المرأة والشعر العربي   
الجمعة 16/4/1425 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 6:48 (مكة المكرمة)، 3:48 (غرينتش)

مقدمة الحلقة:

منتهى الرمحي

ضيوف الحلقة:

فوزية السندي: شاعرة بحرينية
رشيدة بن مسعود: أديبة وناقدة
لطفية الدليمي: أديبة وكاتبة

تاريخ الحلقة:

18/11/2002

- ملامح صورة المرأة في الشعر العربي الحديث
- المفارقة بين واقع المرأة المتقدم وصورتها النمطية في الشعر الحديث

- المفارقة بين جماليات الصورة الشعرية وما تخفيه من رؤى دونيه للمرأة

- دور المرأة في تكريس صورتها النمطية في الشعر العربي

- الهيمنة الذكورية في النسق الثقافي العربي وأسباب تهميشها للمرأة

منتهى الرمحي: مشاهدينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لم أزل من ألف عام

أحمل الأنثى على ظهري

وأرسيها على بر السلام

كنت يا سيدتي خرساء قبلي

وبفضلي

صار نهداكِ يجيدان الكلام

وبدوني لن تري في كتب التاريخ

عفراء وليلى

أو تري هندا ودعدا

وبدوني لم يكن ثغرك مرسوماً

كخط الاستواء

اشكري الشعر كثيراً

أنت لولا الشعر يا سيدتي

لم يكن اسمك مذكوراً بتاريخ النساء

ودعونا نقرأ أيضاً:

ليس لكِ زمان حقيقي خارج لهفتي

أنا زمانك

ليس لكِ أبعاد واضحة

خارج امتداد ذراعي

أنا أبعادك كلها

هكذا عبر شاعر المرأة نزار قباني عن قمة الفحولة والأبوية تجاه المرأة في القصيدة العربية الحديثة، مانحاً بذلك للذات المذكَّرة سلطاناً على الأشياء وعلى العالم، وعلى المرأة بعد أن أرفقها بحسٍ تهييجي صارخ اختزل المرأة عند حدود جغرافيا الجسد، الذي مثل الأرض التي أقام نزار عليها جمهوريته الشعرية، والتي نجد فعلاً أغلب مواطنيها من النساء، كما ادَّعى الشاعر في قصائده التي يندفع وراءها القارئون والقارئات، ويطرب لها الرجال والنساء، الأمر الذي يطرح أمامنا اليوم في هذه الحلقة تحدياً خطيراً يتعلق بضرورة تفسير تلك المفارقة بين الجميل الشعري الظاهر والقبيح الثقافي المستتر في مضمون القصيدة العربية الحديثة تجاه المرأة، وكيف تختفي البشاعة الإنسانية تحت عباءة الجمالية في الكثير من قصائد الغزل الحديثة؟

للحديث عن المرأة والشعر، والبحث فيما إذا كان الشاعر العربي هو الذي خدم المرأة، أم أن المرأة هي التي خدمته نستضيف اليوم في استوديوهاتنا بالدوحة (الشاعرة والأديبة البحرينية) فوزية السندي، كما نرحب عبر الأقمار الاصطناعية من بغداد بالعراق بالأديبة والكاتبة لطفية الدليمي، وعبر الأقمار الصناعية أيضاً من الرباط بالدكتورة رشيدة بن مسعود (الناقدة الأدبية، وأستاذة الأدب العربي بجامعة الملك محمد الخامس في المغرب)

أهلاً بكن جميعاً ضيفات على هذه الحلقة من برنامج (للنساء فقط).

قبل أن أبدأ أود أن أذكر مشاهدينا الكرام الراغبين في المشاركة بأن بإمكانهم الاتصال بنا بعد ساعة من الآن على الأرقام التالية: (00974488873) أما رقم الفاكس فهو: (009744890865) أو عبر موقعنا على شبكة الإنترنت: www.aljazeera.net

[فاصل إعلاني]

ملامح صورة المرأة في الشعر العربي الحديث

منتهى الرمحي: هل خدم الشاعر العربي المرأة، أم أن المرأة هي التي خدمته؟ سؤالٌ عريض سنحاول تفكيكه، ونحاول الإجابة عنه في خلال هذه الحلقة، وفي محاور كثيرة. سأبدأ مباشرة وأدخل بالموضوع مع ضيفتي سيدة فوزية من البحرين، سيدة فوزية، لو اختصرنا.. أو لو حاولنا نتحدث بشكل سريع عن ملامح صورة المرأة في الشعر العربي الحديث، ماذا يمكن أن نقول؟

فوزية السندي: الحقيقة بلا شك أن صورة المرأة العربية في الشعر العربي الحديث هي صورة تم ترسيخها، بحيث أن تحولت إلى أداة شبقية –تحديداً- لإثارة الغرائز، عندما تم تحويل المرأة كموضوع، إذ يتم من خلال هذا الموضوع التعرض إلى جسد المرأة بشكلٍ مستقل عن كينونتها الإنسانية، وإلغاء عقلها، وإلغاء فكرها، والأهم من ذلك إلغاء حضورها الإنساني. عندما تحولت المرأة إلى موضوع تم إلغاء حضورها كذات مستقلة، وكذات منتجة وفاعلة في داخل النص الأدبي، هذه المسألة هي الإشكالية الحقيقية التي أعطت القارئ وأعطت المتلقي قيمة ثقافية بأن المرأة وجودها في القصيدة العربية هو وجود مهمش، ودوني، وأيضاً وجود مبتذل إلى حدٍ كبير، هذه القيمة الثقافية عندما يتم إيصالها من خلال النص الشعري تتحول إلى سلوك عدواني بالتالي في داخل المجتمع، إن صورة المرأة في القصيدة العربية هي صورة مرتبطة أساساً باللغة العربية، اللغة العربية ليست حيادية، وليست عادلة، بمعنى هي عبارة عن سياق تاريخي ولغوي لإرث ذكوري، هذا الإرث الذكوري شكل منظومة تم توارثها وتم تعزيز دونية المرأة خلال اللغة العربية، في كل مفرداتها النحوية والدلالية والمعجمية أيضاً، يعني حتى لو بدأنا القصة تاريخياً منذ قصة آدم وحواء حتى الآن نجد أن اللغة العربية مثقلة بهذا الموروث. جاء الشعر العربي ليكرس هذه الظاهرة الدونية، وممكن أن.. لنتطرق إلى العديد من المعايير الأخرى التي تؤكد هذه المسألة.

منتهى الرمحي: سنتحدث عن هذه المعايير في سياق هذه الحلقة، وأنتقل مباشرة إلى ضيفتي في الرباط، كناقدة أدبية سيدة رشيدة، هل تتفقين مع هذا الرأي؟ وهل يمكن التعميم بهذا الاتجاه أن ملامح المرأة العربية أو المرأة بشكل عام في الشعر العربي الحديث هي تكريس للجسد دون النظر إلى الكينونة الإنسانية فيها؟

رشيدة بن مسعود: أولاً في اعتقادي أن صورة المرأة في الشعر العربي الحديث لها امتداد وجذور في التاريخ العربي القديم، أي في هذه المرحلة منذ البداية، ومنذ العصر الجاهلي، إما تكريس صورة نمطية للمرأة تقوم أساساً على تشييئها، وذلك بالنظر إليها كجسد يرتبط بالمتعة والشبقية وصورة المرأة في الشعر العربي بصفة عامة ينبغي في نظري التقاطها من زاويتين أساسيتين، زاوية الخلق والإبداع الذي تبدو فيه المرأة كذات فاعلة منتجة لقول الشعر، وزاوية الموضوع التي تبدو من خلالها المرأة كمادة للاستهلاك يستمد منها الشاعر موضوعاته بالنسبة لقصائده الشعرية، والمعروف أن علاقة الشعر بالمرأة هي علاقة قديمة، وكما تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن أن تاريخ الشعر النسوي يمتد بجذوره في التاريخ العربي القديم، ونذكر على سبيل المثال من هؤلاء الشاعرات الخنساء الذي اعترف لها النقد بالجودة وبالإيجاد في قول الشعر، خاصة في غرض شعري وهو الرثاء، وأفتح هنا قوس لأقول بأن الشاعر النابغة الذبياني قد قدم فيها شهادة تؤكد أن شعر الخنساء هو شعر جيد، بل تفوق الرجال، وذلك عندما ضربت له قبة من أدم في المواسم التجارية التي كانت تقام على هامشها أندية ثقافية، وجلس إليه الأعشى والخنساء، وكانت قد أنشدته الخنساء قصيدة رثاء في أخيها صخر، فقال لها النابغة الذبياني: لولا أن أبا بصير أنشد لي آنفاً لقلت أنكِ أشعر الجن والإنس، فغضب حسان بن ثابت من ذلك وقال له أنا أشعر منك ومنها، إذن هنا تأكيد على أن علاقة المرأة بالشعر هي علاقة قديمة، وإذا ما انتقلنا.. ما.. ما.. إذا مررنا عبر العصور التاريخية سنجد أن المرأة تحقق نفس الموقع، وستتطور في قول الشعر، وستتجاوز قول الشعر كرثاء إلى قول...

منتهى الرمحي [مقاطعةً]: سيدتي، سيدتي، هنا.. هنا في.. هنا في هذه الحلقة يعني أود أن أؤكد أننا لا نريد أن نتحدث عن المرأة كشاعرة، أو نجاحها في قول الشعر، لأن هناك نماذج كثيرة معروفة يُشهد لها بأنها كانت من.. من.. تفوقت على الرجال حتى في الشعر، أنا أريد أن نحاول أن ندخل في الموضوع عن صورة المرأة في شعر الرجل العربي، في شعر ما يسمى بشعر الحداثة.

رشيدة بن مسعود: طبعاً سآتي إلى صورة المرأة في الشعر العربي، أي منذ العصر الجاهلي والشاعر يحتفي ويحتفل بالأنثى، ويتغنى ويفتتن بجسدها منذ امرؤ القيس وطرفة بن العبد، مروراً.. وصولاً حتى إلى عمر.. عمر أبي ريشة ونزار قباني، والصورة التي تكرست منذ العصر الجاهلي إلى الآن هي صورة نمطية تعمل على تشييئ المرأة وعلى سجنها في صورة واحدة أحادية تربط جسد الأنثى بالمتعة، وتقصي بذلك كل إمكانية الإنسانية والمواطنة عن المرأة.

منتهى الرمحي: نعم.. ضيفتي في.. في بغداد السيدة لطفية، يعني طالما صورة المرأة نمطية منذ الشعر الجاهلي وحتى الشعر الحديث، و هناك نماذج كثيرة عن هذا الموضوع، إذن لماذا الحديث عن حداثة الشعر، وهل يمكن القول أنها حداثة رجعية، بينما هي تدعي تقدمية في نظرتها إلى المرأة؟

لطفية الدليمي: هناك الحداثة يعني بقت مفهومات أو.. لم تطبق عملياً في المجتمعات العربية، بقت مجرد تجريدات مفهومية ما.. ما طبقناها في حياتنا، خاصة في مجال تناول قضية المرأة والتعامل معها.

صورة المرأة في القصيدة العربية الحديثة تتأثر بجملة مؤثرات، منها ما هو متعلق بسيادة السلطة الأبوية (البطرياركية) والنظرة الذكورية المتعمقة للعالم، وتقع هذه الصورة بين التباسات حالتين متعارضتين أو مفهومين يتناوبان عليها، فهي إما مكرَّسة للقداسة والتبجيل أو موصومة بالدنس والغواية؟ وبين هذين المفهومين أو التوصفين يبقى فضاء النص الشعر شاغراً في الجسد الشعري العربي منتظراً بزوغ الصنف الثالث من النساء اللواتي يتمتعن بخصائص فكرية وميزات إنسانية متطورة غيبتها المنظومة الثقافية المهيمنة، وحصرت جنس النساء في أمثولة الملاك المفرط في براءته، وصورة الشيطان الموغل في دنسه، أي أنها مجرد موضوع يتم تداوله وتسليعه.

تفتقد صورة المرأة في قصائد شعرائنا المعاصرين إلى حالة التوازي والتقابل، نتيجة خوف خفي من ظهورها المتكافئ مع الرجل في فضاء الإبداع الذي يعد عندئذٍ اعترافاً بتقاسم سيادتها على أفق الخطاب الأدبي، إن ظهور المرأة في حالة تبجيل وتقديس يماثل ظهورها في حالة الغواية، كلا الأمرين يغيِّب حقيقتها، ويقصيها، وكلا الأمرين يعبر عنها بلسان الآخر وخطابه المهيمن. عندما تظهر المرأة المغيبة وتستعاد صورتها التي تعرضها.. تعرفها عن نفسها لا كما يقدمها الرجل افتراضاً فإنها ستزيح التجريدات المفهومية التي تصور المرأة فراغاً أو هوة أو مجالاً مهيأ للاختراق، وكلما بالغ الشاعر في إضفاء صفات جمالية خارقة على صورة المرأة كلما أمعن في طمس فرادتها وإقصائها عن حقيقتها و..

منتهى الرمحي [مقاطعة]: سيدتي، سيدتي، يعني هذا معروف التقسيم بشكل تاريخي، وكيف تقسيم المرأة، لكن كنت سألت سؤال مباشر عن ادعاء الحداثة في الشعر، والنظرة.. يعني أن يوسم بأنه شعر حديث، هل يوسم.. بأنه شعر حديث فقط لأنه موزون بشكل آخر، قافيته مختلفة، طريقة استخدام اللغة مختلفة، بينما يدعي التقدمية أيضاً في الشعر؟ يعني هذا هو السؤال المحدد التي.. الذي كنت أريد إجابة مباشرة عنه.

لطفية الدليمي: يعني أنا قلت أن هناك نوع من.. من ازدواجية النظرة للحداثة، في.. في القول وفي الادعاء أن هناك حداثة شعرية، لكن المضامين تنطوي على مواقف سلفية في النظر لموضوعة المرأة والعلاقة بين الرجل والمرأة.

منتهى الرمحي: نعم.

فوزية السندي: لدي تعقيب.

منتهى الرمحي: سيدة فوزية.

فوزية السندي: الحقيقة لديَّ تعقيب فيما يتعلق بإطلاق.. بإطلاق تعميمات فيما يتعلق بمسـألة الحداثة، بتاع.. إطلاق تعميمات معيارية نحن هنا لمحاورة أنساق قيمية خفية في النص الشعري بالتحديد، ولسنا بصدد التعميم المطلق على الحداثة بشكل عام، أن تكون هي حداثة تقدمية، أو حداثة برجعية. نحن هنا لمناقشة.. لمناقشة صورة المرأة.

منتهى الرمحي: ربما رجعية.. الرجعية في المضمون.

فوزية السندي: بمعنى.

منتهى الرمحي: إذا كانت صورة المرأة بقيت جسد منذ العصر الجاهلي حتى الآن مع التطور الذي.. يعني جرى في حياة المرأة.

فوزية السندي: أريد أن أوضح.. أريد أن أوضح وجهة نظري.. أنا أتحدث عن أن النصوص الشعرية -بشكل عام- غُيِّب فيها مكانة المرأة، وتعرضت لدونية وتهميش بشكل عام، لأن القصة متعلقة باللغة بشكل أساسي، وبالمنظومة الذكورية التي تم توارثها، و هذه لعبت دوراً أساسياً في تهميش وضع المرأة.

أما إذا أردنا أن نُقيِّم الشعر الموسوم بالحداثة فنحن لا نستطيع أن نطلق من هذا النسق القيمي الوحيد تعميماً بأن الحداثة هي حداثة رجعية بشكل عام، لأن.. لأن الحداثة هي عبارة عن تجارب متعددة لشعراء متعددين...

منتهى الرمحي [مقاطعة]: طيب سيدة فوزية، الأنساق.. الأنساق القيمية في المجتمع العربي هي لا تنسحب فقط على.. على الشعر وغيره، هي تنسحب على كل شيء في حياة الإنسان، ربما نكون أكثر تخصيصاً لو تحدثنا عن أنساق ثقافية في.. في المجتمع العربي.

فوزية السندي: بالضبط، يعني أنا هذه اللي أقصد إن الأنساق الثقافية هي كلها بتعمل على.. على.. لإرساء لقيم ثقافية، بنحو الآن لحوار النسق المتعلق بتمثل صورة المرأة في الإبداع، ولسنا بصدد إطلاق التعميم فيما يتعلق بالشعر الحداثي، لأن الشعر الحداثي هو عبارة عن مجموعة من المنجزات الشعرية المتمايزة في علاقتها بصورة المرأة، نحن نتحدث عن ظاهرة، وليس ظاهرة عمت كل المنجز الشعري. هناك العديد من الشعراء الذين قدموا نصوص إبداعية متقدمة حتى في علاقتها.. في تفسير علاقة الحب مع.. بالمرأة، بالتالي أنا هنا لا أميل إلى إطلاق التعميم، ولكن أميل إلى تخصيص النسق الذي نتحدث عنه.. دونية المرأة في هذه النصوص الشعرية التي ممكن في محاور أخرى أن.. بنتحدث عنها بشكل تفصيلي، هذه الصورة لعب دوراً أساسياً في تكريسها غياب النقد الثقافي، والنقد الثقافي المعني فيه هو النقد الذي يكشف الأنساق المضمرة والخفية، والذي يعمل على فضح القيم التي يتم تمريرها من خلال النص الشعري.

منتهى الرمحي: سآتي على قضية النقد الثقافي والفرق بين النقد الثقافي أو النقد.. النقد الأدبي الكلاسيكي للقصيدة الشعرية الحديثة وما نريده من نقد للمضمون، لكن ربما في.. أيضاً في سياق هذه الحلقة، لكن سأبقى في.. في.. في الموضوع، حتى لا أخرج كثيراً عن الموضوع. يعني كنا نتحدث –ضيفتي في.. في المغرب سيدة رشيدة، يعني كنا نتحدث عن التطور الذي جرى في حياة المرأة منذ العصور التاريخية حتى عصرنا الحاضر، يعني هناك مفارقة في العصر الحاضر، برغم ما حققته المرأة.. حققته المرأة الآن من تطور على المستوى التعليمي، والمستوى الثقافي، والأداء الاجتماعي حتى، لكن مازالت يعني الرؤية للمرأة في.. في.. في القضية الشعرية هي رؤية جسد فقط وتغزل بجمال هذا الجسد.

هو سؤال مباشر يعني، مصادر الإلهام عند الشاعر هل هي ممكن وصفها بأنها مُفارِقة إلى هذا الحد للواقع الذي نعيشه؟

رشيدة بن مسعود: أولاً: لو سمحتي عندي إضافة فقط بالنسبة لصورة المرأة في الشعر العربي الحديث.

منتهى الرمحي: تفضلي.

رشيدة بن مسعود: صورة الجسد طبعاً أو الجسد المشهد -حسب تعبير (لمبارتو)- هي السائدة، هي المهيمنة، ولكن هذا لا ينفي أن هناك انزياحات تتحقق.. تتحقق من خلال مجموعة من الأشعار، ومن طرف مجموعة من الشعراء، مثلاً أذكر على سبيل المثال الشاعر محمود درويش، الذي تحضره المرأة كصورة للأم، وصورة المرأة المقاومة، والتي يعمل من خلال أشعاره هذه على تمجيد المرأة لتصل إلى مرتبة الوطن المغتصب، أي بتعبير آخر الصور هي متعددة، ولكن الصورة السائدة هي الصورة النمطية المتوارثة عن الشاعر العربي القديم.

أيضاً إضافة بالنسبة للحداثة في الشعر ينبغي أن أشير إلى أن الحداثة في الشعر العربي اقترن.. اقترن ميلادها باسم امرأة، يعني هذا أن الشعر الحر خرج من معطف نازك الملائكة، والمفارقة التي تجدر الإشارة إليها هي أن نازك الملائكة رغم أنها تعتبر رائدة للشعر الحديث، إلى جانب السياب، والبياتي، وأدونيس، وغيرهما، ولكنها مع ذلك يحتويها التقليد، خاصة عندما ستعترض على عنوان لقصيدة كتبها الشاعر علي محمود طه، وتحمل عنوان "هي وهو صفحات من حب" أمام هذا العنوان وقفت نازك الملائكة معترضة على تقديم الشاعر لضمير المؤنث على ضمير المذكر، ومن هنا يبدو لنا أن النسق التقليدي الثقافي المتوارث لا يتحكم فقط في المخيلة الشعرية للشاعر الذكر، بل أيضاً يتحكم في المخيلة الشعرية حتى بالنسبة للمرأة.

منتهى الرمحي: نعم.. طيب..

رشيدة بن مسعود: إضافة أخرى ربما تكون اللغة أيضاً هي من.. من الأسباب التي تقف كحاجز أساسي أمام تغيير وتكسير هذه الصورة النمطية، وتفجير القول حولها. بالنسبة للمفارقة...

[موجز الأخبار]

المفارقة بين واقع المرأة المتقدم وصورتها النمطية في الشعر الحديث

منتهى الرمحي: يعني وصلتنا الكثير من الفاكسات والمشاركات عبر الإنترنت تحدثت عن المرأة الشاعرة، وهذا ليس موضوع حلقتنا المرأة الشاعرة، إنما صورة المرأة في شعر الرجل العربي، وخاصة في شعر الحداثة، وهناك نماذج كثيرة تعرضت إلى المرأة الجسد، ولم تتعرض إلى المرأة الكيان الإنساني، العقل، وغيره من.. من المفردات التي يمكن أن توصف بها المرأة في الشعر العربي.

ضيفتي في.. في الأستوديو السيدة فوزية، يعني كنت سألت سؤال سيدة رشيدة في الرباط عن مصدر الإلهام للشاعر العربي، طالما هي المرأة هي مصدر إلهامه، والمرأة بطبيعة الحال وبسبب الحراك الاجتماعي، وبسبب التطور الثقافي والتكنولوجي، وتغير التعليم أخذت حقوقها القانونية، وأخذت حقوقها أيضاً السياسيَّة، و حقها في.. في التعليم وغيره، لكن لماذا بقيت –اتفقنا على أن صورة المرأة بقيت نمطية منذ العصر الجاهلي حتى الآن في الشعر.. في الشعر الحديث.. حتى في الشعر الحديث- لماذا بقيت الصورة نمطية، لماذا لم تتغير الصورة مع التغير والتقدم في.. في وضع المرأة الاجتماعي؟

فوزية السندي: هذه المسألة تعود بشكلٍ أساسي لسيادة الخطاب الذكوري، لاستبداد الموروث الثقافي، هذه المسالة تصطدم بها المرأة تاريخياً، المرأة طيلة تاريخنا العربي حاولت أن تقتحم الإبداع الإنساني، وتقدم تجربتها، حاولت أيضاً أن تساهم في عملية التنمية الاجتماعية، أن تساهم في مأسسة المجتمع المدني، عبر العمل في مؤسساته، أعطت الكثير ولكنها دائماً كانت تصطدم باستبدادية الموروث الثقافي، وقوته.. قوة تغلغله في الذاكرة الجمعية في المجتمع. المرأة أعطيت الحقوق الدستورية بشقيها السياسي والمدني، وحاولت أيضاً أن تساهم في العمل السياسي، في العديد من البلدان العربية لها تجربة كفاحية وتجربة نضالية..

منتهى الرمحي: صحيح نضالية.. صحيح.

فوزية السندي: في الجزائر مثلاً، كل ما أعطت المرأة من تضحيات عندما تم.. عندما تم محاولة تسييد.. تسييد الخطاب، جاء خطاباً ذكورياً تاماً، وتم تهميش المرأة من المشهد الإنساني، الإشكال هنا هو إشكال حقيقي، إن قوة الموروث مقاومته بإعلاء الخطاب.. بإعلاء خطاب المرأة، بمقارعة هذا الخطاب الذكوري بخطاب آخر، خطاب لا يحاول أن يلغيه، لكن يحاول أن يتحاور معه.

منتهى الرمحي: صحيح.

فوزية السندي: وينقده، وهذا النقد يكون نقد جدلي لهذا الحوار، لأن إحنا مهما أعطينا المرأة من حقوق مدنية وحقوق في الأحوال الشخصية، لكن ممارسة هذه الحقوق على أرض الواقع بحاجة إلى ذهنية مجتمعية متفتحة تقبل المرأة كإنسان..

منتهى الرمحي: تقبلها ككائن بشري..

فوزية السندي: كامل الحقوق والواجبات.

منتهى الرمحي: صحيح، أيضاً لدينا المشاركات عبر الفاكس، أود أن أقرأ فقط المشاركة الأولى من الأخت لمى من الولايات المتحدة الأميركية، الجزء الأول يا أخت لمى من الفاكس لم يكن موضوع الحلقة تحدثتي فيه عن المرأة الشاعرة وعن شعر الخنساء وهذا –كما قلت لكِ- ليس هو الموضوع، لكن الجزء الثاني من الفاكس تحدثتي فيه عن أن.. أو تحدثت الأخت لمى عن أنه يعود النمط التقليدي في شعر الرجل الذي غالباً ما يدور حول جمال المرأة وأنوثتها إلى سيكولوجية الرجل بالدرجة الأولى، ثم إلى نشأته بالدرجة الثانية، إن وصف الرجل لقوة امرأة العقلية وتميزها اعتراف غير مباشر منه بتماثلها مع الرجل، وهذا شيء مرفوض في قاموس الرجل الشرقي بشكل عام، بالإضافة أن الرجل بطبيعته كائن مرئي، بمعنى أنه يرى، يعشق من خلال العين، ولكن هذا ليس.. -مش.. مش واضحة الكلمة- كي لا يرى أو يصف تميُّز عقل المرأة وليس جسدها، شكراً لك أخت لمى من الولايات المتحدة الأميركية، سأعود لقراءة..

فوزية السندي: لو سمحتي لي..

منتهى الرمحي: بعض المشاركات أيضاً، لكن.. وسنعود للتعليق يعني أحاول أن أخرج من هذا المحور بشكل سريع، لأنه أخذ وقت كثير، لكن من بيروت تلك المدينة التي عشقها الشعراء المُحْدَثون، فكانت مصدر إلهامهم وإبداعاتهم، إليكم التقرير التالي عن المرأة والشعر.

ندى الحاج: أؤمن بأن المطر الساكن في الغيم لا ينهمر صدفة

لأن الصدفة الساكنة في الغيب تختار بيوتها

وأن بيوت الجمر لا تخشى دوار اللهب.

بشرى عبد الصمد: "الحب، الجمال، المرأة" عناوين ثلاثة تترابط إلى حد بعيد في سيل من القصائد الشعرية التي توالت على مر العصور بلغات منطلقات وثقافات مختلفة، ورغم الاختلافات التي قد تكون في مرات كثيرة جوهرية في فهم أو رؤية هذه العناوين، إلا أنها شكَّلت الزاد المغذي وحتى الملهم للكثيرين من الشعراء، بعضهم رفع بالمشهد إلى حد الارتقاء، وبعض آخر دفع به في هاوية مفهوم السوق والمادة.

ندى الحاج (شاعرة): المرأة هي أهم مادة، لأنه موحية الحب اللي هو أحلى.. أحلى شيء بالعالم يعني، فطبعاً فينا نقول إنه المرأة خدمت الشاعر والشاعر خدم المرأة، بس حسب الشاعر يا اللي عم بيكتب عن المرأة كمان، يعني كيف بيشوفها، أديش بيعطيها مدى مهم، أديش بيصبغ عليها صفات عميقة، وأديش ما بيصبغ عليها الصفات.

بشرى عبد الصمد: ويرى البعض طبيعياً أن تترك التغييرات التي شهدها العالم والحروب المتتالية أثارها على الشاعر الذي انتقل من وصف الجمال والمرأة الحبيبة أو الأم إلى البحث عن الهوية.

مي منسى (ناقدة أدبية): اليوم أظن أن الوجع الذي تعاني منه الشعوب هو الذي أصبح مادة للشعر ومادة للكتابة، إذن أصبح العالم اليوم بهزيمته وإحباطه وخسائره وأوجاعه وأمراضه هو المادة التي.. التي تغذي الشعر وتعطيه دفعاً و.. ووسعاً في الرؤية وفي الكتابة.

بشرى عبد الصمد: ويرفض البعض وضع الشعر في الخانة المسيئة للمرأة، وإلا فلن يكون شعراً، كما أن تحول الشعر إلى نخبة قليلة وانخفاض قرَّائه يضع الشاعر أمام مسؤولية المادة المقدمة.

أما فيما يتعلق بالعلاقة العضوية بين المرأة والشعر، حتى الجريء منه فتبقى في صورتها الراقية، بما أن أداتها كانت ولا تزال الكلمة.

قد يصعب لدى البعض الربط بين الشعر وموجة الاستهلاك السائدة، ولهؤلاء يبقى الشعر مادة صادقة والمرأة مدخل إلى الجوهر.

بشرى عبد الصمد –لبرنامج للنساء فقط- الجزيرة- بيروت.

منتهى الرمحي: مباشرة إلى ضيفتي في بغداد السيدة لطفية، سيدة لطفية يعني الحديث عن أنه المرأة في الشعر الحديث يعني لم تعد هي كما كان الحديث عنها جسداً وغيره يعني إلى أي مدى، هل هو صحيح بأنها تحولت إلى قضية وطنية تعبر عن الوجع الإنساني، عن وجع الانهزام في الوطن العربي بشكل عام يعني، هل ترين أن هذا الكلام ممكن أن يصبح ملمح ملموساً في الشعر العربي الحديث الآن؟

لطفية الدليمي: ممكن ست منتهى وأضيف على ذلك أنه –أنا كقارئة متلقية للشعر- ألاحظ أن قصائد الشعراء العراقيين في.. في فترتي الثمانينات والتسعينات قد غابت عنها المرأة بشكل تام تقريباً وخاصة في.. في مرحلة التسعينات هناك غياب لعلاقة الرجل بالمرأة في فضاء القصيدة، ويعني القصائد مظلمة، محبطة، بعيدة عن نسق الحياة، قصائد الشباب بخاصة الذين عاشوا حربين في انتظار الثالثة تجدين المرأة مُغيَّبة تماماً، وغير حاضرة في.. في.. أساساً لأنها.. يعني الحراك الاجتماعي المضاد أقصى المرأة عن المشهد الأمامي في المجتمع بسبب النكسات والحروب والكارثة التي تمر بها البلاد، الشعر الآن في.. في العقد التسعيني لا تلمسين فيه أي نبرة حب، أي علاقة إنسانية، أي ملمح لحضور إيجابي للمرأة، هناك تهويمات حول بطولات المرأة في.. في النص، ولكن ليست هناك امرأة حقيقية، هناك أشباح نساء، أشباح إناث تُجمل بهن مداخل القصائد أو.. أو.. أو فضاء القصيدة نفسها الحقيقة هناك في.. في قصائد محمود درويش واضح جداً حضور المرأة الفاعلة الذات الفاعلة المؤثرة التي يمكن أن تؤسس ملمحاً حقيقياً في الشعر العربي المعاصر ونشير إليها بأنها صورة في منتهى الإيجابية والجمال والتأثير والفعالية، لأنها تؤكد على ذات فاعلة تحققت كينونتها خلال فعل حقيقي إيجابي يبني الحياة ويؤسس للمستقبل.

منتهى الرمحي: نعم، سيدة رشيدة، يعني هل يمكن القول أنه غياب المرأة من الشعر الحديث الآن، من شعر التسعينات –كما قالت السيدة لطفية- هو تهرُّب من الشاعر العربي للتعبير عن المرأة الإنسان، الكائن البشري في الشارع، هل يمكن أن.. أن نصل إلى هذا الحد؟

رشيدة بن مسعود: أولاً قبل الإجابة على هذا السؤال يمكنني أن استدرك بالنسبة للسؤال الذي تقدم حول المفارقة ما بين واقع المرأة المتقدم وصورة المرأة..

منتهى الرمحي [مقاطعة]: وما هو مطروح..

رشيدة بن مسعود: الدنيا في الشعر الحديث لأقول بأن تقدم المرأة اقترن مع لحظة تاريخية عربية متميزة، هي النهضة العربية، وقد مر هذا.. هذه تطور المرأة بمرحلتين أساسيتين مرحلة تذكير القضية النسائية اللي تولى فيها الرجل هذه القضية ودافع عنها، والدعوة.. ودعا إليها.

والقضية اللي هو المرحلة الثانية، اللي هي مرحلة تأنيث القضية التي تبنت فيها المرأة قضيتها ودافعت عنها، حتى وصلت إلى هذا المستوى من الحياة وأدى بها هذا النضال إلى ولوج فضاءات متعددة، وعبرت من خلال هذا عن كفاءات ومردوديات الإنتاج سواء على المستوى العملي أو على المستوى المعرفي، هنا أفتح قوس لأقول: بأن المرأة الشاعرة المبدعة تتحمل قسم من المسؤولية في تصحيح هذه الصورة النمطية التي سادت وما تزال في الشعر العربي الحديث، على المرأة الشاعرة المبدعة أن تعمل على تفجير اللغة وإيجاد وخلق مجازات خاصة تعمل على إعادة الاعتبار للذات الأنثى وإعادة الاعتبار للجسد الذي سُجن لسنوات طوال في نمطية استهلكتها..

منتهى الرمحي [مقاطعة]: وهل تعتقدين.. وهل تعتقدين سيدتي أن هذا ممكن في الوقت الذي تُتهم فيه اللغة بشكل عام أنها لغة ذكورية؟

رشيدة بن مسعود: فعلاً اللغة ليست حيادية تمارس كل أنواع الإكراهات ولكن المرأة.. على المرأة أن تعمل على الخروج من هذا القفص الذهبي للغة وأن تتحدى هذه الإكراهات وأن تتصدى للممنوع، وأن تعمل على إيجاد استعارات ومجازات تمجِّد هذا الجسد وتصحح صورته بالنسبة للتنشئة وللجيل الصاعد.

بالنسبة للقصيدة الحديثة، القصيدة الحديثة هي فعلاً استمرت فيها هذه الصورة، ولكن –كما قلت سابقاً- عملت في نفس الوقت على إيجاد صور متعددة للمرأة.

وباعتبار أن هذه القصيدة تنزع نحو التنوير والنهوض المجتمعي فإننا نجد عند مجموعة من الشعراء قد غاب الجسد وحضر الجسد الاجتماعي، الجسد الاجتماعي الذي ستتجلى من خلاله القضايا المجتمعية، القضايا الكبرى للإنسانية والقضايا الكبرى للإنسان العربي خاصة.

المفارقة بين جماليات الصورة الشعرية وما تخفيه من رؤى دونية للمرأة

منتهى الرمحي: طيب، لو أخذت أنا مثلاً -على سبيل المثال- طالما نتحدث عن شعر حديث، وهناك الآن أصبح اختلاف في الرأي حول صورة المرأة في الشعر الحديث، لو أخذنا نموذج من شعر نزار قباني، قال:

قبل أن أكتب عن خصرك شعراً

لم يكن عالمنا يعرف ما ريش النعام

كنت يا سيدتي خرساء قبلي

وبفضلي

صار نهداك يجيدان الكلام

فاشكريني

فبدوني لن يكون القد قداً

أو تكون الساق ساقاً

وبدوني

لن ترى في كتب التاريخ

عفراء وليلى

أو تري هنداً ودعدا

أنت لولا الشعر يا سيدتي

لم يكن اسمك مذكوراً بتاريخ النساء

كناقدة سيدة رشيدة.. ناقدة أدبية والكثير ينظرون إلى أن نشوة البلاغة والهوس الجمالي في اللغة الذي تضمنته هذه القصيدة يغطي على البشاعة في المضمون في الحديث عن المرأة والتي تأتي أصلاً في سياق –كما قالت السيدة فوزية- نسق ثقافي مهيمن في الفكر.. في الفكر الرجولي، أعود إلى سؤالي السابق: هل يمكن أن يوصف هذا بأنه تهرُّب من الرجل في وصف المرأة بعيداً عن الجسد، في وصف المرأة ككائن بشري كامل؟

رشيدة بن مسعود: أولاً بالنسبة لنزار قباني –والذي يعتبره أغلبية الدارسين بأنه شاعر المرأة بامتياز- لم يعمل إلا على تكريس صورة نمطية للمرأة التي تعبر عن المرأة الجسد، لأنه في أشعاره يلجأ إلى التفاصيل والجزئيات التي تتعلق بجسد المرأة، ومن هنا يمكنني أن أقول أن الثنائية المتحكمة في شعر نزار قباني هي ثنائية أو جدلية العبد والسيد، يبقى دائماً الشاعر هو الآمر والحاكم وتبقى دائماً المرأة في شعر نزار هي التابع والمتبوع باعتبار.. وهذا ليس غريب، فنزار هو القائل: أنا أول مؤسس جمهورية مواطنوها من النساء.

منتهى الرمحي: طيب، أريد أن أبقى في هذا المحور، ضيفتي في بغداد ثم أعود إلى السيدة فوزية، عندما يقول نزار:

إن كنت أحبك فاشكري المولى كثيراً

من حسن حظك أن غدوتي حبيبتي زمناً قصيراً

فأنا من نفخت النار فيكي وكنت قبلي زمهريراً

يعني عندما يقول الشاعر نزار قباني هذا الكلام، فهو أيضاً حتى يلغي جسد المرأة ويُلغي كل أبعاد المرأة بحيث تصبح أن يتحدث عنها أنها هي من منطلق رجولته فقط، من منطلق فحولته فقط، من منطلق كلماته التي قالها فيها.

لطفية الدليمي: نعم، صورة المرأة عند نزار في معظم قصائده هي تعزيز لفحولة أو ذكورة الشاعر، وإعلان نجاحاته في مواجهة التناقض المعلن والظني بينه وبين الفريسة الأنثى الجميلة التي ما أن تُغوى وتُستدرج حتى تسقط فريسة بين براثن هذا الصياد وتتهاوى أمام جبروته الذكوري، يعني الصورة اللي أوردها نزار في إحدى قصائده عن أنه صنع من جلود النساء عباءة يعني هذا صورة هولاكية لا.. لا تفترق كثيراً عن السياق الهمجي الوحشي الذي أتى به هولاكو وصنع مئذنة من الجماجم، ما الفرق؟ هناك فرق بمادة.. المادة التي صُنعت منها جماجم نساء وجلود نساء يعني هذا.. ظهور بالقبيح إلى.. إلى خارج الصورة، يعني لم يُغط القبيح بسياق جمالي خارجي، وإنما انكشف في برهة تسلط الوعي الذكوري وتسيُّده على فضاء القصيدة.

منتهى الرمحي: طيب، أيضاً سأبقى في شعر نزار سيدة فوزية، لأنه أريد تعليق منك حول هذا الموضوع بالتحديد عندما يقول نزار:

ليس يكفيكِ أن تكوني جميلة

كان لابد من مرورك يوماً بذراعي

كي تصيري جميلة.

هنا يعني لغى كل أبعاد المرأة وفقط متركزة حوله هو كشاعر ذكوري أيضاً يخاطب المرأة حبيبته، فيه مفارقة وفيه تناقض في شعر نزار مثلاً شعر نزار السياسي هو يرفض فيه استبداد وفحولة وأبوية الحاكم مثلاً، بينما هو يجيز لنفسه أن يستبد وأن يمارس هذه الأبوية وهذه الفحولة وهذه الذكورة على المرأة، فكيف يمكن أن تُفسر هذه برأيك؟

فوزية السندي: طبعاً هاي إدراج أي لقصة أن المرأة هي عبدة العبد وبالتالي العبد ممكن أن يثور على سيده ولكن المرأة تظل عبدة لهذا العبد، ضمن هذه المفارقة أود أن أعود إلى قصة طرحتيها قبل قليل تتعلق بالمفارقة بين جماليات الصورة الشعرية وما تخفيه من قبح ورؤى دونية للمرأة، الحقيقة أن الشاعر العربي اتكأ على الجمالية الخارجية بحيث أن.. بحيث أن يتم تمرير مثل هذه القيم الثقافية الدونية للمرأة، وأسهم الناقد الأدبي أيضاً في إسناد الشاعر لتفجير النص نقدياً بحيث أن يركز على القيم الجمالية في النص الشعري دون أن يتعرض لنقد هذه القيم الثقافية، المسألة الأدهى أنني لا أرى.. لا أرى أن هناك انفصال بين جمالية الصورة الشعرية وما تحمله من رؤى إنسانية، المسألة هناك علاقة بجدلية فيما.. فيما بينهما، أنا عندما يكتب الشاعر عن المحبوبة أو عن العشيقة ويصورها كعشيقات وكنساء ويتحول إلى شهريار ويستدعي ذاكرة هارون الرشيد، بتحويل المرأة إلى الجواري وقيان، أنا لا أرى جمالية إطلاقاً في مثل هذه الصورة الشعرية لكنني أرى..

منتهى الرمحي: في المضمون.

فوزية السندي: طبعاً.. في.. لأن المضمون بيرتبط مع الناحية الجمالية، أنا لا أتذوق الصورة الشعرية، إذا كان المرسل الرؤيوي الذي يصلني من خلالها بهذا الحد من الدونية، التغني بالعذارى وإرساء كل هذه القيم التي تتحول إلى سلوكيات انحرافية أساساً في الأجيال، يعني المسألة هنا خطورتها لا تتعلق بإن إحنا بنقرأ شعر جميل أو غير جميل، نحن بنرسي لثقافة، لخطاب ثقافي وهذا الخطاب الثقافي له علاقة بهوية وذاكرة هذه الأمة، إذا.. إذا أنا أردت أن أُخرِّب أي أمة من الأمم، يجب عليَّ في البداية أن أشوه ذاكرتها الإبداعية وأشوه هويتها الثقافية أيضاً، عبر هذا التشويه أستطيع أن أحولها إلى.. بالفعل إلى ثقافة استهلاكية، عندما يتم استهلاك جسد المرأة في هذه النصوص الشعرية إذن أنا هنا أُهدر.. أهدر طاقة فاعلة في هذا المجتمع وأحولها بالفعل إلى قيم استهلاكية، بحيث إنها بتستدعي أن أحول هذه الأمة إلى أمة مستهلكة ليس على صعيد الإنتاج الغذائي أو الإنتاج الإلكتروني، ولكن على صعيد استيراد وإعادة إنتاج القيم الثقافية، إذن المسألة أكبر من قصة نص إبداعي لنزار قباني، القصة تتعلق بذاكرة وهوية شعب وأمة وتاريخ.

منتهى الرمحي: نعم، كلام جميل أريد أن آخذ أيضاً تعليق من السيد حسام الخطيب الناقد الأدبي المعروف، سيدي أهلاً ومرحباً بك معنا، ومباشرة يعني أتوجه بالسؤال إذا.. إذا كان صح يعني أنه هناك صورة ذهنية سيئة عن المرأة، لماذا تمكنت هذه الصورة الذهنية من الامتداد لمدة نصف قرن من الزمان، دون أن تُوجه لها انتقادات تفككها أو حتى تستأصلها من جذورها برأيك.

حسام الخطيب: مساء الخير لكن جميعاً.

منتهى الرمحي: مساء الخير.

حسام الخطيب (ناقد أدبي): إن هذا الموضوع متشعب الجوانب بالفعل، وقد طُرحت أشياء كثيرة في رأيي أنها تحتاج إلى مناقشات، يعني أرجو ألا يُفهم أنني موافق على كل ما طُرح، ولكن أحب أن ألخِّص الموضوع بالشكل التالي..

منتهى الرمحي: اتفضل.

حسام الخطيب: يعني الثورة النسائية على صورة المرأة في الشعر محقة 100%، ولكن أيضاً يوجد هنا نقطتان:

النقطة الأولى: النقطة التاريخية، فنحن لدينا إرث تاريخي -كما ذكرت الأخوات- إرث تاريخي هائل من الصورة المزرية للمرأة في الشارع العربي القديم، وحتى المرأة ليس لها وجود إلا كحبيبة، حتى المرأة الزوجة ليس لها وجود مثلاً الأم ليس لها وجود، الأخت ليس لها وجود، الفارسة لها أحياناً بعض الوجود في (....)، فإذن يوجد لدينا..

منتهى الرمحي [مقاطعة]: المرأة الإنسان أيضاً..

حسام الخطيب: المرأة الإنسان إطلاقاً غير موجودة، وهذا لو راجع الإنسان كل الكتب.. المختارات الشعرية وكذا لا يجد لها وجود.

أيضاً رأيي أنا أيضاً أن المرأة الشاعرة لم يكن لها وجود، لم تؤثر في التيار العام للشعر العربي، ولو ذكرنا الخنساء أو رابعة العدوية أو..، كل هذه الإسهامات النسائية ظلت على هامش التيار العام للشعر العربي ولا..

منتهى الرمحي: صحيح.

حسام الخطيب: ولم تدخل في.. في صلبه إطلاقاً ولا نجد لها تأثيرات، يعني حتى رثاء الخنساء العظيم لم يجد له صدى في شعر الرثاء العربي فيما بعد، هذه النقطة الثانية.

النقطة الثالثة: إنه العصر الحديث تدرج فيه الوعي الاجتماعي والوعي الثقافي العربي تدرُّجاً ولا نستطيع أن نطلق الأحكام بهذه الطريقة التي أُطلقت بين أنوثة وذكورة إن.. إنني أعرف معظم الأدباء والشعراء هم قوم متعاطفون مع قضية المرأة وضحوا في سبيل ذلك..

منتهى الرمحي [مقاطعة]: طب ماذا يعني.. ماذا يعني سيد حسام التدرج في الوعي الاجتماعي والتدرج في الوعي الثقافي؟

حسام الخطيب: يعني ذلك تماماً، مثلاً آخذ موضوع نزار قباني، نزار قباني لا يمكن أن يُحكم عليه بمفهوم مطلق لأنه نزار قباني هو يمثل حلقة وسط بين اللاوعي وبين الوعي في قضية المرأة وقضية أنوثة المرأة وإنسانية المرأة فله شعر متفاوت جداً، وأيضاً مما سمعت من كل أخواتي- اللواتي أحترمهن كثيراً جداً –سمعتُ فهماً حرفياً للشعر ولم أسمع فهماً دلالياً ولا فهماً رمزياً للشاعر، فنزار قباني هو أول من وضع المرأة طرفاً في الحب مع الرجل، هل نريد أن نلغي قضية الحب؟ يعني يوجد حب، يوجد جمال للمرأة، هل نريد ألا نتغزل بجمال المرأة؟ هل هو جريمة يعني التغزل بالجمال..؟

منتهى الرمحي: لأ.. لأ، طبعاً لأ، لكن هذا ما كنت أتحدث عنه السيد حسام، هذا ما تفضلت به هو الجزء النقد الأدبي، لكن أين هو النقد الثقافي، النقد الموضوعي لمعنى القصيدة؟

حسام الخطيب: ما هو النقد الثقافي من أين ينبع، من دلالات القصيدة ورموزها ومجازاتها، فنحن مثلاً أخذنا..

منتهى الرمحي [مقاطعة]: هل يمكن.. هل يمكن لقصائد نزار بالتحديد أن تأخذ أبعاداً أكثر مما هي موجودة فيه في حقيقة الأمر؟

حسام الخطيب: نعم، إنها تأخذ أبعاداً في رأيي، وهو الذي وضع المرأة في صف الرجل في قضية الحب، أي جعلها طرفاً، ولنتذكر كل الأشعار العربية التي سبقته المرأة ليست فيه طرفاً إنما هي أداة أو آلة لإشباع الغريزة...

منتهى الرمحي[مقاطعة]: ربما يكون هذا يعني صحيح لكن ليس في كل الأحيان، يعني أنا لا أفهم عندما يقول الشاعر الكبير نزار:

فأنا من نفخت النار فيكِ

وكنت قبلي زمهريراً

فكيف وضعها جنباً إلى جنب وهو يعني يعترف بأنها كانت قبله لا شيء؟

حسام الخطيب: نعم هذا الذي نقوله إنه هي قبله كانت لا شيء وهو قدم شيئاً، إنه يقول تماما الكلام الذي أقوله الآن.

منتهى الرمحي: ما هو نفس الشيء ماذا قدم لها يعني "أنا من نفخت النار فيك" يعني كأن كل شيء في.. في المرأة لم يكن موجوداً حتى أنه بقيت سيادة الذكورة والرجولة موجودة في قصائد نزار حتى.

حسام الخطيب: نعم.. نعم، إن له أشعاراً شنيعة في هذا الموضوع تماماً، ولكن أيضاً أرجو أن نتذكر أنه في قضية الحب رفعها ومجَّدها جمالياً إلى أقصى حد وكذلك ثقافياً، ويوجد أشعار يمكن أن تفهم بمختلف الأشكال، إن رمز النهد مثلاً عند نزار قباني الذي أُخذ أخذاً حرفياً عند الجميع يمكن أن نأخذه أخذاً ثقافياً، هو رمز الصعود والسمو والعلو وهذا واضح تماماً في كثير من أشعار نزار حين نضجت، سأقرأ لك هذه الأبيات، معلش.

منتهى الرمحي: نعم.. نعم.

حسام الخطيب: أحبيني كزلزال

كموت غير منتظر

وخلي نهدك المعجون بالكبريت والشرر

يهاجمني كذئب جائع خطر

-يعني ليس هو الذي يهاجم النهد هو الذي يهاجم-

أنا رجل بلا قدر

فكوني أنت لي قدري

وأبقيني على نهديك

مثل النقش في الحجر

-وبعد ذلك مرة أخرى في النهد-

كان نهداك حصانين بلا سرج

وكانا يشربان الماء من قعر المرايا

وأنا من أمة تحترم الخيل

وما للخيل من طبع كريم وسجايا

إنه في رأيي بالمفهوم النسبي رفع المرأة إلى مستوى لم يكن منظوراً في السابق ويجب أن نكون منصفين في هذا الموضوع، ولكن لا نستطيع أن نقول إن نزار هو يمثل النظرة السليمة...

منتهى الرمحي [مقاطعة]: ولكن.. لا.. لا طبعاً لكن.. لكن هو ما.. ما نريده -أخ حسام- في.. في كل هذه الحلقة إنه لا نختلف عن إنه فيه هناك رفع للمرأة في شعر نزار، لكنه بالجسد فقط وليس بالفكر والبعد الإنساني، حتى عندما يقول "حصانين بلا سرج" فهو يفترض أنه هو الذي سرج أو وضع السرج على هذين الحصانين، ألف شكر سيد حسام الخطيب (الناقد الأدبي المعروف) وتعليقاً على ما ورد أنتقل لضيفاتي، أبدأ أولاً بالسيدة رشيدة من المغرب، سيدة رشيدة، ما رأيك فيما تفضل به السيد حسام الخطيب؟

رشيدة بن مسعود: أولاً في اعتقادي أن هناك يجب التمييز بين شيئين أساسيين بالنسبة لشعر نزار قباني، أي المستوى الجمالي الاستاطيقي للقصيدة ومستوى القيمات التي تحضر فيها قيمة المرأة كجسد لا غير، وبالنسبة لنزار أنا أتساءل أنه في الوقت الذي صدرت فيه كتاب لنازك الملائكة حول قضايا الشعر المعاصر، وفي الوقت الذي ظهرت فيه قصيدة "الكوليرا" سنة الـ 47 التي تؤسس للشعر الحديث، في هذه الفترة تقريباً سيصدر لنزار قباني ديوان يحمل عنوان "طفولة نهد" نزار لم يعمل في ها الديوان وفي هذه القصائد إلا على استعادة النسق الثقافي القديم الذي يسجن المرأة في.. في دناسة الجسد – إذا جاز التعبير- إذن تقييد الجسد ورهن هذا الجسد في هذا المستوى من الدناسة التي تعمل على تشييئه وتجزيئه لدرجة الاستهلاك في نظري لا أرى فيها أية قيمة جمالية دون القيمة الجمالية المرتبطة بالمستوى التعبيري ولا غير.

منتهى الرمحي: نعم، سيدة لطفية ما رأيك؟ ولماذا نزار؟ نقول نزار لأنه شاعر المرأة وهو أول من أسس جمهوريته من.. جمهورية الشعر من النساء –ونأخذه كنموذج والحلقة ليست نقد لشعر نزار- تفضلي سيدتي.

دور المرأة في تكريس صورتها النمطية في الشعر العربي

لطفية الدليمي: الحقيقة إن المتلقيات من النساء يعني قمن بتواطؤ كبير مع شعر نزار، فهمنه على أنه تمجيد لجمالهن ولكنه إقصاء لحضورهن الفاعل ولذواتهن الإنسانية، كثير من النساء والشابات على وجه الخصوص ينسحرن وينبهرن بشعر نزار دون.. دون أن يعين ما يراد لهن من.. من.. بهذه.. بهذه الطروحات التي تسلِّع حضورهن الإنساني وتجعلهن مجرد أشياء جميلة معدة للاستهلاك والاستعمال والتداول السلعي، يعني..

منتهى الرمحي [مقاطعة]: طيب لماذا هذا الانجراف برأيك سيدتي؟ لماذا هذا الانجراف وراء هذا النوع من الشعر برأيك؟

لطفية الدليمي: قصور في.. في التلقي وقصور في وعي الذات ووعي علاقة المرأة بالمنظومة الاجتماعية المهيمنة، يعني قصور في.. في التربية، قصور في تعليم المرأة والتعرف على ذاتها من خلال مناهج التعليم، من خلال التربية المنزلية، من خلال كل الموروث اللي بتتلقاه خلال التربية وخلال التعامل الاجتماعي، المرأة محصورة في مفهومات معينة ومكرسة لأن تتلقى سلطة أبوية دون مناقشة ودون أن تعي أن لها دوراً في بناء هذا المجتمع أو دور في قول ما تريد قوله، كل شيء يُقوِّلونها ما لا تريد قوله ويُقوِّلها الشاعر ما يريد هو أن يقوله عن.. عن لسانها ويحجرها في زاوية معينة لتقول ما يشتهي هو أن تقوله.

منتهى الرمحي: نعم، سيدة فوزية، لماذا –برأيك- النساء سعيدات بمثل هذا النوع من الشعر؟ لماذا تقبل المرأة بأن يحولها الشاعر إلى جارية تتوسل سيدها بأن يتسرى بها يعني؟

فوزية السندي: قبل أن أجيب عن هذا السؤال أود أن أعود إلى نقطة مهمة طرحها الأستاذ الخطيب تتعلق بأن موقفنا هو صادر من فهم حروفي لمفردات القصيدة النزارية.

منتهى الرمحي: صحيح هو قال ذلك.

فوزية السندي: بالضبط، يعني بإن إحنا لسنا.

منتهى الرمحي: لم نقرأ أبعاد القصيدة.

فوزية السندي: يعني أنا أتكلم عن نفسي، أنا لست ضد استخدام مفردات الأنوثة في النص الشعري، العاشق لابد أن يستجلب هذه المفردات، ولكنني أقف أمام الرؤية الإنسانية المتخلقة من استخدام المفردات في الصورة الشعرية، ما هي القيمة الثقافية التي بنستنبطها بدلالياً وليس حروفياً؟ وهذه المسألة المهمة، القضية عند نزار قباني (عنده) هو يعني ظاهرة نزار قباني للشعرية ظاهرة مهمة، ولكنها عبارة عن نتاج لنسق ثقافي ذكوري هذا النسق الثقافي الذكوري..

منتهى الرمحي: ولكنه أسعد النساء، سيدتي.

فوزية السندي: سوف أعود لهذه النقطة، هذا..هذا النسق الثقافي الذكور أنتج نتاجات إبداعية مختلفة منها إبداع الشاعر نزار قباني، تلقي المستمعين لعب دوراً في ترسيخ هذا النتاج الإبداعي بهذه الطريقة، وأيضاً دور النشر والنقد الأدبي يعني القصد من الكلام أن هناك منظومة متكاملة أرادت أن ترسخ مثل هذه الذائقية وبالتالي الانتشار والجمهور العريض والاستمتاع بهذا الشعر الذي بيهدر حقيقة إنسانية للمرأة نتاج التربية، نتاج تعويد المتلقي على تذوق مثل هذه المسألة، يعني أنا بدون المقارنة الآن ما يحدث في ساحة الغناء من الغناء الهابط هناك تلقي له، وهناك جماهير عريضة، في المسرح الذي تحول إلى كباريه، في كل حياتنا الإبداعية نجد أن هناك جملة من الانحلالات تتحقق ولها مستمعين ولها جمهور أيضاً، لأن ثقافة الاستهلاك.. ثقافة الاستهلاك بتنبنى من خلال تعويد الجمهور على هذه الذائقية، على تذوق هذا النوع من الإبداع، وهنا بنخرج من دائرة نزار قباني إلى ظاهرة أكمل وأشمل أيضاً.

منتهى الرمحي: الإبداع بشكل عام.

فوزية السندي: الإبداع بشكل عام.

[فاصل إعلاني]

منتهى الرمحي: أعود مباشرة لقراءة بعض المشاركات من المشاهدين عبر الإنترنت هذه المرة، هناك الأخ زياد جاسر من سوريا، يقول: استخدم الشاعر نزار المرأة للفت الأنظار لفنه وأشبهه بالذين يستخدمون عنصر المرأة بدعاياتهم للفت الأنظار لمنتجهم، إذن فهو مستغل المرأة لخدمة فنه. هذا رأي الأخ زياد.

أيضاً هناك محمد السعيد من مصر، يقول: دور المرأة في الإسلام لم يركز عليه أي من الشعراء رغم دورها الهام في الجهاد وتربية الرجال، لماذا؟

هناك أرى أن الشعر.. الأخ سيزار رومانو من إسبانيا يقول: أرى أن الشعر العربي قد نظر إلى المرأة على أنها أداة للتسلية والمتعة ولم يعطها حقها ودورها الاجتماعي.

الأخ عبد الحميد حسن يقول: الشعر العربي لا يتجاوز كونه نافذة حقيقية لصورة المرأة في ذهن الذكر والتي أهم ما يميزها هو ملكيته لها يفعل بها ما يحلو له، بل برمج المرأة لنفس.. نفسها لتكريس تلك الصورة. يعني برامج المرأة أي ربما إنه المرأة أيضاً ساعدت في تكريس هذه الصورة.

كلها أيضاً مشاركات تتحدث عن المرأة الشاعرة وأنا لا أريد الحديث عن هذا.. معنا مكالمة هاتفية من الأخ صلاح الدين يونس من المملكة العربية السعودية، أخي صلاح الدين تفضل.

صلاح الدين يونس: مساء الخير.

منتهى الرمحي: مساء الخير.

صلاح الدين يونس: أحيي السيدات الكريمات في.. المشاركات في هذا البرنامج وأخص السيدة رشيدة من المغرب لتلاقيها معي في كثير من الآراء.

منتهى الرمحي: أهلا بك.

صلاح الدين يونس: سيداتي الكريمات، مع انتكاسة المشروع النهضوي العربي في منتصف القرن الماضي وصعود المشروع الصهيوني المتوافقين مع الاستقلال السياسي يتقدم الشعر ليستعيد ثقافة العصر الوسيط، ويتقدم نزار قباني ليقدم ثقافة التراضي، إنتاج الحلول الوسطى كتسوية مع المرجعيات الأولى، الشعر بخصوص المرأة في هذا الطور من مصدرين، الغزل العذري الذي نتج عن وعي فردي تبنى إشكالية الحرية حرية الأفراد وسط الكتلة ووسط (....) العام المصدر الثاني الغزل المدني وفي هذا المنحي تبدو المرأة ملحقاً تابعاً، وكان هذا الشعر مرجعية استعيرت منه القصيدة الجديدة لا الحديثة ولا سيما النزارية، فهي جاءت بلغة أطرى وأحدث إلا أن الفكرة فيها مؤسسة على حسبان المرأة عنصراً قابلاً لإعادة التكون وفقاً لنمذجة الذكورية، إشكالية نزار قباني إشكالية لغوية محاولة لإزاحة البدائل المحتملة التي كان يمكن أن تظهر من تحت الأنقاض، لقد راحت تطرح الخواء الأنيق بديلاً عن تنويرية فرح أنطون وإصلاحية محمد عبده، الحلول عند الشعراء تأتي من السطح والحلول عند المفكرين تأتي من العمق، أنا أدعو النساء هنا ليتابعن مع النقاد والمفكرين وليس مع الشعراء، لأنهم يواجهون المشكلة -أي الشعراء- بالتبسيط والاختزال ضمن نسق مغلق بلغة زائفة ثقافية، يقول نزار قباني: "لقد حولت المرأة من جسد إلى وردة ومن جارية إلى جوهرة"، ما نوع هذا التحول؟ إنه تحول حسي يقع في خارج الفعلين الثقافي والسياسي.

منتهى الرمحي: صحيح.. صحيح.

صلاح الدين يونس: الوردة والجوهرة يرضيان الرجل المعاصر ولم يستطع أن يتوصل.. أو غير المعاصر.. ولم يستطع أن يتوصل إلى رموز أعمق أخرى، سلطة الإعلام عممت هذا النوع من الشعر حتى أعد.. حتى أني أعد المدارس والجامعات ضمن هذه السلطة، ولكن الشعراء الإشكاليين كالشابِّي في مطلع القرن الماضي والسياب و.. وهناك رموز كثيرة تم الربط عندهم بين مفهوم الأنوثة والخصب والأسطورة والثورة والوطن، لقد ميز هذا النسق الإشكالي بين البنية الفنية والعلاقات الثقافية، بين البنية الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية، الإشكالية هي في البحث عن الحرية كمفهوم جذري من الطبقات العميقة لا.. لا الطبقات المسطحة وليس.. والتي تبدأ من العمق إلى السطح وليس العكس، نحن هنا نحتاج إلى مواجهة المشكلة على أكثر من صعيد دون رهبة أية مرجعية. شكراً لكن جميعاً.

منتهى الرمحي: نعم، شكراً جزيلاً أخي صلاح الدين يونس من المملكة العربية السعودية، معي أيضاً الأخ عامر الوالي من سوريا، أخي عامر تفضل.

عامر الوالي: يا أختي خديجة.. عفواً يا أختي منتهى أنا آسف.

منتهى الرمحي: تفضل، عفواً؟

عامر الوالي: نعم، أختي منتهى يقول طاغور: "في.. في ابتسامة المرأة عظمة الحياة وجمالها"، ويقول شوبان: "حياة المرأة أغنية جميلة لمن يعرف كيف ينشدها"، ويقول ألفريد دي موسيه: "المرأة أجمل المخلوقات.. أجمل المخلوقات على وجه الأرض" ما الذي جعل هؤلاء ينظرون إلى المرأة من خلال القدسية من أمثال شوبان وألفريد.. وألفريد دي موسيه؟ إنه الشرق العربي وخاصة بالقرن الثامن عشر عندما زاروه ورسموا لوحات عبرت عن واقع معين، عبرت عن الوحي والإلهام، لقد درسوا الشعر العربي الأصيل كإلهام لا ينضب معينه، الشعراء الحديثين بنوا أشعارهم وقولهم على ما قالوه الأقدمين كأمثال النابغة الذبياني وعنترة العبسي وامرؤ القيس وغيرهم من الشعراء، فظاهرة المرأة في.. في المجتمع العربي وخاصة منذ قدوم المستشرقين إلى سوريا والشام ومصر والجزائر رسموا واقع معين، إنها ظاهرة قديمة جداً، فليس كل شاعر بشاعر، الشعراء الحديثين أرادوا أن يقلدوا الأقدمين ونسوا بأن الأقدمين كانوا.. كان كل واحد منهم مختاراً صحاح وعباب وتاج عروس ولسان عرب، وشكراً.

منتهى الرمحي: شكراً جزيلاً أخ.. لك أخي عامر الوالي من سوريا، سيدتي لطفية من استوديوهاتنا في بغداد برأيك يعني لماذا نجد هذه النماذج الشعرية هي الأكثر شعبية، هل هذا يعود إلى النماذج الاجتماعية والسياسية القائمة أصلاً في مجتمعاتنا؟

الهيمنة الذكورية في النسق الثقافي العربي وأسباب تهميشها للمرأة

لطفية الدليمي: نعم، لأن ها الأمر متعلق بالذاكرة الثقافية المجتمعية وخزينها الهائل من الإشارات الإيجابية لمعنى الفحولة، والإشارات السلبية المتدنية لمعنى الأنوثة، يعني طرح المرأة بهذا الشكل المتدني في.. في بعض القصائد وليس في جميعها عائد إلى استقواء المثقف أو الشاعر في مجتمعه وإحساسه بالتسيد الدائم على عالمه و.. وهو انعكاس لتسيد القوى المهيمنة في العالم على.. على.. عليه هو نفسه، على ثقافته، واستلابه من قِبَل الآخر، يعني استلاب الشاعر من قِبَل القوى المهيمنة والنكوص وسقوط مشروعه القومي أو النهضوي أدى إلى أن ينكفئ هو ويقدم بدائل هلامية في شعره تتناول وضع اجتماعي معين يعني تكون المرأة هي الوسيلة لتنفيذ هذه الصور المتهاوية، هذا.. هذا الرجل يعني هو يحاول كتابة تاريخ الإنسانية بطريقته وهو معرض للعنف.. للإكراه مما يجعل.. يجعله يعني قوة مستفحلة على قوة مستضعفة أخرى هي المرأة ضمن.. في مجتمعه.

منتهى الرمحي: نعم، سيدة رشيدة يعني ماذا عن الفحولة في شعر الحداثة والاستبداد هل له علاقة مباشرة –برأيك- بما يتعرض له الرجل العربي بشكل عام من.. من استبداد خارجي يمارس أيضاً على.. في.. في.. على صفحات الكتابة يمارسه بالورقة والقلم، ولكن يجد أمامه المرأة لكي يمارس هذا الاستبداد عليها؟

رشيدة بن مسعود: أولاً أنا أفضل استعمال بدل الاستبداد والفحولة المهيمنة المركزية الذكورية المهيمنة في النسق الثقافي العربي، هذه المركزية الذكورية المهيمنة قد عملت ولسنوات طوال وما تزال على إقصاء وتهميش المرأة من مجالات متعددة وخاصة في مجال الثقافة حيث نجد أن هذا الإقصاء يأخذ تمظهرات متعددة من بينها هو أنه.. هو قول الناقد الدكتور أحمد الحوفي بأن المرأة الخنساء أجادت قول الشعر في الرثاء لأنها امرأة أي يحاول بهذا الحكم جعل المرأة شخصية مَرَضية (مازوخية) لا تجيد قول الشعر إلا في الرثاء، أيضاً من بين هذه التمظهرات هذه المركزية هو لجوء المرأة إلى الكتابة خاصة وتوقيع القصائد الغزلية باسم مستعار، كما وقع للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان التي لجأت إلى توقيع بعض قصائدها باسم دنانير خوفاً من النقد وخوفاً من الآخر باعتبار أن الغزل هو قيمة أو غرض شعري خاص بالرجل.

منتهى الرمحي: بالرجل.

رشيدة بن مسعود: من بين هذه التمظهرات أيضاً وبسرعة أذكر على سبيل المثال المحاكمة التي تعرضت لها الكاتبة –طبعاً خارج مجال الشعر- الكاتبة ليلى بعلبكي من خلال قصة قصيرة لها تعاملت فيها مع اللغة بطريقة عفوية كما يتعامل الرجل فحوكمت بسبب هذا الحرية، هذا الحق في.. الحق في التعامل مع اللغة والحق في الاختلاف، إذن المهيمنة الذكورية أو المركزية الذكورية المهيمنة في الثقافة العربية حاولت أن تخلق الصورة النمطية للمرأة استمرت وامتدت إلى هذه العصور، في بعض القصائد في الشعر الحديث وليس في كل قصائد الشعر الحديث

منتهى الرمحي: صحيح.. صحيح.

رشيد بن مسعود: لأن هناك صورة المرأة الرمز التي تتعالى عن المرأة العادية لتعانق الوطن والقضايا الاجتماعية الكبرى.

منتهى الرمحي: ونحن.. ونحن سيدة رشيدة.. سيدتي أؤكد للمشاهدين الكرام أننا لا نعمم على كل الشعر الحديث وأيضاً لا نعمم على كل شعر نزار قباني، معي مكالمة أخيرة من الأخ يحيى الأمير من المملكة العربية السعودية، أخي يحيى، تفضل

يحيى الأمير: مساء الخير أخواتي الكريمات.

منتهى الرمحي: بسرعة لو سمحت أخي، لم يبقَ الكثير من الوقت.

يحيى الأمير: مساء الخير أخواتي نعم.. نعم، آلو.

منتهى الرمحي: معك.. معك، تفضل.

يحيى الأمير: أولاً أخواتي الكريمات فقط طالت أو طال النقاش تعددت النقاط، لكن أنا أريد أن أبدأ من النقطة التي قمت بذكرها أخت منتهى فيما يتعلق بالحداثة واشتغالها عن النص الجديد وأين وُجدت المرأة في الحداثة؟ المرأة الجسد هذه غير مرتبطة بالحداثة كـ(….) ثقافية لها امتدادها داخل النص، لكن الذي حدث أن المرأة الجسد وُجدت داخل النص بهذا الشكل -أو اسمحي لي- بهذا الشكل العاري انطلاقاً من التصور التقليدي للثقافة العربية أو الثقافة السلفية، المرأة داخل النص الشعري الحديث لم تعد محركاً كجسد فقط وإنما خاصة أن الجسد كقيمة أصبح شيء يعني شيء ظاهر وواضح.. لم يعد غياب الجسد في المشكلة لم يعد غياب الوجه الأنثوي، الشعر والمظاهر الأنثوية لم.. لم تغب غياباً متكرراً يمثل مشكلة بالنسبة للشاعر وبالنسبة لرجل الشارع العام، وبالتالي تحولت المرأة داخل النص الحداثي الذي يلتزم بالفهم الواقعي للحداثة تحولت إلى قضية المنفى وإلى قضية الوطن، وأصبحت المرأة تمثل امتداداً روحياً.

فقط أريد أن أتوقف عند نقطة أخيرة -وعفواً على الإطالة-، وهي ما يتعلق بنزار قباني وأختلف كثيراً مع أستاذي الدكتور حسام الخطيب، نزار القباني مثَّل نكبة كبرى في التعاطي العام مع الأنثى داخل الشعر، حتى حمل الصوت الأنثوي والبحث عن التحرر وخروج المرأة من السلطة في المجتمع فقط حينما يصورها على أنها ثائرة جسدياً ويحولها إلى قيمة شبقية لا قيمة إنسانية، وعفواً على الإطالة، شكراً لكم.

منتهى الرمحي: صحيح، أبداً، أخي يحيى الأمير من المملكة العربية السعودية شكراً جزيلاً لك، وكانت هذه آخر مكالمة معنا في البرنامج.

ليس بوسعنا في نهاية هذه الحلقة سوى أن نشكر ضيفاتنا (الأديبة والشاعرة البحرينية) فوزية السندي، عبر الأقمار الاصطناعية من بغداد (الأديبة والكاتبة) لطفية الدليمي، وعبر الأقمار الاصطناعية من الرباط الدكتورة رشيدة بن مسعود (أستاذة الأدب العربي بجامعة الملك محمد الخامس بالمغرب).

إلى أن نلتقي وإياكم في الحلقة القادمة -بإذن الله- هذه تحية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة