د. فدوى الجندي   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:09 (مكة المكرمة)، 14:09 (غرينتش)

ضيوف الحلقة:

فدوى الجندي: عالمة آثار

تاريخ الحلقة:

19/12/2003

- نشأة فدوى الجندي وأثرها على مستقبلها

- بكالوريوس في السياسة وبداية التجربة مع الأنثروبولوجي

- أهم وأبرز أبحاث فدوى الجندي في الأنثروبولوجي

- التحديات التي واجهتها في المهجر وحنينها إلى الوطن

د.فدوى الجندي: في حالة الهجرة زي ما إحنا كلنا هنا عايشين في المهجر في أميركا بيبقى الفرد عنده رغبة إنه يخلق جو أو بيئة، مناخ يفكره بالبلاد الأصلية، يفكره بالثقافة العربية، الثقافة الإسلامية، فمثلاً زي ما أنا عملت من 26 سنة اشتريت البيت دا البيت الإسباني، وطبعاً العمارة الإسبانية أصلها أندلسي، فخلقت الجو اللي أنا أرتاح فيه، آدي البركة، وفيها نافورة، والبلاط من الأندلس، آدي التينة مثلاً بتفكرني بالتين البرشومي، وآدي الجهنمية ورايا هنا بتفكرني بالجهنمية بمصر، طبعاً المناخ في كاليفورنيا يلائمه الجهنمية، عندنا هنا بنت القنصل، وعندنا الليمونة.. الليمونة دي أنا قطفتها لكم أهي، ليمونة بنزهير من مصر، يعني الواحد يشمها كده يا سلام، يعني الوقتي افتكرت الواحد قاعد في ضلة في جنينة في مصر بيشرب ليمونادة، هي دي فكرة الهوية، الهوية بيبقى لها أهمية كبيرة عميقة لما يكون الواحد عايش أو بيتعايش في موقف المهجر.

المعلِّق: في منزلٍ تحوطه الأشجار وغرابة الطراز قياساً بما حوله من البيوت تعيش الدكتورة فدوى الجندي، كل ما في المنزل يكاد لا يمت لما حوله بشبه، فباحته تحيلك إلى بيوتات دمشق القديمة، وأروقته الداخلية تذكرك بالعمارة العباسية، وانحناءات وتقوسات تحاكي في طرازها العمارة الأندلسية، أما حديقة المنزل المتواضعة، فقد حرصت الدكتورة فدوى الجندي على أن تجعل منها قطعة من أرض مصر بأزهارها وأشجارها، وبعض نباتات استطاعت التكيُّف مع بيئة هذه الأرض البعيدة، كما استطاعت هي أن تتكيَّف على مدى أعوام غربتها عن بلادها.. مصر.

نشأة فدوى الجندي وأثرها على مستقبلها

د.فدوى الجندي: أنا اتولدت في مصر الجديدة في مصر في القاهرة، ونشأت هناك ورحت مدرسة هناك، كانت ذكرياتي الطفولة فيه على الأقل قصتين لطاف جداً، القصة الأولى إن أخويا كان بيروح مدرسة خاصة أعتقد إنجليزي كانت سانتكلا في أمام البيت بتاعنا على طول، وطبعاً في الأوقات دي كانت العربية الأوتومبيلات السيارات قليلة، وكان فيه أمان في الشوارع، وكان الجيران كلهم صحاب وبيبصوا لبعض، يعني بيحافظوا على أطفال بعض، فكنا بنلعب في الشارع كتير، وأخويا كان في حضانة راح المدرسة يمشي، يعدِّي الشارع يروح المدرسة، أنا كنت بأروح وراه، لأنه العيال كلها رايحة المدرسة، فأروح وراه، وأنا كان عندي سنتين، يعني لسه بيبي، أمشي وراه أروح المدرسة ووالدتي مشغولة في البيت.

وبما إنه فيه أمان، بتقول: أهي بتروح تلعب في الحوش هناك لغاية ما يخلصوا، والدي كان مهندس طيران كان أول مهندس طيران مصري أيام الإنجليز في مصر، وبعدين أصبح كبير مهندسي شركة مصر الطيران، اللي هي الوقتي “Egypt Air” كان بيسافر كثير بحكم شغله، فجه مرة بصينا لقينا جواب جا له فيه فاتورة للمدرسة بيقولوا أيه.. فدوى الجندي عايزين مصاريف، ودي مدرسة خاصة، ومدرسة أجنبية، يعني غالية جداً، فأبويا جاب والدتي، وقال لها: أيه الموضوع البنت البيبي دي أيه اللي جاي فاتورة لها؟

قالت له: لأ، دي ما بتروحش مدرسة، بتروح تلعب في الحوش مع أخوها، لكن ما بتروحش، لكن فيه فاتورة، راحوا وكلموا المديرين والإداريين وما أعرفش أيه، وسألوا المدرسين لقوا إن أنا لما بأروح المدرسة بأطلع وبأحضر في الفصل وبأحضر، وبعدين طلعوني درجة، ونزلوني درجة ثانية، لأني مش نافعة، لأن عندي سنتين، وبعدين اتكلموا في الموضوع.

ووالدي ناداني، وقال لي: أيه يا بنتي أنت بتروحي المدرسة؟ أنا عندي سنتين لسه، يعني بأحاول أتكلم كويس، فقلت له: آه، وبأحبها، وكده، قال لي: اتعلمتي أيه؟ قلت له: اتعلمت حاجتين أغنيتين، أغنية إنجليزي، وأغنية عربي، الأغنية الإنجليزي: Twinkle.. Twinkle Little star How I want?.. ويصقف، والدي وماما مبسوطين قوي، قال لي: والعربي؟ قلت له: مكنستي يا مكنستي، مكنستي يا مكنستي.. وأروح أجيب المقشة، وأقعد فأبويا يقول لماما، طب وإحنا ما نعلمها الأغنيتين دول ببلاش، هو إحنا لازم تروح مدرسة خاصة عشان تتعلم الأغنية دي؟ لكن بعد ما لقوا إني أنا عندي حب استطلاع غريب، إني أنا اللي رحت المدرسة بنفسي في حين إن مثلاً الأولاد اللي من سني والجيران بيجبروهم إنهم يروحوا المدرسة، قال: خلاص تفضل في الحضانة، ففضلت، وما طلعتش بقى غير.. ولا ما طلعتش حتى لغاية النهارده، فدي قصة من حياتي بأفتكرها، وقطعاً أثرت على حياتي بطريقة غير عادية، لأن أولاً: بقيت إن أنا عندي استعداد وحب استطلاع، وبعدين والدي ووالدتي شجعوا هذا فيَّ، وله علاقة بطفولتي إن أنا كنت بأروح ألعب، يعني شهاداتي بتقول بتنام في الفصل، بتغني بس بتقول: كل ما يكون فيه أغنية تقوم تغني، بعد كده تنام.

المعلق: كثيراً ما تكون الطفولة مرآة بريئة لما سنكونه، مقياس قد لا ينطبق وعوام البشر، غير أن في حياة الناجحين منهم كثيراً ما تصدق تلك المرآة بصورها التي يُستشف منها للمستقبل من الحياة، وسعيهم لفهم أسرارها، وعلى مر حياة الدكتورة فدوى الجندي كان الفضول لفهم الإنسان لواقعه المعاش هو الهاجس الأكبر لديها والدافع الأقوى، والذي حدَّد لها المسار في حياتها العملية والفرع الذي اختارته من علم الأنثروبولوجيا والفضول العلمي الواسع الذي يتيحه هذا العلم لدراسة الجماعات الإنسانية، دراسة تحليلية تذهب إلى ما هو أعمق بكثير مما قد ترقى إليه العلوم الإنسانية الأخرى كون هذا العلم لا يقف عند دراسة الحالات المحددة، إنما إلى ما هو أوسع فيما هو متعلق بالإنسان في حاضره ومستقبله وماضيه، وتفسير ذلك.

د.فدوى الجندي: يعني ذكريات المدرسة إن أنا كنت شقية قوي قوي قوي، ونشطة قوي قوي، إذا كان فيه مجلة أنا أحررها، أو إذا كان فيه مسرحية أنا أكون الممثلة الأولى فيها، وشوف أنا كان عندي ثقة في نفسي لما مثلاً يقدموا كان.. المسرحيات ما كانتش نشاطات برَّه التعليم، يعني كانت من ضمن الدراسة، ففيه دراسة على المسرح وتاريخ المسرح في أميركا، وتاريخ المسرح في إنجلترا، وتاريخ المسرح في مصر، وبعدين قرروا إن فيه مسرحية اسمها: “…All Place” وكان المخرج والكاتب (جوزيف كاسيلفيلد)، وعمل وكتب هو الإسكريبت، وجم على الفصل، وقالوا: إحنا هنعمل المسرحية دي هي دي يعني المشروع بتاع هذا الفصل، فهنقِّي مين اللي هيمثل أيه، وراحوا للـ.. أنا بصيت للبطلة على طول قريتها، وقالوا.. قالوا كل واحد منكم يقدم يعني بروفة على بطلين.. بطلتين ثلاثة، إحنا كلنا بنات، والمسرحية فيه رجالة وستات.

إحنا بنلعب ولاد وبنات ورجاله وإخراج وكله يعني، فقالوا لنا أنتم تجربوا ثلاث أربع أدوار، أنا دخلت وقلت هأجرب دور واحد وهو دور البطولة رحت مجربة انبهروا فطبعاً أخذت دور البطولة وكانت مسرحية جميلة جداً، فتبص تلاقي عندي يعني أنت عارف الطريقة الذهن بيشتغل به إن الإبداع مش محصور في علم مُعيَّن مركز في حاجة معينة، اللي لو تشجَّع ذهنك تبص تلاقي عندك إبداع في مجالات كثيرة ولو البيئة والمناخ يشجعوا هذا تمارسها وتكمل بعدما خلصت المدرسة دخلت سنتين مستوى جامعي بس في المدرسة برضو لأن والدي قال لي إن الجامعة فيها خلط بنات وأولاد وهيفتكر إن دا مش لسه أنا مش.. مش مستعدة له فلازم أفضل مع بنات فقط وبعدين بعد سنتين تخرجت برضو بتفوق رحت دخلت قدِّمت ودخلت الجامعة الأميركية في القاهرة في الوقت دا، فدخلت العلوم السياسية، وتعلمت كثير، لكن لم تُشبع العلوم السياسية ما أُريد أن أفهمه بخصوص السياسة، لأن العلوم السياسية بتركز على السياسة الرسمية، ووجدت بعد كده لما دخلت مشروع النوبة بعد ما تخرجت إن اللي إحنا عايزين نفهمه هو سياسة الممارسات العادية وحياة الناس ونظرة الناس وإدراكهم والعلاقات بين الشعوب مش بس السياسات والإدارات والحكومات، فبعد ما تخرجت، وتخرجت بتفوق قدمت على مشروع كانوا بيطلبوا فيه واحد يقدم عليه ندرس النوبة في جنوب مصر بين مصر والسودان، علشان كان مشروع جمال عبد الناصر في الوقت دا مشروع الثورة إنهم يبنوا السد العالي والسد العالي كان المياه هتغطي على المنطقة دي، فكان مشروع أنثروبولوجي وهذا هو مدخلي للأنثروبولوجيا.

[فاصل إعلاني]

بكالوريوس في السياسة وبداية التجربة مع الأنثروبولوجي

المعلق: بعد حصولها على البكالوريوس في العلوم السياسية في تخصص الصحافة من كلية البنات في القاهرة شاركت في مشروعٍ بحثيٍّ اجتماعيٍّ يهدف لتقصي الآثار الاجتماعية لمشروع بناء السد العالي ومن خلال هذه الدراسة التي استمرت لعام كامل توافرت الفرصة للدكتورة فدوى الجندي أن تعيش أولى تجاربها البحثية في مجال علم الأنثروبولوجيا وكان لهذه التجربة أثر كبير في تحول اهتمامها المتخصص في الصحافة والعلوم السياسية إلى علم الأنثروبولوجي وبكل الشغف الذي أتاحته التجربة من احتكاك بحياة النوبيين في تلك الفترة، وبعد إتمامها للبحث وما تحصَّلت عليه من نتائج حصلت فدوى الجندي على منحة لإتمام الدراسات العليا في الولايات المتحدة، لتدخل منذ ذلك التاريخ إلى مجال التخصص في علم الأنثروبولوجي.

د.فدوى الجندي: أيه هو الأنثروبولوجي؟ الأنثروبولوجي علم إنساني، علم الإنسان (..) يعني الترجمة له هو علم الإنسان، تاريخ الإنسان وأصل الإنسان وبيولوجية الإنسان وعقائد الإنسان ماضيه وحاضره ومستقبله، فبالطريقة دي تلاقي إن علم الأنثروبولوجي مقسم إلى أربع أقسام، الأركويولوجي اللي هو علم ما قبل التاريخ والبيولوجي اللي هو الإحيائي البُعد الإحيائي للإنسان، ولينجويستك أنثروبولوجي اللي هو علم اللغات الإنسان ولغوياته والنظريات اللي ما وراء اللغات، والعلم الاجتماعي والحضارات والحضارة والثقافة، وأنا تخصصي العلم الإنساني في المجتمعات الحاضرة يعني في قسم (Cultural Anthropology.. (Social Anthropology لما جيت USA بقى وجدت أنهم ابتدوا برنامج حاجة أحدث من كل هذا وهي الأنثروبولوجيا المرئية، والأنثروبولوجيا المرئية هي الأنثروبولوجي اللي بيستغل الأداة المرئية في دراسته كمعلومات وكإظهار نتيجة المعلومات، الاثنين، لما تظهر نتيجة المعلومات عن طريق فيلم بيبقى اسمه (Anthropolic film، لما تستعمل المعلومات في التحليل يبقى Research film والجهتين هما الأنثروبولوجيا المرئية، أنا بدأت أشتغل في الأنثروبولوجيا المرئية في الوقت دا أنا كنت بأدرس طقوس في مصر، طقوس عن السبوع اللي هو عن بدء المرحلة الاجتماعية الثقافية للفرد.. بيمر بمراحل الكثيرة في حياته وأول مرحلة في البلاد العربية يعني تحدد عن طريق مراسم معينة هي السبوع، فكنت بأدرس السبوع وقررت إن الأنثروبولوجيا المرئية تكون نظرة مهمة جداً لهذه الدراسة.

أهمية الأنثروبولوجيا المرئية شدتني لأني أهتم بإني أنقل دراساتي وبحوثي اللي أنا كنت مشتركة فيها زي مثلاً دراستي عن السبوع ودراسات أخرى إن أنقلها إلى عمل أفلام علشان تدخل في منهجية الأنثروبولوجيا المرئية، فعملت أفلام وعملت منهجية جديدة في الباور بوينت (Power Point) واستغليت المادة المرئية في دراساتي عن الثقافة العربية.

أهم وأبرز أبحاث فدوى الجندي في الأنثروبولوجي

المعلق: بعد نيلها شهادة الدكتوراه انشغلت الدكتورة فدوى الجندي بإعداد الأبحاث الأنثروبولوجية عن شعوب أميركا اللاتينية وعلى مدى اثني عشر عاماً من الدراسات التي اشتملت على الطبيعة الإنسانية وأساليب الحياة وأنماط تطورها اجتماعياً وسياسياً وثقافياً، ومع قيام الثورة الإسلامية في إيران عادت الدكتورة فدوى الجندي إلى المنطقة العربية وضمن منحة دراسية لإعداد دراسات عن الحركات الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط، وقد تعددت موضوعات أبحاثها في هذا المجال حتى صارت مادة مرجعية تُدرَّس في الجامعات وأبحاثاً معتمدة تُوزَّع على أفراد السلك الدبلوماسي والسفارات الأميركية في المنطقة.

د.فدوى الجندي: في وقت ما كنت بأحاضر في الـUSA عن طريقة فهم الثقافات عن الطريقة المرئية والأفلام، أنا كنت مشغولة بمشروع بحث عن النشأة في الثقافة العربية، أنا كنت بأدرس الحركات الإسلامية في مصر قبل كده وبعدين لقيت إني عايزة أسأل نفسي الواحد إزاي بينمو في الثقافة العربية؟ إزاي الواحد بينشأ كمسلم؟ الواحد إزاي..؟ فدا دلنِّي على أول نقطة الفرد بيقابل فيها المجتمع وهذه النقطة هي السبوع فرُحت مصر ودوَّرت على حد يشتغل معايا، لقيت فيه سينمائي تسجيلي اسمه عثمان عثمان يعني مستوى عالي جداً بس ما كانش عنده الخبرة الأنثروبولوجية، عنده خبرة أفلام وعنده خبرة الصحافة المرئية، وعنده خبرة الأفلام التسجيلية، فواجهتني تحدي آخر، كلنا كنا موجودين خلاص، والسبوع موجود، وهنبتدي التصوير لكن اللي هيكون ماسك الكاميرا ما عندوش الفكرة اللي هي في ذهني أنا، ولازم أنا اللي أخرج الفيلم.

أخرج مش بمعنى إنه فيه ممثلين، أخرج بمعنى إني أدير وأوجه نوع التصوير، فدا 3 الصبح، وأنا قاعدة وثاني يوم هنصور، جات لي فكرة إني أبدع، يعني انتهت بأنها إبداع، لكن في الوقت ده فكرة إني أوجه يعني أعرَّف الـCrew بتاعي، الـteam بتاعي، وبالذات الـCamera person، المصور المصري، ما هي الأنثروبولوجيا المرئية أولاً؟ وثانياً ما هو تحليلي لموضوع السبوع؟ لازم أشارك الـCrew اللي هيشتغل معايا في تحليلي علشان نعرف كلنا مع بعض، إزاي هنصور، فجبت ورقة وقلم، وحطيت تحليلي للسبوع، وقسمته إلى الماديات في السبوع، والحركيات في السبوع، والـAbstract اللي هو النظريات في السبوع.. في السبوع، وحللت، ورسمت، وعملت Diagram، ثاني يوم الصبح بدري كلمتهم في التليفون، وقلت لهم تيجوا حالاً، ونتقابل نعمل مقابلة مهمة جداً emergency، إن إحنا نتكلم في هذه المنهجية، وشاركت عملنا.. تقابلنا، وعملنا مناقشة، وشاركت معاهم، أشركتهم في تحليلي، وريت لهم التحليل، ووريت لهم إنني أنا إزاي بأقسمه إلى مرئيات وحركيات ونظريات، وإن الفيلم لازم يدخله كل هذه وجهات النظر، وبعد ما عملت الفيلم نجح نجاح باهر، ومفاجئ لي، بالنسبة لي، وكان فيه مهرجانات كثير، لكن كان فيه مهرجان في صقلية، في إيطاليا، وأعطوني الجايزة (البرينوبرينيو)، اللي هو الجايزة الأولى على أحسن فيلم أنثروبولوجي عن الثقافة العربية.

التحديات التي واجهتها في المهجر وحنينها إلى الوطن

المعلق: مهما ابتعد الإنسان عن أرضه، ومهما أثر فيه التطبُّع، فإنه في حقيقة فطرته يبقى ابن الأرض التي وُلِدَ عليها، وعليها كانت نشأته الأولى، وبعد حين من الاغتراب يستيقظ في داخله حنين العودة لفطرته وتراثه الذي تربى عليه، وعلى ما يبدو أن للميثيلوجيا حصة تبقى كجزء لا يتجزأ من عقيدة الإنسان الحياتية، مهما توسعت مداركه ودرجاته العلمية، ومهما طال به البُعد لابد له من عودة، إن لم يكن بدافع الحنين، فإن دافع فهم الذات لا يكتمل، إلا لفهم مراحلها بدءاً من البداية والمنبت

د.فدوى الجندي: عارف دايماً الناس تسألني أيه التحديات اللي واجتيها لما رحتي أميركا كامرأة مسلمة، عربية؟ وبيجي في بالي إزاي أنا انطباعي لما وصلت أميركا، أميركا بلد الرخاء، وبلد الحرية، وبلد الفرص، وفعلاً كل ده موجود، والبلد اللي بتعطي للمرأة فرص كبيرة، ولازم البلاد التانية كلها تبص لأميركا كنموذج، اللي أنا اكتشفته حاجة غريبة جداً، أنا اكتشفت إن المرأة في أميركا مضطهدة، يعني على.. يعني هأدي لك مثل واحد، لما كنا في الجامعة، الإدارة في القسم بتاعنا، بتطلب إنه إحنا نعمل جدول للكورسات اللي هندرسها السنة اللي بعديها، فلازم نفكر في التيرم ده هندرِّس كده، وفي التيرم ده هندِّرس كده، فأنا قعدت وكتبت إني عايزة كذا في التيرم الأولاني، وكذا في التيرم الأخير، وعايزة شهرين من غير تدريس، فناداني رئيس القسم، قال لي: ليه يا ستي يعني مش عايزة تدرسي في نص المدة؟ قلت له: علشان في الوقت ده هأخلف، حصل أزمة عند الراجل، نفس جسمه، يعني يظهر عليه إنه صُعِق إني هأخلف، فبيقول لي أيه ده؟ ما تقوليش لحد، فأنا استغربت طبعاً إحنا في مجتمع أميركي، لازم أبين له إني أنا هأخلف من جوزي فقلت له: لأ.. يعني أيه المشكلة؟ دا ما فيش أشكال يعني نوعي هنا، وبعدين فكرت قلت يا خبر، هو ما يعرفش إني أنا عندي بنت، ودا تاني خلفة لي، فأنا قلت له ليه؟ قال لي: علشان لغاية دلوقتي إحنا نظرتنا لك إن أنت ممتازة، دا معناه أيه؟

معناه إن المرأة العاملة اللي داخلة في المهن الأكاديمية لو أنجبت معناه إنها أنثى، وفيه صراع في المجتمع الأميركي ما بين إنه الواحد يكون أنثى، وإنه بيشتغل، دي حاجة ما انتظرتهاش، لأني إحنا اللي بنتهم هناك إن عندنا المشكلة دي، وفعلاً ما عندناش المشكلة دي، لأن رئيسة الإدارة في الراديو وفي التليفزيون، إذاعة والتليفزيون، وعندي رئيستي في أميركا كانت أنثى، فما فيش هذا الصراع ما بين المرأة كأنثى، والمرأة كمهنة رسمية في الجامعة، شوف مثلاً أنا كنت يعني تعايُشي هنا، حاولت أعمل أيه؟

أنا بأربي أولادي، وأنا وزوجي عندنا مهنة أكاديمية إحنا الاثنين دكاترة في الجامعة، فحاولنا نجمع ما بين مهنتنا والعائلة، كل يوم حد، جوزي يعمل Pan Cakes، كان هو يجيب معاه الأكلة الأميركاني والعادات اللي هو جابها من أهله، لأنه هو بيعمل هو بنفسه يعمل الـPan Cakes، ونعمل قهوة أميركاني، وطبعاً دايماً عصير برتقال، وإحنا ناكل هذه الأكلة، والأولاد كانوا بيتشوقوا، يستنوا يوم الحد علشان Pan Cakes أما يوم السبت، يعني دا weekend بتاعنا، إحنا أجازتنا السبت والحد، يوم السبت أنا أعمل الفول، وأقدم لهم الفلافل، وأقدم لهم الزيتون، والمخلل والطرشي، وما أدراك؟ والعيش البلدي، بالعيش البلدي، مش الخبز، العيش البلدي المصري القمح، فكانوا بيتمتعوا، وأخدوا بقى هم ينتظروا السبت عشان الأكل العربي، والحد عشان الأكل الأميركي، وبالطريقة دي جمعنا بين الاثنين من غير ما نخلي هوية تطغي على هوية.

المعلق: ليس كل الفيء فيء، ولا كل الأشجار شجر ففي حيِّنا شجر، يدلنا نحو البيوت حين يزوغ منا البصر، وفي البيوت أشجارٌ نربيها لندل بها العصافير إلى الشرفات، وعلى الشرفات شجيرات نغرسها، لتذكرنا بالأمهات، وهن يسقين الريحان، ويقطفن أوراق النعناع، غير أن في النفس أشجاراً دأبها الحنين لدفء شمس الوطن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة