي، فقط حتى يعني للأسف لم يبق لي إلا دقيقتين، مثلاً ما حدث في العراق من محاكمة لصدام حسين في النهاية ما حصل بعد إعدامه حوله إلي بطل حتى بطريقة ربما لم يكن أصلاً المراد بها وهذا ربما يضع علامة استفهام وأعود إليك دكتور علي المحجوبي تعليق سريع على هذا.

علي المحجوبي: أنا في اعتقادي معناها يجب أن لا ننسى في تونس مثلاً أن الفساد عمل على نهب البلاد بصفة محكمة لمدة لا تقل على 20 سنة وقع على استيلاء على أملاك الدولة وعلى الشركات العمومية عن طريق الخوصصة وذلك لفائدة أذناب وعائلة الرئيس السابق وزوجته الى درجة أن بعض الملاحظين الأجانب يعتبرون أن هاتان العائلتان سيطرتا على حوالي 40% من إقتصاد البلاد، حتى نحقق عدالة إجتماعية، حتى نحقق معناها تنمية ونهضة يجب إسترجاع كل ما نهب من البلاد في هذه الفترة..

ليلى الشيخلي: وهذا الكلام ينطبق على دول عربية أخرى يعني لا يتخلف من دولة إلى أخرى، هناك سيناريوهات طرحت في التعامل مع الرؤساء الحكام العرب، إما النفي، العفو المحاكمة الوطنية، الملاحقة الدولية وطبعاً يربط كل منها بإسم رئيس في دولة عربية، أي الخيارات أفضل دكتورة منى، ولماذا؟

منى كريم: أي الخيارات أفضل، كل الخيارات مقبولة المهم أن تكون المحاكمة أن تكون هنالك محاكمة عادلة، أنت ذكرت منذ حين مثال صدام حسين الذي تحول إلى بطل رغم ما تميز به حكمه من دكتاتورية في العراق، لكن لماذا تحول إلى بطل، لأن محاكمته كانت محاكمة غير عادلة وكانت محاكمة غير نزيهة بالبتة وبالتالي المحاكمة عندما تكون عادلة فهي..

ليلى الشيخلي: ولكن ما كنت أرمي إليه هي قضية عقلية الثأر ربما هي التي أفرزت هذا الشعور عند كثير من المواطنين وفي العراق وهذا ما حصل..

منى كريم: عقلية الثأر هي التي حولت صدام حسين إلى بطل، نحن لا نريد محاكمة تتسم بالثأر والإنتقام، نريد محاكمة عادلة حتى يكون عبرةً للحكام في المستقبل لجميع الحكام العرب لأن إذا نلقي نظرة على التجارب في ميدان محاكمة رؤساء الدول، نجد أن القليل من رؤساء الدول الذين تمت محاكمتهم ويتم في كل حالة الإعتماد على حجج، واهية وغير منطقية حتى يفلت الحاكم من المحاكمة، نريد القطع مع هذه العقيدة وإرساء..

ليلى الشيخلي: أستاذ ناصر.. فقط عذراً 30 ثانية.. كلمة أخيرة هل توافق؟

ناصر أمين: يعني دعيني أتحدث سريعاً عن ما قاله الأستاذ الدكتور المصري يبدو أن لديه خلطا في فهم معايير العدالة الإنتقالية ولا يتصور أن العدالة الانتقالية لا تعني المحاكمات، العدالة الإنتقالية أولى خطوات العدالة الإنتقالية هي المحاكمة والمحاسبة ولكن.. المحاكمة والمحاسبة ليس بقصد الإنتقام ولكن بقصد إرساء مبدئين أساسيين، مبدئ سيادة القانون ومبدأ عدم الإفلات من العقاب لأي شخص مهما علا، لذلك واضح أن لديه خطأ في فهم العدالة الإنتقالية وليس لديه استيعاب لمعايير العدالة الإنتقالية، معايير العدالة الإنتقالية أو برامج العدالة الإنتقالية خمس برامج تبدأ بالمحاكمة والمحاسبة ثم تنتقل إلى تعويض الضحايا ومعرفة الحقيقة وضمان عدم التكرار وتطهير المؤسسات، إن لم يكن لديه علم بهذه المعايير فأرجو أن يعني ..

ليلى الشيخلي: على العموم هذا ما يتسع له الوقت، أشكرك أستاذ ناصر أمين الخبير الحقوقي ومدير المركز العربي لإستقلال القضاء وشكراً أيضاً للدكتور محمد سعيد إدريس رئيس وحدة دراسات الثورة في مركز الأهرام للدراست الإستراتيجية وشكراً للدكتورة منى كريم أستاذة القانون والمختصة في الملاحقة الجزائية لرؤساء الدول ودكتور علي المحجوبي عميد سابق لكلية العلوم الإنسانية وشكراً مشاهدينا الكرام على متابعة هذه الحلقة إلى لقاءٍ جديد في حديث آخر من أحاديث الثورات العربية، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة