جزر فوكلاند، رواندا   
الثلاثاء 1429/11/6 هـ - الموافق 4/11/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:19 (مكة المكرمة)، 11:19 (غرينتش)

- جزر فوكلاند، الحكام يأكلون الحصرم والجنود يضرسون
- مهزومون في الحرب مهزومون في السلم
- رواندا، إبادة أدار العالم ظهره لها
- وقت للقتل وقت للتسامح

جزر فوكلاند، الحكام يأكلون الحصرم والجنود يضرسون

غيليرمو دياز

سابيتي

إدغاردو إستيبانو

نوربيرتو سانتوس

أليخاندرو ري

المعلق: الفوكلاند، مجموعة من الجزر القاحلة والعاصفة التي لم يكن قد سمع بها سوى قلة من الناس ناهيك عن أن يعرفوا موقعها، إلا أن هذا الوضع تغير تماما عام 1982 حين خاضت بريطانيا حربا مع الأرجنتين بسبب ملكية هذه الأرض الصغيرة. لم يكن أحد يتصور أن تطلق الدولتان كامل قوتهما العسكرية في معركة للسيطرة على هذه القطعة الصغيرة من الأرض التي تقع في جنوب المحيط الأطلسي على بعد حوالي خمسمائة كم من ساحل الأرجنتين وعلى بعد حوالي 13 ألف كم من المملكة المتحدة. لقد قال كاتب أرجنتيني بارز عن نزاع الفوكلاند إنه أشبه بصراع بين رجلين أصلعين على مشط!

غيليرمو دياز:

أنا ورفاقي نقول دائما إنه كانت ثمة نقطة تحول في حياتنا وإن نقطة التحول كانت المالفيناز.

ميجيل غارسيا:

هذا هو الواقع بالنسبة لجميع المحاربين، سنحيا ونموت والمالفيناز في قلوبنا، لن ننساها أبدا.

المعلق

: لاس مالفيناز هو الاسم الذي تطلقه الأرجنتين على جزر الفوكلاند التي تسيطر عليها بريطانيا منذ عام 1933، والتي يقطنها ثلاثة آلاف من مواطنيه. لا يستعمل الاسم فوكلاند مطلقا في الأرجنتين، أما المالفيناز فلها مدلول مقدس تقريبا ففي كل بلدة يوجد نصب تذكاري للمالفيناز يذكر الناس بمن تعود ملكية الجزر إليهم بقدر ما هو نصب تذكاري للقتلى. لم تغب المالفيناز أبدا عن ضمير الشعب ولا تزال السيادة عليها مسألة إيمان بالنسبة لكل رئيس أرجنتيني يساريا كان أم يمينيا، بعد ربع قرن من الحرب لا تزال الجزر هاجسا ينتابهم.

إدغاردو استيبانو:

المالفيناز ليست أوروبية بل جزء من أميركا اللاتينية وهي جزء من أرضنا، المسألة مسألة دفاع عن كرامتنا وعن سيادة أمتنا على شيء تابع لنا.

المعلق

: في عام 1982 كانت الأرجنتين تواجه أزمة وكانت الاضطرابات المدنية والسياسية قد أدت إلى انقلاب عسكري. قبل ذلك بست سنوات كان الجنرالات الذين استولوا على الحكم قد شنوا حربا على أبناء جلدتهم، كان المجلس العسكري الحاكم قد شن أولا حملة على المعارضين اليساريين إلا أن عمليات التطهير سرعان ما انتشرت حيث عذب ما يصل إلى ثلاثين ألفا أو أنهم قد غيبوا في سياق ما أصبح يعرف بالحرب القذرة، ونظرا إلى أن رئيس المجلس العسكري الحاكم الجنرال ليوبولد غالتيري كان معزولا داخليا وخارجيا فقد ظن أن من شأن استرجاع المالفيناز أن يجعل منه منقذا للأمة.

نوربيرتو سانتوس:

كان غالتيري مستاء من الجماهير التي طالبت حكومته بالرحيل، كان زمام الموقف السياسي قد انفلت ولذلك فقد اصطنعوا حربا على البريطانيين ظنا منهم بأن البريطانيين لن يحاربوا أبدا.

المعلق

: في الثاني من أبريل استولت قوة أرجنتينية ضخمة على المالفيناز وتغلبت على الحامية البحرية البريطانية الصغيرة وتحولت الاحتجاجات في ساحة بلازاديمايو إلى شعور بالابتهاج. كان أليخاندرو راي قد أكمل خدمته العسكرية ووجد لتوه وظيفة وقد كان على رأس عمله عندما سمع بالأنباء.

أليخاندرو ري:

شعرت بالسقم وقلت لنفسي هذا جنون، سيرسلوننا جميعا إلى الجبهة. إلا أن زميلا لي قال لا تقلق فنحن في لابلاتا بعيدون جدا وتدريبنا محدود والطقس مختلف ولذا سيأخذون كتائب من الجنوب.

المعلق

: أقصى جنوب البلاد الذي يتميز ببرودته يضم أفضل الجنود تدريبا وتجهيزا إلا أن الأرجنتين كانت على خلاف مع جارتها تشيلي حول مجموعة أخرى من الجزر ولذا لم تفكر في ترك تلك الحدود بلا دفاعات، وبدلا من ذلك اختار غالتيري إرسال مجندي اللوائين الثالث والعاشر من شمال الأرجنتين ووسطها لاحتلال الجزر، لم يكونوا مدربين أو مجهزين للمحيط الطلسي الجنوبي حيث كان الشتاء يوشك أن يحل. ميجيل غارسيا من سكان كورينس وهي بلدة حارة ومغبرة في شمال الأرجنتين الفقير.

ميجيل غارسيا:

ذهبنا جميعا إلى المالفيناز وكلنا من كوريونتس في الشمال، لم ندرك السبب مطلقا أما جنود البحرية فقد بقوا في البر وكذلك الحال بالنسبة للوحدات التي أتت من الجنوب والتي كانت معتادة على البرد.

نوربيرتو سانتوس: أناس من كورينتوس ونحن، هذا لا يعقل أبدا، عندما وصلنا إلى المالفيناز ورأينا الناس الذين أرسلوهم قلنا إن هذه لا يمكن أن تكون حربا حقيقية.

المعلق

: لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن تلك الحرب كانت حربا حقيقية بالفعل ومع ذلك ورغم القلق والخوف فقد شعر كثير من هؤلاء المجندين الشبان أولا بالاعتزاز من اختيارهم لاحتلال الجزر.

ميجيل غارسيا:

كنا متحفزين وكنا نشعر برغبة في الدفاع عن الوطن بأي ثمن، شعرنا بالفخر لأننا أرسلنا إلى المالفيناز.

إدغار استيبانو: وصلت ليلا، كان الجو ماطرا والطقس باردا، كنت أرتعد في الطائرة أما عندما ترجلت من الطائرة شعرت بالسعادة وشعرت في تلك الليلة أنني في مكان يتمنى كثير من الأرجنتينيين أن يكونوا فيه.

المعلق

: أما بالنسبة للآخرين فقد كانت تجربة غريبة إذ أن المالفيناز ظلت بريطانية على مدى 150 سنة ولذا لم يعتبر سكان الفوكلاند وصول أولئك الجنود تحريرا.

أليخاندرو ري:

عندما وطئت قدماي أرض الجزر شعرت بأنني غريب لأن السكان هناك كانوا مختلفين تماما عني وعن رفاقي، كانت الأرض والمنازل مختلفة وكان كل شيء مختلفا جدا.

المعلق

: وسرعان ما اتضح لأهل البلاد أن الأرجنتينيين الغزاة هم العدو.

غيليرمو دياز:

ظننا أن الإنجليز لن يأتوا إلى الجزر لأن جنرالاتنا قالوا إن ذلك مستحيل بسبب بعد المسافة، هذا هو ما قاله جنرالاتنا لنا، كنا مجرد جنود وقد صدقنا ما قالوه.

المعلق

: لم يكن الجنود يتصورون في تلك المرحلة أن وجودهم في الجزر سيؤدي إلى مواجهة عسكرية، لم تكن الحكومة البريطانية التي كانت ترأسها مارغريت تاتشر محبوبة على الإطلاق وكانت على وشك خسارة الانتخابات العامة، وكما كان الحال بالنسبة لغالتيري في الأرجنتين فقد أصبحت استعادة الجزر مسألة بقاء سياسي للحكومة البريطانية. فشلت جميع الوساطات بينما كان الأسطول البريطاني يشق طريقه جنوبا بلا هوادة، وفي الأول من مايو وصلت السفن الحربية قرب سواحل الجزر، لقد أخطأ المجلس العسكري الحاكم في الأرجنتين في حساباته لكن المجندين في أرض المعركة هم الذين دفعوا الثمن.

نوربيرتو سانتوس:

كنا نستمع لإذاعة الأرجنتين فأدركنا أننا قد خدعنا، لقد واصلوا القول إن البريطانيين لن يأتوا أبدا بينما كنا نسمع سقوط القذائف.

المعلق

: سرعان ما جعلت القوة البريطانية موطئ قدم راسخ لها في الجزر، وراحت تقوض مقاومة المواقع الأرجنتينية استعدادا لوصول سفن الجنود البطيئة وعمليات الإنزال المحتومة.

إدغاردو استيبانو:

لو استمعت لجنرالاتنا لظننت أننا كنا منتصرين، لكننا شاهدنا وصول الطائرات وعندما استمعنا لمحطات الإذاعة عرفنا أن الحقيقة كانت أول ضحايا الحرب.

المعلق

: توقع الجنرالات هجوما مباشرا على بورت ستانلي فركزوا قواتهم حول العاصمة تاركين مواقع الإنزال المحتملة الأخرى ضعيفة الدفاعات، وقد أرسلت وحدة ميجيل غارسيا لحراسة سان كارلوس في الساحل الغربي.

ميجيل غارسيا:

تمركزنا في مواقعنا في سان كارلوس مساء اليوم العشرين من مايو/ أيار وفي صباح اليوم التالي شرعوا في قصفنا.

المعلق

: ودون علم من ميجيل ورفاقه كانت تلك بداية الإنزال البريطاني، وقد كانت وحدتهم الصغيرة تواجه طليعة الجيش البريطاني.

ميجيل غارسيا:

نزلوا إلى سان كارلوس فجر 11 من مايو/ أيار، وقد التحمنا في قتال مع العدو لكننا هزمنا، لقد أصبت برصاصة لا تزال في عظم فخذي، حدث هذا كله في الخامسة صباحا حين استسلمنا بعدما تعذر علينا الصمود فأسرنا.

المعلق

: رغم أن عدد الجنود البريطانيين كان أقل من نصف عدد الأرجنتينيين الـ 12 ألفا، فقد كانوا مدربين تدريبا حسنا بينما كان المجندون يعانون من البرد والجوع وقد بدؤوا لتوهم في إدراك الحقائق القاسية للحرب.

غيليرمو دياز:

كانت البداية شعورا بالاعتزاز، كان أمرا شاعريا أن نقول إننا نفدي بلادنا بأرواحنا أما عندما دارت الحرب فقد أدركنا أننا كنا نصارع من أجل الحفاظ على حياتنا نحن.

المعلق

: زحف البريطانيون ليلا مستفيدين من تدريبهم وعتادهم المتفوق وفي سلسلة من المعارك استولوا على التلال المطلة على ستانلي وقد كانت وحدة غيليرمو تحرس مداخل العاصمة.

غيليرمو دياز:

من الغروب إلى الشروق كان ثمة قصف مستمر من الأساطيل الإنجليزية أما نهارا فقد كان القصف جويا، لا أتحدث عن قصف يبعد خمسة كيلومترات بل عن قذائف كانت تسقط على مسافة خمسين أو ثلاثين أو عشرين مترا منا، لقد ذعرت كثيرا، لم أكن أعرف معنى موجة الضغط الشديد إنها أشبه بيد خفية تحطم كل ما هو قريب منها، لقد رأيت رفاقا لي وقد قتلوا بفعل موجات الضغط الشديد، كان أحدهم رفيقي فاليوس الذي لم يكن قد مر على التحاقه بالجيش سوى شهر.

المعلق

: في 12 يونيو/ حزيران علق نوربيرتو وسط قصف مدفعي كثيف.

نوربيرتو سانتوس: أصابتني قنبلتان وقد أدركت أنني فقدت ساعدي الأيسر عندما رأيته يتدلى بينما التصق جزء من فخذي ببطني، حاولت أن أستعيد قواي فأعدت أمعائي إلى جوفي باستعمال حزامي وحاولت أن أضمد ساعدي لكنني كنت غارقا في الدماء وهكذا كان الوضع صعبا وقد ظن رفيقي أنني لن أبقى على قيد الحياة فأطلق النار على صدري.

المعلق

: بينما كان البريطانيون يطبقون على الأرجنتينيين أمر غالتيري جنوده بالزحف على البريطانيين لكنه حتى عندما كان يتحدث من البر الأرجنتيني كان بعض الضباط المسؤولين قد بدؤوا في الفرار.

أليخاندرو ري: عندما واجهوا عدوا حقيقيا فروا كالفئران أما الضباط الجسورون الذين قاتلوا حقا فيعدون على أصابع اليد، لقد كان الضباط الفخورون فعلا بانتمائهم للجيش ثلة قليلة.

المعلق

: أما من تبقى من أفراد الجيش فقد حذوا حذو الضباط الهاربين في تقهقرهم نحو بورت ستانلي.

أليخاندرو ري: نظرت ورائي فرأيت فلول الكتيبة رجالا دمرتهم الحرب، إنه مشهد يرثى له ولن أنساه أبدا، لحظة إذ جلست وقمت بتفكيك سلاحي وتركته على الأرض وقلت هذه الحرب انتهت بالنسبة لي.

غيليرمو دياز: شعرنا بارتياح كبير لكننا شعرنا أيضا بالحزن لأننا عرفنا أننا فشلنا، معظم الناس لا يحبون الخسارة وأنا أيضا لا أحبها وقد عرفت أننا خسرنا.

المعلق

: على الرغم من أن كثيرا من المجندين كانوا يفتقرون إلى الخبرة وكانوا يعيشون ظروفا بائسة فقد صمدوا عدة أسابيع وقاتلوا ببسالة ضد جيش أفضل منهم تدريبا وتجهيزا وقيادة، ولعل أقسى ما يشعر به الكثيرون هو أنهم استغلوا من قبل من أرسلوهم للحرب.

غيليرمو دياز: لم يغبر غالتيري وجنرالاته أحذيتهم بتراب المعركة، لقد أداروا الحرب من وراء منضدة في مكان آمن في البر الأرجنتيني لذا فقد شعرنا جميعا بأننا خذلنا.



مهزومون في الحرب مهزومون في السلم

المعلق

: لم يكن العسكريون الأشخاص الوحيدون الذين أداروا ظهورهم للمجندين المهزومين، فقد استسلم 12700 أرجنتيني لقوة بريطانية لا يتجاوز عدد أفرادها خمسة آلاف وقد رأى البعض في ذلك إهانة.

إدغاردو استيبانو: استغلت الحكومة الجزر لتحويل اهتمام الجمهور ولكي تحتفظ بالسلطة، بعد الهزيمة لم يكن المجتمع يرغب في أن يعرف ذلك، نسي الجميع باستثنائنا أن البلاد خاضت حربا.

المعلق

: لقد انتهت الحرب، أما بالنسبة لكثير من هؤلاء المجندين الشبان فإن محنتهم لم تنته بعد. كلفت الحرب 258 قتيلا بريطانيا و649 أرجنتينيا وأبقت علم بريطانيا مرفرفا على بورت ستانلي. حرص البريطانيون على إعادة المجندين المهزومين مع الجرحى إلى سفينة نقل الجنود البريطانية كانفيرا إلى البر الأرجنتيني، ومما أدهش الكثيرين أنهم وجدوا أن عدوهم عاملهم بأفضل من معاملة ضباطهم لهم.

ميجيل غارسيا: أود أن أؤكد التجربة الإنسانية التي مررت بها عندما أسرت، لقد عوملت معاملة طيبة وقد كتب إلي الناس من إنجلترا عندما رأوا صورتي في صحفهم وعبروا عن تعاطفهم الشديد معي ومع أسرتي.

إدغاردو استيبانو: أتذكر أننا عدنا على ظهر السفينة كانفيرا التي كان الأرجنتينيون قالوا إنهم أغرقوها، كانت سفينة مخيفة لنا، لم تكن قد أغرقت وقصة غرقها كانت إحدى أكاذيبهم.

المعلق

: استقبلهم العسكريون أنفسهم في المرفأ.

أليخاندرو ري: ظننا أننا كنا عائدين إلى بيوتنا لكننا أخذنا إلى القاعدة العسكرية لكي يغسلوا أدمغتنا.

المعلق

: نحي غالتيري عن السلطة بعد أربعة أيام من الاستسلام وحل محله جنرال آخر، لم يهتم نظام الحكم بالمجندين الشبان، كان همه أن يحافظ على نفسه وظنوا أن إسكات الرجال العائدين سيمحوا ذكر الهزيمة.

إدغاردو استيبانو:

عندما كنا في الثكنات جعلونا نوقع على موافقة بالامتناع عن الحديث وهكذا شعرنا بإجهاد شديد لأن المجتمع فرض علينا صمتا فوق الصمت الذي كان في قلوبنا أصلا.

أليخاندرو ري: بعد ثلاثة أيام في القاعدة نقلنا بالحافلات إلى مدننا وبلداتنا ليلا، دخلنا بيوتنا من الأبواب الخلفية وطلب منا مرة أخرى أن لا نتحدث عن الحرب مطلقا.

المعلق

: رغم المعاملة التي لقيها من الحكومة ظن البعض أنهم سيستقبلون كأبطال بعد كل ما عانوه.

إدغاردو استيبانو:

ظننت أن شارعنا سيغلق لاستقبالي كبطل في حفل كبير ترفع فيه لافتة تقول "مرحبا بك يا بطل الحرب إدغاردو" وأقسم أنني توقعت ذلك لأنني بحاجة إليه، لكنني عندما وصلت وجدت كلبا ينبح وضوءا ورأيت والدتي.

نوربيرتو سانتوس:

أعتقد أن الجزء الأهم ليس الحرب ذاتها بل المرحلة اللاحقة لها، إنها الجزء الأصعب ففي الحرب كنا سواسية أما بعدها فقد عزلنا المجتمع نفسه.

المعلق

: كانت الأرجنتين في حالة غليان إذ لم يحل أي من المشاكل التي أدت إلى الغزو، وبعد سنة ونصف جرت الانتخابات التي كان غالتيري قد وعد بها وقد أزيح العسكريون عن السلطة، لقد احتفلت الأمة لكن لم يتغير شيء يذكر بالنسبة للمحاربين.

نوربيرتو سانتوس: عندما جاءت الحكومة الديمقراطية واصلت إخفاءنا، وكانت المالفيناز كلمة ممنوعة ولم يسمح لنا بالحديث عنها، لعل ذلك كان آلية دفاعية كأن يكون في أسرة ابن مدمن على المخدرات تحجبه عن المجتمع لكي لا يلطخ سمعتها.

المعلق

: كانت الوظائف نادرة لكن المحاربين واجهوا عقبة أخرى.

نوربيرتو سانتوس: كان ينظر إلى المحاربين دوما بعين الريبة، فعندما ذهبت إلى دار البلدية لأحصل على عمل باعتباري جنديا سابقا قوبلت بالرفض لذا غيرت بطاقة هويتي لكي لا يعلقوا بشيء على خدمتي العسكرية، قلت لهم إن ذراعي بترت في حادث دراجة نارية فحصلت على وظيفة.

المعلق

: لم يستطع كثيرون تحمل رفضهم من الحكومة وتجاهل المجتمع لهم.

أليخاندرو ري: أصبت بانهيار عصبي خطير بعد عودتي بأربع سنوات وتلقيت علاجا نفسانيا على مدى سنتين حيث كنت أشعر باكتئاب شديد.

المعلق

: بالنسبة للبعض فقد أنقذهم دعم أسرهم لهم أما بالنسبة للبعض الاخر فلم يتحملوا ألم الحرب ورفضهم من قبل البلد الذي حاربوا من أجله.

لم يحدث في الأرجنتين ما حدث في الولايات المتحدة عندما كان العائدون من حرب فيتنام يعتلون أسطح المباني ويطلقون النار على الناس

أليخاندرو ري: لم يحدث في الأرجنتين ما حدث في الولايات المتحدة عندما كان العائدون من حرب فييتنام يعتلون أسطح المباني ويطلقون النار على الناس، فقد تحرج محاربونا من القول إنهم حاربوا في المالفيناز لأن مجتمعنا رفضهم سنوات كثيرة لذا فقد قتلوا أنفسهم بصمت.

المعلق

: كان إدواردو باز مدفعيا يدافع عن مداخل ستانلي عندما وصل إلى الجزر مع أسطول الغزو الأرجنتيني، في الثاني من أبريل نيسان بعث بطاقة بريدية لأمه مرغريتا اختتمها بعبارته المعهودة "لا تقلقي فأنا بخير" إلا أنه عاد ابنا مختلفا جدا من المالفيناز.

مارغريتا/ والدة إدواردو باز:

عندما عاد من الحرب كان هادئا حقا ولم يقل شيئا، كان ذاهلا وكان يرى أحلاما مزعجة في الليل، كان يجلس في سريره، كنت أمسك به وأطمئنه إلى أنه بخير في البيت مع أمه فيعود إلى النوم، لقد بقي على تلك الحال أمدا طويلا.

المعلق

: في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1999 تسلق إدواردو إلى أعلى النصب التذكاري على حافة نهر بارانا الذي يرمز إلى استقلال الأرجنتين عن إسبانيا.

مارغريتا: صعد إلى النصب ثم قفز، لم يترك رسالة أو أي شيء على الإطلاق، فعل ذلك لكي لا يلاحظ أحد أنه كان بصدد الانتحار، لم يكن ثمة ما يدل على رغبته في الحياة، أعتقد أنه اختار مكانا يكون بلاغا للجميع بعدم اهتمام الناس وبلاغا للسلطات لأنها لم تفعل شيئا، لقد فعل ذلك من أجل رفاقه.

المعلق

: قتل أقل من 250 جنديا أرجنتينيا في الجزر ومن ثم انتحر ما يصل إلى أربعمائة، ويصعب تحديد عدد من ماتوا ضحية للإدمان على شرب الكحول أو تعاطي المخدرات أو نتيجة الفقر.

نوربيرتو سانتوس: عدد حالات الانتحار يفوق الآن عدد قتلى الحرب والدافع فقدانهم مبرر الاستمرار في الحياة وأعتقد أن السلطات أنشأت مراكز للمحاربين بسبب ذلك.

المعلق

: كل أسبوع وفي جميع أنحاء الأرجنتين يلتقون لتذكر حرب وقعت قبل أكثر من ربع قرن، صور القتلى معلقة على الحائط، شبان توقف بهم الزمن، لكن كثيرين ممن بقوا على قيد الحياة لا يزالون أسرى للماضي.

إدغاردو استيبانو: تحدثت إلى من عادوا من الحرب إلى بريطانيا وأميركا وفرنسا فلاحظت أن لدينا جميعا شعورا عميقا بالموت ينبع من خوضنا للحرب.

المعلق

: عندما انتهت الحرب أبدت بريطانيا استعدادها لنقل جثث القتلى الأرجنتينيين لكن الحكومة رفضت، لقد كانت تعلم أنها بتركها للجثث هناك فإنها ستضمن أن يبقى ركن من المالفيناز تابعا للأرجنتين إلى الأبد. عاد غيليرمو إلى الجزر في العام الماضي لزيارة من سقط من رفاقهم.

غيليرمو دياز:

كنت قد آليت على نفسي أن أعود إلى المقبرة لتوديع رفيقي ماليوس لأنني لم أتمكن من توديعه عندما سقط في المعركة، ذهبت إلى المقبرة فحدث شيء حطمني وهو أن قبر صديقي لم يكن معلما، كان ثمة قبور كثيرة معلمة بالاسم الأول أو الثاني أما قبر صديقي فلم يكن. وضعت أزهارا على ضريح كتبت عليه عبارة "إلى الجنود المجهولين الذين لا يعلمهم إلا الله". يصعب علي أن أبين الإحساس الغريب الذي شعرت به لكنه كان شعورا بالارتياح والطمأنينة أكبر من أي شيء آخر، لقد فعلت ما جئت من أجله.

المعلق

: بالنسبة للآخرين فالرحلة لا نهاية لها، لقد عاد نوربيرتو إلى الجزر في العام الماضي وأخذ ترابا ورملا يعبئه في زجاجات ويرسله إلى رفاقه الذين تعذر عليهم السفر، إنه يعتزم العودة في أقرب وقت ممكن. لقد ألف إدغاردو كتابا بعنوان "مستنير بالنار يحكي قصة الحرب" وقد أنتجت فيلما.

إدغاردو استيبانو: المهم هو كيف يتحكم المرء في أشباحه، أقول دائما إنني لم أتخلص من تلك الأشباح لكنني أحاول التعايش معها من مسافة ما لكي لا تؤذيني وأعتقد أنني تمكنت من ذلك.

المعلق

: في عام 2004 زادت الحكومة بنسبة كبيرة معاشات التقاعد للمحاربين السابقين، وكانت تلك أول خطوة تعترف بمعاناتهم لكن الزيادة كانت ضئيلة ومتأخرة. ميجيل هو أحد أفراد مجموعة رفعت دعوى على المؤسسة العسكرية بسبب ما عانوه في الحرب.

أليخاندرو ري: الناس يقولون إننا ذهبنا في نزهة وأن لدينا معاشي تقاعد. لا يمكن لهؤلاء العيش 74 يوما في درجة حرارة 20 تحت الصفر وتحت وابل نيران العدو.

المعلق

: يقوم النصب التذكاري للمالفيناز في قلب العاصمة الأرجنتينية كمذكر دائم بالهزيمة والخسارة. عندما تغيب الشمس كل يوم يتذكر الناس القتلى. يصعب على من بقوا على قيد الحياة أن يقتنعوا بأن الفصل الأخير من تاريخ الجزر قد كتب.

إدغاردو استيبانو: بعد كل ما مررنا به وبعد رحيل من قضى وبعد تجاهل من نسوا وبعد انتحار من قتلوا أنفسهم لا نزال نحلم بأن الجزر ستعود إلينا يوما ما.



رواندا، إبادة أدار العالم ظهره لها

المعلق

: قبل سنة 1994 كانت قلة من الناس خارج المنطقة تسمع بهذا البلد الصغير ذي الطابع الجبلي والواقع في قلب أفريقيا، واليوم أصبحت كلمة رواندا مرادفا لكلمة إبادة بفعل تركة خلفتها مائة من الأيام الدامية قتل فيها ثمانمائة ألف شخص رجالا ونساء وأطفالا بأيدي أبناء وطنهم. يتذكر العالم مجازر رواندا لكن سنة 1994 كانت الحلقة الأشد سوادا في تلك الحرب الأهلية المريرة التي بدأت قبل عقود من ذلك التاريخ وتستمر اليوم في جيوب معزولة على طول الحدود الرواندية. كانت حربا لا تميز بين الجنود والمدنيين، قدماء العسكريين الروانديين كانوا ذات يوم مزارعين وتلميذات وطلبة أو رجال أعمال وممرضات، دفعوا دفعا إلى حرب لم ينتصر فيها أي أحد.

سابيتي: بالرغم من أنها كانت نصرا فإنه كان نصرا مريرا قتل فيه أبرياء كثيرون. في الواقع لم نكن نتوقع ذلك بل توقعنا أن يلتئم شملنا بأخواننا وأصدقائنا الذين اختفوا عنا عدة سنوات لكن لسوء الحظ لقي أغلبهم حتفه.

المعلق

: قلة فقط من الروانديين لم تمسسها تلك الحرب التي جندت أغلبية السكان من الهوتو ضد الأقلية من التوتسي، يقول التاريخ إن قبيلتين سكنتا رواندا، الهوتو وكانوا مزارعين يكدحون في الأرض يستخرجون منها معاشا متواضعا، والتوتسي وهم قبيلة أقل عددا من الرعاة تمكنوا من السيطرة على الأغلبية من الهوتو بفضل الأموال التي كانت تدرها عليهم تربية قطعان الأبقار. الزواج المختلط بين القبيلتين وتعاقب القرون شكلا ثقافة ودينا ولغة مشتركة طمست على تلك الانقسامات العرقية القومية، لكن بدلا من أن تكون القبيلتان متمايزتين أصبح ينظر إلى التوتسي على أنهم الحكام والهوتو على أنهم المحكومون. لكن بلجيكا التي سيطرت على رواندا أغلب القرن العشرين كانت تنظر إلى التوتسي والهوتو على أنهما قبيلتان متمايزتان واستحدثت بطاقات هوية أعادت تقسيم الروانديين تبعا لانتمائهم القبلي، وعندما انتهى الحكم البلجيكي سنة 1962 وسيطرت الأغلبية من الهوتو على السلطة تمت المحافظة على بطاقات الهوية وشُرع في ممارسة التمييز ضد من كانوا يعرفون بأنهم التوتسي، وأصبح التحريض على التوتسي أداة فجة لكن فعالة، دفع 160 ألف شخص إلى مغادرة البلد خلال أعمال العنف التي شهدتها رواندا بعد الاستقلال.

جانفيي:

كانوا يفصلوننا عن الهوتو في الفصل وذلك منذ التحاقي بالمدرسة الابتدائية، كان المعلمون يأمروننا بالوقوف ثم يقسموننا إلى مجموعتين، الهوتو في جانب وفي الجانب الآخر التوتسي.

المعلق

: كانت قائمة الوظائف التي يستطيع التوتسي شغلها محدودة وضيقة، كانوا محرومين من التعليم العالي وممارسة السياسة ونشأ جيل من التوتسي المنفيين كمواطنين من الدرجة الثانية.

سابيتي:

أن تكون لاجئا وتكبر خارج بلدك أمر بالغ القسوة ليس من الجانب التربوي فحسب بل كذلك من جهة تأثيره على قدراتك المهنية.

المعلق

: ولعدم قدرة المنفيين التوتسي على العيش في الغربة وعدم قدرتهم كذلك على العودة إلى رواندا فإنهم شكلوا الجبهة الرواندية الوطنية وجناحها العسكري بهدف قلب نظام حكم الهوتو برئاسة غريغوار هابياريمانا، وفي الفاتح من أكتوبر من سنة 1990 عبرت الجبهة الرواندية داخل التراب الرواندي.

سابيتي:

كان الأمر مخيفا حقا لكنكم تعلمون أننا لم نكن نفعل ذلك عبثا أو من أجل المال، كنا نقاتل من أجل حريتنا، من أجل بلادنا ومن أجل حقوقنا.

المعلق

: فوجئ الجيش الرواندي بالتقدم السريع لقوات الجبهة الوطنية الرواندية وكان تدخل فرنسا التي خلفت بلجيكا كراعية لنظام الهوتو هو وحده الذي أوقف تقدم مقاتلي الجبهة نحو العاصمة كيغالي، وكان رد فعل نظام الرئيس هابياريمانا كردود أفعال الحكومات السابقة عندما واجهتها أخطار من خارج رواندا لكن الحكومة استخدمت سلاحا جديدا هو أنتيرهاوموي وهي مليشيا من شبان الهوتو ضد السكان المدنيين.

مشارك: قالوا لنا إنه يجب قتل كافة التوتسي بحيث يتيقن الغزاة بأننا قضينا على أصدقائهم وأقاربهم بحيث نحرمهم من أي مبرر للعودة إلى رواندا.

المعلق

: كان جانفيي تلميذا في كيغالي عندما وقع هجوم الجبهة الرواندية الوطنية سنة 1990.

جانفيي: أذكر أنني كنت أعود إلى البيت في العطل فأجد الناس وقد تملهكهم الخوف، قال بعض جيراننا إن هناك من كان يريد قتلهم حينها شرعنا نقضي الليل مختبئين في الجبال والغابات.

المعلق

: دفع الخوف شبانا من التوتسي في رواندا إلى الانخراط في صفوف الجبهة الرواندية الوطنية، الكثير منهم كانوا أكبر سنا بقليل من الصبيان مثل جانفيي الذي آثر إنفاق مصاريف الدراسة على رحلة محفوفة بالمخاطر شمالا عندما تعرضت عائلته للتهديد.

جانفيي: لم يكن من السهل علي مغادرة أسرتي لكنني شعرت بأن تلك هي الطريقة الوحيدة لإنقاذهم، غادرتهم سرا، تخيلت أنني سأعود سريعا لإنقاذهم بحد السلاح، وبأننا سنعيش بسلام.

المعلق

: كان الواجب الوطني واضحا بالطريقة نفسها في أذهان شبان الهوتو، فعندما أنهى ثيونست دراسته التحق فورا بالجيش الوطني الرواندي.

ثيونست: في سنة 1990 كانت الحرب مشتعلة في رواندا وككل الشبان أجبت النداء فانضممت إلى الجيش لمحاربة العدو، قالوا لنا إن العدو هاجم بلدنا وأن اسم ذلك العدو هو صرصور.

المعلق

: بين سنتي 1990 و1992 تم خوض حرب لم تحسم في غابات رواندا، كان الجيش الوطني الرواندي غير راغب في ترك المجال لمن كان يعتبرهم غزاة أجانب، أما الجبهة الروادية فلم تستطع الانسحاب بعد مغادرتها أوغندا.

سابيتي: عندما تفقد صديقا يتملكك شعور أليم،لكن ماذا بوسعك أن تفعل؟ لا يمكنك التراجع ولا الانسحاب بل على العكس يزودك ذلك بالمزيد من الشجاعة، نحن قوم لدينا مهمة فإذا قتل واحد منا ماذا أفعل؟ علينا الاستمرار وإنجاز تلك المهمة.

المعلق

: سنة 1993 شهدت مدينة أوروشا التنزانية التوقيع على اتفاق لتقاسم السلطة، ووفق اتفاق رعته الأمم المتحدة عين سياسيون من الجبهة الرواندية الوطنية في مناصب مهمة في الحكومة، وسمح بدخول قوة من ستمائة جندي من الجبهة الرواندية الوطنية بالدخول إلى كيغالي.

جانفيي: كنت واحدا من أولئك المحظوظين الذين اختيروا للعودة لحماية قادتنا في كيغالي، آنذاك تمكنت من الالتقاء بعائلتي، كانوا أحياء وظننت أن الحرب انتهت.

المعلق

: لكن اتفاق أوروشا بدأ يتهاوى بمجرد التوصل إليه، وكانت عناصر في حكومة الرئيس هابياريمانا غير راضية عن نظام تقاسم السلطة وأنشأت إذاعة (آر.تي.إل.إم) التي بدأت تنفث رسائل الحقد العرقي بأسلوب ماكر وخطير.

جانفيي: بدأت الأمور تسوء عندما كنا في البرلمان، كانت مليشيا أنتيرهاوموي تكمن خلف البناية لمن كانوا يأتون لزيارتنا لتطاردهم فيما بعد، كانت المليشيا التابعة للهوتو تقتل الناس أمامنا ولم يكن يسمح لنا بإنقاذهم لأننا كنا مكلفين بحراسة البرلمان حيث كان يقيم قادتنا ولم يكن في وسعنا فعل أي شيء.

المعلق

: ومع تهاوي مسار السلام بدأت الجبهة الرواندية الوطنية تتسلل إلى داخل العاصمة وهذا ما عزز دعاية إذاعة (آر. تي.إل.إم) بأنه لا يمكن الوثوق بأي فرد من التوتسي. في مطلع أبريل من سنة 1994 كان الطرفان الهوتو والتوتسي قد راكما حطب الفتنة على النار ولم تكن تنقص سوى الشرارة. في السادس من أبريل عام 1994 كان الرئيس الرواندي هابايريمانا عائدا من تنزانيا إلى كيغالي عندما أصاب صاروخان الطائرة التي كانت تقله فتحطمت فوق القصر الرئاسي.

جانفيي: كان الوقت مساء وكان الناس يتمشون حول مبنى البرلمان عندما فوجئنا بدوي انفجارين كبيرين، لم نعرف طبيعتهما بالضبط لأننا تعودنا سماع الكثير من طلقات الرصاص وانفجارات القنابل لكن ذلك الانفجار كان أقوى.

المعلق

: كان وقع خبر التحطم فوريا ومدمرا، تولى العقيد باغوسورا وهو ضابط عسكري متقاعد من أنصار الاتجاه الوطني للهوتو، تولى مقاليد الحكومة والجيش وكانت أوامره واضحة.

ثيونست: قيل لنا في الجيش إن الصراصير قتلوا الرئيس وأعطيت لنا الأوامر باستنقاذ البلد من الأعداء.

المعلق

: كان العقيد باغوسورا يفهم إنقاذ البلاد على أنه إطلاق العنان لوحشية مليشيا الهوتو أنتيرهاوموي ضد السكان التوتسي، وبثت رسائل الحقد العرقية عبر إذاعة (آ. تي.إل.إم) التي يسيطر عليها المتعصبون الهوتو، وانطلقت بالفعل حملة قتل التوتسي بعد أن كانت عمليات عشوائية معزولة.

مشارك:

قالوا على الراديو بأن على كل عضو في مليشيا أنتيرهاوموي اقتناء السواطير وقتل كل من يختلف عنه أيديولوجيا أو قبليا سواء أكان امرأة أو رجلا أو حتى طفلا وبأن لا يستثنى منهم أحد.

المعلق

: خلال الساعات التي أعقبت تحطم الطائرة اجتمعت الأمم المتحدة لإدانة الرئيس الرواندي هابياريمانا وعندما وقفت المنظمة الدولية دقيقة صمت احتراما لروحه كان آلاف الروانديين يموتون، الأغلبية منهم من التوتسي إضافة إلى الهوتو الذين عارضوا المجزرة. اغتيلت رئيسة الوزراء آغات أويلينغيامانا وهي من الهوتو على أيدي عناصر من الجيش الرواندي في الصباح الذي تلا يوم اغتيال الرئيس، وأخذ حراسها البلجيكيون من قوات حفظ السلام الأممية كرهائن، قتل الحراس البلجيكيون العزل ومثل بجثثهم، كان لذلك الأثر المرجو فبدل أن تتدخل الأمم المتحدة خفضت تعداد قواتها في رواندا من 2500 إلى 250 فقط، تحركت الحكومات الأجنبية لترحيل رعاياها، تركت مليشيا أنتيرهاوموي وقادتها السياسيون أحرارا.

جانفيي:

بعد أن سمعنا خبر إسقاط طائرة الرئيس هابياريمانا على موجات إذاعة (آر. تي. إل.إم) سمعناهم كذلك يوجهون الناس بأن يقتلوا التوتسي، تفطر قلبي لأن أسرتي كانت في المنزل وتيقنت أنني لن أراها مجددا.

المعلق

: وجد جانفيي وستمائة من زملائه أنفسهم محاصرين في المبنى المكشوف للبرلمان في مواجهة آلاف من القوات الحكومية ومليشيا أنتيرهاوموي.

جانفيي: كانوا يطلقون النار من عدة جهات وكان الرصاص ينطلق من اتجاهات مختلفة فتخندقنا في انتظار الهجوم.

المعلق

: لكن الهجوم النهائي لم يحدث مطلقا فبدل أن تمضي الحكومة وتستخدم تفوقها وتقضي على حامية الجبهة الرواندية سخرت حكومة الوطنيين الهوتو كافة مواردها للقضاء على التوتسي. في السنوات السابقة لتلك الأحداث كان التوتسي يطردون من البلد، لكن الحدود أغلقت وقت المجزرة ونصبت حواجز تفتيش لمنعهم من الهرب ومن حاول الفرار قتل دون أي رحمة. كانت أنجيليك في التاسعة من العمر لكنها لا تزال تذكر أجواء تلك الأيام الأولى.

أنجيليك:

أذكر أن الصمت كان يخيم على المكان، كان الناس مرعوبين لا يتحدثون كانوا يختبئون، كل واحد منا كان يختبئ.

المعلق

: كانت أمها هي آخر ذكرياتها عن حياتها قبل وصول مليشيا أنتيرهاوموي إلى مسكنهم الصغير في أطراف كيغالي.

أنجيليك:

كانت أمي تعد طعام العشاء في المطبخ عندما تناهى إلى سمعنا أصوات أحجار تقذف على سطح مسكننا فبدأ الجميع بالهرب، اختبأت أنا وأخي إلى أن عثر علينا رجل من المليشيا وأخرجنا من هناك، كان البعض أشخاصا نعرفهم، البعض كانوا جيراننا، أخذونا إلى البوابة وشرعوا في ضربنا بالسواطير.

المعلق

: كانت هجمات مشابهة تحدث في بلدات ومدن عبر رواندا، لم تكن مليشيا أنتيرهاوموي وتعدادها بضعة آلاف لا أكثر تصدق أنها تستطيع القضاء على مليون من التوتسي، فتقربت من الهوتو العاديين ووضعتهم أمام خيار واضح جدا، الانضمام إلى حملة الإبادة وتقاسم غنائم التوتسي أو الموت.

أندري: إذا لم تنضم إلى القتلة فإنك عدو أيضا، أذكر أنهم كانوا يبثون هذه العبارة على أمواج (آر.تي. إل.إم).

المعلق

: كان أندريه طالبا جامعيا عندما بدأت الإبادة.

أندري: ظننت أنه لم يكن علي أن أقاتل لأننا لم نكن في منطقة حرب، لكن الحكومة وجهتنا بأن نقتل الجواسيس الأعداء، أمرونا بقطع الحشائش الطويلة حيث كان يختبئ العدو فنفذنا ذلك، لكن أوامرهم لم تكن تعني فعلا قطع الحشائش الحقيقية بل إزهاق أرواح التوتسي.

أنجيليك:

قتلوا كل واحد بالسواطير، بتروا رجلي لكنني عدوت هاربة إلى مسكن جدتي في الهضبة، وجدت أن الجميع قتل هنالك ما عدا ابن عم لي طلب مني أن نبقى هادئين وأن نتظاهر بالنوم حتى لا نقتل. عندما حل الظلام عاد رجال مليشيا أنتيرهاوموي لنهب المسكن، لا أعلم كيف تفطنوا إلى أنني كنت على قيد الحياة، شجوا رأسي بالساطور وبتروا ذارعي وغادروا المكان معتقدين أنني قد مت.

أندري: ما دفعنا إلى أن نمارس القتل بتلك الطريقة هو أننا تلقينا أوامر، قالوا لنا إنه يجب قتل الوليد والعجوز لمجرد أنهم من التوتسي، كان علينا قتلهم جميعا لأنهم جواسيس. لكنني أصبت بالرعب عندما شاهدت الشخص الذي قتلته بيدي هاتين رغم أنه الشخص الوحيد الذي قتلته، شعرت أن دمها يغطيني بالكامل ويتبعني أينما ذهبت إلى درجة أنني لم أعد أتحمل مغادرة مسكني.

المعلق

: لكن عناصر في الجيش الرواندي لا سيما الحرس الرئاسي كانوا مشاركين طواعية في الإبادة بينما شعرت عناصر أخرى بالعجز عن التدخل.

ثيونست:

كنا نصل إلى أماكن كان يقتل فيها الناس لكنني كنت عسكريا خفيض الرتبة، لم يكن يحق لي مطالبة قادتي بوضع السلاح ووقف عمليات القتل لأنهم كانوا سيقتلونني أنا أيضا.

المعلق

: لكن هوس الوطنيين الهوتو بتقتيل التوتسي لم يستطع وقف تقدم الجبهة الرواندية من معسكراتها في الشمال وإجلاء حامياتها المكونة من ستمائة عسكري من العاصمة.

جانفيي: فقدوا تفوقهم لأنهم اختاروا أن يقتلوا المدنيين، سخروا قوتهم لتقتيل الناس معتقدين أن الدور سيكون علينا بعد ذلك لكن ذلك التفكير سمح لنا بالانفلات واحتلال هضاب نياميرابو وجوكوندو والشروع في إنقاذ الناس.

المعلق

: كانت أنجيليك من المحظوظين فقد وصل عمها إليها مع مقاتلي الجبهة الرواندية بعد أن قضت أربعة أيام بين جثث الموتى.

أنجيليك:

عندما رآني انخرط في البكاء، جاؤوا وأخرجوني من هنا، أتذكر تلك اللحظة كل يوم، لا أستطيع نسيانها أبدا.

المعلق

: ورغم تحقيق الجبهة الرواندية الوطنية نجاحات محدودة في وقف المجازر فإنها لم تكن في أغلب الحالات تملك لا الموارد ولا القدرة العسكرية لمنع الإبادة المتصاعدة، وبقي هدفها الأول هو هزيمة الجيش الرواندي. كانت مجموعات من التوتسي تحتمي بالكنائس والمدارس عبر رواندا مثلما وقع خلال هجمات سابقة وكانت الحكومة تشجع ذلك لأنها كانت تعرف أن ذلك يجعلهم أهدافا سهلة لعمليات التقتيل. في نيامالتا جنوب كيغالي تجمع عشرة آلاف من التوتسي في كنيسة كاثوليكية وذلك في 11 أبريل، ثم وصلت الشرطة ومليشيا أنتيرهاوموي.

مشاركة: كسروا الباب أولا ثم بدؤوا في إطلاق الرصاص علينا، يمكنكم رؤية آثار الطلقات في السقف، كانت تتملكهم شهوة القتل، كانوا يقفزون من جسد إلى جسد مسلطين علينا سواطيرهم وكان يبدو أنهم يستمتعون بذلك، أطلقوا النار أولا ثم جاء آخرون وشرعوا في تقطيع الأجساد بالسواطير. في كل مكان يحيط بنا كان أناس يقضون نحبهم، هذا القماش كان ناصع البياض لكنه تضرج بالدم بدم الناس الذين نحبهم، كان الدم يغطي المكان على المقاعد الخشبية وعلى الأرض، وأشعر بالدهشة الآن لأن آثاره ذهبت. شجوا رأسي وبتروا ذراعي اليسرى ورجلي اليمنى، أنا الآن مشلولة لكنني أشكر الله لأنني حية، فقدت كل عائلتي ولم ينج سواي أنا وابنتي.



وقت للقتل وقت للتسامح

المعلق

: قلة فقط من الضحايا في بلدة نياماتا لهم قبور تحمل أسماءهم أما الأغلبية فإن الشيء الوحيد الذي يذكر بهم هو القبو الرطب حيث تتراكم آلاف الجماجم المثقوبة والمهشمة لأشخاص قتلوا بطريقة وحشية. استمرت الإبادة مائة يوم وسدت جثث القتلى الطرقات والأنهار وعندما استولت قوات الجبهة الرواندية الوطنية على مطار كيغالي اتضح أن العاصمة سقطت وأن الحكومة وجيشها ومليشياتها هربوا شرقا نحو الكونغو، وخلق ذلك موجة لجوء وتركت رواندا لقوات الجبهة الرواندية الوطنية المنتصرة. أما المجموعة الدولية التي تكاسلت عن نجدة التوتسي فقد اتخذت خطوات لحماية المدنيين الهوتو الهاربين، أقامت فرنسا منطقة توركواز وهو مثلث في الحدود الشرقية مع الكونغو، وبذلك سمحت لمليشيا أنتيرهاوموي وقادتهم بالهروب. شعر مقاتلو الجبهة الرواندية الوطنية بطعم للنصر مرير بعد عودتهم إلى ديارهم بعد سنوات من الحرب.

سابيتي: كان كثير من الجثث متناثرا وكان الأمر مروعا، ليس ذلك ما أملنا أن نجده عندما نصل إلى كيغالي. تلك الإبادة فاجأتنا، إننا لم نكن ندرك أن في وسع الناس أن تمتلئ قلوبهم بالحقد إلى تلك الدرجة.

المعلق

: كان جانفيي التحق بالجبهة الرواندية الوطنية وهو تلميذ أي منذ أربع سنوات وعاد ليجد أسرته وقد قتلت وبيته وقد هدم.

جانفيي: كان كل من يراني يفر هاربا أما إذا كنت أنا أول من يراهم فإنني كنت أحدثهم بتواضع لأنني كنت أريد فقط معرفة كيفية مقتل والدي ومكان دفنهما، وحتى الآن لا أعرف مكان قبريهما.

المعلق

: أما نيوييتا الذي فقد كلا ذراعيه وأصبح كفيفا جزئيا بفعل انفجار لغم فإن التضحيات كانت تستحق أن تبذل لكي يرى أولاده يكبرون في وطن حر.

نوييتا: كان لدينا سبب وجيه، لم نكن نقاتل عبثا كان مقاتلونا يحاربون بشجاعة مدركين أن ذلك هو السبيل الوحيد للعودة إلى الوطن والتئام الشمل.

المعلق

: لكن الوحدة والتضامن كانا عسيري التحقق في بلد تواطأ فيه مئات الآلاف من المواطنين على قتل مواطنيهم. أشرفت الحكومة الجديدة للجبهة الرواندية الوطنية على سجن 129 ألف شخص لأدوارهم في الإبادة، وأقامت الأمم المتحدة محكمة في أورشا بتنزانيا لمحاسبة مهندسي المجزرة. استمعت المحكمة إلى 21 حالة فقط، بينما استمر النظر في عشرة آلاف قضية أخرى بالمحاكم الرواندية، وسرعان ما اتضح أنه يجب العثور على حل آخر حتى لا يقضي أغلبية المساجين أعمارهم في الحبس. وغاناكتشاشا هو الإجابة عن سؤال رواندا الكبير، عدالة شعبية تتشكل من قضاة محليين يستمعون إلى شهادات ضد المتهمين بالتورط في الإبادة وبهذه الطريقة تمت محاكمة عشرات الآلاف من الأشخاص من سنة 2001، وشجع المتهمين على الاعتراف بخطيئتهم، وبالنسبة للضحايا كان مسار المصالحة عسير التقبل.

أنجيليك: ليس من السهل الصفح، تعتقد أنه يمكنك القيام به بسهولة لكنني أقول، مثلما استغرقوا وقتا لتعلم القتل والتخطيط له فإنني أحتاج وقتا لأتعلم الصفح والعفو.

مشارك: نادم لأنني انخرطت في مليشيا أنتيرهاوموي ومارست القتل طواعية دون تلقي أوامر أو تأثير خارج عن نفسي، واعترفت أمام المحكمة وأخبرتهم عن الضحايا الذين قتلتهم وطلبت العفو.

المعلق

: بالنسبة للمتهمين فإن الإقدام على الاعتراف كان يجلب لهم تساهلا في المحكمة والكثير منهم حكم عليهم بمدد حبس قصيرة عن جرائم القتل التي ارتكبوها وبعد إطلاق سراحهم يقضون مددا أخرى في معسكرات الأشغال، فمثلما تلقوا رسائل الحقد العرقي وأطاعوا الأوامر بممارسة الإبادة فإنهم الآن يذهبون طواعية إلى تلك المعسكرات دون الحاجة إلى شرطة أو حرس، وما كان يسمى مهمتهم أصبح الوحدة الوطنية.

يجب أن يتوقف النزاع في أي مكان على هذه المعمورة، فلا شيء يجعل الحرب أمرا مرغوبا، وعلى المتنازعين أن يتلاقوا لحل مشاكلهم

أندري: يجب أن يتوقف النزاع في أي مكان على هذه المعمورة، فلا شيء يجعل الحرب أمرا مرغوبا وعلى المتنازعين أن يتلاقوا لحل مشاكلهم لأننا رأينا في رواندا ما تجلبه الحرب من أشياء فظيعة.

المعلق

: أما بالنسبة للذين فقدوا أسرهم في الحرب فإنه ليس من اليسير طرح الماضي وراء ظهورهم.

جانفيي:

لا يمكنني نسيان عائلتي، الكثير من الأسباب تجعلني أذكرهم دائما وفي ظروف مختلفة كحفلات الزفاف التي لا يستطيعون حضورها، لا أستطيع نسيان الحرب لأنني فقدت فيها الكثير ممن أحب.

أندري: رأينا ماذا تفعله الحرب برواندا، فإذا قتلت شخصا فإنه يموت لكن القاتل والمقتول سينزفان دما وإذا مزجت بين دماء شخصين فلن تستطيع الفصل بينهما.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة