هيكل.. العالم على حافة الهاوية   
الأحد 1429/7/11 هـ - الموافق 13/7/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:23 (مكة المكرمة)، 12:23 (غرينتش)

- عن أزمات العصر الحديث وشروطها
- الدب الروسي يراقب
- ساعة إشراق الحقيقة

 

عن أزمات العصر الحديث وشروطها

محمد حسنين هيكل

محمد حسنين هيكل: مساء الخير. أظن بل لعلي أنا واثق أن أكثر اللحظات رهبة في التاريخ هي تلك اللحظات التي تتحرك فيها موازين القوى في العالم وتنذر الجميع بأن هناك خطرا داهما يوشك أن يقع كأن هذه الحركة بالضبط حركة زلزال. هذه الظاهرة، ظاهرة مثل هذه اللحظات الرهيبة في التاريخ في اعتقادي هي ظاهرة لم تظهر إلا في العصر الحديث لأنه قبل العصر الحديث لم يكن هناك شروط ضرورية لحدوث مثل هذه اللحظة، الشروط الضرورية لم تتوفر إلا في هذا العصر الحديث وهي من ناحية وجود قوتين قدام بعض، وجود سلاح نووي ممكن أن يدمر العالم كله والحاجة الثالثة معرفة جميع الناس في نفس اللحظة أن هناك لحظة مواجهة وأن هذه المواجهة أخذت العالم إلى حافة الهاوية وأن العالم بيحبس أنفاسه في انتظار نتائج، هذه ظاهرة لم تحدث إلا في التاريخ الحديث للشروط الثلاثة اللي قلتها. قبل كده حصل حوادث مهمة يمكن جدا في التاريخ بمعنى أنه في أحداث غيرت وجه العالم لكن هذه جرت ببطء وبدون خطر داهم، حتى لما قوات المغول على سبيل المثال هاجمت انطلقت من سهول آسيا وانقضت على شرقي الأوسط لم يشعر أحد إلا والمغول على الأبواب، كل هذه أزمات أخذت.. هذه وغيرها الحرب العالمية الثانية والأولى وكل الحروب في كان في واحد كان هناك باستمرار فترة التقاط أنفاس قبل أن يتجلى الخطر، الحاجة الثانية أن الخطر لم تعرف حدوده إلا فيما بعد.. يعني على سبيل المثال هزيمة نابليون وهي مهمة جدا في التاريخ، هذه الهزيمة لم تصل أخبارها إلى باريس من واترلو إلا بعد ستة أيام، لكن في أزمات في التاريخ الحديث المعاصر اللي تتوفر فيها شروط وجود قوتين متقابلتين سلاح لا قِبل لأحد به وله قدرة على تدمير العالم كله ومعرفة كل الناس بالخطر الداهم في لحظته وكلهم يرون العالم وقد وقف فعلا على حافة الهاوية. في العصر الحديث أنا أكاد أقول إني أنا شفت أو رأيت أو عاصرت عدة أزمات من هذه الأزمات، واحد أول مرة اهتزت فيها موازين القوى، اهتزت موازين القوى بمعنى أننا رأينا حركتها فعلا ورأينا المخاطر التي يمكن أن تنجم في ظرف دقائق أو بالكثير قوي ساعات ورأينا الاحتمال أن قوى متواجهة وأن نحن أمام ظرف خطير جدا يعني. أول واحدة فيهم حصلت بعد الحرب العالمية الثانية وبعد ما استقرت الأسلحة النووية في يد القوتين الكبيرتين وبرزوا معسكرين يتقدمهم أميركا من ناحية والاتحاد السوفياتي من ناحية ثانية بدا واضحا أن هذا ممكن يحدث لكن نظام الأمم المتحدة كله أقيم في واقع الأمر لكي يحول دون هذه اللحظة الحرجة التي يمكن أن يحدث فيها مثل هذا الصدام المهول. اللحظة الأولى كانت في اعتقادي هي السويس، اللحظة الثانية في اعتقادي هي أزمة الصواريخ الكوبية، اللحظة الثالثة هي لحظة سنة 1973 أواخر حرب أكتوبر. في هذا المساء يعنيني اللحظة الأولى التي جُرب فيها لأول مرة وقوف العالم ظاهرة وقوف العالم على حافة الهاوية واحتمال صدام بين القوتين الأعظم على نحو لم يكن يتوقعه أحد. صباح يوم خمسة نوفمبر المعركة مستمرة في مصر، معركة السويس مستمرة في مصر والمقاومة دائرة والهجوم البري بيكتمل وقوات جنرال كيتلي على وشك أنها تنزل تدعم الفرنساويين الموجودين هنا وتدعم المظلات وتدعم القوات اللي حاولت تكسر دفاعات بور سعيد واخترقت بعضها فعلا ولكن تعطلت في بور سعيد، لكن في معركة مهولة جارية في مصر بدأت من يوم 29 أكتوبر، 29، 30، 31 وواحد واثنين وثلاثة وأربعة وخمسة نوفمبر والمعركة مستمرة، وألاقي هذا اليوم يبدأ بتقرير للملكة، القيادة تبعث للملكة إليزابيث بتقرير عادي عن المعارك الجارية وأهميته أنهم رأوا بعد سبعة ثمانية أيام من الحرب وجدوا أن الملكة من حقها تبقى عارفة إيه اللي جاري فبعثوا لها تقرير، هم كانوا يبعثوا لها تقارير كل يوم لكن في هذا اليوم بعثوا لها تقريرا أكثر تفصيلا، هم عادة بيبعثوا للملكة فقرة واحدة كل يوم تديها فكرة عن اللي جاري، لكن في هذا اليوم بعثوا لعلم الملكة تقرير أن المعارك مستمرة في جبهة بور سعيد وأنه في قوات الأسطول نازلة النهارده متجهة ومدافعه عمالة تدك في دفاعات بور سعيد وبعدين بيقولوا حاجة ودي مهمة قوي إن في مقاومة موجودة وإن سبع طائرات من طائرات الحلفاء أصيبت ضربتها المدفعية المضادة للطائرات المصرية وأنه برغم أن هذه الطائرات أصيبت فقد تمكنت من العودة إلى حاملات الطائرات أو بقربها حيث سقط بعضها يعني لكن واضح جدا أن هناك معركة كبيرة، لكن ليس هناك ما يبدو أن في شيء غير عادي، ليس هناك ما يبدو أن موازين القوى الدولية على وشك أنها تتحرك وأنها تتحرك بشدة مذهلة لأنه في مساء هذا اليوم إذا برئيس الوزراء السوفياتي، على عكس كل اللي كان متصورا وكل اللي كان سائدا، رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي بولغانين يوجه إنذارا إلى ثلاثة دول، يوجه إنذارا إلى بريطانيا نفس الصيغة إلى فرنسا وصيغة أخرى مختلفة إلى إسرائيل ويوجه بعدهم خطاب إلى الرئيس آيزنهاور يلفت نظره إلى خطورة الأوضاع.

مسألة قناة السويس كانت ذريعة لتبرير عدوان قامت به بريطانيا وفرنسا وأن هذه حرب لصوصية والاتحاد السوفياتي لا يستطيع أن يقبلها
الخطابات الإنذارات الثلاثة أنا بألاقيها وأنا قدامي صورها كلها الأصلية وألاقي الإنذار موجه لإيدن بيقول فيه "عزيزي السيد رئيس الوزراء إن الحكومة السوفياتية ترى أنه من الضروري أن تلفت انتباهكم إلى حقيقة أن الحرب العدوانية التي شنتها بريطانيا وفرنسا على الدولة المصرية والتي لعبت فيها إسرائيل دور المحرض تحمل عواقب خطيرة للغاية بالنسبة للسلام العالمي" وبعدين بينتقل إلى الأمم المتحدة لكن بيقول له إن مسألة قناة السويس كانت ذريعة لتبرير عدوان أكبر قامت به بريطانيا وفرنسا وأن هذه حرب لصوصية والاتحاد السوفياتي لا يستطيع أن يقبلها، وبعدين يقول له بقى وده المهم ماذا سيكون موقف بريطانيا إذا هاجمتها قوى أكبر منها لديها كل أنواع الأسلحة الهجومية الحديثة وعليك أن تتذكر أن تلك الدول في الوقت الحالي -يقصد الاتحاد السوفياتي طبعا- لا تحتاج إلى إرسال قوات بحرية أو جوية إلى الشواطئ البريطانية لكن يمكنها أن تستخدم وسائل الصواريخ وإذا استُخدمت الصواريخ ضد بريطانيا وفرنسا فسوف تسمون ذلك عملا بربريا ولكن قل لي كيف أن يمكن أن تبرروا هذا العمل الغير إنساني الذي تقومون به قدام أو أمام المقاومة الباسلة للشعب المصري؟ وبعدين إن الاتحاد السوفياتي مستعد يتدخل لسحق القوات المعتدية. الجواب ده راح لإيدن، صورة منه راحت أو جواب زيه راح لجي موليه رئيس وزراء فرنسا، وواحد آخر راح لإسرائيل، الجواب اللي راح لإسرائيل أنا بأعتقد أنه مهين جدا وده اللي خلى الإسرائيليين يتجننوا لأن الإنذار اللي راح لإسرائيل مختلف عن الإنذار اللي راح للقوى الكبرى، بيقول له بيقول.. بولغانين برضه بيوجه كلامه لبن غوريون "السيد رئيس الوزراء، لقد أعربت الحكومة السوفياتية عن شجبها القاطع للعدوان المسلح الذي شنته إسرائيل" وبعدين "إن الإنسانية المحبة للسلام بأكملها تستنكر بسخط الأعمال الإجرامية للمعتدين الذين انتهكوا وحدة الأراضي الإقليمية" وإن إعلانات إسرائيل عن حب السلام والكلام الفارغ ده كله وأنها كانت بتستعد طول الوقت لعمل إجرامي وإن هذا إذا لم يقف فهو أمر -وهنا المهم- لا بد أن يترك آثاره على مستقبل إسرائيل ويشكك في وجود دولة إسرائيل ذاتها. هنا العالم وجد قدامه مشكلة خطيرة جدا وهي أنه في إنذار بالصواريخ إذا لم يتوقف بضرب لندن وباريس وتل أبيب بالصواريخ إذا.. أو على الأقل في هذا الخطر أو في هذا الاحتمال إذا لم يتوقف العدوان الجاري على مصر. في الوقت ده إسرائيل كانت خلصت احتلت سيناء الفارغة من أي قوات طبعا والمقاومة في بور سعيد مدهشة في منطقة القنال والتقرير اللي بيروح الملكة بيقول لها إن القوات المصرية محتشدة غريبة قوية واضح أن الكولونيل ناصر البكباشي جمال عبد الناصر مخلي معظم قواته مستنية في الحشد في المنطقة المركزية قرب القاهرة وحولها لأنه لا يزال غير متأكد أنه ما فيش إنزال في الإسكندرية، فهو مخلي قوات الاحتياط في المنطقة المركزية بعيدة عن ميادين القتال وأنه جاهز يتدخل في الناحيتين لكنه حتى هذه اللحظة الحجم الأساسي من القوات المصرية من الاحتياطي لم يدخل المعركة لكن معركة بور سعيد جارية على النحو اللي كنت بأقوله. وهنا في هذه اللحظة ومع مقاومة جارية حدث التطور الذي لم يكن يتوقعه أحد، إيدن وموليه وكذلك بن غوريون، إيدن وموليه ردوا على بولغانين نفس الرد لكن أهم حاجة أنهم بعثوا لآيزنهاور لأن هنا أول نتيجة للإنذار أول ما يترتب على الإنذار إذا وُجه إنذار لإنجلترا وفرنسا وإسرائيل فأول حاجة يعملوها أن نحن أمام الخطر الذي كنا نتصور أن إحنا بنتوقاه أو أن ممكن أميركا تتوقاه وهو خطر الدب خطر الاتحاد السوفياتي ولكن الآن وقع الخطر وجاء لنا الإنذار فأول حاجة بيعملوها الثلاثة كلهم مع بعض أن يبعثوا بالشكوى إذا كان استغاثة انتظار رأي تدبر إلى الرئيس الأميركي، وهنا الموقف بيختلف تماما، القوى المعتدية تجد نفسها لأول مرة هي قدام مقاومة في مصر مصر بتقاوم، لكن هي لأول مرة في الأزمة دي كلها قدام خطر لم تحسب له حسابا وكانت تتصور أن أميركا تغنيها عنه لكن ظهر أن أميركا أنه بشكل ما أميركا ما قدرتش، وأنه حتى اللي كانت أميركا معتمدة عليه وهو إلهاء الاتحاد السوفياتي عن الشرق الأوسط في أوروبا الشرقية بمعنى أنه كان في أزمتين في ذلك الوقت متواجهتين شرق الأوسط وأزمة أوروبا الشرقية في المجر، والأميركان عملوا كل اللي ممكن في التحريض على الاتحاد السوفياتي في المجر وعملوا له مشكلة كبيرة جدا والإنجليز والفرنساويين والإسرائيليين يتصوروا أن هذا هو الوضع القائم لكن إذا بشيء خطير جدا يحدث ولم يكن أحد يتوقعه بحقيقة. لأنه هنا عايز أقول حاجات مجموعة أشياء مهمة، علاقتنا بالاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت في علاقة وثيقة في ذلك الوقت لكن هذه العلاقات لم تكن قد تأسست بعد على أساس حقيقي، لأنه لما قامت ثورة 23 يوليو والثورة أنا قلت ولا أزال بأقول إن 23 يوليو لم يكن هو يوم الثورة لكن السويس كانت هي الثورة، لكن لما قامت 23 يوليو لما حصلت 23 يوليو، 23 يوليو هو مقدمة الثورة وفتح الباب لشيء معين يعني لكن لم يكن محدد المعالم ولا واضح ولا حاجة أبدا، لكن الاتحاد السوفياتي على طول شك في الموضوع في اللي جرى في مصر في 23 يوليو واعتبر أن الجيش ليس أداة ثورة ولا يمكن أن يكون وإنما الجيش في أحسن أحواله هو أداة حفظ أمر واقع فإذاً فاللي جاري في مصر هذا ليس ثورة بالمعايير الطبيعية والعلمية وإلى حد ما هذا كان صحيحا، لكن مشيت العلاقات بعد كده وراح على سبيل المثال بعثنا سفير في موسكو هو الفريق عزيز علي المصري، وعزيز المصري شخصية مدهشة يعني شخصية لها تاريخ ماضي ولكن أنا بأعتقد أن الرجل كان استنفد طاقته في الثورة العربية الأولى وقت ما كان هو ومجموعة الضباط العرب في الجيش التركي وقادوا عملية إيقاظ وعي قومي في مقابل وعي قومي عملوه الضباط الأتراك في تركيا مع مصطفى كمال أتاتورك أن ناس اكتشفوا القومية التركية ودعوا إليها وصرفوا النظر عن الخلافة وناس اكتشفوا فكرة العروبة وبدؤوا يدعون إليها وعبروا عنها وراحوا للشريف حسين والتاريخ المشهور ده كله. لكن عزيز المصري وأنا بأعتقد أن عزيز المصري في الآخر وأنا بأقولها وأنا شفته مرتين اثنين وأعتقد أنه لم يكن في أحسن أحواله ولكن لأن الرجل كان له تاريخه ولأن الرجل كان له ظروف معينة ولأن بعض الضباط من اللي قاموا بثورة 23 يوليو كانوا معجبين به فرؤي أنه عزبز مصري يُكرم فاتعيّن سفيرا في موسكو وهذا دليل على أن.. حتى موسكو في ذلك الوقت لم تكن مهمة بالنسبة للقيادة اللي جاءت في مصر الجديدة بعد سنة 1952، هي عمرها ما كانت مهمة على أي الأحوال يعني قبل الثورة كان بينظر لها الاتحاد السوفياتي كان بينظر له الشيوعية والخطر الشيوعي وإلى آخره والثورة الحمراء والدموية إلى آخره لكن ما كانش.. العلاقات ما كانت موجودة.. يعني جديدة بعد الحرب العالمية الثانية لأن قبل كده إحنا ما كناش عندنا علاقات أبدا العلاقات قنصلية، لكن في أثناء الحرب في أواخر الحرب العالمية الثانية وبإشارة يمكن من الإنجليز في رغبتهم في تأهيل الاتحاد السوفياتي للعودة إلى المجتمع الدولي بشكل أو آخر علشان بقى أصبح شريكهم في الحرب العالمية الثانية ضد هتلر فنصحوا بعض الدول تعمل علاقات وإحنا منها عملنا علاقات في ذلك الوقت ولو أنه راح لها ناس مهمين جدا حأتكلم فيها. لكن على أي حال بعد الثورة اللي راح هو الفريق عزيز علي المصري راح معه شاب لامع جدا وهو مراد غالب ولكن الذهاب إلى الاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت أنا بأعتقد أنه كان سد خانة وإعطاء شيء لعزيز المصري ولم يكن في اعتقادي إنشاء علاقات، وراح عزيز المصري وقعد سنة ونصف أو سنتين ولكن عزيز المصري لا عمل حاجة، ولا تطورت العلاقات السوفياتية المصرية وفضلت نظرة الشك السوفياتية موجودة تجاه مصر. طيب، وبعدين بدأ الزعماء السوفيات أو بدأت القيادة السوفياتية تلحظ تحركات مصر في مقاومة أحلاف، تلحظ تحركات مصر في مقاومة النفوذ، رغبة في إجلاء الإنجليز رفض حلف بغداد ثم الذهاب إلى باندونغ وده لفت نظرهم، لفت نظرهم أكثر بعد كده أن مصر طلبت أسلحة من الاتحاد السوفياتي وطلبتها عن طريق شواين لاي وطلبتها فرانكون في الطريق إلى باندونغ وشواين لاي رئيس وزراء الصين كان هو الوسيط الذي نقل هذه الرغبة واستجاب الاتحاد السوفياتي وبدأت صفقة الأسلحة. لكني أعتقد أن حتى هذا الوقت الاتحاد السوفياتي لم يكن واثقا أن.. لأنه هو كان شاف في الأول خالص علاقات الثورة بالأميركان وإحنا كنا بنستعمل الأميركان أو على الأقل كان عندنا علاقات ودية جدا مع الأميركان عن رغبة في استعمالهم في الضغط على الإنجليز، هم بيضغطوا على الإنجليز من ناحية في رغبة الإرث وإحنا بنضغط على الإنجليز في رغبة الاستقلال بشكل ما في مرحلة من المراحل كان في لقاء بين الطرق ولكن الاقتراب من الأميركان لفت نظر السوفيات أيضا كمان وخلى في شك إلى درجة الاتحاد السوفياتي ما كانش متصور أن إحنا حنمضي في صفقة الأسلحة من الأول إلى النهاية وتصور أن نتراجع عنها نحن لكنه لم يحدث، وبدأ الاتحاد السوفياتي يرى أن في حاجة لفتت نظره جدا في أوائل.. بعد صفقة الأسلحة.

[فاصل إعلاني]

الدب الروسي يراقب

محمد حسنين هيكل: بعد صفقة الأسلحة حصل فوران في العالم العربي وحصل أن حركة القومية العربية اللي كانت كامنة واللي كانت بعد حرب فلسطين كانت بشكل أو آخر محبطة بدأت تتصور أنها وجدت أملا جديدا وأن مصر بتعمل دورها التاريخي اللي كان متصوَر وإذا بطوفان من العواطف متدفق نحو القاهرة من العالم العربي، والاتحاد السوفياتي لفت نظره أن هذه ليست عملية وطنية محلية وليست دولة بتتكلم عن نفسها وعن.. مهما كانت قيمتها يعني، لكنها هذه حركة تجتاح الشرق الأوسط كله من الخليج إلى المحيط وأن هم.. حتى الأميركان بعد كده - وأنا حأتكلم فيها بعدين- الأميركان لفت نظرهم كثير قوي زي السوفيات لفت نظرهم هذا الجيَشان وهذا الفوران الهائل الذي أصبحت القاهرة مركزه الأساسي. فبدأ الاتحاد السوفياتي يقترب ويقترب وحتى لما جاء موضوع السد العالي والأميركان بيتلاعبوا فيه كده وبتاع الاتحاد السوفياتي لمح من بعيد إلى أنه مستعد يبحث الموضوع وجاء لنا رئيس تحرير برافدا وبرافدا وقتها كانت جريدة الحزب الشيوعي السوفياتي وقريبة من القيادة كان شبيلوف، وشبيلوف جاء وألمح.. جاء في مايو أول مرة أول زيارة له كانت في مايو سنة 1956 وألمح إلى أن الاتحاد السوفياتي مستعد يبحث ده وحتى إذا ما كانش يقدر يعمل ده أو إذا كانت مصر ترى حاجة ثانية فهم مستعدون أن يساعدوا في الصناعة وأظن الاتحاد السوفياتي كان متصورا أن مصر مش حتكلمهم في السد العالي لأنهم يتصورون أن الوضع الأمثل كان بالنسبة للقيادة المصرية في ذلك الوقت أن تأخذ السلاح من الاتحاد السوفياتي وتبني السد العالي أو الصناعة من الغرب. لكن الاتحاد السوفياتي بدأ يتابع اللي جاري في المنطقة لكن لما جاءت حركة عملية تأميم قناة السويس الاتحاد السوفياتي فوجئ مفاجأة كاملة، لثلاثة أيام نحن ننتظر ردة فعل من الاتحاد السوفياتي اللي بيتكلم عن حركة التحرر الوطني إلى آخره ما فيش حاجة أبدا في صمت في موسكو، وإذاعات موسكو والسفارة في القاهرة وسفارتنا في موسكو في ذلك الوقت ما حدش بيتكلم أبدا في موضوع السد العالي ولا تعليق ولا كلمة ولا حاجة في الصحافة لأنهم أقلقتهم هذه الخطوة. وفيما بعد قال لي خروتشوف أنها بدت لهم خافوا جدا أن تكون نوعا من الـ Adventures  نوع من المغامرة اللي ممكن تجرهم إلى أشياء كثيرة قوي. لكن هنا كان في أن الاتحاد السوفياتي بيشوف موقف بيدرس حركة بيشوف تطور اجتماعي وسياسي موجود في منطقة هي مهمة جدا له في العالم لكنه ما هواش واثق فيها لكن ما يجري فيها بيدهشه وفي كل الأحوال هو عارف أن دي منطقة حيوية للأميركان فهو مركز شوية في شرق أوروبا، لكن اللي حاصل في شرق أوروبا أقنعه أن هذه أكبر قوي مما كان يتصور العمليات.. لو أنا أشوف حركة ما جرى في.. اللي خلى الإنذار ييجي واللي خلى الاتحاد السوفياتي يغير رأيه وفجأة كده بطريقة بدت لنا إحنا ملفتة لما جاء الإنذار أن الاتحاد السوفياتي في أوروبا الشرقية بدأت الصين ويوغسلافيا يضغطوا عليه أنه بيتصرف غلط تجاه شعوب الكتلة الشرقية وأن عليه أن يخلي العلاقات أخوية وليست علاقات أخ أكبر مع أخوته الصغار يعني وأن لا بد الجيوش السوفياتية تطلع من البلاد دي وطلع في يوم ثلاثين أكتوبر طلع بالفعل بيان من القيادة السوفياتية بيقول بيعترف أنهم عملوا أخطاء في أوروبا الشرقية وأنهم على أي حال ينوون أن الجيوش بتاعتهم تطلع من شرق أوروبا حيث تريد هذه الجيوش وأن هذه الدول الصديقة والقريبة منها والمتحالفة معها تستطيع أن تقرر لنفسها ما تشاء. لكن اللي حصل الأميركان كانوا بيدفعوا جدا في شرق أوروبا وكانوا بيدفعوا جدا في ثورة المجر بأكثر مما ثورة المجر مستعدة تقوم به في هذه اللحظة، وأخونا فرانك فيزنر موجود بيحرض بالإذاعات إلى آخره فإذا التراجع اللي عمله الاتحاد السوفياتي أو مش التراجع، الامتيازات اللي ادوها الاتحاد السوفياتي تحت تصور مبدئي إذا بها تُؤخذ خطأ وإذا بالقيادة المجرية.. اللي كان موجود ما كانش لسه مهيأ ليعمل ثورة اللي كان موجود في المجر واللي كان موجود في بولندا ما كانش يعمل ثورة لكن مهيأ يعمل مشاكل فإذا بالقيادة المؤقتة للي سموه الثورة المجرية تطلع بيانات تقول فيها تطلب فيها حياد المجر خروج القوات السوفياتية فورا من المجر حياد المجر تضمنه الأمم المتحدة لا بد من ضمان رباعي في الاتحاد السوفياتي وفي إنجلترا وفرنسا وأميركا، والاتحاد السوفياتي يجد شيئا جاريا في مصر في الشرق الأوسط ويجد شيئا آخر جاريا بيتصرف بيتطور بطريقة محرجة جدا في بودابست ويقرر واجتماعات.. أنا ألاقي محاضر اجتماعات قدامي ألاقي أن الاتحاد السوفياتي.. مرة بعض اللحظات التعبير الإنجليزي بيقول It dawned on him أشرق في تفكيره مرة واحدة كده أن هو أمام مؤامرة واضح أن في أحد بيثبته ويحرجه في شرق أوروبا وواضح أن هذا الطرف من ناحية ثانية بيندفع بكل قوته إلى الشرق الأوسط وأنه بالشرق الأوسط بيضرب حركة التحرر الوطني وبيمهد الأوضاع لعودة استعمارية في المنطقة كاملة مستغلا إسرائيل في ذلك، وإذا بموقف الاتحاد السوفياتي بيتغير بالضبط في تقريبا 24 ساعة ونلاقي نفسنا قدام هذه الإنذارات ونلاقي إيدن وموليه وبن غوريون بيتلقوا هذه الإنذارات ويهرعوا للرئيس الأميركي، ونلاقي كلهم ردوا إيدن موليه وآيزنهاور وياهم ردوا للاتحاد السوفياتي يقولوا له قبل ما تكلمنا في اللي جاري في الشرق الأوسط تكلم عن اللي حاصل في المجر أنتم عملتم في المجر.. في المجر.. لكن ما كانش ممكن حاجة.. تكلم في المجر زي ما أنت عاوز وتكلم في الشرق الأوسط زي ما أنت عاوز ولكن هنا الحقيقة الواضح أن في إنذار بالتدخل، إسرائيل ردت إسرائيل أحست أن الكلام إنذار بولغانين لها بيهددها في وجودها بحد ذاته فردت تحاول توري رغبتها في السلام واستعدادها وأن الدكتاتور المصري عمل كذا والدكتاتور المصري عمل كذا وشغلوا معنا قوات فدائيين ورفضوا الاعتراف بنا وإحنا مستعدين حالا لمحادثات سلام معهم ومن غير شروط، زي الكلام اللي بيقولوه دلوقت، لكن الموقف هنا.. يعني أنا بأعرف كيف فوجئت القيادة المصرية بهذا الذي جرى بهذا الإنذار لأن قبلها كل الشواهد الموجودة مسار علاقاتنا زي ما شرحته لا ينبئ بشيء. أنا في هذا الوقت مش في هذا الوقت فيما بعد بكثير قوي عملت تسجيل جلسة تسجيل لأنني كنت حريصا على أن أتحقق من إيه اللي جرى فراجعت كل برقيات سفارتنا في موسكو وعملت جلسة تسجيل مع سفيرنا في ذلك الوقت محمد القوني. محمد القوني سفير ملفت للنظر ويستحق أن.. لأن هذا الرجل هو الرجل الذي بنى جسور العلاقات بين مصر وبين الاتحاد السوفياتي هو عُين اختاره.. جمال عبد الناصر سأل الدكتور فوزي وده في الوقت اللي كان فيه بداية صفقة أسلحة بيقول له إيه؟ علاقتنا مع الاتحاد السوفياتي داخلة في مرحلة ثانية مختلفة بعد ما السوفيات وافقوا على أنهم يدونا سلاح فعلاقتنا داخلة في مرحلة مختلفة وأنا عاوز سفير غير عادي في موسكو يستطيع أن يدير هذه العلاقات، خلي بالك أن أساس إدارة هذه العلاقات حيبقى من القاهرة لأن صفقة الأسلحة بالدرجة الأولى عقدت في القاهرة وهذا موضوع العلاقات مع الاتحاد السوفياتي موضوع لا بد أن يدار من القاهرة لأنه موضوع ما فيش فيه لعب، أول حاجة أنه متعلق بموازين القوى في العالم، اثنين أنه متعلق بعلاقتنا بالولايات المتحدة الأميركية وهنا الأميركان وقتها 1955 إحنا حريصون جدا الإنجليز قربوا يطلعوا وإحنا حريصون مع الأميركان على إبقاء روابط موجودة فمش عاوزين يبقى في مشاكل، الحاجة الثالثة أن أخواننا الشيوعيين في مصر كانوا وقتها بيحاولوا.. يعني كان عندهم المشاكل الطبيعية التقليدية هم بيزعلوا لو أحد يقول حاجة عليهم وأنا أتمنى قوي أن الطرفين في مصر يقعدوا يعملوا عملية نقد ذاتي لمواقفهم ويراجعوا، بلاش نقد ذاتي لكن يبقى في مراجعة، نفسي قوي أن الشيوعيين أخواننا الشيوعيين يراجعوا موقفهم من الحركة القومية، نفسي الأخوان المسلمين كمان يراجعوا موقفهم من الحركة القومية لأن أنا بأعتقد أنه في قوة في النهاية كلها وطنية ولكنها تحاربت مع بعضها في الظلام بتأثير أشياء كثيرة جدا موجودة وتصورات وأوهام ولكن في الظلام في هذا الوقت تصادمت قوى لم يكن ينبغي لها أن تتصادم كان ينبغي أن تفهم وأن تقدر وأن تساعد في الحركة العامة، لكن على أي حال ده موضوع ثاني. محمد القوني في ذلك الوقت سفيرنا في ذلك الوقت، أنا بعدين فيما بعد ترجيته في مكتبي أن يقعد ونستعرض مع بعض قصة العلاقات العربية السوفياتية في الفترة اللي هو كان موجود فيها، وقلت إني أنا راجعت برقيات سفارتنا في موسكو في ذلك الوقت وسجلت مع محمد القوني تقريبا ساعة ونصف أو ساعتين وإدّيتهم.. كنت خرجت من الأهرام كنت سبت الأهرام ولكن إديتهم لقسم التفريغ في الأهرام فرغوا لي الحديث اللي جرى بيني وبين محمد القوني وهو موجود قدامي، لكن في برقيات محمد القوني لم يكن أمام القيادة المصرية ما يدعوها أنها تتصور إطلاقا أن الاتحاد السوفياتي ممكن يتدخل في أزمة السويس بهذه الطريقة. على سبيل المثال برقية يوم 8 أغسطس، محمد القوني بيحكي بيقول إنه كان في حفلة في السفارة الرومانية وأن هناك كان في القيادة السوفياتية كلها بيحاولوا يجاملوا شعوب شرق أوروبا ومنهم الرومانيين طبعا، ففي السفارة خروتشوف وبولغانين دخلوا وقتها كانوا القيادة الجديدة وبعد ما جاؤوا وبعده بيحاولوا يثبتوا أن الاتحاد السوفياتي له وجه إنساني وأنهم في حملتهم على ستالين اللي في التقرير السري كان في فبراير قبلها أن ده لم.. يعني الاتحاد السوفياتي لا يزال صلبا وأن الاتحاد السوفياتي قادر وأنه قوي وإلى آخره يعني وأن كل اللي حصل له وجه إنساني مختلف فكان بولغانين وخروتشوف دائمي الحضور إلى الحفلات الدبلوماسية، عادة ما بيحضروش، لكن في الحفلة في السفارة الرومانية راحوا الاثنين، محمد القوني موجود شافوه إذا بهم يرحبوا به ترحيبا شديدا جدا، الأزمة كانت موجودة الكلام ده كان في أغسطس المشكلة كانت موجودة لأن قناة السويس أممت في 26 يوليو يعني قبلها بفترة يعني وبعد صمت ثلاثة أيام زي ما قلت طلعوا بيانات تأييد لما شافوا الموقف في العالم العربي بالطريقة اللي شافوه بها. رحبوا به وبعدين خروتشوف لقى السير وليام هيتر، السير وليام هيتر وقتها هو السفير البريطاني في موسكو فنده له قال له أنتم بتعملوا إيه والاستعماريين وأنتم فاكرين لسه وقت الاستغلال، وإدّى له درس مش معقول خناقة كبيرة جدا ومحمد القوني واصفها وصفا، أنه تعالوا أنتم ذيل الأميركان وأنتم ما بتقدروش تعملوا حاجة أبدا متشجعين بالأميركان وجايين تتشطروا على الشعوب الصغيرة، حق الشعب المصري في قناة السويس. التفت بعده لقى السفير إخطار حسين اللي هو سفير باكستان قال له تعال أنت الآخر كمان وبعدين بص للي حواليه قال تكلمنا مع الاستعماريين دلوقت حنتكلم مع ذيولهم وبدأ يقول لسفير باكستان.. وسفير باكستان أنا بأعرفه إخطار حسين رجل رقيق جدا ونصف شاعر تقريبا وفوجئ بأن خروتشوف بحجمه داخل عليه وبيقول له تعال أنتم ذنب الاستعمار وأنتم في حكومة باكستان فاهمة أنها إيه؟ وداخلين في حلف بغداد وشعب باكستان ده شعب مسلم والشعب المصري شعب مسلم وأنتم بدل ما تقفوا تساعدوا أنتم مترددين وداخلين في حلف بغداد، فقال له أنا بأمثل الشعب، قال على الشعب أنا موافق وإذا كنت عاوز تعال وراح جايب كأس شمبانيا وقال له أنا بأشرب نخب الشعب الباكستاني وليس حكومة باكستان. على أي حال مظاهرة، لكن الحاجة الغريبة قوي في هذه العملية أن هذه المظاهرات كلها طيب كويس، يعني ما هو تودي لفين؟ بعدين بدأت يوم الإنذار البريطاني لمصر كان في حفلة ثانية في سفارة بلغاريا وبرضه الزعماء السوفيات كانوا هناك لكن الحاجة.. ودي شهادة محمد القوني فيها بصوته وتفريغ التسجيل يعني بيقول دخل خروتشوف وعمل نفس الكلام تقريبا، مصر وإحنا واقفين مع الشعب المصري والاستعماريين بيوجهوا له إنذارا وإلى آخره، لكن بيأخذه على جنب وبيقول له خلي بالك ابعث للرئيس ناصر قل له إن إحنا لا نستطيع أن نساعد، عليه في هذه المعركة أن يعتمد على نفسه لأنه ما عندناش وسيلة ما فيش وسيلة لنجدتكم فأنتم المهم أنكم تقفوا.. محمد القوني بيقول لي وبيقول وهو ثابت في التسجيل وفي كلامه إن هو حاول.. كل السلك السياسي الموجود في الاحتفال بيبصوا في حديث بين خروتشوف وبين محمد القوني السفير المصري والأزمة مشتعلة والناس كلها بتركز على تقاطيع وجه السفير المصري لكي ترى تستشف منه ما يمكن أن يكون قد سمعه أو ظهر على وجهه من أصداء كلام خروتشوف الهامس له، ومحمد القوني بيقول لي.. وأنا بأعرفه رجل من أحسن السفراء وأنا بأعتقد أنه في العلاقات العربية السوفياتية هو باني الجسور الحقيقة يعني لأنه هو كان في من أول صفقة أسلحة من قبل ما تعرض صفقة أسلحة لغاية سنة 1961 هذا الرجل موجود في موسكو وبيعمل دورا مهولا.

[فاصل إعلاني]

ساعة إشراق الحقيقة

محمد حسنين هيكل: محمد القوني بيقول لي أنا حاولت وأنا شايف كل الناس بتبص على وجهي حاولت قدر ما أستطيع أن أكبح جماح تصور آمالي، لأنه مش ممكن ما أنا متصور أنه حيقول لنا حاجة، لكن أنا -هو بيقول لي- أنا في أعماقي كنت حاسس أنهم لا يستطيعون أن يتركوا ما جرى في مصر يجري بهذه الطريقة وأنهم حيخسروا فيه خسائر فادحة، فأنا سمعت رسالة خروتشوف وبعثتها القاهرة وهي محبطة جدا، ولكن ما هو أسوأ منها أن بالليل كان في اجتماع الرئيس شكري القوتلي في ذلك الوقت راح موسكو وهو كان رايح موسكو بدعوة رسمية وكان مقرر يروح يوم 30 أكتوبر وكلم جمال عبد الناصر في التلفون زي ما أنا قلت وقال له عاوزني أروح ولا أستنى لضرورات المعركة؟ قال له بالعكس أنت أحسن لنا هناك، راح هناك ودخل، وأنا سمعتها من شكري القوتلي وقرأتها في تقارير محمد القوني وهي مقابلة مذهلة بمعنى أن شكري القوتلي راح ومصر بتتعرض لهجوم إنجليزي فرنساوي والطائرات كانت بدأت تضرب والإسرائيليون بيحاولوا يخترقوا دفاعات سيناء وشكري القوتلي بيقول لخروتشوف وبولغانين وكلهم وكل القيادة السوفياتية فوروشينوف رئيس الدولة وقتها بيقول لهم تعالوا قولوا لنا حتعملوا إيه مع مصر حتساعدوا مصر إزاي؟ بيقولوا له والله ما نقدرش نعمل حاجة نعمل إزاي؟ إزاي ما تعملوش حاجة؟ ودخل يلقي خطبة كبيرة قوي يعني متحمسة قوي أنه لا يتصور أن الاتحاد السوفياتي يسيب حركة تحرر وطني.. آه بنقاوم وكل حاجة ولكن لازم تحدي.. لازم في أنتم تقولوا وتعملوا إيه، قولوا لنا حتعملوا إيه في الأزمة؟ يقولون له طيب حنجيب لك مارشال جوكوف، مارشال جوكوف هو بطل الحرب العالمية الثانية، قاهر، غازي برلين، فيجي جوكوف ويقعد مع شكري القوتلي ويقول لشكري القوتلي يقول له سيادة الرئيس قل لي لي أنت عاوزنا نعمل إيه؟ كيف نستطيع أن ننجد مصر؟ إحنا عاوزين ننجد مصر ولكن تعال قل لي آدي الخريطة قدام أهه وفي مكتب سكرتير اللجنة المركزية ورئاسة السوفيات الأعلى فتح قدامه خريطة كبيرة للمنطقة وقال أنا علشان أبعث قوات أنجد مصر فأنا قدامي لازم أجتاح تركيا أو إيران أجتاح سوريا أخش من سوريا أدخل من سوريا أجتاح إسرائيل لكي أصل إلى مواقع القتال اللي بيقاتلوا فيها الإنجليز، وإلا حنروح إزاي؟ وحتى بالبحر كلام صعب جدا أن إحنا إزاي نخش؟ شكري القوتلي ينفعل لأن جوكوف بيقول له قل لي أعمل إيه آدي الخريطة قدامك سيادة الرئيس قل لي أعمل إيه؟ فشكري القوتلي انفعل وقال له، مشهد غريب جدا، يقول له مارشال جوكوف أنا الرجل المدني الذي لا يعرف شيئا عن تاريخ الحرب ولا عن الحرب أنا أقول لك أنت مارشال الاتحاد السوفياتي وأنت قاهر هتلر أنا أقول لك تعمل إيه؟! شكري القوتلي يخرج من المقابلة يكلم محمد القوني يستدعيه للسفارة.. هو كان قاعد في الكرملين، يستدعيه للكرملين ويتأكد أن ما فيش أحد بيسمع حواليه وبعدين يقول له ابعث لجمال عبد الناصر قل له ألا يعتمد على السوفيات لأن الناس دول مش جايين له على أي حال مش حييجوا ومش حيعملوا حاجة ويبعث فعلا محمد القوني وأنا بأعتقد أن ده كان من الحاجات الهائلة.. محمد القوني بعدين في الحديث معي وأنا بأتصور أن ده كان ظنه، كان ظنه السوفيات ما يقدروش يعملوا حاجة، كان متصور أن السوفيات من الأول كانوا ناويين يخشوا يعملوا إنذار ولكنه كان متصور أنهم أعطوه أخبار محبطة لكي يبعث بها إلى القاهرة ولكي تشجع الإنجليز وقد.. لأنهم حيحلوا الشيفرات كلها كان معروف أنهم بيحلوا الشيفرات وخروتشوف عارف أنهم بيحلوا الشيفرات فهم يبعثوا بها القاهرة والقاهرة والإنجليز يحلوها ويعرفوا أن الاتحاد السوفياتي مش حيعمل حاجة أبدا، ده كان رأي محمد القوني أنا قد أكون مختلف معه في بعض التفاصيل لكن أنا في هذا الدبلوماسي العريق أنا بأعتقد أن لا بد.. كان لديه بشكل ما صح أو خطأ ما يبرر له هذه الثقة الزائدة لكن بيبعث القاهرة وبيقول. من الحاجات المهمة جدا اللي أنا بأعتبرها مهمة جدا أن القاهرة أو مصر واصلت القتال وهي تعلم أن الاتحاد السوفياتي مش جاي، يمكن لو كانت تعلم كنت أقول لو كان، ممكن ناس كثير قوي.. كنت أقول لو كانت القاهرة تعلم الاتحاد السوفياتي قادم لنجدتها وأنه حيوجه إنذارات بهذه الطريقة كانت تبقى الصورة قد تكون مختلفة كنت أقول آه ناس قاعدين مطمئنين وراءهم حاجة، لكن الحاجة الهائلة وأنا بأعتقد أنها شهادة للشعب المصري أن المقاومة كانت ماشية ولا أحد يعرف أن ممكن أبدا يحصل حاجة كده، لكن فجأة يوم 5 نوفمبر إذا بغير المتوقع.. في رواية شهيرة لأندريه موروا [لغة أجنبية] "دائما غير المتوقع يحدث"، لكن مش دائما غير المتوقع، قدامنا كل الشواهد توري أن ما كانش في الاتحاد السوفياتي مش ناوي يخش لكن اللي حصل في المجر واللي حاصل في الشرق الأوسط وتلازم الأزمتين في لحظة من اللحظات It dawned زي ما كنت بأقول أشرق، شرق الشروق، أشرق على ذهن القادة السوفيات أن هنا هم أمام تحدي خطير جدا فإذا بالإنذارات تيجي. محمد القوني موجود في سفارته يكلمه سيمونوف، سيمونوف وقتها وأنا رجل بأعرفه صعب جدا أحد يطلع كلمة منه هو كان وكيل وزارة الخارجية السوفياتية ووزير الخارجية في ذلك الوقت هو شبيلوف. سيمونوف في مرات كثيرة قوي وأنا شفته في أزمات كثيرة قوي بعد كده وتكلمت معه كثير قوي ولكن سيمونوف كان رجلا من الناس اللي بيقولوا حاجاتهم بحساب وعلشان تطلع منه لفظ أو لفظين أو كلمة أو كلمتين تأخذ وقتا طويلا جدا في الاستجواب، فإذا بمحمد القوني استُدعي إلى وزارة الخارجية السوفياتية وإذا بسيمونوف يقابله على رأس السلم وهو رايح مكتب شبيلوف بيعمل له كده، فمحمد القوني اندهش استغرب لأن كل اللي كان موجود قدامه كان لا يوحي أن في حاجة، فبيقول له في حاجة؟ محمد القوني بيسأل سيمونوف فسيمونوف بيقول له سوف تسمع من الوزير بنفسك ما يسعدك. دخل محمد القوني إلى مكتب شبيلوف لكن هو عارف اللي قاله له خروتشوف قبل كده مرتين، عنده أهواء هو أو عنده آمال أو عنده تصورات ولكنها مكبوتة ولكن هو سمع خروتشوف بنفسه بيقول آه بيقول له مش حنعمل حاجة، آه بيقول في العلن بيقول له أنتم عملتم حاجة هائلة بعد المعركة أنت قطعتم ذيل الأسد البريطاني وهو ده التعبير ده هو اللي أنا استعملته كعنوان لكتابي عن السويس "Cutting the Lion''s Tail" "قطع ذيل الأسد"، لكن وقتها الأسد كان بيزأر وما كانش في أحد.. في هذه اللحظات الحرجة الأسد كان عمال يزأر قدام السويس مدافع الأسطول تهدر وتضرب مدينة وتدمر فيها كل بنى قائم بيدمر ما كانش باين أن إحنا قطعنا ذيل الأسد كنا بنقاوم الأسد آه لكن ما كانش ذيله اتقطع في ذلك الوقت ولكن بعدها فيما بعد.. المهم دخل القوني دخل إلى مولوتوف قال له إحنا وإدى له صور منها قال إحنا وجهنا الإنذارات التالية إلى الإنجليز والفرنسيين وإلى إسرائيل وأنا بأديك نسخة منها بأمر من القيادة السوفياتية تبعثها إلى القاهرة ونحن معكم. محمد القوني خرج وهو بيحكي لي لكن ما لقاش في فائدة أن يبعث حتى ده الكلام ده كله لأن.. لما كنت بأقول إن الأزمات اللي بترتج فيها موازين القوى واللي بيوقف فيها العالم على حافة الهاوية لها شروط أن قوتين متقابلتين، سلاح لا قِبل لأحد به، معرفة لدى كل العالم في نفس الوقت بأن شيئا حصل وأن نحن في انتظار نتائج لحظة معينة وهي لحظة رهيبة حابسة للأنفاس لأنه في دولة كبرى مش بتتكلم بمعنى أن في هيبة على الأقل، بلاش ترسانة لكن في هيبة قوة كبرى مسلحة نوويا أصبحت مربوطة بموقف معين وهذه لها اعتباراتها، وبالتالي العالم كله يعرف في نفس الوقت محمد القوني قدر أن القاهرة لا بد أن تكون عرفت، اتصل بالتلفون يسأل جاءت لكم الإنذارات؟ قالوا له شفناها كلها فما بقاش في حاجة يبعثها لكن بعث ملخصا للأجواء اللي كانت موجودة واللي أبلِغ فيها أن الصورة مختلفة. أنا قدامي هنا مش عاوز أشغل يعني أضيع وقت كثير قوي في وثائق ممكن قوي الناس تشوفها من غير ما أنا أضيع فيها وقت في الكلام ولكن أنا يلفت نظري تقرير للـ (سي. آي. إيه)، الـ (سي. آي. إيه) كانت تقديراتها مفاجئين بالإنذار حتى الـ (سي. آي. إيه) بيقولوا الاتحاد السوفياتي في المجر غرقان في المجر وأنه ما هماش.. يعني ما طُلب منهم هو أن يوقفوا الدب السوفياتي، الدب السوفياتي في الغالب مشغول باللي قدامه وأنهم مفاجؤون باللي حاصل جنبهم وأن الشرق الأوسط إذا الاتحاد السوفياتي حسب أولوياته فأولوياته الأساسية في شرق أوروبا أكثر مما هي في الشرق الأوسط وبالتالي في تصور على الأقل يوحي لمن يهمه الأمر من أصدقائهم أن They can go ahead أنهم يقدروا يتصرفوا بعملياتهم إلى نهايتها، لكن تقارير الـ (سي. آي. إيه) بتتابع اللي جاري في المجر وفي شرق أوروبا بعموم وتعتقد أن خطر التدخل في الشرق الأوسط ما هواش وارد قوي يعني، آه مهم قوي بالنسبة للسوفيات وأنه يعني ممكن يعملوا فيه حاجة لكن الخطر ما هواش ماثل بهذه الطريقة، ومع أنهم بيلاحظوا حاجات مهمة قوي ودي باينة في رسالة آيزنهاور لبولغانين في الرد عليه لأن لما الثلاثة زعماء إيدن موليه بن غوريون لجؤوا لآيزنهاور كملجأ أخير قدام الإنذار السوفياتي وقرر آيزنهاور يبعث للاتحاد السوفياتي يرد على بولغانين لأن بولغانين بعث له كمان جوابا قال له إحنا اضطرينا أن إحنا نعمل كذا وكذا وأنه في حالة عدوان لا يمكن وأكثر من كده تعالوا معنا يا سيادة الرئيس -بيكلم آيزنهاور- تعالوا معنا وتعالوا نعمل قوة مشتركة لكي نتدخل ضد هذا العدوان في الشرق الأوسط على دول وشعوب محبة للسلام. فآيزنهاور بيرد عليه بيقول له أنت بتكلمني بتقول لي على حاجة Unthinkable لا يمن التفكير فيها يعني إيه آجي معك أنت في عمل ضد حلفائي وجاي تقول تعال نتكلم في المجر واللي جاري في المجر وقل لي أنتم عملتم إيه وإحنا كنا تطمنا لما طالعتم بيان قلتم فيه بتحترموا حق الشعوب في شرق أوروبا الشرقية في أنهم في استقلالهم وفي حريتهم وفي أنهم يبقى ما فيش عندهم احتلال من قوات سوفياتية فكنا تطمنا، لكن في 24 ساعة أنتم غيرتم موقفكم وطلبتم قمع ما هو جاري في المجر. لأنه فعلا ساعة ما الحقيقة Dawned زي ما كنت بأقول أشرقت أو طلعت مرات كده في لحظات اللي بيسموها لحظات العرفان إذا جاز على المنطق الصوفي يعني في لحظات العرفان في لحظة تنزاح فيها الحجب والأستار وتبين حقائق لم تكن متجلية والناس تتأكد منها ثم تتصرف وتحاول أن تلاحق بتصرفاتها ما تجلى أمامها وتبقى تصرفاتها تبقى واخدة شكل عنيف، لأن فعلا الاتحاد السوفياتي في قمع ما جرى في المجر هو واضح أن يومها يوم 4 نوفمبر بالليل الحقيقة ظهرت قدامهم بعد الموقف المتشدد اللي أخذوه أخواننا في المجر في بودابست وفي اجتماعات ألاقي أندروبوف اللي بعد كده بقى رئيس الاتحاد السوفياتي كان وقتها هو السفير في المجر، ألاقي أندروبوف يقعد يتكلم معهم يقول لهم أنتم بتتجاوزوا كذا وكذا ويبعث تقريرا للقيادة السوفياتية ويستدعي المارشال جوكوف بنفسه لكي يواجه هذا الموقف اللي جاري لأنهم بدؤوا يعتدوا وبدؤوا يضربوا مش عارف فين ويحتلوا مركز قوات ويهاجموا معسكر سوفياتي إلى آخره فهذه لحظة الإشراق اللي تجلت في حقيقة قدام الاتحاد السوفياتي سواء كان صح فيما استنتجه أو غلط لكنه قرر أن يضرب بشدة، وجوكوف هو بيكتب تقرير بيتكلم بتقرير واضح أن القوات السوفياتية اللي كان مفروض أن تنسحب واللي كانت بدأت تنسحب أنها قدام وضع جديد بدأت تجتاح المجر وبدأت تقضي على المقاومة وبعنف، صحيح ما كانش في إهراق دم كثير قوي لأنه ما كانش في قوات، لم تكن في المجر في ذلك الوقت ولا بولندا، آه عندها غضب وعندها ضيق لكنها لم تكن مستعدة لقتال لم تكن مستعدة لصمود. جوكوف خلص في 24 ساعة الموقف في المجر وانتهى الموضوع وأصبحت يد الاتحاد السوفياتي طليقة يتدخل حيث يريد وتدخل في الشرق الأوسط لأنه هنا في هذه اللحظة أدرك موازين القوى العالمية كلها بتميل في ناحية معينة، العالم العربي مستثار، في هنا قضية عادلة في أمم متحدة عمالة تجتمع في شأن أزمة السويس وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل يرفضوا كل قرار ففي رأي عام عالمي، في تيتو وفي نهرو وفي زعماء العالم وشواين لاي والدنيا كلها بتقول، فهم في هذه اللحظة قرروا إنهاء الوضع في المجر والتفرغ بالكامل للوضع في الشرق الأوسط وإذا بالقيادة السوفياتية تقدم على ما لم يكن متصورا أن تقدم عليه وإذا في إنذار سوفياتي واضح وإذا في لحظة يقف فيها العالم على حافة الهاوية بالفعل مش.. لأنه أنا حأتكلم بعد كده لأن في بعض الناس في بعض أخواننا بيقولوا إيه؟ بيقولوا إن الإنذار السوفياتي ده كان تهويش يعني، لكن في حاجة أساسية لازم نعرفها وهي التفرقة بين الأخلاق والسياسة والتفرقة بين النوايا وبين أثر هذه النوايا والتفرقة بين الفعل وأثر الفعل لأن لا يكفي لأي أحد.. الاتحاد السوفياتي لما جاء الإنذار السوفياتي ليس السؤال هل كانوا صادقين حيخشوا حرب علشانا مظبوط؟ حيضربوا إنجلترا وفرنسا بالصواريخ مظبوط؟ مش هو ده الموضوع، الموضوع هو التأثير السياسي في اللحظة الراهنة لقرار اتخذته قوة كبرى، التأثير السياسي لهذا القرار على أطراف الصراع في هذه اللحظة، ممكن أنا بعد سنين طويلة أقول ده كان تهويش ما كانش ممكن يقدروا يضربوا في الصواريخ لكن هو المطلوب في العمل السياسي الناس تقدر بالضبط ما هو تأثير هذا الفعل على الأطراف المعنية فيه في هذه اللحظة بالذات، في هذه اللحظة بالذات في اعتقادي وقف العالم كله محبوس الأنفاس على حافة الهاوية ينتظر الهول الأعظم الذي يمكن أن يخرج من هذه الأزمة وأن ينصب على رؤوس العالم بعدها. تصبحوا على خير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة