فاضل العزاوي   
الأربعاء 1429/1/15 هـ - الموافق 23/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:33 (مكة المكرمة)، 11:33 (غرينتش)

- البدء من كركوك وألف ليلة وليلة
- الوطن في المنفى

البدء من كركوك وألف ليلة وليلة

فاضل العزّاوي: أغنية نفسي

عندما بلغتُ العاشرة من عمري

قلتُ كلّ شيءٍ سيكون على ما يرام يا فاضل

ما دامت هناك فصولٌ تتعاقب

ما دام الشتاء يفاجئك بأمطاره

والربيع بوروده البرّية

والصيف بآبه اللهّاب

والخريف بحزنه العميق

ما دمتَ تجلس أمام عتبة بيت أهلك في كركوك

وتراقبُ غيوماً سوداً في سماءٍ حمراء تهرب

تتبعها خيولٌ وفيلة

قلتُ في العشرين من عمرك سوف تخرج إلى حديقة المُصلّى

وتتنزّه عصراً في سهل سيّد قزيه

وفي المساء تجلس في مقهىً قرب القيصرية

وتحدّق في لقالق صغيرة جاثمةٍ في أعلى ناقشليه منارسيه تزقزق لك.

أتذكّر وأنا بعد أن أنهيت الصف الأول الابتدائي جاء والدي وأخذني من يدي إلى معلّم اللغة الإنجليزية في مرحلة، في فترة العطلة الصيفية، لمدة شهرين أو ثلاثة كانت هناك عطلة بالصيف، فأخذني إلى معلّم اسمه جبرائيل، أتذكّر، في منطقة قوريا، حتى أتعلّم اللغة الإنجليزية، لأنه قال لي منذ البداية، أنت يجب أيضاً أن تتعلم اللغة الإنجليزية، هذه لغة مهمة. ولذلك أنا أعتقد حتى هو كإنسان عامل يشعر بأهمية الثقافة.

المعلّق: ثلاثون عاماً من المهجر الجبريّ أبقت فيه من الشجاعة أن يقول، المنفى لم يوهن عزائمنا. وعمرٌ كاملٌ من مراقبة الويلات تحيق بوطنه منحه الشفافية ليعرف أنه ما بين حربٍ وحرب يكبر منفانا ويصغر الوطن. وحدسٌ ثاقبٌ جعله يقرّر أن يملأ كيسه من تراب وطنه قبل أن يشدّ رحاله ليؤسس في كتاباته وطناً بديلاً. والوطن بالنسبة للشاعر والروائي والمترجم العراقي فاضل العزّاوي هو كركوك، هذه المدينة التي تظلمها نشرات الأخبار الآن حينما تختصرها في أنها غنيةٌ بالنفط أو أنها عاصمة كردستان العراق. كركوك لفاضل العزّاوي هي حاضرة الدنيا ومدينة التنوّع المبدع، جمعت العربي والعجمي والكردي والآشوري والتركماني والأرمني، وعُبد فيها الله بكل الطرق المتصوّرة، وعُصي كذلك بكل التنويعات الممكنة. فاضل اليافع كان يرى نفسه كركوياً قبل أن يكون عربياً، كانت روحه تنتمي بلا صراعٍ لكلّ أعراق المدينة وتغترف بلا تناقضٍ من كل ثقافاتها.

فاضل العزّاوي: السجين رقم 907

في زنزانة السجن أشهد ساعة أيامي واقفةً

أدخل في ظلمتها وأكون مليكاً مطروداً

يسهر في باب الليل

أسقط في الفتيات المعتوهات ونساء الكلّيات

إذ يعشقن بصمت الأطفال وعذاب السّجناء

في زنزانة سجني

أتحرى عن لحظة حب في وجه العالم...

"
الكتاب شكل لي منذ البداية شيئا سحريا، وكنت كلما أقرؤه أجد شيئا غريبا أتعلم منه ومن هنا نشأت العلاقة السحرية بيني وبين الكتاب، ومن أهم الكتب التي أثرت في خلال هذه المرحلة المبكرة من عمري كتاب ألف ليلة وليلة
"
منذ البداية شكّل الكتاب بالنسبة لي شيء سحري، كنت كلما أفتح كتاباً وأقرأ أجد شيئاً غريباً، شيئاً أتعلّم منه، ومن هنا هذه العلاقة السحرية التي عثرتُ عليها بيني وبين الكتاب. أتذكّر، من أهم الكتب التي أثّرت عليّ وفي مرحلة مبكرة جداً وأنا صغير، عثرت على كتاب، صدفة، عثرت على كتاب ألف ليلة وليلة. كنت في كل ليلة أسهر ساعات طويلة وأنا طفل صغير وأقرأ قصص شهرزاد تتحدث عن بغداد وعن العيّارين وعن المغامرين وعن البحّارة وعن المسافرين وعن الشعراء وعن الخلفاء، إلى آخره. من شهرزاد تعلّمت الكثير، كانت شهرزاد تروي القصص لتنقذ رقبتها من الموت، إذا توقّفت عن رواية القصص تموت، وهكذا كانت تستمر، وكان هذا يمنحني طاقة كبيرة أنه عليك أن تستمر، أن تواصل أيضاً، أنت أيضاً أن تكتب، أو أن تتعلم، لكن العوالم التي أعطتني إياها، هذه العوالم السحرية لا تزال إلى الآن تسكنني.

عندما بلغتُ العشرين من عمري

لم أكن في حديقةٍ أو مقهى

وإنما في سجنٍ ببغداد يحرسه شرطيّون ريفيّون

يوقظوننا كل صباح

فنركض أمام عصيّهم تجلد ظهورنا

لنقرفص في المسطر في صفوفٍ طويلة

حيث نُعدّ مثل أغنامٍ يتفحّصها القصّاب قبل اقتيادها إلى المسلخ

قلتُ كلُّ شيء سيكون على ما يرام يا فاضل

ما دامت الحياة كلها لا تزال أمامك

وقلبك عامراً بالآمال

في الثلاثين من عمرك سوف تعود إلى أهلك

ويعود إليك أصدقاؤك الغائبون

من منافيهم البعيدة

ليحدّثوك عن مدنٍ في مدار الجدي وأخرى في القطب.

في العام 1963 حدث أيضاً، من الأشياء المهمة التي أثّرت على حياتي، حدث انقلاب دموي معروف هو انقلاب شباط 1963. كان هو الحقيقة صراع بين العسكر، عبد السلام عارف قاد انقلاب ضد عبد الكريم قاسم، وبالتالي أيضاً ضُرب اليسار كله. حدثت مجازر واعتقالات واسعة، اعتُقلت أنا أيضاً وأمضيت ثلاثة أعوام في السجن. كانت هذه التجربة جداً مدهشة ومهمة بالنسبة لي، فجأة وجدت نفسي أنام وأسكن وأقيم مع مئات من الناس. تعرّفت على الطبيعة البشرية بشكل عميق جداً، على البطولة وعلى الجبن وعلى الضعف وعلى الانهيار وعلى الإنسان المثقّف كيف يتصرّف وسط ناس عاديين، تعرّفت على مختلف.. معلّمين، شرطة، فلاّحين، عرب، أكراد، تركمان، من جميع القوميات كلهم في مكان واحد، كانت.. قدّمت لي خبرة هائلة كيف تعيش داخل المجتمع، لأن هؤلاء كانو يشكّلون كل المجتمع. لكن تجربة السجن، قدّمت لي عمل مهم جداً، أعتبره، هو رواية القلعة الخامسة، التي نُشرت في العام 1972 وبعدين أُعيد طبعها فيما بعد أيضاً، والآن سوف تصدر عن دار الجامعة الأمريكية في القاهرة، نيويورك. في هذه الرواية حاولت أن أتحدّث عن الجميع، عن الجلاّدين وعن الضّحايا، كيف الضحيّة نفسها ممكن تتحوّل إلى جلاّد وكيف الضحيّة تنتقل إلى مرتبة الضحيّة.. الجلاّد إلى ضحيّة والضحيّة إلى جلاّد. أعتبرها رواية مهمة لأنها تقدّم أيضاً تجربة.. في الرواية إنسان بريء يدخل السجن، ولكن يُرغَم بألف طريقة وطريقة أن يكون متّهم هو أيضاً، أن يكون منتسب ومنتمي، إلى آخره. لكن أهم شيء في الرواية هي فكرة الحلقة، الدائرة التي تمثّل القمع الذي يستمر بلا نهاية.

[فاصل إعلاني]

الوطن في المنفى

فاضل العزّاوي: أنا بالنسبة إلي، أنا سياسياً مستقل منذ فترة طويلة، منذ الستينات، يعني بعد مغادرتي السجن أساساً قرّرت لا أعمل في أي حزب، ولذلك فأنا كاتب وشاعر مستقل، ولكن أيضاً أؤمن جداً بحقّي في الحرية، في حرية الكتابة. مع الأسف ما حدث عندنا في العراق، في السبعينات، جرى ضغط كبير على الكتّاب أن يكونوا أبواق للسلطة وللنظام، أنا رفضت أن أفعل، أنا كاتب لا يمكن أن أكتب شيء ضد قناعتي، فشعرت بالكثير من الضغط الذي يتعرض له الكتّاب، حاولت أن أخرج بأي طريقة إلى الخارج لأضمن دفاعاً عن هذه الحرية فقط، لم أكن حتى أريد أن أكمّل دراسة، لم تكن هذه مشكلتي. فحصلتُ سنة 1976 عن طريق اتحاد الصحفيين الألمان، منحوني زمالة خاصة لتكملة الماجستير والدكتوراه، فخرجت من العراق في بداية، في الشهر الأول، الأيام الأولى من الشهر الأول من عام 1977، وانتقلت إلى لايبزك، مدينة لايبزك في ألمانيا وبدأت الدراسة.

عندما بلغت الثلاثين من عمري

كنت أنا نفسيَ في المنفى

قلت كل شيءٍ سيكون على ما يرام يا فاضل

في الأربعين من عمرك سوف تعود إلى شعراء مُفلسين

ينتظرونك مساءاً جالسين على التخوت فوق الرصيف

يحتسون الشاي في مقهى مديد

لتسكروا جميعاً ليلةً بعد أخرى في نادية العَدْلية

وتشتموا الحكومة

متسكّعين في الشوارع الخالية حتى الفجر...

هذه المرحلة، الحقيقة، كانت أيضاً انتقالة كبيرة بالنسبة لي، انتقالة من موقع ثقافي مهم كنت أحتلّه في العراق، في بغداد، إلى أن تكون مرةً ثانية طالب وتدرس، لكنّي اجتزت هذه المرحلة. في العام 1983 دافعت عن رسالتي، أطروحتي للدكتوراه، عن مشكلات تطور الثقافة العربية التي تتعلّق بالأيديولوجية والتراث والتاريخ والأدب والتقاليد، إلى آخره. بعد أن أنهيت دراستي في جامعة لايبزك، انتقلت إلى برلين. كان عليّ إما أن أغادر البلد أو أن أجد لي عمل معيّن، واجهت بعض الصعوبات في العثور على الإقامة، ما كان ممكن، لأنه كطالب أنت أنهيت دراستك يجب أن تغادر البلد، لكن استطعت من خلال علاقاتي بالصحافة العربية بالذات أن أحصل على وضع مراسل صحفي للعديد من المجلاّت والجرائد.. كان الشيء المهم جداً بالنسبة لي، طبعاً ملاحظة الجدار أنه ألمانيا المقسّمة أو برلين نفسها كمدينة واحدة لكنها مدينة مقسّمة بجدار، فكنت أعبر دائماً بالسيارة من الشرق إلى الغرب عن طريق مركز للعبور كان موجود اسمه Checkpoint Charlie هذا على الموقع الأميركي، يعني القطّاع الأميركي من برلين كان هناك، فعادةً كان الصحفيين يعبرون من هناك. وأيضاً في نفس الوقت صارت عندي علاقات مع كتّاب في ألمانيا الشرقية وكتّاب في ألمانيا الغربية يعني على علاقة بالنشاطات الثقافية الجارية في الطرفين. وخلال وجودي طبعاً حدث التغيّر التاريخي الكبير في ألمانيا وفي أوروبا الشرقية بكاملها، انهيار ما يُسمى المعسكر الاشتراكي أو المعسكر الشرقي، فكان التحوّل الذي جرى فعلاً حدث تاريخي هائل وكبير، والحقيقة الذين شاركوا في التغيير في ألمانيا، من خلال ملاحظتي أنا، هم كانوا نفسهم، هم الشيوعيين نفسهم، الجماهير التي كانت مرتبطة بالحزب هي التي قامت بالانتفاضة ضد البيروقراطية وسيطرة مجموعة من العجائز على الحكم، يعني هم الجماهير نفسها رفضت هذا الشكل، استمرار، مواصلة هذه الشكل من الحكم.

عندما بلغتُ الأربعين من عمري

رأيتهم يهربون جميعاً واحداً بعد الآخر

بجوازاتٍ مزوّرة

أو يعبرون الحدود مع مهرّبين يقودون حميرهم

في شعاب جبالٍ عاليةٍ وخطرة

وهكذا سكرنا، تارةً هنا وتارةً هناك

في برلين أو قبرص

في لندن أو باريس

وأحياناً في الجحيم

قلت كل شيءٍ سيكون على ما يرام يا فاضل

ما دامت ذكرياتك معك على الأقل

في الخمسين من عمرك سوف تعود إلى شجرتك المنسيّة

لتسقيها الماء بكفّيك

إلى بيتك الذي أكلته الأرَضَة لترمّمه من جديد

إلى كتبك المتروكة في صناديق المقوّى لتقرأها ثانيةً...

خلال وجودي في ألمانيا أصدرت مجموعة كبيرة من الكتب، الدواوين الشعرية والروايات والكتب النقدية، إضافةً إلى ترجمة عدد من الأعمال الأدبية الألمانية إلى اللغة العربية.

المعلّق: العزّاوي الذي رفض في الماضي أن يعود إلى ما يشبه الوطن ليمدح الحاكم الأوحد، يرفض الآن أن يعود إلى أرضٍ صيّرها الطغيان ثم الاحتلال خراباً. قرّر بدلاً من ذلك أن يكتب وطنه في روايةٍ تدور أحداثها في حيّ جاقور في كركوك، روايةٌ تقدّم عشرات القرون من التراكم المعرفيّ والتخيليّ العراقي، فيها تمتزج الواقعية بالأسطورة، والخمّارات بالملائكة، وفنون الخيمياء بالسّحر، وقراءة الغيب والسياسة بالدّروشة. روايةٌ فيها تاريخ العراق ممتزجاً بألف ليلةٍ وليلة، مكتوبةٌ بقلم شاعرٍ فذ. لا غرابة إذاً أن يحظى فصلٌ مترجمٌ للإنجليزية من رواية (آخر الملائكة) بإقبالٍ كثيفٍ من قرّاء العالم، شجّع الجامعة الأمريكية بالقاهرة على إصدارها في مصر وأميركا، في طبعةٍ ذات غلافٍ سميك، بترجمة ويليم هاتشنسون مترجم ثلاثية نجيب محفوظ. ثم قررت دار Simon & Schuster، إحدى أكبر دور النشر في العالم، نشر طبعةٍ شعبيةٍ منها، تُطبع منها مئات الآلاف من النسخ، أما الطبعة العربية فهي توزّع مئات النسخ فقط، بعد أن كفّ العرب منذ زمنٍ عن القراءة.

"

أواجه تحديا كبيرا حينما أعبر عن المأساة التي يعيشها العراق الآن، فما حدث شيء لا يصدقه عقل ولم يشهد التاريخ له مثيل

"
فاضل العزّاوي
: في الحقيقة كتبت العديد من الأعمال الروائية والشعرية ومعظمها بالطبع تعتمد على تجربتي الشخصية التي في الأساس أجدها في العراق. هناك طبعاً بعض الكتابات عن ألمانيا، عن الغرب، مثلاً في رواية (آخر الملائكة) الفصل الأخير جزء منه يدور في برلين. في بعض أعمالي الأخرى أيضاً، لكن الشيء الأهم بالنسبة لي هو وطني العراق، الذي تركته ورائي قبل أكثر من ثلاثين عاماً. أعتقد أنني ككاتب أواجه تحدياً كبيراً أن أعبّر عن المأساة التي يعيشها العراق الآن. ما حدث بعد الاحتلال شيء لا يكاد يُصدّق، شيء لم يشهد له التاريخ مثيلاً، القتل اليومي، الانفجارات، الإرهاب، الاحتلال، ما يحدث في العراق يكاد يكون عصيّاً على التعبير. أي كاتب حقيقي يقف أمام هذه البانوراما، أمام هذه المأساة الإنسانية الهائلة، كيف يعبّر عنها؟ في الحقيقة الآن أكتب أكثر من عمل أحاول أن أعبّر فيه عمّا يجري في العراق، وهو يشكّل بالنسبة لي تحدياً كبيراً. هذا الطريق قطعته بنفسي ألوف المرات منتقلاً بين الشرق والغرب، إنني إذ أتذكّر ذلك الآن أشعر بامتنان كبير لأن وجودي في الغربة أكيد أنه قاسٍ جداً لأنني بعيد عن وطني، لكنه في الوقت نفسه وفّر لي الفرصة لكي أمتلك حرية التنقل في العالم كله. في الوقت الذي يعيش فيه وطني، مع الأسف، وهذا ما حدث بعد الاحتلال، إشكالية الانتقال بالنسبة للناس، حتى داخل مدينة بغداد نفسها يحتاج المرء إلى فيزا لكي ينتقل من منطقة إلى منطقة أخرى، لذلك أشعر بالامتنان لوجودي هنا، لهذه الحرية التي أمتلكها، على الأقل في التنقل أستطيع أن أسافر وأن أنتقل إلى أي بلد في العالم، حتى بدون فيزا، لا أحتاج إلى فيزا، كل ما هنالك أن أذهب وأقطع تذكرة وأصعد في الطائرة، هذا شيء جداً مهم للإنسان.

عندما بلغتُ الخمسين من عمري

رأيت شجرتنا القديمة تٌقطع بالفأس

وبيتنا تقطنه الجرذان

وكتبي مطمورةً في بئر

والآن ماذا ستقول لنفسك يا فاضل؟

وقد أحرقتَ وراءك السفن كلها

آهٍ، لا أريد أن أقول شيئاً

لن أقول أي شيءٍ

دعوني، اللعنة

فقد بلغتُ النهاية في لحظةٍ واحدة

وختمتُ كل حكمةٍ في العالم

حتى قبل أن أعرف ما الذي حدث

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة